كلمة موجزة في ترجمة عبد الله بن عمر
﵄
وما أخرج له من الأحاديث
* هو عبد بن الله عمر بن الخطاب بن عبد العزى ينتهي نسبه إلى لؤي بن غالب، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المكي ثم المدني، الإمام القدوة، شيخ الإسلام.
* أسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه لم يحتلم، واستصغر يوم أحد، فأول غزواته الخندق، وهو ممن بايع تحت الشجر. روى علما كثيرًا نافعًا عن النبي - ﷺ - وعن أبيه، وأبي بكر، وعثمان، وعلي، وبلال، وصهيب وزيد بن ثابت، وحفصة أخته وعائشة وغيرهم.
* روى عنه الكثير منهم: أسلم مولى أبيه، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن دينار قال عنه رسول الله - ﷺ -: (إن عبد الله رجل صالح) وكان ابن عمر يتيح أمر رسول الله وآثاره وحاله، ويهتم به، فقد نزل النبي تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصب في أصلها الماء لكيلا تيبس.
* قال الإمام مالك: مكث عبد الله ستين سنة- في المدينة- يفتي الناس.
وعده ابن حزم من المكثرين من الفتيا من الصحابة.
* كان ابن عمر زاهدًا ورعًا، كثير القيام بالليل، والصيام بالنهار، وأعتق أزيد
[ ٤ / ٩ ]
من ألف إنسان توفي بمكة، ودفن بذي طوى، وكان عمره خمسًا وثمانين سنه ﵁ وأرضاه.
* قال ابن الجوزي: (جملة ما روى عن رسول الله - ﷺ - ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، أخرج لنا منها في الصحيحين مائتا حديث وثمانون).
* * *
[ ٤ / ١٠ ]
(٦٢/أ) مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب
﵄
أخرج له في الصحيحين مائتا حديث وثمانون حديثًا.
المتفق عليه منها مائة وثمانية وستون حديثًا.
وانفراد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين.
-١٢٣٥ -
الحديث الأول: من المتفق عليه:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لاعدوى ولا طيرة. وإنما الشؤم في ثلاث: في الفرس، والمرأة، والدار).
وفي رواية: (إن كان الشؤم ففي المرأة، والدار، والفرس) - وفي لفظ: (والمسكن).
وفي رواية للبخاري من حديث عمرو بن دينار، قال: (كان ها هنا رجل اسمه (نواس)، وكان عنده إبل هيم، فذهب ابن عمر فاشترى تلك الإبل من شريك له، فجاء إليه شريكه، فقال: بعنا تلك الإبل. فقال ممن؟ فقال من شيخ كذا وكذا، قال: ويحك! ذاك والله ابن عمر، فجاءه فقال: إن شريكي باعك إبلا هيما ولم يعرفك ولم يعرفك. قال: فاستقها. فلما ذهب ليستاقها، قال:
[ ٤ / ١١ ]
دعها، رضينا بقضاء رسول الله - ﷺ - (لا عدوى)].
* قد سبق الكلام في نفي العدوى والطيرة، وأن الجاهلية كانت تتوهم الفعل للأسباب كما تتوهم نزول المطر بفعل الأنواء، فنفى رسول الله - ﷺ - ذلك بقوله: (لا عدوى).
* (والتطير من الشيء): هو التشاؤم به.
* (والإبل الهيم): التي يصيبها الهيام، وهو داء يكسبها العطش، ولا تروى من الماء.
-١٢٣٦ -
الحديث الثاني:
[عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل)
[ ٤ / ١٢ ]
وفي رواية (إنه إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل)].
* قد كان الغسل واجبًا في أول الإسلام فنسخ بقوله - ﷺ -: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسيل أفضل)، فبقي الغسل مستحبًا
-١٢٣٧ -
الحديث الثالث:
[عن ابن عمر، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - العشاء، في آخر حياته. فلما سلم قام فقال: (أرأيتكم (٦٢/ب) ليلتكم هذه؟ فإن رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد)].
* فيه من الفقه أن الله تعالى أطلع رسوله - ﷺ - على ذلك الغيب.
* وفيه تذكير بقصر الأعمار وقلة البقاء في الدنيا، وأن بيع مدة الآخرة التي لا يبلغ قدرها حد حاد، ولا عد عاد بحيث لو خلق الله تعالى دارًا مثل الدنيا
[ ٤ / ١٣ ]
ألف مرة ملأها خردلًا، ثم خلق طائرًا وقال له: إن رزقك عندي هو هذا الخردل، فمتى نفد فهو آخر عمرك، وكان من حرص ذلك الطائر على البقاء أنه يأكل يوم خردلة، فنفد ذلك الخردل كله، وبقاء الإنسان في دار الخلد لا يفنى، فبيع ذلك بهذه المدة اليسيرة غبن فاحش، ولا سيما لكل من يقول: إني مؤمن بها، مصدق بالمعاد إليها، ثم يظهر عليه من تساهله- في بيع الكثير منها بالقليل من غيرها- ما يذل على كذبه في دعواه، لولا أن الغفلة تذهب بالإنسان كل مذهب، ويضطره إلى تعاهد التذكرة كل الاضطرار.
-١٢٣٨ -
الحديث الرابع:
[عن ابن عمر، قال: قام رجل فقال: يا رسول الله؛ كيف صلاة الليل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة).
وفي رواية لأنس بن سيرين، قال: فقلت لابن عمر: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة أأطيل فيهما القراءة؟ قال: (كان النبي - ﷺ - يصلي من الليل مثنى مثنى ويوتر بركعة من آخر الليل، ويصلي الركعتين فيل صلاة الغداة وكأن الأذان بأذنيه) قال حماد: أي بسرعة.
وفي رواية للبخاري: (أن عبد الله بن عمر كان يسلم من الركعتين في الوتر، حتى يأمر ببعض حاجته).
وفي رواية لنافع، أن النبي - ﷺ -، قال: (اجعلو آخر صلاتكم بالليل وترًا).
[ ٤ / ١٤ ]
وفي رواية للقاسم بن محمد: (فإذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة، توتر لك ما صليت).
قال القاسم: (ورأينا أناسًا منذ أدركنا، يوترون بثلاث، وإن لواسع أرجو ألا يكون بشيء منه بأس).
وفي رواية لمسلم: (من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا فبل الصبح).
وفي رواية: (بادروا الصبح بالوتر).
وفي رواية: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت الصبح يدرك فأوتر بواحدة. فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: تسلم في كل ركعتين)].
* في هذا الحديث جواز الوتر بركعة، وهو مذهب (٦٣/أ) أحمد والشافعي، وهو صريح في الرد على من لا يرى جواز ذلك.
* وفيه أن صلاة الليل مثنى مثنى، وهذا هو الأفضل في النوافل أن تسلم من كل ركعتين.
[ ٤ / ١٥ ]
-١٢٣٩ -
الحديث الخامس:
[عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إن بلالًا يؤذن، بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم).
وفي رواية: (كان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى، لا يؤذن حتى يقول له الناس: أصبحت).
وفي رواية: (كان للنبي - ﷺ - مؤذنان، وأنه قال: (إن بلالًا يؤذن بليل)].
* قد دل هذا الحديث على جواز الأذان للفجر قبل طلوع الفجر.
-١٢٤٠ -
الحديث السادس:
[عن ابن عمر، قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه. ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود).
وفي رواية: (وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك، وقال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد).
[ ٤ / ١٦ ]
وفي رواية للبخاري: (أن ابن عمر كان إذا دخل الصلاة، كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) رفع، وإذا قام إلى الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي - ﷺ -)].
* وقد سبق الكلام في رفع اليدين في مسند مالك بن الحويرث.
-١٢٤١ -
الحديث السابع:
[عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (كلكم راع، ومسؤول عن رعيته، والإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته).
[ ٤ / ١٧ ]
قال فسمعت هؤلاء من النبي - ﷺ -، وأحسب النبي - ﷺ -، قال: (والرجل في مال أبيه راع، وهو مسؤول عن راعيته).
وفي رواية: (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
وفي رواية للبخاري: (ألا فكلكم راع وكلكم مسؤل عن (٦٣/ب) رعيته، الأمير الذي على الناس، والرجل على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته).
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال: (كل مسترعى مسؤول عمن استرعى حتى إن الرجل ليسأل عن زوجته وولده وعبده)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الأمة على شبيه الشجرة، وصلاح كل أصل منها سبب لصلاح من بعده؛ فالإمام راع لجميع الأمة، وهو مسؤول عن رعيته، وهذا السؤال يتناول كل ما يقتضي السؤال عنه من أمر دينه ودنياه،
[ ٤ / ١٨ ]
ومن مفهوم الخطاب ما يدل على أن الرعية مسؤولة عن إمامها عن كل ما يتعلق بهم من أمره من دين ودنيا، والرجل مسؤول عن رعيته من تعليم أهله ما يجب عليهم تعلمه وصونهم عن البذلة، والغيرة على النساء منهم، ومن تربية الأطفال وحفظهم فيما في أيديهم من ماله.
* وقوله: (والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة) عن حفظ زوجها بالغيب، وأن لا تتصدق من ماله إلا بإذنه، فما ظنك بغير ذلك؟!
* وقوله: (والخادم في مال سيده راع) يعني - ﷺ - إن كان في يد هذا الخادم ماشية أحسن القيام عليها، من أن يهبط بها الخصب، ويجنبها الجدب، ويتبع شاذتها، ويهنأ جرباها.
-١٢٤٢ -
الحديث الثامن:
[عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يهل ملبدا: (لبيك اللهم! لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
وفي رواية: كان رسول الله - ﷺ -: يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة، أهل بهؤلاء الكلمات، وكان عبد الله بن عمر يقول: (كان عمر بن الخطاب يهل بهؤلاء بإهلال رسول الله من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم! لبيك وسعديك. والخير في يديك لبيك، والرغباء إليك والعمل).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة، أهل فقال: (لبيك اللهم! لبيك (٦٤/أ) لا شريك لك
[ ٤ / ١٩ ]
لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). وكان عبد الله يقول تلبية رسول الله - ﷺ -.
قال نافع: كان عبد الله يزيد مع هذا: لبيك! لبيك، لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل)].
* قال أبو عبيد: الإهلال هو التلبية، وأصله من رفع الصوت.
وقد سبق ذكر التلبية في مسند ابن عباس، وسبق تفسير (اللهم) في أول مسند أبي بكر الصديق ﵁.
* وقوله: (إن الحمد) قال ثعلب: من كسر (إن) فقد عم، ومن فتح فقد خص.
والرغباء: هي المسألة، ومن الناس من يقول (الرغبى): بضم الراء مع القصر.
-١٢٤٣ -
الحديث التاسع:
[عن ابن عمر، قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - حين يقدم مكة، إذا استلم
[ ٤ / ٢٠ ]
الركن الأسود، أول ما يطوف، يخب ثلاثة أطواف من السبع).
وفٍي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول حب ثًلاثا، ومش أربعًا، وكان يسعى ببطن المسيل، إذا طاف بين الصفا والمروة، وكان ابن عمر يفعل ذلك).
وفي رواية: (رمل رسول الله - ﷺ - من الحجر إلى الحجر ثلًاثا ومشي أربًعا، ثم صلى السجدتين، وفي الحج والعمرة)].
- الخب: هو ضرب من العدو فوق المشي ودون الجري.
- والسعي: هو إسراع المشي حتى يقارب العدو.
- والرمل: قد ذكرناه في مسند ابن عباس.
-١٢٤٤ -
الحديث العاشر:
[عن ابن عمر، قال: (لم أرى سول الله - ﷺ - يستلم من البيت، إلا الركنين اليمانيين).
وفي رواية قتيبة: (يمسح) مكان (يستلم).
[ ٤ / ٢١ ]
وفي رواية لمسلم: (لم يكن يستلم من البيت إلا الركن الأسود والذي يليه، من نحو دور الجمحيين).
وفي رواية متفق عليها عن ابن عمر، قال: (وما تركنا استلام هذين الركنين: اليماني والحجر، في شدة ولا في رخاء، منذ رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمهما).
وفي رواية عن نافع، قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم يقبل يده، وقال: (ما تركته منذ رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله)].
- وقد سبق الكلام في هذا في مسند ابن عباس.
-١٢٤٥ -
الحديث الحادي عشر:
[عن سالم: أن عبد الله بن عمر كان (٦٤/ب) يقدم ضعفة أهله فيقفون عن المشعر الحرام بالمزدلفة بالليل، فيذكرون الله تعالى ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الحجرة.
[ ٤ / ٢٢ ]
وكان ابن عمر يقول: (أرخص في أولئك رسول الله - ﷺ -)].
- قد سبق الكلام في هذا في مسند ابن عباس أيضًا.
-١٢٤٦ -
الحديث الثاني عشر:
[عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن).
وقال ابن عمر: ولم أسمع، وذكر لي أن سول الله - ﷺ - قال: (ويهل أهل اليمن من يلملم).
وفي رواية عن ابن عمر: (أن رجلًا سأله من أين يجوز لي أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول الله - ﷺ - لأهل نجد: قرنًا، ولأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة)].
- وقد ذكرنا معنى الإهلال قبل هذا المكان بخمسة أحاديث، وذكرنا
[ ٤ / ٢٣ ]
المواقيت في مسند ابن عباس.
-١٢٤٧ -
الحديث الثالث عشر:
[عن ابن عمر، قال سئل رسول الله - ﷺ -: ما يلبس المحرم؟ قال: (لا يلبس المحرم: القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوًبا مسه ورس، ولا غفران، ولا الخفين، إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما، حتى يكونا أسفل من الكعبين).
وفي رواية: (نهى النبي - ﷺ - أن يلبس المحرم ثوبًا مصبوًغا بزعفران أو ورس). وقال: (من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين).
وفي رواية: قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب
[ ٤ / ٢٤ ]
في الإحرام؟ فقال النبي - ﷺ -: (لا تلبسوا القمص ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان؛ فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين).
وفي رواية: قام رجل فقال: يا رسول الله ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام؟ فقال النبي - ﷺ -: (لا تلبسوا القمص ولا السراويلات، ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا مسه الزعفران (٦٥/أ) والورس، ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين).
وفي رواية: (ولا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين)].
*قوله: (ولا يلبس المحرم القميص) لا يجوز للمحرم لبس المخيط، ولا يجوز له تغطية رأسه، ولا لبس السراويل إلا عند عدم الإزار، وقد ذكرناها في مسند ابن عباس).
*وقوله: (ولا تلبس القفازين»: قال أبو عبيد: (هما شيء يعمل لليدين، ويحشى بقطن، ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد، وتلبسه النساء).
[ ٤ / ٢٥ ]
-١٢٤٨ -
الحديث الرابع عشر:
[عن ابن عمر قال: (تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق معه الهدى من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - ﷺ - فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله - ﷺ - بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدى، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله - ﷺ - قال للناس: (من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم منه، حتى يقضي حجة، ومن لم يكن أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هدًيا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلي أهله) وطاف رسول الله - ﷺ - حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاثة أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم وانصرف؛ فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضي حجة، ونحر هدية يوم النحر، وأفاض، فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل فعل رسول الله - ﷺ - من أهدي فساق الهدي من الناس).
وأخرجا من حديث بكر عبد الله المزني عن أنس، قال: سمعت النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة جميعًا. قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنًسا فحدثته فقال: ما تعدوننا إلا صبيانًا،
[ ٤ / ٢٦ ]
سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لبيك عمرة وحًجا).
وفي رواية (٦٥/ب) لمسلم عن ابن عمر، قال: (أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج مفردًا).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - أهل بالحج مفردًا)].
*هذا الحديث يتضمن ذكر التمتع، وقد مضى في مسند علي وسعد ﵄.
-١٢٤٩ -
الحديث الخامس عشر:
[عن ابن عمر قال: (صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا، وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك، ثم صلى بهم النبي - ﷺ - ركعة، ثم مضى هؤلاء ركعة ركعة).
وفي رواية لمسلم: «صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة).
وقال ابن عمر: (إذا كان خوف أكثر من ذلك صلى راكبًا أو قائمًا.
[ ٤ / ٢٧ ]
يومئ إيماءة).
وفي رواية للبخاري: أن ابن عمر: كان إذا سئل عن صلاة الخوف؟ قال يتقدم الإمام طائفة من الناس، فيصلي بهم الإمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا، ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، فيقوم كل واحدة من الطائفتين قد صلوا ركعتين، فإن كان خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالًا وقيًاما على أقدامهم وركبابًا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها)].
*هذا الحديث يتضمن ذكر صلاة الخوف؛ وقد ذكرناها في مسند سهل ابن أبي خثمة.
[ ٤ / ٢٨ ]
-١٢٥٠ -
الحديث السادس عشر:
[عن ابن عمر، (أن رسول الله - ﷺ - كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه؛ يومئ برأسه، وكان ابن عمر يفعله).
ولمسلم في رواية: (كان يسبح على الراحلة، وقيل: إلى أي وجه توجه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة).
وأخرجاه من حديث سعيد بن يسار، قال: (كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم لحقته، فقال عبد الله ابن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح فنزلت فأوترت، فقال: أليس لك في رسول الله - ﷺ - (٦٦/أ) أسوة حسنة؟ فقلت: بلى، فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان يوتر على البعير.
وأخرجه البخاري تعليًقا فقال: وقال الليث: حدثني عن ابن شهاب، قال سالم: كان عبد الله يصلي على دابته من الليل، وهو مسافر ما يبالي حيث كان وجهه. قال ابن عمر: وكان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة.
[ ٤ / ٢٩ ]
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر (أنه كان يصلى على راحلته، ويوتر عليها، ويخبر: أن رسول الله - ﷺ - كان يفعله).
وفي رواية: (كان ابن عمر يصلي في السفر على راحلته حيث وجهت به، يومئ إيمًاء، صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته).
وفي رواية لمسلم: (رأيت النبي - ﷺ - يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر).
وفي رواية: كان النبي - ﷺ - يصلي علي دابته، وهو مقبل من مكة إلى المدينة، حيثما توجهت. وفيه نزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥].
(كان رسول الله - ﷺ - يوتر على راحلته)].
*المراد بالتسبيح المذكور في هذا الحديث صلاة النافلة، ولما كان المسافر يضطر أن يمضي في جهات مختلفة أبيح له التوجه في تنقله إلى حيث توجهت به راحلته تخفيًفا عنه، كنا يخفف عنه بإسقاط شطر الفريضة، وإنما خفف عنه في التوجه لئلا يثقل عليه فرض استقبال القبلة، فيترك النوافل.
قوله: (كان يوتر على البعير) دليل على أن الوتر ليس بواجب، وإنما هو جاري مجرى السنن؛ لأن الواجب لا يجوز فعله على البعير.
[ ٤ / ٣٠ ]
-١٢٥١ -
الحديث السابع عشر:
[عن ابن عمر، قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء.
وفي رواية: وأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته.
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر قال: وحدثتني حفصة: أن النبي - ﷺ - كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي - ﷺ - فيها.
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر، قال: (٦٦/ب) (حفظت عن رسول الله - ﷺ - ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر، وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الغداة، وكانت ساعة لا أدخل فيها على رسول الله - ﷺ - فحدثتني حفصة: أنه كان إذا طلع الفجر، وأذن المؤذن، صلى ركعتين).
وفي رواية لمسلم: أن عبد الله كان إذا صلى الجمعة، انصرف فسجد سجدتين في بيته. ثم قال: كان رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك)].
[ ٤ / ٣١ ]
*في هذا الحديث أن النوافل أفضل ما أتي بها في بيت الإنسان، وذلك به يخلص العبد من مداناة الرياء؛ لأن الفرائض تسلم من ذلك من أجل أنه يؤدي العبد بها حقًا واجبًا فهو كمن قضى دينًا، وأما النوافل فوضعها على التبرع والاختيار فإذا أتى بها ظاهرًا، أظهر ما إخفاؤه أفضل له وأحزم.
-١٢٥٢ -
الحديث الثامن عشر:
[عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -، قال: (إذا أستأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها).
وفي حديث حرملة عن ابن وهب، قال: فقال بلال بن عبد الله (والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا، ما سمعته سبه مثله قط، فقال: أخبرك عن رسول الله - ﷺ -، وتقول: لنمنعهن؟).
وأخرجاه من حديث حنظلة عن سالم عن أبيه عن النبي - ﷺ -، قال: (إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن).
وحكى أبو مسعود: أنهما أخرجاه من حديث عبد الله عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
وفي حديث أبي أسامة عن عبيد الله: (كانت امرأة لعمر، تشهد صلاة الصبح والعشاء في جماعة المسجد، فقيل لها: لما تخرجين، وقد تعملين أنه يكره ذلك ويغار؟ قالت: لم، قالت: فما يمنعه أن ينهاني؟. قالوا: يمنعه قول رسول الله - ﷺ -: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله).
قال: وأخرجاه من حديث مجاهد عن ابن عمر قال رسول الله - ﷺ -: (لا
[ ٤ / ٣٢ ]
تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل).
وفي حديث شبابة عن ورقاء: (ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد).
فقال ابن له يقال له (وافد): إذن يتخذنه دغلًا، قال: فضرب في صدره، وقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - (٦٧/أ) وتقول: لا.
وفي رواية لمسلم: (لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنوكم)، فقال بلال: والله لنمنعهن؟ فقال له عبد الله: أقول: قال رسول الله - ﷺ - وتقول أنت: لنمنعهن].
*قوله: (يتخذنه دغلًا)، الدغل: الفساد، وأصل الدغل الشجر الملتف الذي يستتر به.
*وفي هذا الحديث من الفقه أنه لا يجوز أن تمنع إماء الله مساجد الله فربما كان ذلك منهن أدعى إلى حفظهن الصلاة، فأن جلهن يترك الاقتصاد لصلواتهن مضيعات.
-١٢٥٣ -
الحديث التاسع عشر:
[عن ابن عمر، قال: (لما مر رسول الله - ﷺ - بالحجر، قال: لا تدخلوا
[ ٤ / ٣٣ ]
مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى أجاز الوادي).
وفي رواية للبخاري أن رسول الله - ﷺ - قال لأصحاب الحجر: (لا تدخلوا علي هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم مثل ما أصابهم).
[وفي رواية لمسلم: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين)].
*أما الحجر: فقال قتادة: هو اسم الوادي الذي كانوا فيه.
وقوله: (أن يصيبكم) فيه إضمار تقديره حذر أن يصيبكم.
*وفيه من الفقه: أنه إذا مر إنسان بدار قوم كانوا قد عذبوا أسرع هاربًا عنهم لئلا يتأدى إليه شيء من العذاب الذي هم فيه، فأن من ذلك استمرار لعنة الله ﷿ لمن عذبه، فإذا أٌقام عليهم رجل من غيرهم لم يأمن أن يشتمله شر جوارهم، فيخسر دنياه وأخراه.
*ومن مفهوم هذا الخطاب أن المسلم إذا مر بأرض مباركة قد كان الله تعالى رحم أهلها، فأنه يستحب له المكث بها، والوقوف على أطلالها، والتمسح بها، رجاء أن يصيبه من البركة المتصلة على أهلها والرحمة المستمرة نزولها على سكانها نصيب أيضًا.
[ ٤ / ٣٤ ]
-١٢٥٤ -
الحديث العشرون:
[عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -، قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة)].
*في هذا الحديث من الفقه أن كل مسلم على الإطلاق أخ (٦٧/ب) لكل مسلم. ولا يجوز لغنى أن يتعاظم على أخيه الفقير بأن يأنف من مجالسته أو يتكبر عن مؤاكلته، ولذلك يقبح بالمسلم أن يظلم بالإطلاق ثم إن بلي بأن يظلم قبيح أن يظلم أخاه الذي هو جدير بأن يرفده ويسعده، فإذا لم يكن هنالك فلا أٌقل من أن لا يظلمه.
*وقوله: (ولا يسلمه): يعنى به أنه إذا كان معه في حرب ودهتهم القتال فغير جائز للمسلم أن يفر ويسلم أخاه فليصبر معه ليسلما جميعًا أو يواسي أخاه فيما يكون منه.
*وقوله: (من كان في حاجة أخيه كان ربه ﷿ في حاجته)، فمن أراد أن يكون ربه في حاجته متوليا قضاء حوائجه دائمًا فليكن دأبه أن يقضي
[ ٤ / ٣٥ ]
حوائج إخوانه المسلمين بغير أجر من الدنيا بل راضًيا بما يعوضه الله من قضاء حوائجه.
*وقوله: (من فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) فأنه يقتضي أن يعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي يفرج الكرب، وإنما من رحمته على عباده أنه يقضي فرج كربة عبد على يد عبد ليفرج هو سبحانه عن العبد المفرج كربة من كرب يوم القيامة، فهو ﷾ الذي فرج الكربتين ورحم الاثنين.
*وقوله: (ومن ستر مسلًما ستره الله يوم القيامة) فأنه مما يتعين على المسلم أن يستر أخاه المسلم في كل ما ظهر عليه له من عورة، ما دام صاحب العورة يخفيها من الناس، وليكن نصحه له سرًا ما استطاع، فأما إذا جاهره فاعله بها فليس إلا مجاهرته بالإنكار، وإني لأخاف على قوم يحملهم إنكار المنكرين والغيرة للدين على أن يخاصموا ذلك العاصي ثم يتخذونه عدوًا، ثم يحرصون على إظهار عورته فليتقوا الله.
-١٢٥٥ -
الحديث الحادي والعشرون: (حديث الغار):
[عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيت إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم الغار. فقالوا: إنه لن ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. قال رجل منهم: كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي
[ ٤ / ٣٦ ]
طلب شجر يوًما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق (٦٨/أ) قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر- زاد بعض الرواة: والصبية يتضاغون عند قدمي- فاستيقظا، فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفجرت شيئا لا يستطيعون الخروج.
قال النبي - ﷺ -: قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم، كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة دينار، على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت حتى إذا قدرت عليها، قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها، وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
قال النبي - ﷺ -: وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد، ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله، أد إلى أجري، فقلت، كل ما ترى من أجرك، من الإبل، والبقر، والغنم، والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيًئا. اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون).
وأخرجاه من حديث عبد الله بن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: (بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون، إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار،
[ ٤ / ٣٧ ]
فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه. فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرز، فذهب وتركه، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أني اشتريت منه بقرًا، وأنه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي، إنما لي عندك من أرز، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنها من ذلك الفرق فساقها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت عنهم الصخرة ..). وذكر باقي الحديث بقريب من حديث سالم].
*قوله: (٦٨/ب) (فنأى بي طلب الشجر): أي بعد بي طلب الشجر التي ترعاها الأبل.
*وقوله: (ألمت بها سنة) يعنى الجدب، والملمة: النازلة من نوازل الدهر.
*وقولها: (لا أحل لك أن تقض الخاتم) هو كناية عن الفرج، الفض: تفريق الشيء المجتمع. وقولها: (إلا بحقه) أي إلا بما يحل. وقوله: (فتحرجت) أي تأثمت ورأيت الحرج في اقتحام ما لا يحل.
[ ٤ / ٣٨ ]
*وقوله: (على فرق من أرز) قد سبق الفرق في مسند كعب بن عجزة.
*قوله: (فانساحت عنهم الصخرة) أي انفسحت، ومثله قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ أي انفسحوا، وقد صحفه قوم فقالوا: فانساخت بالخاء المعجمة.
*وفي هذا الحديث من الفقه أن الدعاء في الشدة أقمنه بالإجابة ما صدق داعيه فيه، وهو أن يدعو الله ﷾ جاعلًا وسيلته ما كان من عمل صالح يذكر منه كلما لا يعلم الله تعالى خلافه، وليس هذا مما يخرج مخرج التمنن بالعبادة، ولكن هذا الداعي بذكره هذا قد استشهد إيمانه الماضي بإخلاصه فيه حيث ظهر منه ذلك الإيمان في حالة الرخاء؛ فكان هو الذي أنقذه الله به في الشدة.
*وفيه أيضًا أن هؤلاء الثلاثة لما اشتدت بهم الأزمة لم يفزعوا إلى مخلوق بأن يقولوا: نحتال في قلع هذه الصخرة أو حفرها أو نقرها أو غير ذلك، بل فزعوا إلى الله تعالى، فكان عونه هو الأقرب الأرجى.
*وفيه أيضًا أن المسلم إذا حاطت به الشدة فلا ينبغي له أن يستصرخ ويسقط في يديه، وتمتد عنقه للهلاك بل يلجأ إلى الدعاء فيكون هجيراه فإنه في ذلك الوقت الشديد يكون مخلصًا في الدعاء فليغتنمه.
*وفيه أيضًا أن هؤلاء الثلاثة كانوا أصولًا في ثلاثة أمور كلها عظيم الشأن فسنوا
[ ٤ / ٣٩ ]
سنة الحسنى فيها إلى يوم القيامة، وهي التي شكر النعمة التي من أرفعها بر الوالدين، وكسر الشهوة التي من أشدها قذع النفس عن الجماع بعد جلوس الرجل من المنزلة ذلك المجلس، والأخرى أداء الأمانة لمن لا يخاف ولا يرجي.
فكانت هذه الأصول الثلاثة إذا نظر فيها حق النظر، وجدت مشتملة على ثغور العبادة لله تعالى؛ فلذلك لما اجتمعت من الثلاثة في حال واحدة، ودعوا (٦٩/أ) بها دعوة رجل واحد، رفع الله بها الصخرة الهابطة من الجبل، خارًقا ﷾ العادة في مثلها، واستمر ذلك حديًثا تكلم به محمد ﷺ، ورواه عنه الثقات ليعمل به لا ليتخد سمرًا فقط، ومما يحض على أن لا يستطرح الإنسان عند انقطاع حيلته بنزول البلاء واشتداده بل يفزع إلى الدعاء.
فإنه كنت مرة في جوف الليل نائمًا في زمان مر أخال أنه في أول نصف الليل الثاني، فأيقظني الله ﷾ وأوقع في نفسي أن الشيخ محمد ابن يحيى﵀- في مثل هذه الليلة الباردة مع قلة كسوته يخاف عليه من أذية البرد فناديت غلامًا لنا اسمه كان (يحيى) بيت في الدار عندي. وقلت له: خذ في شيء نارًا، وأقصد به إلى بيت الشيخ محمد بن يحيى فأخذ مجمرة وملأها نارًا من تنور هناك، وذهب بها إليه، فلما كان بعد ذلك بيوم أو يومين؛ وقد جلسنا في المسجد فقال الشيخ محمد بن يحيى: إني كنت قد غشيث أهلي ثم اغتسلت في الليل بالماء البارد فأصابتني وإياها ما تخيلت أن الموت قد دنا أو نحو ذلك، ثم قلت لنفسي: والله لا أستطرح هكذا بل أدعو الله ﷾ قال: فمددت يدي ودعوت الله بأن يعيننا مما نحن فيه، فإذا الباب يدق، وإذا قد جاء (يحيى) الغلام بمجمرة نار من عندك، فلما
[ ٤ / ٤٠ ]
حدثني بذلك كثر تعجبي من إيقاظي لذلك، فكأنه وقت خروج الدعاء منه أيقظت لأجله، وقد كان الله تعالى قادرًا على إدفائه وأهله بغير نار، ولكن الله تعالى أراد بما قدره من ذلك إظهار كرامة الشيخ وما يتبع ذلك من فضله سبحانه، إذا دعاه المضطر أنه مجيب ليعرف سبحانه، فإنني لا أحقق أنني نفذت إليه نارًا قبل تلك الليلة ولا بعدها.
*وفيه من الفقه: التنبيه على حسن تدبير المؤمن في إصلاح المال له ولغيره إذا كان ينمي اليسير منه، فيكثر ويتضاعف.
-١٢٥٦ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (كلوا من الأضاحي ثلاثًا) وكان عبد الله يأكل بالزيت حين ينفر من منى، من أجل لحوم (٦٩/ب) الهدي.
وفي حديث معمر أن رسول الله - ﷺ - (نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث). قال سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث.
وفي رواية لمسلم: (لا يأكل أحد من أضحيته فوق ثلاثة أيام).
زاد أبو مسعود في حديث الضحاك عن نافع عن ابن عمر كان إذا كان بمنى فأمسى من اليوم الثالث من أيام منى سأل الذي يصنع طعامه: من أين لحمه الذي قدمه؟ فإن أخبره أنه من هديه، لم يأكله].
[ ٤ / ٤١ ]
* إنما نهى عن ذلك من أجل قوم جاءوا إلى المدينة مضطرين فأحب رسول الله - ﷺ - أن يواسوا ثم أباح ذلك، وهذا يأتي مبيًنا إن شاء الله تعالى في مسند عائشة ﵂.
-١٢٥٧ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تجدون الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة)].
*فيه من الفقه أن الناس قد يكون منهم الجم الغفير، فلا يوجد فيهم من يضطلع بحمل أثقالهم كما تحمل الراحلة في الإبل المائة، فإنها تحمل الذنوب والحبل والمحالة وغير ذلك مما ترد الإبل به.
*وأيضًا فإن المؤمن يكوم سهل المقامة على قائده غير قاٍس ولا صغر الجانب بل سهلًا قريًبا، كذلك الراحلة تسمح في يد قائدها، وتصحب لسائقها، حتى لو أناخها على صخرة لبركت، ولذلك فإن المؤمن من يكون في تحصيل منافع المؤمنين والقيام بمصالحهم، ويأتيه من ذلك ما لا يتأتى له جمهورهم فإنه على نحو الراحلة أيًضا التي يركبها راعي الإبل، فيرد بها
[ ٤ / ٤٢ ]
شاردة ويحبس بها الناده، ويرود عليها أجارع الخصب ليهبطها أماكن الجدب لتجتنبها، ولتسلم على المناهل ليورد إبله بها.
فكذلك من يجمع هذه الخصال من الناس فإنه لا يكون من المائة في الغالب واحد.
*والذي أراه أن حصر هذا العدد بمائة أي أن سلامة هؤلاء المائة واستقامتهم بهذا الواحد، فكأنه يكون في المعنى مائة إذا كانت حياة المائة واستقامة المائة به.
-١٢٥٨ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن ابن عمر (أن عمر، حمل على فرس في سبيل الله ثم رآها تباع، فأراد أن يشتريها، فسأل النبي - ﷺ -؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (لا تعد في صدقتك يا عمر)].
*قد فسرنا هذا في مسند (٧٠ / أ) عمر ﵁.
-١٢٥٩ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: وجد عمر حلة من إستبرق تباع بالسوق، فأخذها فأتى بها رسول الله - ﷺ -، فقال يا رسول الله: ابتع هذه، فتحمل بها للعيد
[ ٤ / ٤٣ ]
والوفد، فقال رسول الله - ﷺ -: (إنما هي لباس من لا خلاق له). قال: فلبث عمر ما شاء الله، ثم أرسل إليه رسول الله - ﷺ - بجبة ديباج، فأقبل بها عمر، حتى أتى بها رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، قلت ثم أرسلت إلي هذه؟
فقال له رسول الله - ﷺ -: (تبيعها، وتصيب بها حاجتك).
وفي رواية: (أن عمر رأى على رجل من آل عطار قباء من ديباج أو حرير، فقال لرسول الله - ﷺ -: لو اشتريته، فقال: إنما يلبس هذا من لا خلاق له. فأهدي إلى رسول الله - ﷺ - حلة سيراء، فأرسل بها إلي. قال: قلت: أرسلت بها إلى، وقد سمعتك قلت فيها ما قلت؟ قال: إنما بعثت بها إليك لتستمع بها).
كذا هو عند مسلم بطوله، وهو عند البخاري مختصر (أن النبي - ﷺ - أرسل إلى عمر بحلة حرير- أو سيراء- فرآها عليه، فقال: إني لم أرسل بها إليك لتلتبسها، إنما يلبسها من لا خلاق له، إنما بعثت بها إليك لتستمع بها. يعنى تبيعها).
وأخرجاه من حديث يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي قال: (قال لي سالم في الإستبرق قال: قلت: ما غلظ من الديياج، وخشن منه، فقال: سمعت عبد الله بن عمر قال: رأى عمر على رجل حلة من إستبرق، فأتى بها النبي - ﷺ - » فذكر نحو ذلك. وفي حديث ابن المثنى: (إنما بعثت بها إليك لتصيب بها مالُا).
وفي رواية: (رأى عمر حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة، وللوفد، فقال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة. ثم جاءت رسول الله - ﷺ - منها حلل، فأعطى عمر منها حلة، ثم ذكر قول عمر له وأن رسول الله - ﷺ - قال: إني لم أكسكها لتلبسها). فكساها عمر أًخا له مشرًكا بمكة.
وفي رواية لمسلم: رأى عمر عطاردًا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء،
[ ٤ / ٤٤ ]
وكان (٧٠/ب) رجلًا بغشى الملوك ويصيب منهم، فقال عمر: يا رسول الله، إني رأيت عطاردًا يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك- وأظنه قال: ولتلبسها يوم الجمعة- فقال: (إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة). فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله - ﷺ - بحلل سيراء فبعث إلى عمر ﵁ بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: (اشققها خمرًا بين نسائك)، فجاء عم بحلته يحملها، فقال: يا رسول الله، بعثت إلي بهذه، وقد قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت، فقال: (إني لم أبعث بها إليك لتلبسها؛ ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها). وأما أسامة فراح في حلته فنظر إليه رسول الله - ﷺ - نظرًا عرف أن رسول الله - ﷺ - قد أنكر ما صنع، فقال: يا رسول الله، ما تنظر إلي فأنت بعثت إلي بها، فقال: (إني لم أبعث إليك بها لتلبسها، ولكني بعثت بها لتشققها خمرًا بين نسائك)].
* قد سبق ذكر هذا الحديث في مسند عمر.
[ ٤ / ٤٥ ]
-١٢٦٠ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)].
*في هذا الحديث من الفقه أنه يجوز أن يكون قوله: (لا حسد) نهيًا عن الحسد على الإطلاق؛ ويكون قوله: (إلا) بمعنى لكن. كما قال الله ﷿: ﴿إلا من تولى وكفر﴾، يعني لكن من تولى وكفر، فيكون المراد لكن النعمة في اثنتين.
*وقوله - ﷺ -: (يقوم به آناء الليل وآناء النهار) يعنى الأوقات التي يشار فيها إلى العبادة، وليس المراد التعبد بتلاوة القرآن جميع الليل والنهار.
*وقوله: (ينفقه آناء الليل وآناء النهار) أي ينفق منه سرًا وينفق منه علانية، وقد زدنا هذا الحديث شرحًا في مسند ابن مسعود.
[ ٤ / ٤٦ ]
-١٢٦١ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن ابن عمر، (أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله - ﷺ - في رهط من أصحابه قبل ابن صياد، حتى وجدوه يلعب مع الصبيان، عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله - ﷺ - (٧١/أ) ظهره بيده، ثم قال رسول الله - ﷺ - لابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الله الأميين، فقال ابن صياد لرسول الله - ﷺ - أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه النبي - ﷺ - وقال: (آمنت بالله وبرسله)، ثم قال له رسول الله: ماذا ترى؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال رسول الله - ﷺ -: (خلط عليك الأمر)، ثم قال له رسول الله - ﷺ -: (إني قد خبأت لك خبيئًا)، فقال ابن صياد: وهو الدخ، فقال له رسول الله - ﷺ -: (اخسأ، فلن تعدو قدرك). فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه؛ فقال له رسول الله - ﷺ -: (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم تكنه فلا خير لك في قتله).
قال سالم: فسمعت ابن عمر يقول: (انطلق بعد ذلك رسول الله - ﷺ - وأبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صياد، حتى إذا دخل رسول الله - ﷺ - النخل، طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع ابن صياد شيئًا قبل أن يراه، فرآه رسول الله - ﷺ - وهو يتقي بجذوع النخل، وهو يختل ابن صياد أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أم ابن صياد النبي وهو يتقي بجذوع
[ ٤ / ٤٧ ]
النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف، وهو اسم ابن صياد، هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله - ﷺ -: (لو تركته بين).
قال سالم: قال عبد الله بن عمر: فقام رسول الله - ﷺ - في الناس، فأثنى على الله بما هو له أهله، ثم ذكر الدجال فقال: (إني لأنذركموه، ما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكني أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور، وإن الله ﵎ ليس بأعور).
وفي رواية لمسلم: أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حذر الناس الدجال: (إنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله- أو: يقرأه كل مؤمن - وقال: تعلموا أنه لن يري أحد منكم ربه حتى يموت)].
*الأطم: هو بناء من حجارة مرفوع كالقصر.
*والأميون: جمع أمي، وهو الذي لا يحسن الكتابة. قال الزجاج: الأمي منسوب إلى الأمة، والأمة (٧١/ب) خلقت لا تحسن الكتابة فهو على جبلته.
*وقوله: (فرفضه رسول الله - ﷺ -): أي أعرض عنه. وقال الخطابي: إنما هو فرفصه بالصاد المهملة، ومنه رص البناء كقوله تعالى: ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾، والمعنى أنه ضغطه حتى ينم بعضه إلى بعض.
[ ٤ / ٤٨ ]
* والزمزمة: صوت متردد داخل الفم لا يكاد يفهم.
ولما امتحن رسول الله - ﷺ - هذا الرجل علم أنه لا يعدو الكهانة أو السحر.
*وطفق: معناه بدأ في الفعل.
*وقوله: (نختل) الختل خديعة في استتار وطلب الغرض من غير علم المطلوب منه.
*وقوله: (تعلموا أنه أعور) أي اعلموا ذلك. والعور قد يكون في العين وغيرها، وباقي الحديث قد تقدم تفسيره.
-١٢٦٢ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن ابن عمر قال: لا والله، ما قال النبي - ﷺ - لعيسى أحمر ولكن قال: (بينما أنا نائم أطواف بالبيت، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يهادى بين رجلين، ينطف رأسه مًاء، فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس، أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا الدجال، وأقرب الناس به شبًها ابن قطن).
قال الزهري: هو رجل من خزاعة هلك في الجاهلية. ليس عند مسلم قول الزهري.
وأخرجاه من حديث موسى بن عقبة عن نافع، ورواية البخاري أتم قال: قال عبد الله بن عمر: ذكر رسول الله - ﷺ - يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال،
[ ٤ / ٤٩ ]
فقال: (إن الله تعالى ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة): قال: وقال رسول الله - ﷺ -: (أراني الليلة في المنام عند الكعبة، فإذا رجل آدم، كأحسن ما يرى من أدم الرجال يضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين هو بينهما يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيح بن مريم، ورأيت وراءه رجلًا جعدًا قطًطا، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت من الناس بابن قطن، واضًعا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت. فقلت: من هذا؟ فقالوا: المسيح الدجال).
وفي رواية البخاري: (رأيت عيسى (٧٢/أ) بن مريم وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط).
وفي رواية للبخاري: (إن الله تعالى ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية)].
*الأدم: هو الأسمر. والشعر السبط: السهل على ضد الجعد.
*ويهادى بين رجلين: يمشي بينهما معتمدًا عليهما. وينطف رأسه ماء: أي يقطر. والطافية من العنب: الخارجة عن حد نبات أخواتها. واللمة: شعر الرأس إذا جاوز شحمتي الأذنين وحاذاهما كأنه؛ لما ألم سمي بإلمامة لمة،
[ ٤ / ٥٠ ]
فإذا بلغت اللمة المنكبين فهي جمة، وقد سبق ذكر صفات الأنبياء وغيرها فيما تقدم.
-١٢٦٣ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: (يقاتلونكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي ورائي، فاقتله).
وفي رواية: (فتعال فاقتله)].
*هذا مما وعد الله ﷿ فيجب اعتقاد أنه حق.
*قوله: (يقاتلكم اليهود) فالمعنى أن من هو منهم في الذمة فينقضون الذمة ويقاتلون فيباح حينئذ قتالهم، وأما كون الحجر يدل على اليهودي؛ فلأن شؤم غدرهم أوجب أن تمت الحجارة بأخبارهم. -١٢٦٤ -
الحديث الثلاثون:
[عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو على المنبر: (ألا إن الفتنة هنا، يشتر إلى المشرق، من حيث يطلع قرن الشيطان).
[ ٤ / ٥١ ]
وفي حديث يونس قال: (وهو مستقبل المشرق- ها، إن الفتنة ها هنا ثلاثًا).
وفي رواية للبخاري: أن النبي - ﷺ - قال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله، وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: هنا الزلازل والفتن، منها يطلع قرن الشيطان).
وفي رواية مسلم عن سالم أنه قال: (يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة، وأركبكم الكبيرة!! سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الفتنة تجيء من ها هنا - وأومأ بيده نحو المشرق- من حيث يطلع قرن الشيطان). وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض (٧٢/ب)، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وقتلت نفسًا فنجيناك من الغم وفتناك فتونًا﴾]
*وقد تقدم تفسير قوله ﵊: (لا يزال أهل الغرب على الحق)، فيكون أهل المشرق على ضد أهل الغرب، فإن لسانهم على غير العربية فهم جديرون بالبدعة.
قال الخطابي: نجد هي ناحية الشرق فمن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها. وأصل النجد: ما ارتفع من الأرض، والغور: ما انخفض
[ ٤ / ٥٢ ]
منها، وتهامة: كلها من الغور.
والفتن تبدأ من المشرق، ومن نواحيها يخرج الدجال ويأجوج ومأجوج، وسيأتي في الحديث الحادي والستين من هذا المسند، بيان معنى قرن الشيطان فإن ذكره هناك أمس به من ها هنا.
وقوله: (وفتناك فتونًا) قال ابن عباس: الفتون وقوعه في محنة بعد محنة، ثم يخلصه الله منها كولادته في وقت ذبح الأطفال، وقتله القبطي، وغير ذلك.
-١٢٦٥ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن ابن عمر، قال: رأى رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين فقال النبي - ﷺ -: (أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها).
وفي حديث يونس: أن رسول الله - ﷺ - قال في ليلة القدر: (إن نًاسا منكم قد أروا أنها في العشر الأواخر الغوابر).
وفي رواية: أن رجالًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -: أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله - ﷺ -: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر. فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر).
وفي رواية للبخاري: أن ناسًا أروا ليلة القدر في السبع الأواخر، وأن أناسا أروا أنها في العشر الأواخر، فقال النبي - ﷺ -: (التمسوها في السبع الأواخر).
وفي رواية لمسلم: أن النبي - ﷺ - قال: (تحروا ليلة القدر في السبع الأواخر).
[ ٤ / ٥٣ ]
وفي رواية: (التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي).
وفي رواية: (تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر. أو قال: في السبع الأواخر)].
*تواطأت: توافقت.
*والتحين: طلب الشيء في حين مختص به.
*وقد سبق (٧٣/أ) الكلام في ليلة القدر.
-١٢٦٦ -
الحديث الثاني والثلاثون: [عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين).
[ ٤ / ٥٤ ]
حديث معاذ بن معاذ: (الشهر كذا وكذا وكذا. وصفق بيديه مرتين كل أصابعهما، ونقص في الصفقة الثالثة، إبهام اليسرى أو اليسرى).
وفي رواية أنه قال: (إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا وهكذا. بمعنى مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين).
وفي رواية: (الشهر تسع وعشرون). وفي رواية عقبه وأحسبه قال: (الشهر ثلاثون. وطبق كفيه ثلاث مرات). وفي رواية عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول: (الليلة النصف، فقال له: ما يدريك أن الليلة النصف)، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (الشهر هكذا أو هكذا وهكذا. وأشار بأصابعه العشر مرتين، وهكذا في الثالثة وأشار بأصابعه كلها وحبس أو خنس إبهامه)].
*في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أمر بالصوم لرؤية الهلال، ولا يلتزم الصوم حتى يرى الهلال إلا أنه إذا حال في مطلعه ما يجوز كونه تحته، فاحتياط للعبادة أن يصام.
ومعنى (اقدروا له): ضيقوا له عددًا يطلع في مثله. وقوله: (إنا أمة أمية) كان - ﷺ - الغاية في العلوم ثم نزل إلى هذه الدرجة ليعلم ضعفى الناس بما فعل من العد بالأصابع.
[ ٤ / ٥٥ ]
-١٢٦٧ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - مر على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء. فقال رسول الله - ﷺ -: (دعه؛ فإن الحياء من الإيمان).
وفي رواية: مر رسول الله - ﷺ - على رجل وهو يعاتب أخاه في الحياء (٧٣/ب) يقول: إنك تستحيي، حتى كأنه يقول: قد أضر بك، فقال رسول الله - ﷺ -: (دعه؛ فإن الحياء من الإيمان)].
*وقد سبق الكلام في الحياء في مسند عمران بن حصين.
-١٢٦٨ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن ابن عمر (أنه سمع النبي - ﷺ - يخطب على المنبر يقول: (اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يطمسان البصر، ويسقطان الحبل). قال عبد الله: فبينما أنا أطارد حية أقتلها، ناداني أبو لبابة: (لا تقتلها، فقلت: إن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الحيات، فقال: إنه نهى بعد ذلك عن
[ ٤ / ٥٦ ]
ذوات البيوت، وهن العوامر).
وفي رواية لمسلم: سمعت رسول الله - ﷺ -: يأمر بقتل الكلاب، يقول: (اقتلوا الحيات والكلاب، اقتلوا ذا الطفيتين والأبتر)].
*وقد سبق هذا الحديث الكلام عليه في مسند أبي لبابة.
-١٢٦٩ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر).
قال سالم: وأخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت، أن رسول الله - ﷺ - رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره. قال الليث عن يونس عن ابن شهاب: لو أن رجلًا ابتاع تمرًا قبل أن يبدو صلاحه ثم أصابته عاهة كان ما أصابه على ربه.
أخبرني سالم عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر).
[ ٤ / ٥٧ ]
وفي رواية لمسلم: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض، ويأمن من العاهة، نهى البائع والمشتري.
وفي رواية: يبدو صلاحه: حمرته وصفرته.
وفي رواية: قبل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: يذهب عاهته].
*قال أبو عبيد: زهو النخل، هو أن يحمر أو يصفر، والعاهة: هي الآفة تصبيه. وقد سبق بيان هذا الحديث في مسند زيد بن ثابت.
[ ٤ / ٥٨ ]
-١٢٧٠ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن ابن عمر، قال: (رأيت الناس في عهد رسول الله - ﷺ - إذا ابتاعوا الطعام جزافا، يضربون أن يبيعوه في مكنه حتى يؤدوه إلى رحالهم).
وفي حديث معمر: حتى يحولوه (٧٤/أ).
وفي رواية ابن عمر: كان يشتري الطعام جزًافا فيحمله إلى أهله.
وفي رواية: (من اشترى طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه، وقال: وكنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه.
[ ٤ / ٥٩ ]
وفي رواية: من اشترى طعًاما فلا يبيعه حتى يستوفيه.
وفي رواية: كنا في زمان رسول الله - ﷺ - نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمر بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكن سواه قبل أن نبيعه.
وفي رواية: فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه)].
*استيفاء الطعام إن كان قد اشترى صبره بنقله، وإن كان بالكيل لم يجز بيعه حتى يعاد عليه الكيل على ما سبق في مسند ابن عباس مشروحًا.
-١٢٧١ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها، إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه؛ إلا أن يشترط المبتاع).
وفي رواية: (من باع نخلًا قد أبرت فتمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع)].
[ ٤ / ٦٠ ]
* أبرت النخل: أي لقحت، وتأبير النخل هو أن ينشق طلعها؛ فيوضع في أثنائه شيء من طلع فحال النخل؛ فيكون ذلك لقاحًا، فجعل - ﷺ - الثمر المستكن في الطلع كالولد المستجن في بطن الحامل؛ فإنها إذا بيعت يتبعها الحمل في البيع فإذا ظهر تميز حكمه عن حكم أمه، فكذلك تمر النخل إذا تشقق وظهر فإنه ينفرد حكمه عن حكم أصله.
* وقوله: (من ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع)، وهذا يدل على أن العبد لا يملك بحال لأنه جعل في أقوى الحالات، وهي إضافة الملك إليه غير مالك. وقد سبق ذكر هذا الحديث.
-١٢٧٢ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن ابن عمر، (أن رسول الله - ﷺ - صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعًا) زاد البخاري من رواية أبي ذؤيب عن الزهري: وكل واحد منها بإقامة، ولم يسبح (٧٤/ب) بينهما، ولا على أثر واحدة منها).
وفي رواية لمسلم؛ قال: (جمع رسول الله - ﷺ - بين الغرب والعشاء، بجمع، ليس بينهما سجدة، وصلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين، وكان عبد الله يجمع لذلك حتى لحق بالله)
وفي رواية: (جمع رسول الله - ﷺ - بين المغرب والعشاء بجمع: صلاة
[ ٤ / ٦١ ]
المغرب ثلاثًا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة)].
* التسبيح: هاهنا النافلة. وقوله: (ليس بينهما سجدة) يعني ركعة.
وقوله: (والمغرب ثلاثًا) لأنها لا تقصر، وقد سبق هذا الحديث والكلام عليه.
-١٢٧٣ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون)].
* إنما خيف من هذا لأنه ربما جرت الفارة الزبالة فأحرقت البيت؛ فأما إذا كانت سرج على رأس مفازة لا تقدر عليها الفأرة فلا أرى بذلك بأسًا
-١٢٧٤ -
الحديث الأربعون:
[عن ابن عمر، قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، قال سالم: كان ابن عمر يجمع
[ ٤ / ٦٢ ]
بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وأخر ابن عمر المغرب، وكان استصرخ على امرأته صفية بنت أبي عبيد- فقلت له: الصلاة؟ فقال: سر، فقلت: الصلاة؟ فقال: سر، حتى سار ميلين أو ثلاثة، ثم نزل فصلى ثم قال: هكذا رأيت النبي - ﷺ - يصلي إذا أعجله السير، يقيم المغرب فيصليها ثلاثًا، ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء فيصليها ركعتين، ثم يسلم، ولا يسبح بعد العشاء حتى يقوم من جوف الليل).
وفي رواية للبخاري: (أن ابن عمر بلغه عن صفية شدة وجع فأسرع السير حتى كان بعد غروب الشفق ثم نزل فصلى المغرب والعتمة وجمع بينهما، وقال: رأيت النبي - ﷺ - إذا جد به السير أخر المغرب وجمع بينهما.
وفي رواية: أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء)].
* قد سبق الكلام في الجمع بين الصلوات. (واستصرخ) بمعنى استغيث به ليكون عونًا على ما استصرخ به له.
-١٢٧٥ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن ابن عمر، أن (٧٥/أ) رسول الله - ﷺ - كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة؛ سوى قسم عامة الجيش.
[ ٤ / ٦٣ ]
زاد في رواية الليث: والخمس في ذلك كله واجب.
وفي رواية: نفلنا رسول الله - ﷺ - نفلًا سوى نصيبنا من الخمس فأصابني شارف، والشارف: المسن الكبير.
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - بعث سرية إلى نجد، فخرجت فيها فبلغت سهماتنا اثني عشر بعيرًا، ونفلنا رسول الله - ﷺ - بعيرًا بعيرًا.
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - بعث بسرية قبل نجد، وفيهم ابن عمر، وأن سهامهم بلغت اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا فلم يغيره النبي - ﷺ -].
* قد سبق في مسند سعد ما يتعلق بالأنفال.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن التنفيل لبعض أهل القوة في الحرب تحريض لهم على القتال جائز، وهذا التنفيل كالصلة لهم، وهو أسوة الجماعة في سهمان الغنيمة.
-١٢٧٦ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن ابن عمر، أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله - ﷺ -، فتغيظ فيه رسول الله - ﷺ -، ثم قال: (ليراجعها، ثم يمسكها
[ ٤ / ٦٤ ]
حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر؛ فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها قبل أن يمسها بيده، فتلك العدة كما أمر الله تعالى).
وفي رواية: (مره فليراجعها، حتى تحيض حيضة مستقبلة، سوى حيضتها التي طلقها فيها، فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرًا من حيضتها من قبل أن يمسها. قال: والطلاق للعدة كما أمر الله ﷿. وكان عبد الله طلقها تطليقة، فحسبت من طلاقها، وراجعها عبد الله كما أمر رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية لمسلم: (أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي - ﷺ -، فقال له: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا).
وفي رواية: ذكر ذلك عمر لرسول الله - ﷺ - فقال: (مره فليراجعها، ثم ليدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى؛ فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها أو يمسكها؛ فإنها العدة التي أمر الله ﷿ أن يطلق لها النساء.
قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: (٧٥/ب) واحدة اعتدد بها).
وفي رواية: (فتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن يطلق لها النساء).
وفي رواية عن ابن سيرين، قال: (مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم: أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض؛ فأمر أن يراجعها، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث، حتى لقيت أبا غلاب فحدثني أنه سأل ابن عمر؟ فحدثه: أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض؛ فأمر أن يراجعها، قلت: أحسبت عليه؟ قال: فمه أو إن عجز واستحمق).
وفي رواية: قال له النبي - ﷺ -: (ليراجعها)؛ فردها، وقال: (إذا طهرت فليطلق أو ليمسك). قال ابن عمر: وقرأ النبي - ﷺ -: (يا أيها النبي إذا طلقتم
[ ٤ / ٦٥ ]
النساء فطلقوهن في قبل عدتهن)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الطلاق الذي أشار إليه رسول الله - ﷺ -، هو طلاق السنة، وهو الطلاق في الطهر، فيطلق الإنسان على ثبات من أمره، لا في حالة غضب لا يؤمن في عقيبه الندامة؛ ولا عن عجلة يستخف الحلم، وإنما أمره بالمراجعة لأن الطلاق في الحيض محرم إلا أنه يقع، ويستحب له أن يراجعها إن يراجعها إن كان الطلاق رجعيا، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: يجب عليه الرجعة.
* وقوله: (إن عجز واستحمق) المعنى أن كان عاجزا أو أحمق، يسقط حكم الطلاق عجزه.
-١٢٧٧ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - سمع عمر وهو يحلف بأبيه، فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم؛ فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت).
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - سمع عمر يقول: وأبي وأبي، فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم؛ فمن كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت).
[ ٤ / ٦٦ ]
وفي رواية: (من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله. وكانت قريش تحلف بآبائها، فقال: لا تحلفوا بآبائكم)].
* قد سبق هذا في مسند عمر ﵁.
-١٢٧٨ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (رأيت كأني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين نزعًا ضعيفًا، والله يغفر له، ثم جاء عمر فاستحالت غربًا، فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريه، حتى روى الناس وضربوا (٧٦/أ) بعطن).
وفي رواية قال: (رأيت الناس اجتمعوا، فقام أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف).
وفي رواية: إن رسول الله - ﷺ - قال: (رأيت كأني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين).
وفي رواية: (بينما أنا على بئر أنزع منها، إذ جاءني أبو بكر وعمر، فأخذ أبو بكر الدلو، فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، يغفر الله له،
[ ٤ / ٦٧ ]
ثم أخذها ابن الخطاب من يد بكر، فاستحالت في يده غربًا)].
* القليب: هو البئر قبل أن يطوى، فإذا طويت فهي طوى.
* قوله: (في نزعه ضعف) أي أن الإسلام لم يقو في إمارة أبي بكر ﵁؛ قوته في زمان عمر ﵁، فإن الله تعالى أظهر بعمر الإسلام وفتح الفتوح.
* والذنوب: هو الدلو العظيمة؛ وكذلك الغرب. وقوله: (فاستحالت غربًا) أي تحولت ورجعت إلى الكبر، والمعني أن عمر لما أخذ الدلو عظمن في يده، وكذا كان تأويلها، أن الفتوح في أيامه كانت أكثر من الفتوح في أيام أبي بكر ﵁.
* وقوله: (فلم أر عبقريًا من الناس يفري فريه).
العبقري: هو سيد القوم وكبيرهم وقيومهم. وقال أبو بكر الأنباري: عبقر قرية تسكنها الجن، وكل فائق جليل ينسب إليها.
وقال الزجاج: عبقر بلد كان يوشي فيه البسط وغيرها، فينسب كل جيد إليه.
[ ٤ / ٦٨ ]
قال زهير:
بخيل عليها جنة عبقرية جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا
* وقوله: (حتى ضرب الناس بعطن): قال ابن الأنباري: حتى رووا، وأرووا إبلهم، وأبركوا، وضربوا لها عطنا يقال: أعطنت الإبل وعطنت.
-١٢٧٩ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن ابن عمر، قال: (ذكر عند رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء، فاقل: ذاك يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه).
وفي رواية: (إن رسول الله - ﷺ - صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان، قال رسول الله - ﷺ -: إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه).
وفي رواية للبخاري: (صام رسول الله - ﷺ - (٧٦/ب) عاشوراء، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه)
وفي رواية لمسلم: (ذكر عند رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء فقال رسول الله - ﷺ -: كان يومًا يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدع. وكان ابن عمر لا يصومه إلا أن يوافق صومه].
[ ٤ / ٦٩ ]
* قد سبق الكلام في عاشوراء.
-١٢٨٠ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، لأين الجبارون؟ أين المتكبرون؟). كذا في رواية مسلم وهي أتم.
وفي رواية للبخاري: أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الله ﷿ يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السموات بيمينه، ثم يقول: وأنا الملك).
وفي رواية لمسلم: من حديث عبيد الله بن مقسم، أنه نظر إلي عبد الله بن عمر، كيف يحكي رسول الله - ﷺ -، قال: يأخذ الله ﷿ سماواته وأرضيه يبديه، يقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، ويقول: أنا الملك، حتى نظر إلي المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى أنني أقول: أساقط هو يا رسول الله - ﷺ -؟!
وفي رواية: (يأخذ الجبار ﷿ سماواته وأرضيه بيديه)].
[ ٤ / ٧٠ ]
* هذا الحديث يوافق قول الله ﷿: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾.
إلا أنه قد تقدم في مسند ابن مسعود القول في هذا الكلام يتناول جميع أحاديث الصفات، وبينا أن الإجماع انعقد على جواز رواية هذه الأحاديث وإمرارها كما جاءت مع الإيمان بأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وينبغي لكل مؤمن أن يكون مثبتًا الله سبحانه من الصفات ما أثبته له رسول الله - ﷺ -، ونافيا عنه من مشابهة الأجسام ما نفاه القرآن والسنة.
* والقاعدة في هذا الحديث أن السموات والأرض في يد الله سبحانه وفي قبضته لا يفوته منها شيء ولا يخفى عن علمه منها شيء، ولا يعزب عن قدرته منها قليل ولا كثير (٧٧/أ).
-١٢٨١ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من أعتق عبدًا بينه وبين آخر: قوم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس ولا شطط، ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرًا).
وفي حديث ابن المديني: (من اعتق عبدًا بين اثنين: فإن كان موسرًا قوم عليه، يوم يعتق).
[ ٤ / ٧١ ]
وفي رواية: (من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال فبلغ ثمن العبد: قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق).
وفي رواية للبخاري أن ابن عمر (كان يفتي في العبد أو الأمة يكون بين شركاء، فيعتق أحدهم نصيبه منه، يقول: قد وجبت عليه عتقه كله إذا كان للذي أعتق من المال ما يبلغ، يقوم من ماله قيمة العدل، ويدفع إلى الشركاء أنصباؤهم ويخلى سبيل المعتق، يخبره بذلك ابن عمر عن رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: (من أعتق شركا في مملوك وجب عليه أن يعتق كله، إن كان له مال قدر ثمنه، يقام قيمة عدل، ويعطي شركاؤه حصصهم ويخلى سبيل المعتق)].
وفي رواية: (من أعتق شركًا له في عبد أقيم عليه قيمة العدل؛ فأعطى شركاءه حصصهم وعتق العبد)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى يحب العتق وفك الرقاب؛ فلذلك إذا حصل في عبد حصة من الحرية، شرع ﷾ تخليص الباقي من الرق فينبغي للمؤمن أن يلمح هذا المعنى، ويحرض في أن يغري رقه من أن يملكه غير ربه، وبيانه أن سراية العتق في العبد ينشأ منها الكثير عن القليل إلى أن يتحرر، فمن خلقه الله ﷾ عريا من الرق الشرعي؛ فإن الإيمان يخاطبه ألا يهمل إيناسه بحصة رق معنوي فيه لطمع
[ ٤ / ٧٢ ]
في مخلوق أو اعتماد على فان أو تمليك قلبه لحب من يموت عن كشف، فإن هذه الأشياء إذا لمحت وجدت مسترقات للآدمي فبقدر ما يخلص منها يتحرر، وبقدر ما يتشبث في شيء منها يسترق.
-١٢٨٢ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن ابن عمر، أنه كان يقول: (ما كنا ندعو زيد بن (٧٧/ب) حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾].
* في هذا الحديث ما يدل على أن التسمية بالبنوة ما بين الناس لا يترتب عليها حكم، وعلي هذا فإن الرجل إذا قال لمن هو أصغر منه: يا بني، أو لمن هو أكبر منه: يا أبي وسامعه يفهم مقصودة في ذلك؛ فإن ذلك لا يسمى كذبًا.
وقد كان الشيخ محمد بن يحيى إذا سمع من ينادي على ثمر الفرصاد أنه عسل بارد يقول: لا أراه كاذبًا؛ لأن سامعيه فهموا مقصوده منه.
-١٢٨٣ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن ابن عمر، قال: (بيداؤكم هذه، التي تكذبون على رسول الله - ﷺ - فيها، (ما أهل رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد، يعني: ذي الحليفة).
[ ٤ / ٧٣ ]
وفي رواية: (ما أهل رسول الله - ﷺ - إلا من عند الشجرة، حين قام به بعيره).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل، فقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لا لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
قالوا: وكان عبد الله يقول: تلبية رسول الله - ﷺ -. وقال نافع: وكان عبد الله يزيد مع هذا: لبيك لبيك، وسعديك والخير بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - إذا وضع رجله في الغرز، واستوت به راحلته قائمة، أهل من عند مسجد ذي الحليفة).
وفي رواية عن عبيد بن جريح، أنه قال لعبد الله بن عمر: رايتك تصنع أربعًا لم أر أحد من أصحابك يصنعها. قال: وما هي يا ابن جريح؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانين، ورأيتك تلبس النعال السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة، أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلك أنت حتى يكون يوم التروية.
فقال عبد الله بن عمر: أما الأركان، فإني لم أر رسول الله - ﷺ - يمس إلا اليمانين، وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها، وأما الصفرة فإني رأيت رسول الله - ﷺ - يصبغ بها، (٧٨/أ) فأنا أحب أن أصبغ بها، وأما الإهلال فإني
[ ٤ / ٧٤ ]
لم أر رسول الله - ﷺ - يهل حتى تنبعث به راحلته)].
* قد سبق أكثر هذه الكلمات الذي يحتوي عليها هذا الحديث في هذا المسند، وذكرنا معنى (لبيك) في مسند علي ﵁، وشرحنا في مسند ابن عمر قوله: (إن الحمد والنعمة لك).
* وأما النعال، فإنها منسوبة إلى السبت، والسبت جلود البقر المدبوغة بالقرظ يتخذ منها النعال، وقد كان ابن عمر يؤثر موافقة السنة في كل شيء، وهذا من فعله بينه على أنه ينبغي الاقتداء بالسنة في كل حال.
-١٢٨٤ -
الحديث الخمسون:
[عن ابن عمر (أن النبي - ﷺ - أتى وهو في معرسه من ذي الحليفة في بطن الوادي، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة).
قال موسي بن عقبة: (وقد أناخ بنا سالم بالمناخ من المسجد الذي كان عبد الله ينيخ به، يتحرى معرس رسول الله - ﷺ -، وهو أسفل من المسجد الذي
[ ٤ / ٧٥ ]
ببطن الوادي، بينهم وبين القبلة وسطًا من ذلك)].
* المعرس: هو موضع نزول القوم في سفرهم من آخر الليل للراحة والنوم.
* والبطحاء: كل مكان متسع، ويتحرى: بمعنى يتوخى.
* وهذا الحديث يدل على أن من الأرض ما يقع فيه من البركة ما لا يقع في غيره.
-١٢٨٥ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية؛ فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان).
قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: (أو كلب حرث. وكان صاحب حرث).
وفي رواية: (كلب ماشية أو ضاريًا).
وفي رواية: (من اقتنى كلبًا- ليس كلب ماشية أو صيد- نقص كل يوم من عمله قيراطان). وفي رواية: (قيراط).
وفي رواية: (أيما أهل دار اتخذوا كلبا إلا كلب ماشية أو كلبًا صائدًا، نقص من عمله كل يوم قيرطان).
وفي رواية: (من اتخذ كلبًا- إلا كلب زرع أو غنم أو صيد- نقص من
[ ٤ / ٧٦ ]
أجره كل يوم قيراط)].
* يقال: ضري الكلب يضرى ضراوة، إذا حرص على الصيد واعتاده، وفهم الزجر والإرسال، وأضريته أنا: علمته ذلك، ودربته عليه.
* وإنما نهى عن اقتناء الكلب لنجاسته وترويع الضيف والمار، وقد سبق الكلام في هذا الحديث.
* وأما قول ابن عمر: (وكان أبو هريرة صاحب حرث) فإنه جعل احتياجه إلى ذلك (٧٨/ب) شاهدًا له على علمه؛ لأن من احتاج إلى شيء سأل عنه.
-١٢٨٦ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: (بينا أنا نائم أو تيت بقدح من لبن، فشربت منه، حتى إني لأرى الري يخرج من أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: فما أولته؟ قال: العلم)].
[ ٤ / ٧٧ ]
* فيه: ما يدل على فضل عبر الرؤيا.
* وفيه: ما يدل على أن عمر كان في جميع أفعاله موفقًا وذلك من فضل الله، وفضل سؤر رسول الله - ﷺ - من الذي ناوله إياه العلم فأظهره في ولايته.
-١٢٨٧ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا أنزل الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم)].
* هذا محمول على أن من هلك مع المهلكين يكون أجله قد قدر حينئذ، ثم يبعثون على أعمالهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. ويجوز أن يكونوا لم ينكروا المنكر؛ فعو قبرا لما نزل بهم.
-١٢٨٨ -
الحديث الرابع والخمسون:
عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (لا تزال المسألة بأحدكم، حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم).
وفي رواية الليث: (حتى يأتي يوم القيامة)].
[ ٤ / ٧٨ ]
* فيه من الفقه كراهية المسألة، وذلك أن المؤمن ينبغي أن يكون أعز من أن يرضى لنفسه أن يسأل غير الله ﷿؛ إلا أنه إن أحاجه الله تعالى إلى الحال التي ينتهي به إلى سؤال بمقدار الكفاية فذلك له جائز، فإن الله تعالى أخبر عن موسى الكليم وصاحبه أنهما استطعما أهل قرية فأبوا أن يضيفوهما، فمنصرف حديث رسول الله - ﷺ - إلى المسألة التي يجد الإنسان عنها مندوحة فتلك التي يأتي به يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم.
(والمزعة): هي القطعة من اللحم.
-١٢٨٩ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: (كنا نتحدث عن حجة الوادع، والنبي - ﷺ - بين أظهرنا، ولا ندري ما حجة الوداع؟ حتى حمد الله ورسول الله - ﷺ - وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدجال، فأطنب في ذكره، وقال: (ما بعث الله من نبي إلا أنذره أمته، أنذره نوح أمته والنبيون من بعده، وإنه يخرج فيكم، فما خفي عليكم من شأنه، فليس يخفي عليكم، أن ربكم ليس بالأعور، إنه أعور عين اليمنى (٧٩/أ) كان عينية عنبة طافية، ألا أن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد- ثلاثًا، ويلكم- أو: ويحكم! انظروا، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض).
وفي رواية: (وقف النبي - ﷺ - يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، وقال: أي يوم هذا؟).
[ ٤ / ٧٩ ]
وفي رواية: (هذا يوم الحج الأكبر، فطفق النبي - ﷺ - يقول: (اللهم اشهد). ثم ودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع)].
* قد مضى الكلام في الدجال، وباقي الحديث مبين في مسند أبي بكر، وابن عباس.
* وقد تكلمنا في قوله: (لا ترجعوا بعدي كفارًا) في مسند ابن مسعود.
-١٢٩٠ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه)].
* قد تقدم الكلام في حقوق الجار.
[ ٤ / ٨٠ ]
-١٢٩١ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن ابن عمر، قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت أن أٌقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم، إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله)].
*قد سبق في مسند عمر ﵁.
-١٢٩٢ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: قال النبي - ﷺ -: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار: جيء بالموت، حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، يا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرًحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزًنا إلى حزنهم).
وفي رواية: (يدخل الله أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل خالد فيما
[ ٤ / ٨١ ]
هو فيه)].
*في هذا الحديث دلالة على أن ما كان قد روع المؤمنين من الموت، فإن من تمام النعمة أن يصور لهم في صورة ثم يذبح، ومن تمام أهل النار أنهم لما تمنوا الموت لشدة ما يلقون من العذاب يأسوا منه عند ذبحه فلم يبق لهم طمع في فرج فازداد همهم وغمهم.
-١٢٩٣ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: (صحبت النبي - ﷺ -، فلم أره يسبح في السفر، وقال (٧٩/ب) الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
وفي حديث يزيد بن زريع، قال: (مرضت فجاءني ابن عمر يعودني، فسألته عن السبحة في السفر؟ فقال: صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر فما رأيته يسبح، ولو كنت مسبًحا لأتممت).
وفي رواية: (صلى النبي - ﷺ - بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃ ثماني سنين، أو قال: ست سنين، قال حفص: وكان ابن عمر يصلي بمنى ركعتين، ثم يأتي فراشه، فقلت لابن عمر: لو صليت بعدها ركعتين؟ قال: لو فعلت لأتممت الصلاة).
[ ٤ / ٨٢ ]
وفي رواية: (صلى رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين، وأبو بكر ﵁ بعده، وعمر ﵁ بعد أبي بكر، وعثمان ﵁ صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعد أربًعا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربًعا، وإذا صلاها وحده صلى على ركعتين).
وفي رواية لمسلم عن ابن عمر: (أن رسول الله - ﷺ - صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان ركعتين صدرًا من خلافته ثم أتمها أربعًا).
وفي رواية: (صحبت رسول الله - ﷺ -، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك ﵃).
وفي رواية لمسلم قال: (صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى بنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله وجلس، وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى أناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. قال: لو كنت مسبًحا لأتمتممت صلاتي، يا ابن أخي، إني صحبت رسول الله - ﷺ - في السفر، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر ﵁، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان، فلم يزد على ركعتين، حتى قبضه الله، وقد قال الله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾].
[ ٤ / ٨٣ ]
* (التسبيح) هو التنفل، (والأسوة) هي القدوة، وإنما كان ابن عمر ﵁ مع الأثر.
-١٢٩٤ -
الحديث الستون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا)].
*قد سبق (٨٠/أ) في مسند ابن عباس وغيره.
-١٢٩٥ -
الحديث الحادي والستون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغيب، لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان - أو: الشيطان- لا أدري أي ذلك. قال هشام.
[ ٤ / ٨٤ ]
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها).
وفي رواية: (سمعت النبي - ﷺ - ينهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها).
وفي رواية للبخاري: قال ابن عمر: (أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، لا أنهى أحدًا يصلي بليل أو نهار، غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها)].
* (حاجب الشمس): هو أول ما يبدو منها، وهذه أوقات النهي عن النفل، فأما الفرائض فتفعل فيها.
* وقد بينا معنى: (تحينوا) قبل ثلاثين حديًثا، وقد تقدم معنى (قرن الشيطان).
[ ٤ / ٨٥ ]
-١٢٩٦ -
الحديث الثاني والستون:
[عن ابن عمر، قال: وقف النبي - ﷺ - على قليب بدر؛ فقال: (هل وجدتهم ما وعدكم ربكم حقا)؟ ثم قال: (إنهم الآن يسمعون ما أقول لكم). فذكر لعائشة، فقالت: وإنما قال: إنهم ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾.
وفي رواية: (قال ناس من أصحابه: يا رسول الله: تنادي أنًاسا أموًاتا؟
قال: رسول الله - ﷺ -: (ما أنتم بأسمع لما قلت منهم).
وفي رواية: (اطلع رسول الله - ﷺ - على أهل القليب؛ فقال: وجدتم ما وعد ربكم حًقا؟ فقيل له: أتدعو أموًاتا؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون)].
*وقد سبق هذا في مسند عمر ﵁.
-١٢٩٧ -
الحديث الثالث والستون:
[عن ابن عمر، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن لحون الحمر الأهلية).
[ ٤ / ٨٦ ]
وفي رواية: (من أكل من هذه الشجرة- يعني الثوم-؛ فلا يأتين المساجد).
وفي رواية: (من أكل من هذه البقلة فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها- يعني الثوم).
وفي رواية: (نهى رسول الله - ﷺ - (٨٠/ب) عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر، وكان الناس احتاجوا إليها)].
*قد سبق تفسيره.
-١٢٩٨ -
الحديث الرابع والستون:
[عن ابن عمر، أن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺ - على الحجر، أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر الإبل التي كانت تردها الناقة).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - لما نزل بالحجر في غزوة تبوك، أمرهم أن لا
[ ٤ / ٨٧ ]
يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم النبي - ﷺ - أن يطرحوا ذلك العجين، ويهرقوا ذلك الماء)].
*قد سبق بيان هذا، فإن البركة تؤثر في الأرض والماء؛ وكذلك اللعنة والعذاب.
-١٢٩٩ -
الحديث الخامس والستون:
[عن ابن عمر قال: (أعطى رسول الله - ﷺ - خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع؛ فكان يعطي أزواجه كل سنة مائة وست وثمانين وسًقا من تمر، وعشرين وسًقا من شعير، فلما ولي عمر، قسم خيبر، خير أزواج النبي - ﷺ - أن يقطع لهن الأرض والماء، أو يضمن لهن الأوساق في كل عام، فاختلفن فمنهن من اختار الأرض والماء، ومنهن من اختار الأوساق كل عام، فكانت عائشة وحفصة ممن اختارتا الأرض والماء).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - أعطى خيبر اليهود أن يعملوها ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها).
وفي رواية: (أن عمر أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وأن رسول الله - ﷺ - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود
[ ٤ / ٨٨ ]
رسول الله - ﷺ - أن يقرهم بها، على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (نقركم بها على ذلك ما شئنا)، فقروا بها حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء).
وفي رواية: (لما افتتحت حيبر سألت اليهود رسول الله - ﷺ - أن يقرهم فيها، على أن يعملوا على نصف ما خرج منها من الثمر والزرع، فقال رسول الله - ﷺ - (٨١/أ): (أقركم فيها على ذلك ما شئنا). قال: (وكان الثمر يقسم على السهمان من نصف خيبر، فيأخذ رسول الله - ﷺ - الخمس).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - دفع إلى يهود خير نخل خيبر وأرضها، على أن يعتملوها من أموالهم، ولرسول الله - ﷺ - شطر ثمرتها)].
*وقد سبق؛ فإن هذا الحديث في مسند عمر ﵁.
*والوسق: ستون صاعًا. وبينا بعض هذا الحديث في مسند رافع بن خديج. (وإجلاء القوم): إخرجهم عن منازلهم.
*وأما الحجاز، فقال ابن فارس: قال قوم: إنما سمي حجازًا من قولهم حجز الرجل البعير إذا شده إلى رسغه فكان ذلك فيدًا له فالجبل حجازه.
[ ٤ / ٨٩ ]
ويقال: سمي حجازًا؛ لأنه احتجز بالجبال. يقال: احتجزت المرأة إذا اشدت ثيابها على وسطها.
-١٣٠٠ -
الحديث السادس والستون:
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أنهكوا الشوارب، وأعفوا اللحى).
وفي رواية: (أحفوا الشوارب). وفي رواية: (خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب). وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه.
وفي رواية للبخاري: (من الفطرة قص الشارب).
وفي رواية: (من الفطرة: حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب).
وفي رواية لمسلم: (أحفوا الشوارب، وأعفوا اللحى)].
*قوله: (أنهكوا الشوارب) أي بالغوا في الأخذ منها.
قال أبو عبيد: يقال: عفى الشعر وغيره يعفو، فهو عاف، إذا كثر.
ومنه قوله تعالى: ﴿حتى عفوا﴾ أي كثروا، وكثرت أموالهم. والفطرة ها هنا السنة.
[ ٤ / ٩٠ ]
-١٣٠١ -
الحديث السابع والستون:
[عن ابن عمر، قال: (كان رسول الله - ﷺ - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة)].
*قد بينا علة تأخير الخطبة فيما تقدم، وسيأتي هذا الحديث مبينًا في مسند أبي سعيد الخدري.
-١٣٠٢ -
الحديث الثامن والستون:
[عن ابن عمر، قال: (كان رسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة قائًما؛ ثم يجلس ثم يقوم كما تفعلون اليوم).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يخطب خطبتين يقعد بينهما)].
* القيام في الخطبة والقعود بين الخطبتين عند أحمد (٨١/ب) ﵁ سنة، وعند الشافعي واجب.
[ ٤ / ٩١ ]
-١٣٠٣ -
الحديث التاسع والستون:
[عن ابن عمر، (أن النبي - ﷺ - كان يعرض راحلته فيصلي إليها).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - صلى إلى بعير)].
* معنى (يعرض راحلته) أي يفتحها في عرض القبلة، وفيه لغتان: بعرض، ويعرض (بفتح الراء وضمها)، وأراد أن يجعلها له ستره.
-١٣٠٤ -
الحديث السبعون:
[عن ابن عمر، (أن النبي - ﷺ - كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر فمن ثم اتخذنها الأمراء).
وفي رواية: (كان يركز الحربة قدامه يوم الفطر والنحر، ثم يصلي).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يغدو إلى المصلى، والعنزة بين يديه تجمل، وتنصب بالمصلى بين يديه، فيصلي إليها)].
* (العنزة) هي الحرية، وقد جاء في بعض الألفاظ الحربة. وقيل: هي عصا
[ ٤ / ٩٢ ]
تشبه العكاز
-١٣٠٥ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن ابن عمر، (أن النبي - ﷺ - كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد بعضنا موضًعا لمكان جبهته).
وفي رواية: (في غير وقت صلاة)].
*هذا دليل على سجود التلاوة، وقد اختلف الناس في وجوبه، وإنما يسجد السامع إذا قصد السماع وسجد القارئ:
-١٣٠٦ -
الحديث الثاني والسبعون:
[عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة في ليلة ذات وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال؛ ثم قال: (إن رسول الله - ﷺ - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطٍر في السفر أن يقول: صلوا في رحالكم)].
[ ٤ / ٩٣ ]
* هذا الحديث مؤذن بلطف الله ﷿ وتخفيفه عن عباده؛ وفيه تنبيه على وجوب الجماعة.
-١٣٠٧ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا)].
*الإشارة بهذا إلى السنن والنوافل دون الفرائض.
-١٣٠٨ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء، ولا تعجب حتى تفرغ منه، وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها (٨٢/أ) حتى يفرغ، وإنه يتسمع قراءة الإمام).
وفي لفظ للبخاري: (إذا كان أحدكم على الطعام فعلا يعجل حتى يقضي حاجته منه؛ وإن أقيمت الصلاة)].
[ ٤ / ٩٤ ]
* في هذا الحديث أن الإنسان إذا أكل الطعام ثم قام إلى الصلاة كان قلبه أفرغ للصلاة.
-١٣٠٩ -
الحديث الخامس والسبعون:
[عن ابن عمر، قال: (فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر: صًاعا من تمر، أو صًاعا من شعير، على كل عبد أو حر، صغير أو كبير).
وفي رواية: (على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين).
وفي رواية أيوب: (فعدل الناس به نصف صاٍع بر).
وفي رواية حماد عن أيوب: (فكان ابن عمر يعطي التمر، فأعوز أهل المدينة التمر، فأعطى شعيرًا. قال: فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير، حتى إن كان ليعطي عن نبي، وكان ابن عمر يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين).
قال البخاري: (عن نبي، يعني عن بني نافع، ومعنى (يعطون) ليجمعوا فإذا كان يوم الفطر أخر جوه حينئذ.
وفي رواية: (أمر النبي - ﷺ - بزكاة الفطر: صًاعا من تمر، أو صًاعا من شعير. قال عبد الله: فجعل الناس عدله مدين من الحنطة).
[ ٤ / ٩٥ ]
وفي رواية للبخاري: (فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر: صًاعا من تمر، أو صًاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة).
وفي رواية لمسلم: عن ابن عمر (أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين).
وفي رواية: (أمر بزكاة الفطر: أن يؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)].
*وإنما شرع إخراج صدقة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة ليستغني الفقراء يوم العيد؛ فإن قدمها قبل الفطر بيوم أو يومين جاز؛ لأن الغناء يحصل بذلك، ولا تجوز الزيادة على ذلك.
وقال الشافعي: يجوز من أول رمضان ولا يجوز قبله.
وقال أبو حنيفة: يجوز تقديمها على رمضان.
-١٣١٠ -
الحديث السادس والسبعون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (لا تسافر المرأة ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم).
[ ٤ / ٩٦ ]
وفي رواية لمسلم: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال (٨٢/ب) إلا ومعها ذو محرم)].
*في هذا الحديث من الفقه أن المحرم للمرأة ستر ونفي للتهمة، لأن المرأة عورة فإذا كان معها في السفر محرم قام بأمورها ووفرها على صونها.
-١٣١١ -
الحديث السابع والسبعون:
[(عن نافع أن عبد الله وسالم بن عبد الله كلما عبد الله حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير، قالا: لا يضرك أن لا تحج العام، فإنا نخشى أن يكون بين الناس قتال، يحال بينك وبين البيت، قال: إن حين بيني وبينه، فعلت كما فعل رسول الله - ﷺ - وأنا معه، حين حالت قريش بينه وبين البيت؛ أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، فانطلق حتى إذا أتى ذا الحليفة فلبى بالعمرة، ثم قال: إن خلي سبيلي قضيت عمرتي، وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله - ﷺ - ثم تلا: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ ثم سار، حتى إذا كان بظهر البيداء قال: ما أمرهما إلا واحد، إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحج، أشهدكم: أني أوجبت حجة مع عمرة لي، فانطلق، حتى ابتاع بقديٍد هديًا، ثم طاف لهما طوافًا واحد.
[ ٤ / ٩٧ ]
وفي رواية عن ابن عمر أنه كان يقول: (من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد، ولم يحل حتى يحل منهما جميعًا).
وفي رواية: قال عبد الله بن عبد الله لأبيه: (أقم، فإني لا آمنها أن تستصد عن البيت، قال: إذا أفعل كما فعل رسول الله - ﷺ - ثم قال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾. ثم ذكر إيجابه العمرة ثم الحج بعدها. وفيه: ثم قدم فطاف لهما طوًافا واحدًا، فلم يحل حتى حل منهما جميعًا).
وفي رواية: (وأهدى هديًا اشتراه بقديد ثم انطلق يهل بهما جميعًا حتى قدم مكة وطاف بالبيت وبالصفا والمروة ولم يزد على ذلك، ولم ينحر ولم يحلق ولم يقصر، ولم يحلل من شيء حرم منه، حتى كان يوم النحر، فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (فطاف لهما طوًافا واحدًا، ورأى أن ذلك مجزئ عنه، وأهدى).
وفي رواية: كان ابن عمر يقول: (أليس حسبكم (٨٣/أ) سنة رسول الله - ﷺ -؟
إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة؛ ثم حل من كل شيء، حتى يحج عامًا قابلًا، فيهدي، أو يصوم إن لم يجد هديًا؟)
وفي رواية: (أراد ابن عمر الحج عام حجة الحرورية، في عهد ابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال، ونخاف أن يصدوك، فقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ إذن أصنع كما صنع، أشهدكم أني قد
[ ٤ / ٩٨ ]
أوجبت عمرة، حتى كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحدًا، أشهدكم أني قد جمعت حجة مع عمرة، فأهدى هديًا مقلدًا اشتراه، حتى قدم، فطاف بالبيت وبالصفا، ولم يزد على ذلك، ولم يحلل من شيء حرم منه، حتى قدم النحر، فحلق ونحر، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، ثم قال: كذلك صنع رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - معتمرين فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله - ﷺ -، وحلق رأسه)].
*في هذا الحديث من الفقه أن هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في حق من جرى له مثل ما جرى لرسول الله - ﷺ -.
وقد زدنا هذا شرحًا فيما تقدم من مسند ابن عباس.
-١٣١٢ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن ابن عمر، قال: (كان رسول الله - ﷺ - يزور قباء، أو يأتي قبًاء راكًبا وماشيًا).
زاد ابن نمير: (فيصلي فيه ركعتين).
[ ٤ / ٩٩ ]
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: (كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم مكة، فإنه كان يقدمها ضحى، فيطوف بالبيت؛ ثم يصلي ركعتين خلف المقام، ويوم يأتي مسجد قباء؛ فإنه كان يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه، قال: وكان يحدث أن رسول الله - ﷺ - كان يزوره راكبًا وماشيًا، قال: وكان يقول لنا: إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون ولا أمنع أحدًا يصلي في أي ساعٍة شاء من ليل أو نهار، غير أن تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا. وكان عبد الله يفعله)].
*في هذا الحديث من الفقه: استحباب عمارة المساجد (٨٣/ب) وأن لا يهجر المسجد الذي غيره أفضل منه؛ فإن إتيان رسول الله - ﷺ - مسجد قباء للصلاة فيه مع كون مسجد رسول الله - ﷺ - أفضل يدل على أن لا تهجر المساجد.
-١٣١٣ -
الحديث التاسع والسبعون:
[عن ابن عمر: (أن العباس بن عبد المطلب ﵁ استأذن
[ ٤ / ١٠٠ ]
رسول الله - ﷺ - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له)].
*هذا كان خاصًا بالعباس من أجل سقايته، فأما غيره فإنه إذا بات بمكة ليالي منى وجب عليه دم.
-١٣١٤ -
الحديث الثمانون:
[عن ابن عمر، (أن رسول الله - ﷺ - كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المعرس).
زاد البخاري: (وأن رسول الله - ﷺ - كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة، فإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح).
وفي رواية لمسلم: (إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا).
وفي رواية زهير: (التي بالبطحاء، ويخرج من الثنية السفلى).
وفي رواية: (دخل مكة من كذا من الثنية العليا التي عند البطحاء، وخرج من الثنية السفلى)].
[ ٤ / ١٠١ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن يعرف الطريقين، وأنه يذكر أهل الطريق الأخرى فلو اقتصر على طريق واحد، فات أهل الطريق الأخرى ذلك.
-١٣١٥ -
الحديث الجادي والثمانون:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان).
في حديث ابن نمير: (إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة: يرفع لكل غادر لواء).
وفي رواية: (لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: (إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة). وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا تابع في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه).
وفي رواية: (لكل غادر لواء يوم القيامة (٤٨/أ) يعرف به)].
[ ٤ / ١٠٢ ]
* الفصل: فيعل من الفصل وهو القطع.
* قد سبق كلامنا في حديث الغدر.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن ابن عمر لم يوافق على خلع يزيد.
* (والحشم):خدم الرجل وأتباعه.
-١٣١٦ -
الحديث الثماني والثمانون:
[عن ابن عمر قال: (عرضت على النبي - ﷺ - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه عام الفتح، وأنا ابن خمس عشرة فأجازني)].
*كذا وقع في كتاب الحميدي: وعرضت عليه يوم الفتح، وهو سهو من الحميدي ﵁، قلد فيه سواه لأنه كذلك ذكره أبو سعود في تعليقه، ثم تبعه خلف فذكره كذلك أيضًا، ثم تبعهما الحميدي في ذلك من غير تدبر للمنقول، فالعجب من يتكرر سماع هذا عليه ممن له عناية بالحديث كيف يخفى عنه هذا. والصحيح: وعرضت عليه يوم الخندق، ولذلك أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين يوم الخندق، وبيان الغلط الذي ذكرناه أن غزاه أحد كانت في سنة ثلاث، وغزاة الفتح كانت في سنة ثمان، فمن
[ ٤ / ١٠٣ ]
يكون في غزاة أحد ابن أربع عشرة كيف يكون بعد خمس سنين ابن خمس عشرة؟!
-١٣١٧ -
الحديث الثالث والثمانون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة). زاد أبو مسعود: (معقود في نواصيعها)].
*قد تقدم في مسند عروة البارقي.
-١٣١٨ -
الحديث الرابع والثمانون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن العبد إذا نصح لسيده، وأحسن عبادة الله، فله أجره مرتين)].
[ ٤ / ١٠٤ ]
*قد سبق هذا الحديث.
-١٣١٩ -
الحديث الخامس والثمانون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة)].
*قد سبق تفسيره فيما تقدم.
-١٣٢٠ -
الحديث السادس والثمانون:
[عن ابن عمر، قال: (أجرى النبي - ﷺ - ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع، وأجرى ما لم يضمر: من الثنية إلى مسجد بني زريق. قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى).
وفي رواية: (قال أبو إسحاق الفزاري، قلت لموسى: كم بين ذلك؟ يعني من الحفيات إلى ثنية الوداع؟ قال: خمسة أميال أو ستة، ومن ثنية الوداع
[ ٤ / ١٠٥ ]
(٤٨/ب) إلى مسجد بني زريق: ميل)
وعن ابن عمر: (سابق رسول الله - ﷺ - بين الخيل؛ فأرسلت التي ضمرت منها وأمدها الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تضمر أمدها من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، وإن عبد الله كان فيمن سابق).
وفي رواية: قال عبد الله: فجئت سابقًا، فطففت بي الفرس المسجد.
وقال أبو مسعود في حديث إسماعيل بن أمية: (إن ابن عمر أجرى فرسًا فاقتحم به في جرف فصرعه)].
*هذا الحديث يدل على جواز السباق بين الخيل.
*وفيه ما يدل على أن غاية الفرس العتيق المضمر خلاف غاية غيره.
(والأمد) هي الغاية.
*وقوله: (فطفف بي الفرس المسجد) قال أبو عبيد: يعني أن الفرس وثب حتى كاد يساوي مسجد بني زريق، ومن هذا قيل إناء طفان، وهو الذي قرب أن يمتلئ ويساوي أعلى المكيال.
[ ٤ / ١٠٦ ]
-١٣٢١ -
الحديث السابع والثمانون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - (قسم في النفل للفرس سهمين، وللراجل سهمًا)].
*قد ذكرنا آنفًا معنى النفل.
*قال الخطابي: في هذا الحديث بيان أن الفارس يأخذ ثلاثة أسهم في المغنم، سهمًا باسم نفسه، وسهمين باسم فرسه، وذلك لما يلزمه من زيادة المؤنة للفرس.
والذي أراه في ذلك أن ذلك إنما هو للتحضيض على رباط الخيل في الإسلام، ولكون الفرس له مؤنة كما ذكر.
-١٣٢٢ -
الحديث الثامن والثمانون:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال في غزوة خيبر: (فمن أكل من هذه الشجرة-يعني الثوم-فلا يقربن مسجدنا).
[ ٤ / ١٠٧ ]
وفي حديث ابن نمير: (من أكل من هذه البقلة، فلا يقربن مسجدنا حتى يذهب ريحها)].
*في هذا الحديث زجر عن أذى الناس بكل حال، وأمر بتحسين الأدب في حضور مواطن الصلاة من تعاهد الإنسان نفسه بترك ما يؤذي ريحه.
-١٣٢٣ -
الحديث التاسع والثمانون:
[عن ابن عمر قال: (كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة. وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت فنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك).
وفي رواية: (ثم تنتج التي في بطنها).
وعن ابن عمر قال: (كانوا يبتاعون الجزور إلى حبل الحبلة، فنهى النبي - ﷺ - عنه). ثم فسره نافع (٨٥/أ): هو أن تنتج الناقة ما في بطنها.
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - نهى عن حبل الحبلة].
[ ٤ / ١٠٨ ]
* قد ذكر تفسير حبل الحبلة في الحديث فأغنى عن شرحه. فإذا لم يجز بيع الحبل الحاضر لأنه غرر فكيف بحبل الحبلة؟ وإنما كان ذلك غررًا لأنه لا يعلم أيكون ذلك أم لا.
-١٣٢٤ -
الحديث التسعون:
[عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر: (أن النبي - ﷺ - نهى عن الشغار).
قلت لنافع: ما الشغار؟ قال: ينكح ابنة الرجل وينكحه ابنته بغير صداق، وينكح أخت الرجل وينكحه أخته بغير صداق.
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشغار. والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه ابنته وليس بينهما صداق).
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا شغار في الإٍسلام)].
*قال العلماء: صفة الشغار: أن يقول: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك بغير صداق.
وقال الشافعي: هذه صفته، وأن يقول: بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى، فإن لم يقل هذا فالنكاح صحيح، ولكل واحدة منهما مهر المثل.
ونكاح الشغار باطل عند مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: ليس
[ ٤ / ١٠٩ ]
بباطل ولكل واحدة منهما مهر مثلها.
*وأضل الشغار: هو الرفع، يقال: شغر الكلب برجله إذا رفعها عند البول.
فسمي هذا النكاح شغارًا لأنهما رفعًا المهر بينهما، وعلى الحقيقة إنما رفعا ما يجوز أن يكون مهرًا، وجعلا ما ليس بمهر مهرًا وهو البضع، فصار المعقود عليه معقودًا به، فكأنه زوجها واستثنى بضعها فجعله مهرًا لصاحبها، فكان باطلًا لذلك.
-١٣٢٥ -
الحديث الحادي والتسعون:
[عن ابن عمر أن رجلًا رمى امرأته فانتفى من ولدها في زمان رسول الله - ﷺ -، وأمرهما رسول الله - ﷺ - فتلاعنا كما قال الله ﷿، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرق بين المتلاعنين.
وفي رواية لمسلم: (لاعن رسول الله - ﷺ - بين رجل من الأنصار وامرأته، وفرق بينهما).
وفي رواية: (لاعن بين رجل وامرأته، وانتفى من ولدها، ففرق - ﷺ - (٨٥/ب) بينهما وألحق الولد بأمه).
وفي رواية عن سعيد بن جبير، قال: (سئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب ابن الزبير: أيفرق بينهما؟ فما دريت ما أقول، فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكة، فقلت للغلام: استأن لي، قال: إنه قائل، فسمع صوتي، فقال: ابن
[ ٤ / ١١٠ ]
جبير؟ قلت: نعم، قال: ادخل، فوالله ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة، فدخلت فإذا هو مفترش برذعة له، متوسد وسادة حشوها ليف، قلت: يا أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله، نعم، إن أول من سأل عن ذلك: فلان بن فلان، قال: يا رسول الله أريت لو أن رجلًا وجد امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، قال: فسكت النبي - ﷺ - فلم يحبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله ﷿ هذه الآيات في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم ﴾ [النور: ٦].
فتلاهن عليه ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقال: لا، والي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: لا، والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهدات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما).
وفي رواية عن ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ - للمتلاعنين: (حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها)، قال: يا رسول الله: مالي؟
قال: (لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها).
[ ٤ / ١١١ ]
وفي رواية: (فرق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان، وقال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟).
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: (أن رجلًا من الأنصار قذف امرأته، فأحلفهما رسول الله - ﷺ -، ثم فرق بينهما)].
*قد سبق ذكر (٨٦/أ) المتلاعنين في مسند ابن مسعود وأبي موسى.
-١٣٢٦ -
الحديث الثاني والتسعون:
[عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: (إن المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء).
وفي رواية: (كان ابن عمر لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه، فأخذت رجلًا يأكل معه فأكل كثيرًا، فقال: يا نافع، لا تدخل هذا علي، سمعت - ﷺ - يقول: (إن المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء).
وفي رواية عن نافع قال: (رأى ابن عمر مسكينًا فجعل يضع بين يديه، ويضع بين يديه، قال: وجعل يأكل أكلًا كثيرًا، فقال: لا تدخلن هذا علي).
وذكر الحديث.
[ ٤ / ١١٢ ]
وفي رواية عن عمرو بن دينار قال: (كان أبو نهيك رجلًا أكولًا، فقال له ابن عمر: إن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء). قال: فأنا أومن بالله ورسوله].
*قد سبق هذا الحديث في مسند أبي موسى.
-١٣٢٧ -
الحديث الثالث والتسعون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - اصطنع خاتمًا من ذهب، فكان يجعل فصه في باطن كفه إذا لبسه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه، وقال: (إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصه من داخل، فرمى به ثم قال: والله، لا ألبسه أبدًا. فنبذ الناس خواتيمهم).
زاد في رواية: (وجعله في يده اليمنى).
[ ٤ / ١١٣ ]
وفي رواية: (اتخذ رسول الله - ﷺ - خاتمًا من ورق؛ فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان، حتى وقع في بئر (أريٍس)، نقشه: محمد رسول الله).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - اتخذ خاتمًا من ذهب، وجعل فصه مما يلي بطن كفه، ونقش فيه: محمد رسول الله، فاتخذ الناس مثله، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به، وقال: (لا ألبسه أبدًا)، ثم اتخذ خاتمًا من فضه، فاتخذ الناس خواتيم من فضة.
قال ابن عمر: فلبس الخاتم بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ﵃، حتى وقع من عثمان في بئر أريس).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - كان يلبس خاتمًا من ذهب فنبذه، وقال: (لا ألبسه. فنبذ الناس خواتيمهم).
وفي رواية: (٨٦/ب) (اتخذ النبي - ﷺ - خاتمًا من ذهب، ثم ألقاه، ثم اتخذ خاتمًا من ورق، ونقش فيه: محمد رسول الله، وقال: لا ينقش أحد على نقش خاتمي هذا، وكان إذا لبسه جعل فصه مما يلي بطن كفه، وهو الذي سقط من معيقيب في بئر أريس)].
*فيه من الفقه أن جعله النقش في باطن كفه أبعد من إظهار الزينة؛ لأنه يضم كفه عليه فيتوارى.
[ ٤ / ١١٤ ]
* وفيه من الفقه أن الشيء إذا كان قد علم الناس بإجازة رسول الله - ﷺ - له، واستعماله إياه ثم شرع بعد ذلك تحريمه أو كراهيته-فإن الأولى في المنهي عنه أن يكون ظاهرًا كما فعل رسول الله - ﷺ - من أنه جلس على المنبر فنزعه.
ثم قال رسول الله - ﷺ -: (إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل، والله لا ألبسه أبدًا).
*وفيه أيضًا دليل على أن المال لا يضاع، وقد تقدم في الحديث قبل هذا نهيه - ﷺ - عن إضاعة المال، فدل عليه قوله: (فوضعه في يده اليمنى يحفظه).
*وفيه أيضًا جواز اتخاذ الخاتم من ورق، لأنه مات - ﷺ - وكان الخاتم من الورق في يده.
*ويجوز أن يكون في جعله إياه في يده إشارة إلى تجويز اتخاذ المصوغ من غير استعمال له، وهو حجة لمذهب أبي حنيفة في جواز اتخاذ ذلك، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن إبقاءه في يده زمانًا ما قد يستدل به على ذلك.
-١٣٢٨ -
الحديث الرابع والتسعون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أنه (نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه؛ ولكن تفسحوا وتوسعوا).
وفي رواية: (لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه.
قلت: في يوم الجمعة: قال: في يوم الجمعة وغيرها).
وفي رواية: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه).
[ ٤ / ١١٥ ]
وفي رواية: (لا يقيمن أحدكم أخاه ثم يجلس في مجلسه). وكان ابن عمر إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه)].
*فيه من الفقه أنه من أتى إلى موضع فجلس فيه، فإن كان في مسجد فهو أحق به من غيره، ولا يجوز لغيره أن يقيمه منه ويجلس فيه، وكذلك إن كان في الأرض المباحة، فإن كان في منزل إنسان فسبق سابق وجلس (٨٧/أ) بإذن صاحب المنزل؛ فإنه لا يجوز لغير ذلك المأذون له أن يفتئت على السابق إلى الموضع؛ وعلى صاحب المنزل معًا ويجلس هو فيه، فيكون غاصبًا مفتئتًا سيء الأدب.
*وفي هذا الحديث ما يصرح أن ذلك كان في يوم الجمعة، إلا أنه يقاس عليه ما كان في معناه في باقي الروايات جاء مطلقًا من غير ذكر يوم الجمعة.
-١٣٢٩ -
الحديث الخامس والتسعون:
[عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله-يعني: ابن أبي بن سلول-جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله - ﷺ -، فسأله أن يعيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه؟ فقام رسول لله - ﷺ - ليصلي عليه، فقام عمر ﵁، فأخذ بثوب رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك
[ ٤ / ١١٦ ]
أن تصلي عليه؟ فقال: رسول الله - ﷺ -: (إنما خيرني الله تعالى؛ فقال: ﴿استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة﴾ وسأزيد على السبعين)، قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله - ﷺ - قال: فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾. زاد في حديث يحيى بن سعيد: (فترك الصلاة عليه)].
*قد سبق تفسيره.
-١٣٣٠ -
الحديث السادس والتسعون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء).
وفي رواية: (إن شدة الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء).
وفي رواية: قال نافع: وكان عبد الله يقول: (اكشف عنا الرجز).
وفي رواية: (الحمى من فيح جهنم، فأطفئوها بالماء)].
[ ٤ / ١١٧ ]
*وقوله: (من فيح جهنم) أي من سطوع حرها وظهوره. يقال: فاحت القدر تفيح إذا غلت.
*وقد بق بيان هذا الحديث.
-١٣٣١ -
الحديث السابع والتسعون:
[عن ابن عمر، أن رسول ا - ﷺ - - ﷺ - قطع سارقًا في مجنٍ قيمته ثلاثة دراهم. وفي رواية: (ثمنه)].
*فيه من الفقه أن السارق إذا سرق ما قيمته أو ثمنه ثمن مجن فإنه يقطع، وثمن المجن قد ذكر في الحديث ثلاثة دراهم، وهذا محمول على أنه أخذه من وراء (٨٧/ب) حرز، قال ابن عرفة: السارق عند العرب من جاء مستترًا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر كان مختلسًا ومنتهبًا.
*وأما الحكمة في قطع السارق؛ فإن الفقهاء قدروا الثلاثة الدراهم بربع دينار، وقيمة اليد خمسمائة دينار إذا قطعها من ليس له قطعها، فأما إذا قطعت بإذن مالكها سبحانه في جواب مخالفة أمره فلا دية لها، وإنما جعل تقديرها بربع
[ ٤ / ١١٨ ]
دينار لبيان حد ما يقطع به اليد لا على جهة أنه ثمن لها، والمراد أن ما دون هذا المقدار يترخص به نفوس الآدميين ولا يشاح في مثله.
-١٣٣٢ -
الحديث الثامن والتسعون:
[عن ابن عمر قال: (دخلت امرأة النار في هرة؛ ربطتها، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض).
في رواية: (عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)].
*خشاشا الأرض: دوابها وحشراتها وهوامها.
*وهذا الحديث يتضمن التحري من صغار الذنوب، ويبين أن كل روح إذا عذبها الآدمي بغير إذن كان آثمًا، وإذا رحمها ورفق بها متوخيًا رضى الله تعالى كان له أجر.
-١٣٣٣ -
الحديث التاسع والتسعون:
[عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -: (إن الذين يصنعون هذه الصور
[ ٤ / ١١٩ ]
يعذبون يوم القيامة. يقال لهم: أحيوا ما خلقتهم).
وفي رواية: (أن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم)].
*قد تقدم الكلام في الصور والنهي عنها في مواضع.
-١٣٣٤ -
الحديث المائة:
[عن ابن عمر قال: (كنا عند رسول الله - ﷺ -؛ فقال: (أخبروني بشجرة شبه-أو كالرجل-المسلم، لا يتحات ورقها ولا، ولا، ولا، تؤتي أكلها كل حين).-قال ابن عمر:- فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا، قال رسول الله - ﷺ -: (هي النخلة). فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تتكلم؟ قال: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا، فقال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا.
وفي رواية: (٨٨:أ): (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟). فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: وقع في نفسي النخلة، فاستحييت، قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال:
[ ٤ / ١٢٠ ]
(هي النخلة).
وفي رواية: بينما نحن عند النبي - ﷺ - جلوس، إذا أتي بجمار نخلة، فقال النبي - ﷺ -: (إن من الشجر شجرة لها بركة كبركة المسلم)، فظننت أنه يعني النخلة، فأردت أن أقول: هي النخلة ثم التفت، فإذا أنا عاشر عشرة، أنا أحدثهم، فسكت، فقال النبي - ﷺ -: (هي النخلة).
وفي رواية عن مجاهد: (صحبت ابن عمر إلى المدينة، فما سمعته يحدث عن رسول الله - ﷺ - إلا حديثًا واحدًا، قال: كنا عند النبي - ﷺ - فأتي بجمار.
فذكر نحوه).
وفي رواية: (مثل المؤمن كمثل شجرة خضراء، لا يسقط ورقها، ولا يتحات) فقال القوم: هي شجرة كذا، فأردت أن أقول: النخلة، وأنا غلام شاب، فاستحيين فقال: (هي النخلة).
وفي رواية: (فحدثت به عمر فقال: لو كنت قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا)].
[ ٤ / ١٢١ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - ضرب هذا مثلًا يستنبط منه أنه يرغب الإنسان في ابتغاء الولد، فإنه من حيث القياس يشبه بالشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها من ثمارها التي ينتفع بها الناس، وظلها الذي يصد عنهم حر الشمس ويجدون روحه، وما يكون فيها من منافع خوصها وجريدها وغير ذلك؛ فإنها معرضة لأن تثمر ثمرة مشتملة على ما هو أصل لممثلها؛ فلو قدر مقدر أنه قد غرس نوى ثمرة هذه النخلة غارس من وقت حملها إلى آخر بقائها؛ ثم غرس ما تثمره كل نخلة تنبت من ذلك النوى، وامتد ذلك إلى يوم القيامة، فإنه يعلم به قدر الثواب ابتغاء الولد الذي يولد له ثم يولد لولده وولد ولده، هكذا ما تناسلوا حتى تكون سنة الأمة العظيمة، فهذا معنى قوله: (شجرة مثلها مثل الرجل المسلم).
*وفي هذا الحديث ما يدل على فطنة عبد الله بن عمر؛ فإن الله تعالى جبله على الفطنة.
* (٨٨/ب) وفيه ما يدل أيضًا على أنه حيي في فطنته؛ فلم ينطق بما وقع له حين رأى الأكابر لم ينطقوا.
*وفيه أيضًا ما يدل على أنه يجوز للوالد أن يظهر السرور بفطنة الولد وذكائه؛ لقول عمر: (لو قلتها لكان أحب إلي من حمر النعم).
-١٣٣٥ -
الحديث الأول بعد المائة:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: (إن أمامكم حوضًا ما بين ناحيتيه كما بين جربا وأذرح).
[ ٤ / ١٢٢ ]
وفي رواية: (إن أمامكم حوضي)
وفي رواية لمسلم: قال عبد الله: (فسألت نافعًا، فقال: قريتين بالشام، بينهما مسيرة ثلاث ليال). وفي رواية: (ثلاثة أيام).
وفي رواية: (ما بين ناحيتيه كما بين حربا وأذرح).
زاد في رواية: (فيه أباريق كنجوم السماء، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدا)].
*قد تقدم ذكر الحوض. وقد فسر في هذا الحديث قدر المسافة بين القريتين المذكورتين، وفي هذا شرف للعرب؛ لأنهم يعرفون الحوض، فوعد لناس بما تعرفه العرب.
-١٣٣٦ -
الحديث الثاني بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ -: (لعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة)].
* أما الواصلة؛ فإنها تغر بما تفعل، فكأنها شاد الزور فلعن التي تغر، والتي
[ ٤ / ١٢٣ ]
وصلت لها؛ لأنها أعانت على ذلك.
*وأما الواشمة والمستوشمة، فقد ذكر في مسند ابن مسعود.
-١٣٣٧ -
الحديث الثالث بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن عمر قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام؛ قال: (فأوف بنذرك)، ومنهم من قال: (يومًا).
وفي رواية: (أن عمر سأل رسول الله - ﷺ -، وهو بالجعرانة، بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: (اذهب فاعتكف يومًا). قال: وكان رسول الله - ﷺ - قد أعطاه جارية من الخمس، فلما أعتق رسول الله - ﷺ - سبايا الناس سمع عمر بن الخطاب أصواتهم يقولون: أعتقنا رسول الله - ﷺ -، قال: ما هذا؟ قالوا: أعتق رسول الله - ﷺ - سبايا الناس. فقال عمر: يا عبد الله اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها).
وفي رواية: (ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله - ﷺ - (٨٩/أ) نحن وهو بالجعرانة، بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله، قد نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام فكيف ترى؟ قال: (اذهب فاعتكف يومًا).
قال: وكان رسول الله - ﷺ - قد أعطاه جارية من الخمس، فلما أعتق
[ ٤ / ١٢٤ ]
رسول الله - ﷺ - سبايا الناس سمع عمر بن الخطاب أصواتهم يقولون: أعتقنا رسول الله - ﷺ - قال: ما هذا؟ فقالوا: أعتق رسول الله - ﷺ - سبايا الناس. فقال عمر: يا عبد الله، اذهب إلى تلك الجارية فخل سبيلها).
وفي رواية: ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله - ﷺ - من الجعرانة، فقال: لم يعتمر منها، قال: وكان عمر نذر اعتكاف يوم في الجاهلية].
*قد سبق بيان هذا الحديث في مسند عمر بن الخطاب ﵁.
-١٣٣٨ -
الحديث الرابع بعد المائة:
[عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى.
قال نافع: وكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي - ﷺ - فعله].
[ ٤ / ١٢٥ ]
* ومعنى الحديث أنه أفاض يوم النحر ودخل مكة، وطاف طواف الزيارة ثم رجع إلى منى، وإنما وجب الاجتماع بمنى ليكثر الجمع هناك، فإذا رأى العدو كثرة المسلمين أو بلغته أخبارهم؛ كان ذلك مما يكسر قلوب الأعداء، فلو رخص لهم أن يدخلوا مكة متفرقين فات ذلك المقصود، وعلى هذا ينبغي لكل أمير أن يضبط حواشي عسكره ليجتمعوا.
-١٣٣٩ -
الحديث الخامس بعد المائة:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: (إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا، أو يكون البيع خيارًا).
قال نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه.
وفي رواية: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر، وربما قال: أو يكون بيع خيار).
وفي رواية: (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار).
وفي رواية: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر، فتبايعا على ذلك، (٨٩/ب) فقد وجب البيع، فإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع، فقد وجب البيع).
وفي رواية: (كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلى بيع الخيار).
وفي رواية عن ابن عمر قال: (بعت من أمير المؤمنين عثمان مالًا
[ ٤ / ١٢٦ ]
بالوادي بمال له بخيبر، فلما تبايعنا رجعت على عقبي، حتى خرجت من بيته، خشية أن يرادني البيع، وكانت السنة: أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا، فلما وجب بيعي وبيعه، رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال، وساقني إلى المدنية بثلاث ليال).
وفي رواية: (إذا تبايع المتبايعان بالبيع فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب). قال نافع: فكان ابن عمر إذا بايع رجلًا؛ فإذا أراد ألا يقيله قام فمشى هنيهة، ثم رجع)].
*الحكمة في جعل الخيار للمتبايعين إلى أن يتفرقا أنه قد تستزل البادرة من كل واحد منهما لأجل تطلعه إلى ما في يد صاحبه استزلالًا لا يؤمن أن يندم على أثره، فجعل الشرع له مهلة ما داما في مجلسهما لينظر كل واحد منهما ما حصل في يده، ويتمكن من تقليبه، فإذا نهض من مجلسه وجب البيع؛ لأن ذلك المقدار من الزمان كاف في ترويه.
* والتفرق في اللغة لا يحمل إلا على التفرق بالأبدان.
[ ٤ / ١٢٧ ]
*وقوله: (إلا بيع الخيار) معناه أن يخيره قبل التفرق، وهما بعد في المجلس فيقول له: (اختر).
*وهذا الحديث هو الحجة للشافعي وأحمد ﵄ في العمل به على أبي حنيفة ومالك ﵄، وتتأكد الحجة فيه على مالك من حيث إنه راوية.
-١٣٤٠ -
الحديث السادس بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس، فقال: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه؛ فإن الله تعالى قبل وجهه إذا صلى).
وفي رواية: بينما النبي - ﷺ - رأى في قبلة المسجد نخامة، فحكها بيده، وتغيظ) ثم قال: (إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن الله تعالى حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة)].
*في هذا الحديث من الفقه أن رسول لله - ﷺ - أشعر أن (٩٠/أ) الله تعالى يواجه عبده إذا قام في صلاته؛ فكما أنه يغلظ جرمه إذا بصق، فكذلك يتعرض
[ ٤ / ١٢٨ ]
للإثم إذا التفت.
*وفيه أيضًا تكريم المساجد وتنزيهها عن أن يجعل فيها البصاق أو النخامة على كونهما طاهرين أدل دليل على أنه لا يجوز أن يتعرض لهما بشيئ من النجاسات.
-١٣٤١ -
الحديث السابع بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة).
وللبخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (تفضل صلاة الجمع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا)، ثم قال: وقال شعيب: حدثني نافع عن ابن عمر، قال: (تفضلها بسبع وعشرين درجة). موقوف.
وأخرجه مسلم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - بمثل حديث مالك عن نافع].
*في هذا الحديث من الفقه أن صلاة الفذ لما كانت مفردة أشبهت العدد المفرد، فلما جمعت مع غيرها أشبهت ضرب العدد فكانت خمسًا، فضربت في خمس فصارت خمسًا وعشرين، وهي غاية ما يرتفع إليه ضرب العدد الذي هو الخمسة في نفسه، وهذا وجه الحكمة في كونها بخمس وعشرين صلاة.
[ ٤ / ١٢٩ ]
*وأما بكونها بسبع وعشرين صلاة فإنها ارفع من هذه، وذلك أنه - ﷺ - وعد تلك الصلاة التي كان يصليها الرجل مفردًا بحالها، والصلاة التي كان يصليها الإمام مفردًا بحالها، وكان تضعيف الخمسة خارجًا عن هذين الأصلين؛ ليكون التضعيف موفرًا لا يحسب فيه ما كان محسوبًا، وهذا فإنه يكون لكل واحد من الإمام والمأموم فتخلص خمسًا وعشرين مضاعفة، وتبقى الصلاتان لم تدخلا في الحساب.
* (والبضع): ما بين الواحد إلى العشرة.
-١٣٤٣ -
الحديث الثامن بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله)].
*والذي أرى أن الصلوات الخمس قد صرن للمؤمن مألوفًا فهو يتطلع إلى واحدة بعد واحدة، ويراعي الظلال كما جاء في الحديث.
واحب (٩٠/ب) عباد الله إلى الله. الذين يراعون الشمس والقمر؛ فهن مألوفة في الدنيا وأنيسة في القبر، وبضاعته في الآخرة، فإذا فاتته العصر-وهي الوسطى-فكأنما فاته أهله من حيث ألفه، وفاته ماله من حيث كون الصلوات بضاعة له في الآخرة، وهذا فيمن فاتته، ونطق فاتته يدل على أنه قد كان حريصًا عليها ففاتته وليس ذلك
[ ٤ / ١٣٠ ]
تركًا، فإذا كان هذا فيمن فاتته مع الحرص عليها، فكيف بالتارك؟ ومنه قوله تعالى: ﴿ولن يتركم أعمالكم﴾.
والثاني: أنه ذهاب الكل من الوتر الذي هو الجناية المذهبة بجميع المال.
وإعراب (الأهل والمال) النصب لأنه مفعول ثان لما لم يسم فاعله؛ لأن الضمير في وتر هو المفعول الأول الذي أسند الفعل إليه.
-١٣٤٣ -
الحديث التاسع بعد المائة:
[عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى إليه يوم القيامة)].
*فيه من الفقه أن عذاب القبر ونعيمه حق، فأما المؤمن فإن عرض مقعده كل يوم بالغداة والعشي، والذي أراه فيه أنه يعرض عليه ذلك تبشيرًا له، ولينظر هل له فيه مستزاد فيستزيده أو أمنية فيعطاها، ولأنه أيضًا تعليل له
[ ٤ / ١٣١ ]
في البرزخ وليقتصر عليه مدة الانتظار بما يستسلفه من سرور التوقع، وأما الكافر فلترويعه؛ فإن الترويع منه ما يستراح إلى الألم منه إذا وقع فيكون مروعًا مدة الدنيا إلى أن يقع العذاب.
-١٣٤٤ -
الحديث العاشر ببعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: وهو على المنبر، وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: (اليد العليا خير من اليد السفلى).
واليد العليا: هي المنفقة، والسفلى: هي السائلة].
*في هذا الحديث من الفقه أن الإنفاق خير من الإمساك، وليس يدل على أن الغني خير من الفقير؛ فإن اليد المنفقة مخرجة للمال، والسائل قابل لذلك الإخراج، فكل منهما معاون لصاحبه على عقد هذه العبارة لله ﷿.
*وقوله: (السفلى هي السائلة) لا مدخل فيه من قبل ما أتاه من غير مسأله (٩١/أ) قال الخطابي: قد توهم كثير من الناس أن معنى العليا الاستعلاء، من علو الشيء، وليس ذلك عندي؛ فالوجه من علا: المجد والكرم يريد به الترفع عن المسألة.
-١٣٤٥ -
الحديث الحادي عشر بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ -: (أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة
[ ٤ / ١٣٢ ]
فصلى بها. وكان ابن عمر يفعل ذلك).
وعن نافع: (أن عبد الله كان إذا صدر من الحج والعمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة التي كان ينيخ بها رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - يبين بذي طوى بين التلبيتين).
وفي رواية للبخاري: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا خرج إلى مكة صلى في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات بها)].
*هذا الحديث يدل على اتباع ابن عمر سنة رسول الله - ﷺ - واقتفائه أثره في أفعاله، وسيأتي في حديث الحديبية طرف من هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
-١٣٤٦ -
الحديث الثاني عشر بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم الحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين).
وفي رواية لمسلم: أن عبد الله قال: حلق رسول الله - ﷺ -، وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم. قال عبد الله: فقال رسول الله - ﷺ -: (رحم الله المحلقين) مرة أو مرتين، ثم قال: (والمقصرين).
وفي رواية: أنه قالها ثلاثًا، فلما كان في الرابعة قال: (والمقصرين).
[ ٤ / ١٣٣ ]
وفي رواية: (حلق رسول الله - ﷺ -، وطائفة من أصحابه. لم يزد)].
*إنما قدم رسول الله - ﷺ - المحلقين؛ لأنه - ﷺ - حلق رأسه فحلق قوم وقصر قوم، فقدم من وافقه وقصر بالدعاء عن المقصرين؛ لأن المقصرين قصروا باقتصارهم على التقصير، فيكون في نطق هذا الحديث إشارة إلى أن المحلق يتناول ذكره معنى في (٩١/ب) اللغة: وهو البالغ في الارتفاع، وذكر المقصر؛ فإنه يتناول ذكر المقصر في الحال إلا أن معناه المراد المحلقي رؤوسهم ومقصريها، وإنما النطق يوافق المعنى الآخر الذي يستشف منه.
-١٣٤٧ -
الحديث الثالث عشر بعد المائة:
[عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).
وفي رواية لمسلم: كان رسول الله - ﷺ - اذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة، إذا أوفى على ثنية أو فد فد. كبر ثلاثًا)].
[ ٤ / ١٣٤ ]
* في هذا الحديث ما يدل من الفقه أن رسول الله - ﷺ - كان إذا آب من سفر لم يلهه فرح الأوبة ولا دهشة الداخل ولا سرور القادم على الأهل بعد طول الغيبة عن شكر الله وحمده والثناء عليه، فكان يعلن بذلك على كل شرف: وهو المكان العالي.
(والفدفد): أرض فيها غلظ وارتفاع. (والإياب): الرجوع من السفر، وقوله: (آيبون): خبر محذوف يقدر فيه نحن آيبون.
* وقوله: (تائبون) بعد قوله: (آيبون)؛ فإن التوبة تتضمن معنى الأوبة، إلا أنها فيها زيادة تخليص لمعنى الرجوع إلى الله ﷾، فكان قوله - ﷺ -: (تائبون) عند قفوله من عباده كالغزو والحج بعد قوله: (آيبون) على أثر ذلك نافيًا للعجب من كل عبادة ليدحض العجب بالكلية.
* وقوله: (ساجدون) الإشارة بذلك إلى الصلاة. وقوله: (لربنا حامدون) كان الوقوف على ربنا: إنا ساجدون لربنا، ثم عاد فابتدأ حامدون، ويكون هذا خبر أيضًا والمبتدأ محذوف؛ أي: ونحن حامدون.
* وقوله: (صدق الله وعده) أي الذي وعد به، وهذا وإن كان في حج ولم يجر فيه حرب يقتصي ذكر النصر، فإنه يذكر - ﷺ - بالنعمة المتأخرة النعمة المتقدمة، وهذا يتعين على كل منعم عليه أن تذكره النعمة المتأخرة المتقدمة ولا يكون سببًا في نسيانها؛ فإنه - ﷺ - (٩٢/أ) إنما دخل المسجد الحرام آمنًا لا
[ ٤ / ١٣٥ ]
يخاف شيئًا عن نصر الله له وإعلاء كلمته، فلم تنسه هذه المتأخرة النعمة المتقدمة بل كانت مذكرة بها.
-١٣٤٨ -
الحديث الرابع عشر بعد المائه:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث).
وعند مسلم: (دون واحد)].
*قد سبق هذا الحديث في حديث ابن مسعود.
-١٣٤٩ -
الحديث الخامس عشر بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (خمس من الدواب، ليس على المحرم في قتلهن حرج: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور).
وفي رواية لمسلم: (خمس من الدواب كلها فاسق؛ لا حرج على من قتلهن ) وذكر الحديث.
[ ٤ / ١٣٦ ]
وفي رواية: (في الحرام والإحرام). زاد أبو مسعود: (قلت لنافع: فالحية؟ قال: تلك لا يختلف فيها)].
*في هذا الحديث من الفقه: أنه كما كان الإحرام عبادة، وكان قتل هذه الأشياء المؤذية عبادة؛ لم تكن العبادة لتشغل عن العبادة، وأذن رسول الله - ﷺ - في قتلها.
*وقد نبه النبي - ﷺ - بذكر هذه الخمس الفواسق على أن ما لا يؤكل لحمه لا يجب الجزاء بقتله، وهذا مذهب أحمد ومالك والشافعي ﵃. قال سفيان بن عيينة: (الكلب العقور): كل سبع يعقر.
-١٣٥٠ -
الحديث السادس عشر بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - نهى عن الوصال. قالوا: إنك تواصل؟
قال: (إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى).
وفي رواية: لست مثلكم).
وفي رواية للبخاري: (أن النبي - ﷺ - واصل، فواصل الناس، فشق عليهم، فنهاهم رسول الله - ﷺ - أن يواصلوا. قالوا: إنك تواصل، قال:
[ ٤ / ١٣٧ ]
لست كهيئتكم، إني أظل أطعم وأسقى)].
*في هذا الحديث من الفقه: أنه يفهم من النهي عن الوصال كراهية التجوع وكل ما يهضم من قوى الإنسان التي يعبد الله ﷿ بها.
*وهذا رد على ما يراه من لا علم له (٩٢/ب) من التجوع المفضي بأهله إلى الأمراض وضعف القوى ووحشة الأخلاق؛ فإن الله سبحانه كما حرم الخمر من أجل أنها تفسد عقل المؤمن؛ فكذلك لا يستحب للمؤمن أن يتعرض لكل ما يكسب خلقه الفساد؛ فهو ضد ما أمر به - ﷺ - من حسن الخلق.
-١٣٥١ -
الحديث السابع عشر بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا)].
*المراد من هذا الحديث: أن من حمل السلاح على المسلمين فليس منهم؛ لأنه ينبغي أن يحمل السلاح ليكون عونًا لهم على عدوهم، فإذا حمله عليهم خرج عن ناصر بهم منهم.
[ ٤ / ١٣٨ ]
-١٣٥٢ -
الحديث الثامن عشر بعد المائة:
[عن ابن عمر قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن النجش)].
* (النجش): نوع من الخديعة والغبن، وهو أن يمدح سلعة، ويزيد في ثمنها وهو لا يريد الشراء؛ ولكن يقصد أن يسمعه غيره فيغتر فيزيد ويشتري.
*وفي هذا الحديث من الفقه: أن المزايد في السلعة ولا أرب له فيها هو بين أن يريد أن يغر بها غيره ليوقعه فيها، فهذا لا يحل؛ أو يريد أن يخرج ذلك مخرج السحري والباطل، وهذا لا يجوز.
-١٣٥٣ -
الحديث التاسع عشر بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يبع بعضكم على بيع بعض).
وفي رواية: (نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، أو يخطب).
وفي رواية لمسلم قال: (لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له).
[ ٤ / ١٣٩ ]
وفي رواية: قال: (لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب أحدكم على خطبة بعض)، وزاد: (إلا أن يأذن له)].
*في هذا الحديث من الفقه: ألا يتعرض الإنسان للإفساد؛ وذلك أنه إذا تعرض لشيء قد اشترى فقد أفسد؛ لكن إن أراد الحق فليبتع تلك السلعة، ممن وجبت له.
فأما المزايدة قبل وجوب البيع فإن ذلك لا يتناوله هذا النهي، ولذلك إذا أنعم للخاطب وأجيب إلى التزويج، فإن الذاكر نفسه حينئذ متعرض للإفساد؛ فإنه حيث رضي به فقد وضعت له مقدمات تنتهي إلى العقد، فلا يحل له ذلك، بل يجوز له ذلك قبل أن ينعم له أن يكون أسوة الخطاب، ويدل على ذلك قوله: (إلا أن يأذن له)، ومتى أذن له فقد نزل عن حقه (٩٣/أ) من ذلك.
-١٣٥٤ -
الحديث العشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - (نهى أن يتلقى السلع حتى تبلغ بها الأسواق).
قال فيه عبد الله بن يوسف عن مالك: (لا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق).
[ ٤ / ١٤٠ ]
وفي رواية: (نهى عن التلقي).
وفي رواية: (كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهى النبي - ﷺ - أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام)].
*في هذا الحديث ما يدل على رفق الشرع بالقادم بالسلع، وأن لا يتلقاه متلق فيخلوا به، فيبايعه بيعًا لو قد وصل إلى أسواق المسلمين ورأى كثرة الراغب في سلعته وعلم سعرها في سوق المسلمين لم يبع حينئذ.
فينبغي لكل من يبغي التجارة أن يقف عند أوامر رسول الله - ﷺ - في ذلك؛ فإنها أرفق به وله، فإن هذا المشتري في وقت قد يكون بائعًا في وقت آخر، والمقدوم عليه في وقت قد يكون قادمًا في وقت آخر، فليكن نظره إلى ما لاحظه الشرع من مصلحة الجمهور والعموم.
-١٣٥٥ -
الحديث الحادي والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - (نهى عن المزابنة. والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا).
وعن ابن عمر: (نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة؛ أن يبيع الرجل ثمر حائطه، إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله).
وفي رواية: (وبيع الزرع بالحنطة كيلًا).
[ ٤ / ١٤١ ]
وفي رواية: وزاد فيه: (عن كل ثمر بخرصه ).
وفي رواية: (نهى عن المزابنة. قال: والمزابنة: أن يباع ما في رؤوس النخل بتمر مسمى، إن زاد فلي وإن نقص فعلي)].
*قد مضى هذا في مسند ابن عباس ﵁ مفسرًا.
-١٣٥٦ -
الحديث الثاني والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، (٩٣/ب) فينتثل طعامه؟ وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه فينثل طعامه)].
*في هذا الحديث: أنه لا يجوز لأحد أن يحلب ماشية أحد إلا بإذنه، وهذا إذا كان المالك مع الماشية؛ فأما إذا كانت الإبل والشاة هملًا؛ قد جاء في الحديث: (أن من مر بذلك، نادى: يا راعي الإبل، ثلاثًا، فإن أجابه وإلا
[ ٤ / ١٤٢ ]
شرب)؛ وذلك أن الإسلام وضع على السماحة والتبادل؛ وأن الإنسان يتصرف في مال أخيه المسلم، وقد قال الله ﷿: ﴿أو صديقكم﴾.
وعلى هذا أرى أن أبا بكر لما قال للراعي: لمن أنت؟ قال: لرجل من أهل المدينة. فقال له: أتحلب لي؟ فأراد تطييب ذلك بالإذن له فيه، ولم يذكر في الحديث هل كان صاحب الغنم مسلمًا ولا كافرًا؟ إلا أن الإٍسلام كان قد فشا بالمدينة، فرضي أبو بكر بإذن الراعي في ذلك؛ لأن الغالب في العادة أن مالك الشاة والإبل بتسليمه إياها إلى راعيها، فإنها مفوضة إلى ذلك الراعي، وأن إذن الراعي فيها يبيح تناول ما يتناول منها الشيء عن مكانه.
*وينتثل: يفرق ويبدد، والنثل: نثر الشيء سرعة في مرة واحدة.
-١٣٥٧ -
الحديث الثالث والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو). زاد أبو مسعود: قال مالك: (أرى ذلك مخافة أن يناله العدو).
وفي رواية لمسلم نحو حديث مالك، وقال: (نخاف أن يناله العدو).
قال أيوب: (فقد ناله العدو وخاصموكم به)].
[ ٤ / ١٤٣ ]
* في هذا الحديث من الفقه النهي عن السفر بالمصحف.
وقوله: (بالقرآن) دليل على أن القرآن في المصحف، وكذا ينبغي تنزيه القرآن أن يكون عند الكفار مخافة أن يناله ذلك بالوقيعة فيه؛ وإنما نهى عن المسافرة بالمصحف لموضع كرامته، قال ﷿: ﴿في صحف مكرمة﴾، وإنما يكرمها البررة من المؤمنين، ومن تكريمه لها لا يمكن أعداء الله أن ينالوها بعين ولا سمع.
-١٣٥٨ -
الحديث الرابع والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، (أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الكلاب).
وفي رواية: (أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الكلاب، فأرسل في أقطار المدينة أن تقتل).
زاد أبو مسعود: وقال: (من اقتنى كلبًا نقص من أجره كل يوم قيراطان).
وفي رواية لمسلم: (كان رسول الله - ﷺ - (٩٤/أ) يأمر بقتل الكلاب، فننبعث في المدينة وأطرافها فلا ندع كلبًا إلا قتلناه، حتى إنا لنقتل كلب المرية من أهل البادية يتبعها).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد، أو كلب غنم، أو ماشية. فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: أو كلب زرع. قال
[ ٤ / ١٤٤ ]
ابن عمر: إن لأبي هريرة زرعًا)].
*إنما نقص الأجر في اقتناء الكلاب من أجل انتشار النجاسة عنها، وترويع المسلم بها سيما الغرباء من الضيوف والوفود.
وقد سبق بيان هذا في هذا المسند، وكشفنا هنالك عن معنى قوله: إن لأبي هريرة زرعًا، وإنما أباح اقتناء كلب الماشية والصيد لما فيها من المنفعة، وقد قيل: إن الأمر بقتل الكلاب منسوخ بحديث ابن المغفل: (ما بالهم وبال الكلاب) وقد تقدم ذكره.
*فأما الحكمة في أمر النبي - ﷺ - بقتل الكلاب التي لا تكون لزرع ولا ماشية ولا صيد؛ فالذي أرى فيه: أن العطش إذا اشتد بالكلب انتهى به إلى أن يعرض له علة الكلب، فيكون إذا عض حيوانًا كلب ذلك الحيوان بعض الحيوانات وغيرهما، مما كل شيء تناله عضته؛ فإنه يكلب.
والكلب داء لا دواء له غالبًا، بل يستراح منه إلى الموت، فتكون كلب
[ ٤ / ١٤٥ ]
الصيد والماشية والزرع مما يفشا، وأن الغالب من أصحاب الزروع والصيود والمواشي أن يتعاهدوا كلابهم بسقيها الماء، فلا ينتهي بها العطش إلى ذلك غالبًا، بخلاف الكلاب التي لا منفعة فيها؛ فإنها معرضة لاشتداد العطش الذي يغضي بها إلى الكلب كما ذكرناه، فيكون في قتل تلك نظر تام لعباد الله سبحانه.
-١٣٥٩ -
الحديث الخامس والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن عائشة أم المؤمنين أرادت أن تشتري جارية فتعيقها، فقال أهلها: نبيعكها لك على أن ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: (لا يمنعك ذلك، فإنما الولاء لمن أعتق).
وفي رواية للبخاري: (إن عائشة ساومت بريرة، فخرج النبي - ﷺ - إلى الصلاة فلما جاء قالت: إنهم أبوا أن يبيعوها إلا أن يشترطوا الولاء، فقال النبي - ﷺ -: (الولاء لمن أعتق).قلت لنافع: حرًا (٩٤/ب) كان زوجها أو عبدًا؟ قال: ما يدريني)].
*هذا طرف من حديث بريرة، وسيأتي ذكره في مسند عائشة ﵂.
[ ٤ / ١٤٦ ]
-١٣٦٠ -
الحديث السادس والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ -، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلًا زنيا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (ما تجدون في كتابكم (التوراة) في شأن الرجم؟) فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم؛ إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما النبي - ﷺ - فرجما، قال: فرأيت الرجل يجنئ على المرأة يقيها الحجارة).
وفي رواية: (أتي رسول الله - ﷺ - برجل وامرأة من اليهود قد زنيا، فقال لليهود: (ما تصنعون بهما)؟ فقالوا: نسخم وجههما، ونخزيهما قال: (فائتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)، فجاؤوا بها، فقالوا لرجل ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها، فوضع يده عليه، قال: (ارفع يدك) فرفع فإذا آية الرجم تلوح، فقال: يامحمد، إن فيها الرجم، ولكننا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما، فرأيته يجانئ).
وفي رواية: (أن اليهود جاؤوا إلى النبي - ﷺ - برجل وامرأة زينا فرجما قريبًا من موضع الجنائز، قرب المسجد).
وفي رواية: (أتى رسول الله - ﷺ - بيهودي ويهودية قد أحدثا جميعًا، فقال لهم: (ما تجدون في كتابكم)؟ قالوا: إن أخبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه.
قال عبد الله بن سلام: ادعم يارسول الله بالتوراة، فأتى بها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له ابن سلام: ارفع
[ ٤ / ١٤٧ ]
يدك؛ فإذا آية الرجم تحت يده، وأمر بهما رسول الله - ﷺ - فرجما. قال ابن عمر: فرجما عند البلاط، فرأيت اليهودي يحنًا عليها).
وفي رواية لمسلم: (أن رسول الله - ﷺ - أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله - ﷺ - حتى جاء يهود، فقال: (ما تجدون في التوراة على من زنى؟) قالوا: نسود وجوهما ونحممهما، ونخالف (٩٥/أ) بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: (فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)؛ فجاءوا بها فقرأوها،
حتى إذا مروا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال عبد الله بن سلام -وهو مع رسول الله - ﷺ - مره-: فليرفع يده، فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله - ﷺ - فرجمهما. قال عبد الله بن عمر: كنت ممن رجمها، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه)].
*في هذا الحديث أن اليهود إذا تحاكموا إلينا حكمنا عليهم يحكم الله عندنا، وإنما سألهم رسول الله - ﷺ - عما عندهم ليكون محتجًا عليهم بما في كتابهم.
*وفيه دليل على قلة أمانة اليهود، وكتمانهم الحق جريًا على عادتهم السيئة؛ فإنهم بلغ بهم البهت إلى أن وضع واضع منهم يده على آية الرجم، حتى أظهرها عبد الله بن سلام، فاستدل بذلك على أنهم قد كتموا أمر
[ ٤ / ١٤٨ ]
رسول الله - ﷺ - وصفته، وقد اعلم الله تعالى نبيه - ﷺ - أن القوم بدلوا التوراة، إلا أن هذا لم يكن قد حرفوه بعد.
*وفيه أن الله تعالى أعان نبيه - ﷺ - من عبد الله بن سلام بأحسن عون؛ لأنه شهد عليهم شاهد من أنفسهم.
*وقوله: (يحنأ عليها) أي يكب، والحنأ: الاحديداب.
*وفي هذه القصة تعيير لمن يتقي في الحرب بغيره، لأن هذا اليهودي وقي هذه الفاجرة بنفسه، فكيف يصلح أن يتقي شخص في طلب الحور العين بغيره، ويدافع بالآخر عن نفسه.
*وفيه أن اليهود إنما كانوا يحتملون من أحكام الله ما يخفف عليهم دون ما يثقل، فقد حذرنا الله ﷿ بذكر هذا الحال عن أن نكون مثلهم، بل نحمل ما حملنا ربنا، ونسأله التخفيف.
*والتجبيه أن يجبه بالسب.
-١٣٦١ -
الحديث السابع والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه)].
[ ٤ / ١٤٩ ]
* في هذا الحديث ما يدل على اجتماع الخلق في ذلك الموقف الاجتماع الذي لا يمكن أن يصفه من لم يشاهده بعد (٩٥/ب) إلا أنه إذا قيس أهل الدنيا في وقت ثم ضوعف ذلك العدد في ذلك الوقت بما كان قبله منذ خلقت الدنيا، وبما يكون معه إلى يوم القيامة، وأن كل هؤلاء الخلائق يجمعون في يوم واحد ثم يضم إليهم ما كان من دابة وطائر وحشرات وهوام، وحوت في بحر وضب في بر، وغير ذلك مجموع كله فيما مضى، ومجموع كله فيما يأتي إلى يوم القيامة، وأنهم يطول بهم الوقوف على هذه الكثرة، فإن ما ذكره - ﷺ - من الرشح لتلك الفكرة.
-١٣٦٢ -
الحديث الثامن والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة: إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت).
وفي رواية: (وإذا قام صاحب القرآن يقرأه بالليل والنهار ذكره، وإذا لم يقم به نسيه)].
* (المعقلة): المشدودة بالعقل، وهو جمع عقال، وهو الحبل التي تشد به.
[ ٤ / ١٥٠ ]
* وقد سبق هذا الحديث والكلام عليه.
- ١٣٦٣ -
الحديث التاسع والعشرون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها).
وفي رواية: (أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها).
قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم.
وفي رواية عن ابن عمر قال: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب). وفي رواية: (إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب) قال خالد: فإذا عبد الله ينزله على العرس.
وفي رواية لمسلم: قال رسول الله - ﷺ -: (ائتوا الدعوة إذا دعيتم).
وفي رواية: (إذا دعي أحدكم فليجب).
وفي رواية: (أن ابن عمر كان يقول عن النبي - ﷺ -: إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عرسا كان أو نحوه).
وفي رواية: (من دعي إلى عرس أو نحوه فليجب).
وفي رواية: (إن دعيتم إلى كراع فأجيبوا)].
* إذا صنع الطعام عند العرس فهو وليمة. وقد سبق الكلام على هذا الحديث
[ ٤ / ١٥١ ]
وبينا أنه إنما يجب إجابة الداعي إلى وليمة العرس.
-١٣٦٤ -
الحديث الثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها، حرمها في الآخرة).
في رواية القعنبي: (فلم يسقها).
وفي رواية: (من شرب الخمر في الدنيا، لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب).
وفي رواية: (٩٦/أ): (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يتب منها، لم يشربها في الآخرة).
وفي رواية: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)].
* في هذا الحديث دليل على أنه من مات مصرًا على شرب الخمر فدخل الجنة بأعمال خير كانت له؛ فإنه لا يشرب فيها الخمر، وذلك لأن الله ﷿ حرم هذا الخمر تكريمًا لعبده المؤمن عن أن يسفه رأيه أو يطيش حلمه، فكان من حقه أن يشكر الله ﷿ على هذا التحريم لهذه الخبيثة، وحيث لم يفعل وشربها على كونها غير مشتهاة الطعم، ولا حافظة للعقل، ولا خالية من المضار
[ ٤ / ١٥٢ ]
لبدنه؛ إذ الميل إلى كل مطعوم لأجل استلذاذ طعمه أو لأجل منافعه أو لحفظ الصحة، وقد يؤذي وفيها مضار كثيرة من حيث علم الأبدان.
فكان الذي يشربها على كونها تزيل عقله الذي يعبد به ربه، ويستضر بها في بدنه، وتكدر عيشه بمرارة طعمها؛ فإنه كالمعاند لربه إذا لم يتفق عليه النفاق، اغتفر له هذه المساوئ كلها إلا من حيث إن الله حرمها، فإذا آثر شربها شارب على اتباع أمر الله ﷿ - كان من جنس عقوبته أن يمنعه الله ﷿ منها حين يطلقها لعباده المؤمنين، على أنه قد ذكر بعض الناس أنه كان يوما في شرب فأنشد من أولئك الشرب بيت البحتري:
وكم من أخ لو حرم الماء لم أكن له ولو أنني مت ظمآن شاربا
قال: فسمعت ذلك البيت، فقلت في نفسي: أيقول هذا: إنه لو حرم أخوه الماء لمات ظمآن ولم يشربه، ويكون ربي ﷿ قد حرم علي هذه الخبيثة ثم أشربها، لا أشربها أبدا. فذكر أنه لم يشربها حتى لقيته، وأحسبه كان على ذلك حتى مات.
[ ٤ / ١٥٣ ]
-١٣٦٥ -
الحديث الحادي والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء).
وفي رواية: (يوم القيامة).
وفي رواية: (إن الذي يجر ثيابه من الخيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة).
وفي رواية: (من جر ثوبه من مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة). قلت لمحارب: أذكر إزاره؟ قال: ما خص إزارا ولا غيره.
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - (٩٦/ب): (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة).
قال أبو بكر: يا رسول الله، أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (لست ممن تصنعه خيلاء).
وعن ابن عمر: أنه رأى رجلا إزاره، فقال: ممن أنت؟ فانتسب له، فإذا رجل من بني ليث، فعرفه ابن عمر، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - بأذني هاتين يقول: (من جر إزاره، لا يريد بذلك إلا المخيلة؛ فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة).
وفي رواية: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء).
وفي رواية للبخاري: (بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو
[ ٤ / ١٥٤ ]
يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة)].
* في هذا الحديث شدة النهى عن إسبال الإزار. و(المخيلة): هو التكبر.
* وفيه: أنه يجر ثوب الإنسان لا للخيلاء لم يدخل في هذا الوعيد؛ لقول أبي بكر ﵁، وجوال الرسول - ﷺ - له، ويدخل على ما قلنا قوله: (لا يريد به إلا المخيلة). والخيلاء والمخيلة: التكبر/ يقال: خال الرجل واختال، وأنشدوا:
بأن الشباب وحب الخالة الخلبه وقد صحوت وما بالنفس من قلبه
وقوله: (يتجلجل) التجلجل حركة مع صوت، والمعنى أنه يخسف به ولا يثبت ولا يزال منحدرا.
-١٣٦٦ -
الحديث الثاني والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله - ﷺ -، فأجلى رسول الله - ﷺ - بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم حتى حاربت
[ ٤ / ١٥٥ ]
قريظة بعد ذلك، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا برسول الله - ﷺ -؛ فآمنهم وأسلموا، وأجلى رسول الله - ﷺ - يهود المدينة كلهم:
بني قينقاع - وهم قوم عبد الله بن سلام، وبهود بني حارثة، وكل يهودي كان في المدينة.
زاد أبو مسعود: (وكان اليهود والنصارى ومن سواهم من الكفار لا يقرون فيها ثلاثة أيام على عهد عمر)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الإمام إذا حاربه قوم أن يقتل منهم من شاء، ويمن على من شاء؛ لأنه قال: (أجلى بني النضير، وأقر قريظة، ومن عليهم)، فإذا غدر الذين من عليهم استباح (٩٧/أ) منهم ما كان قد حظره.
* وفيه دليل على جواز إجلاء اليهود من المدينة، أنه إذا قدم منهم قادم بعهد لم يترك أن يقيم بالمدينة إلا ما دون ثلاثة أيام.
-١٣٦٧ -
الحديث الثالث والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر، (أن النبي - ﷺ - قطع نخل بني النضير، وحرق).
زاد ابن المبارك عن موسى: ولها يقول حسان بن ثابت:
[ ٤ / ١٥٦ ]
وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير
وفي ذلك نزلت: ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة﴾ الآية.
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - حرق نخل بني النضير، وقطع، وهي البويرة.
قال: فأنزل الله ﷿: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ ذكر الآية).
وفي رواية: (حرق رسول الله - ﷺ - نخل بني النضير).
وفي رواية: (أنه حرق نخل بني النضير، وقطع، وهي البويرة، ولها يقول حسان بن ثابت:
وهان على سراة بني لؤي حريق بالبويرة مستطير
زاد حبان في روايته عن جويرية: فأجابه سفيان بن أبي حرب:
أدام الله ذلك من صنيع وحرق في جوانبها السعير
ستعلم أينا منها بنزه وتعلم أي أرضينا تضير].
* في هذا الحديث: جواز قطع النخل والتحريق والإثخان في العدو؛ وذلك أن من قطع النخل معتقدا بذلك أنه ينكأ في العدو، ويضعف قلبه، ويقطع داره ويجتث أصله؛ فإنه مقصد بالغ في الصلاح، ومن ترك النخل ليعود إلى
[ ٤ / ١٥٧ ]
المسلمين ويبقى لهم؛ فهو مقصد صالح بالغ في الصلاح، ولأن مآلها إلى المسلمين فهو لثقته بأن الإسلام سيظهر تركها.
* وهذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة﴾ قد مضت على جواز اجتهاد المجتهدين.
قال أبو عبيدة وابن قتيبة: اللينة هي ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية.
قال الزجاج: أصل لينة: لونة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها.
* وقول حسان: (سراة بني لؤي) سروات الناس: ساداتهم وأشرافهم، و(المستطير): المنتشر.
* وقول أبي سفيان: (ستعلم أينا منها ينزه) أي يبعد، والتنزه: التباعد، أما فعل (٩٧/ب) النبي - ﷺ - ما فعل من ذلك ليتسع المكان للقتال، ومتى لم يقدر على العدو وإلا بذلك جاز، وهذا مذهب أحمد بن حنبل في خلق كثير.
-١٣٦٨ -
الحديث الرابع والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر، وفي حجته حين حج، تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزو، فكان في تلك الطريق، أو في حج أو عمرة، هبط من بطن
[ ٤ / ١٥٨ ]
واد، فإذا ظهر من بطن واد، أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فعرس ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة، ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كثب، كان رسول الله - ﷺ - ثم يصلي، فدحا السيل فيه بالبطحاء، حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه.
وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي - ﷺ - صلى حيث المسجد الصغير، الذي دون المسجد بشرف الروحاء، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي - ﷺ -، يقول: ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى، وأنت ذاهب إلى مكة، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك.
وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب إلى مكة، وقد ابتني ثم مسجد، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد، كان يتركه عن يساره ووراءه، ويصلي أمامه إلى العرق نفسه. وكان عبد الله يروح من الروحاء، فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر، وإذا أقبل من مكة، فإن مر به قبل الصبح بساعة، أو مر آخر الليل السحر، عرس حتى يصلي بها الصبح.
وأن عبد الله حدثه: أن النبي - ﷺ - كان ينزل تحت سرحة ضخمة، دون الرويثة، عن يمين الطريق، ووجاه الطريق، في مكان بطح سهل، حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين، وقد انكسر أعلاها فانثنى في
[ ٤ / ١٥٩ ]
جوفها، وهي قائمة على ساق، وفي ساقها كثب كثيرة.
وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن (٩٨/أ) النبي - ﷺ - صلى في طريق تلعة من وراء المعرج، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، على القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق، عند سلمات الطريق، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج، بعد أن تميل الشمس بالهاجرة، فيصلي الظهر في ذلك المسجد.
وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن رسول الله - ﷺ - نزل عند سرحات عن يسار الطريق، في مسيل دون هرشي، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشي، بينه وبين الطريق قريب من غلوة، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة، هي أقرب السرحات إلى الطريق، وهي أطولهن.
وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي - ﷺ - كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران، قبل المدينة حين ينزل من الصفراوات ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق، وأنت ذاهب إلى مكة، ليس بين منزل رسول الله - ﷺ - وبين ذلك الطريق إلا رمية حجر.
وأن عبد الله بن عمر حدثه: أن النبي - ﷺ - كان ينزل بذي طوى/ ويبيت حتى يصبح، يصلي الصبح حين يقدم مكة، ومصلى رسول الله - ﷺ - على أكمة غليظة، ليس في المسجد الذي بني ثم، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة.
وأن عبد الله حدثه: أن النبي - ﷺ - استقبل فرضي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة، فجعل المسجد الذي بني يسار المسجد بطرف الأكمة، ومصلى رسول الله - ﷺ - أسفل منه على الأكمة السوداء، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي
[ ٤ / ١٦٠ ]
بينك وبين الكعبة).
وفي رواية للبخاري من حديث موسى بن عقبة، قال: (رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها، ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي - ﷺ - يصلي في تلك الأمكنة).
وفي رواية للبخاري عن نافع، قال ابن عمر: (إذا أراد الخروج إلى مكة ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد ذي الحليفة، فيصلي، ثم يركب، فإذا استوت به (٩٨/ب) راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل).
وفي رواية: (كان ابن عمر إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به ويغتسل، ويحدث أن النبي - ﷺ - كان يفعله).
وفي رواية: (أن ابن عمر كان إذا صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت، فركب حتى إذا استوت به استقبل القبلة قائما ثم يلبي حتى إذا بلغ الحرم أمسك، حتى إذا أتى ذا طوى بات به، فيصلي الغداة، ثم يغتسل، وزعم أن النبي - ﷺ - فعل ذلك).
وفي رواية عن ابن عمر: (أن رسول الله - ﷺ - بات بذي طوى حتى أصبح، ثم دخل مكة، وكان ابن عمر يفعله)].
[ ٤ / ١٦١ ]
* في هذا الحديث ذكر السمرة: وهي شجرة الطلح.
وشفير الوادي: طرفه، وقد سبق ذكر التعريس والأكمة. والخليج: جانب من النهر وكأنه مختلج منه أي مقتطع منه. والكثب: جمع كثيب وهو ما اجتمع من الرمل وارتفع.
وقوله: فدحا السيل فيه بالبطحاء: أي بحصى البطحاء وترابه، أي دفعها إليه وبسطها فيه حتى خفي. وشرف الروحاء: هو ما ارتفع من ذلك المكان. وحافة الطريق: جانبيها.
وقوله: كان يصلي إلى العرق قال ابن فارس: العرق من الأرض سبخه تنبت الطرفاء. والسرحة: نوع من الشجر له ثمر، قال الشاعر:
فواعد به سر حتي مالك أما لربا بينهما أسهلا
والرويثة: اسم موضع. ووجاه الطريق: مقابلها. والتلعة: مسيل الماء من فوق إلى أسفل. والهضبة: فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل. والرضم: حجارة كبار. والسلمات: شجرات، واحدها سلمة وهي شجر ورقها القرظ الذي يدبغ به الآدم. وكراع هرشي: طرفها. وهرشي: اسم مكان.
[ ٤ / ١٦٢ ]
والغلوة: قدر رمية. والسيل: مجرى الماء في منحدر الأرض.
ومر الظهران: اسم موضع. وفرضة الجبل: مدخل الطريق إليه.
* وفي هذا الحديث من الفقه استحباب تعاهد الرجل منزله الذي كان ينزل به قاصدا الخير؛ فإنه نزل به مطيعا لله ذاهبا في سبيله فيكون نزوله فيه مرة أخرى مجددا الحمد لله ﷿.
* وفيه أيضا أن رسول الله - ﷺ - توخى (٩٩/أ) هذه المنازل أنها كانت كالأعلام؛ فإذا أتى الآتي عرف بها رسول الله - ﷺ - فيستغني عن طلبه، ويستحب لمن عرف تلك الأماكن التي عرفها ابن عمر من مواطن رسول الله - ﷺ - أن ينزل بها ويتبرك بها ويتمسح بترابها، وقد أحسن المتنبي في قوله:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة لمن بان عنه أن يلم به راكبا.
-١٣٦٩ -
الحديث الخامس والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر: (أن رسول الله - ﷺ - شغل عنها ليلة، يعني صلاة العتمة، فأخرها حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، ثم خرج علينا النبي - ﷺ -، ثم قال: (ليس أحد من أهل الأرض الليلة ينتظر الصلاة غيركم).
زاد البخاري: (وكان ابن عمر لا يبالي: قدمها أو أخرها، إذا كان لا
[ ٤ / ١٦٣ ]
يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقلما ما كان يرقد قبلها).
عن ابن عمر قال: وكنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - ﷺ - لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فلا يدرى أشيء شغله في أهله، أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: (إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى)].
* هذا الحديث قد تقدم وسبق الكلام عليه.
-١٣٧٠ -
الحديث السادس والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل النصارى، وقال بعضهم: قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أفلا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (يا بلال، قم فناد بالصلاة)].
[ ٤ / ١٦٤ ]
* قوله: (يتحينون الصلاة) أي يطلبون حينها بالتحري والاجتهاد.
* وقد سبق هذا الحديث في مسند عبد الله بن زيد.
-١٣٧١ -
الحديث السابع والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال على المنبر: (غفار: غفر الله لها، وأسلم: سلمها الله، وعصية: عصت الله ورسوله)].
* قد سبق في مسند أبي ذر.
-١٣٧٢ -
الحديث الثامن والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر: (أن رسول الله - ﷺ - (٩٩/ب) نهى عن القزع).
وفي رواية عن عمر بن نافع قال: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته وجانبي الرأس، قيل لعبيد الله: والجارية؟ قال: لا أدري؟).
وفي رواية: (قلت لنافع: وما القزع؟ قال: حلق بعض رأس الصبي، ويترك بعض).
[ ٤ / ١٦٥ ]
وحكى أبو مسعود: أن في حديث أيوب: (أن النبي - ﷺ - رأى غلاما قد حلق بعض رأسه، وترك بعض، فنهاهم عن ذلك، وقال: احلقوا كله، أو ذروا كله)].
* قد ذكر تفسير القزع في الحديث، ومنه: قزع السحاب، وهي قطعة. والسنة أن يترك الشعر كله.
* وفي هذا الحديث جواز حلقه كله في غير منى؛ لأنه قال: (احلقوا كله أو ذروا كله).
-١٣٧٣ -
الحديث التاسع والثلاثون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (كان رسول الله - ﷺ - يعتكف العشر الأواخر من رمضان. وقال نافع: أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله - ﷺ - من المسجد)].
* فيه دليل على استحباب الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان؛ فإنه انقطاع إلى الذكر.
[ ٤ / ١٦٦ ]
* ومن شرطه أن يكون في مسجد يقام فيه الجماعة، لئلا يعتكف في مسجد لا يقام فيه الجماعة فيفوته من فضيلة الجماعة ما لا يجبر بالاعتكاف. ومن شرطه ألا يشتغل إلا بقربة.
* وينبغي للمعتكف أن يفهم معنى الاعتكاف وهو أن يكون كما يكف قدمه عن السعي في غير قربة؛ فكذلك يكف قلبه وخاطره عن الفكر في غير قربة.
-١٣٧٤ -
الحديث الأربعون بعد المائة:
عن ابن عمر، قال: (رأيت في المنام: كأن في يدي قطعة إستبرق، وليس مكان أريد من الجنة إلا طارت إليه، قال: فقصصتها على حفصة، فقصته حفصة على رسول الله - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: أرى عبد الله رجلا صالحا).
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال: إن أخاك رجل صالح. أو: أن عبد الله رجل صالح).
وفي رواية: (رأيت على عهد النبي - ﷺ - كأن بيدي قطعة إستبرق، وكأني لا أريد مكانا من الجنة إلى طارت إليه، ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار؛ فتلقاهما ملك فقال: لم ترع، خليا عنه، فقصت حفصة على النبي - ﷺ - إحدى رؤيتي فقال النبي (١٠٠/أ) - ﷺ -: نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل. فكان عبد الله يصلي من الليل).
قال: فكانوا لا يزالون يقصون على النبي - ﷺ - الرؤيا: أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر -يعني ليلة القدر فقال النبي - ﷺ -: (أرى رؤياكم
[ ٤ / ١٦٧ ]
قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في العشر الأواخر)].
* في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - أول قطعة الإستبرق وكونها في يد عبد الله؛ بأنه رجل صالح لأن الإستبرق لباس أهل الجنة، وفرشهم.
* وفي الحديث ما يحض على قيام الليل، والمراد به التهجد في النافلة لا الفريضة؛ فإن ابن عمر لم يكن يخل بصلاة الفريضة.
-١٣٧٥ -
الحديث الحادي والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن عمر ﵁ أصاب أرضا بخيبر، فأتى النبي - ﷺ - يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر، لم أصب مالا قط أنفس عندي منه، فما تأمر فيه؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر: أنه لا يباع ولا يوهب، ولا يورث، ويصدق بها الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ويطعم غير متمول. قال ابن عون: فحدثت به ابن سيرين، فقال غير متأثل مالا.
وفي رواية: (أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان يقال
[ ٤ / ١٦٨ ]
له ثمغ، وكان نخلا، فقال عمر: يا رسول الله إني استفدت نخلا، وهو عندي نفيس، وأردت أن أتصدق به، فقال النبي - ﷺ -: (تصدق بأصله؛ لا يباع، ولا يوهب ولا يورث؛ ولكن ينفق ثمره) فتصدق به عمر، فصدقته تلك في سبيل الله ﷿، وفي الرقاب والمساكين، والضيف، وابن السبيل، ولذي القربى، ولا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف ويؤكل غير متمو لبه).
وفي رواية للبخاري من حديث عمرو بن دينار، قال: (في صدقة عمر ليس على الوالي جناح أن يأكل ويؤكل صديقا غير متأثل. قال: فكان ابن عمر (١٠٠/ب) هو يلي صدقة عمر يهدي أناسا من أهل مكة كان ينزل عليهم)].
* وقال أبو عبيد: المتأصل: الجامع، ولكل شيء له أصل قد تم أو جمع حتى يصير له أصل، فهو مؤثل ومتأثل.
وقال أمرؤ القيس:
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
* وهذا الحديث قد تقدم في مسند عمر وتقدم الكلام عليه.
[ ٤ / ١٦٩ ]
-١٣٧٦ -
الحديث الثاني والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عون، قال: كتبت إلى نافع، أسأله عن الدعاء قبل القتال؟ فكتب إلي: إنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله - ﷺ - على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية.
وفي كتاب مسلم، قال يحيى: أحسبه قال: جويرية أو البتة ابنة الحارث].
* في هذا الحديث دليل على جواز أن يقاتل الكفار ولا يدعون لأن الدعوة انتشرت وبلغت فكفت.
* ومعنى (غارون): غافلون لم يشعروا به، تقول: اغتررت فأنا غار ومغتر.
-١٣٧٧ -
الحديث الثالث والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: (أراني في المنام -أتسوك بسواك
[ ٤ / ١٧٠ ]
فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناول الآخر، فناولت الأصغر منهما، فقيل لي: كبر فدفعته إلى الأكبر).
قال أبو مسعود: كان النبي - ﷺ - يسير فأعطاه أكبر القوم، وقال: (أمرني جبريل أن أكبر)].
* الذي يقتضيه هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - ذكر هذه تبينا للتعليم للبداية بالأكابر في مناولة سواك أو سؤر شراب؛ لأنه أري في المنام، ومنامه - ﷺ - وحي إن كبر.
* والحديث الثاني على أثر هذا يدل على أن رسول الله - ﷺ - عمل في اليقظة بما أشير عليه في المنام.
-١٣٧٨ -
الحديث الرابع والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: لما رجع من الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بلى نصلي، لم يرد ذلك منا، فذكر ذلك
[ ٤ / ١٧١ ]
للنبي - ﷺ - فلم يعنف واحدا منهم.].
* في هذا الحديث من الفقه جواز الاجتهاد؛ وأنه إذا أفضى بالمجتهد اجتهاده إلى مفضى يراه الصواب كان ذلك فرضه، وإن كان يباين ظاهر الحديث؛ فإن رسول الله - ﷺ - لما قال: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) (١٠١/أ) فرأى بعض القوم: أن يمتثل أمر رسول الله - ﷺ -؛ وإن تأخرت الصلاة عن فضيلتها في أول الوقت تمسكا بحدود نطق رسول الله - ﷺ -.
ورأى الآخرون: أن وصيته - ﷺ - بذلك إنما هي على سبيل الحث لهم في السير كما فهم بامتثال ما أمر به، فلما دخل عليهم وقت العصر، وعرفوا مقصود رسول الله - ﷺ - من ذلك، رأوا أن ينالوا فضيلة الصلاة في وقتها، وأن يذهبوا إلى بني قريظة ممتثلين أمر رسول الله - ﷺ - في الوصول إليها، فذهب بهؤلاء اجتهادهم مذهبهم وبأولئك اجتهادهم مذهبهم فلم يعنف رسول الله - ﷺ - أحدا منهم، وعلى هذا كل ما يسوغ فيه الاجتهاد للفقهاء فهم مثابون في اجتهادهم.
-١٣٧٩ -
الحديث الخامس والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، فقال: ذكر عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله - ﷺ -
[ ٤ / ١٧٢ ]
أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله - ﷺ -: (توضأ، واغسل ذكرك، ثم نم).
وفي رواية: استفتى عمر رسول الله - ﷺ -: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: (نعم، إذا توضأ).
وفي رواية: (أن عمر سأل رسول الله - ﷺ -: أيرقد أحدنا، وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ أحدكم فليرقد)].
* قد سبق هذا في مسند عمر ﵁.
-١٣٨٠ -
الحديث السادس والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (بينما الناس في صلاة الصبح؛ إذا جاءهم آت فقال: إن النبي - ﷺ - قد أنزل عليه القرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة.].
[ ٤ / ١٧٣ ]
* قد سبق هذا الحديث في مسند البراء.
-١٣٨١ -
الحديث السابع والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (إن الظلم ظلمات يوم القيامة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الظلم؛ إنما كان من عدم نور الظالم وإبصاره الأشياء كما هي فإنه لو نظر بعين بصيرته إلى أنه عن قليل يخرج عن ما ظلم فيه إلى مقر آخر يجده المظلوم فيه فردا لا يحال بينه وبينه؛ لكان قد امتنع أن يظلم صاحبه. (١٠١/ب) فلما لم ينته عن ظلم أخيه كان ذلك على مثل ظلمة الليل المتصل من دنياه إلى أخراه، وليس له هناك ما يجلو عن شيئا من
[ ٤ / ١٧٤ ]
الظلمة فكان متنقلا من ظلمة إلى ظلمة، والنار مظلمة سوداء كما جاء في الحديث.
-١٣٨٢ -
الحديث الثامن والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (بعث رسول الله - ﷺ - بعثا، وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال رسول الله - ﷺ -؛ فقال: (إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله، إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده).
وفي رواية: استعمل النبي - ﷺ - أسامة؛ فقالوا فيه، فقال النبي - ﷺ -: (قد بلغني أنكم قلتم في أسامة، وإنه أحب الناس إلي).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - قال وهو على المنبر: إن تطعنوا في إمارته -يريد أسامة بن زيد فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله، إن كان لخليقا لها، وايم الله إن كان لأحب الناس إلي، وإنه لأحب الناس إلي من بعده، وأوصيكم به، فإنه من صالحيكم)].
[ ٤ / ١٧٥ ]
* قوله: (فقد طعنتم في إمارة أبيه (يعني لم يكن طعنكم في موضعه.
* وفيه دليل على أن الرعية إذا طعنت في أمير جاز للإمام أن يناضل عنه، ويذكر من فضله حتى يثبت عند الناس مكانه، ولا يظن ظان أن ما عنده من الطعن لو قد تأدى إلى النبي - ﷺ - لأثر على المطعون فيه به.
* وفيه ما يدل على جواز ولاية المولى على الأحرار، وقد تقدم ذكر ذلك.
* وقوله: (من أحب الناس إلي (في الرواية الأولى: ولم يقل أحب الناس؛ لأنه قد كان عنده من هو أفضل منه.
وأما الرواية الثانية: من أنه أحب إليه فهي فرع على الرواية الأولى، لأن الرواية الأولى فيها زيادة إثبات والحال بعينها.
* وقوله: (من صالحيكم (فيه دليل على أن الأخيار قد يرون الشيء في الإنسان فينقمونه أو يأخذونه في نفوسهم عليه وليس لذلك، وهذا قد كان في زمان رسول الله - ﷺ - ينكشف عن القلوب بفتيا رسول الله - ﷺ -.
وأما الآن فليس يمكن أن يعلم المفسد من المصلح إلا بأن من عدله الشرع فهو العدل، ومن وصمه الشرع فهو (١٠٢/أ) الموصوم.
-١٣٨٣ -
الحديث التاسع والأربعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (ذكر رجل لرسول الله - ﷺ - أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله - ﷺ -، من بايعت فقال: لا خلابة).
[ ٤ / ١٧٦ ]
وزاد: (وكان إذا بايع قال: لا خلابة).
وفي رواية: (فكان إذا بايع قال: لا خلابة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أنه للرجل الضعيف في أمره أن يشترط عند مبايعته على من يبايعه أن لا يخلبه.
* وقد دل الحديث على أن الغبن الفاحش يوجب الرد فأما غير الفاحش فلا.
* وفيه دليل على أن الألثغ إذا أدى النطق بالمعنى قبل منه ورجع فيه إلى نيته، ويكون العمل على ما أراده لا ما نطق به.
-١٣٨٤ -
الحديث الخمسون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (نهى النبي - ﷺ - عن بيه الولاء وعن هبته)].
* وهذا الحديث دليل على أن الولاء لا يباع ولا يوهب.
[ ٤ / ١٧٧ ]
-١٣٨٥ -
الحديث الحادي والخمسون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله - ﷺ - يقضي حاجته مستقبل الشام، مستدبر القبلة)].
* في هذا الحديث دليل على جواز استقبال القبلة بالغائط والبول في الأبنية دون الصحارى.
* وفيه أيضا ما يدل على أن ابن عمر إنما رأى رسول الله - ﷺ - اتفاقا ومصادفة ولم يقصد عبد الله بن عمر عند رقية أن ينظر رسول الله - ﷺ - وهو على حاجته، وإنما رقى لغير ذلك فرأى رسول الله - ﷺ -. وقد جاء في حديث آخر مفسرا.
-١٣٨٦ -
الحديث الثاني والخمسون بعد المائة:
[عن ابن أبي مليكة، قال: توفيت بنت لعثمان بن عفان بمكة، قال: فجئنا لنشهدها. قال: فحضرها ابن عمر وابن عباس، قال: وإني لجالي بينهما قال: فجلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله
[ ٤ / ١٧٨ ]
ابن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجهة: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الميت معذب أهله عليه).
وفي رواية: (إن الميت ليعذب ببكاء الحي)].
* قد سبق هذا في مسند عمر ﵁.
-١٣٨٧ -
الحديث الثالث والخمسون بعد المائة:
[عن عكرمة بن خالد (١٠٢/ب)، أن رجلا قال لعبد الله بن -عمر: ألا تغزو فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن الإسلام بني على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت).
وفي رواية: (أن رجلا أتى ابن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما، وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ قال يا ابن أخي: بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلاة الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت.
فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا
[ ٤ / ١٧٩ ]
التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾، وقال: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾. قال: فعلنا على عهد رسول الله - ﷺ -، وكان الإسلام قليلا، فكان الرجل يفتن في دينه: إما قتلوه وإما عذبوه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ فقال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه، وأما علي فابن عم رسول الله - ﷺ - وختنه، وأشار بيده، فقال: هذا بيته حيث ترون).
وفي رواية لمسلم قال رسول الله - ﷺ -: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان).
وفي رواية: (بني الإسلام على خمس: على أن يوحد الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج.).
فقال رجل: الحج والصيام فقال: لا، صيام رمضان، والحج. هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ -.
وفي حديث سعد بن طارق: (بني الإسلام على خمس: على أن تعبد الله وتكفر بما دونه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)].
[ ٤ / ١٨٠ ]
قد سبق هذا الحديث وبيانه في مسند عمر ﵁.
-١٣٨٨ -
الحديث الرابع والخمسون بعد المائة:
[عن عمرو بن دينار، قال: (سألنا ابن عمر أيقع الرجل على امرأته في العمرة قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: قدم رسول الله - ﷺ - فطاف بالبيت سبعا ثم صلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة، وقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾).
وفي حديث قتيبة (١٠٣/أ)، قال: سألت جابر بن عبد الله فقال: (لا يقرب امرأته حتى يطوف بين الصفا والمروة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الرجل إذا سئل عن مسألة ليس عنده فيها شيء صريح سوى حديث رسول الله - ﷺ - أم يذكر ما عنده فيها على وجهه؛
[ ٤ / ١٨١ ]
ليكون للسائل أن يستنبط من حديث رسول الله - ﷺ - ما يفهمه ولا يعلق على المسئول شيئا منه.
* وظاهر قوله من هذا المنع في وقوع الرجل على امرأته قبل أن يطوف إلا أنه لما كان الوقوع على المرأة من الأمور التي لا يطلع عليها الرجال، ولم يعلم في ذلك محمد رسول الله - ﷺ - شيئا، أخبر بما رأى؛ وذلك يدل على ورع ابن عمر، وكشف هذا جابر بن عبد الله ﵁.
-١٣٨٩ -
الحديث الخامس والخمسون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده، مع عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله فقال: (قد قضى (قالوا: لا يا رسول الله - ﷺ -، فبكى رسول الله - ﷺ - فلما رأى القوم بكاء النبي - ﷺ - بكوا، قال: (ألا تسمعون؟! إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم).
عن ابن عمر، قال: (كنا جلوسا مع رسول الله - ﷺ -، إذ جاءه رجل من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري. فقال رسول الله - ﷺ -: يا أخا الأنصار، كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال: صالح: فقال رسول الله - ﷺ -: من يعوده منكم؟ فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال ولا خفاف،
[ ٤ / ١٨٢ ]
ولا قلانس ولا قمص، نمشي في تلك السباخ، حتى جئنا؛ فاستأخر من حوله قومه حتى دنا رسول الله - ﷺ - وأصحابه الذين معه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن قوله: (اشتكى) أي مرض؛ وإنما المرض يسمى شكوى.
* وفيه الحث على عيادة المرضى، وقوله: (قد قضى؟ (: استفهام ولذلك قالوا: لا يا رسول الله.
* وفيه ما يدل على جواز البكاء.
* وفيه (١٠٣/ب) أن البكاء يهج البكاء.
وفيه: أن الإنسان لا يطالب بدمع العين، ولا بحزن قلبه، لأنهما لا يملكان.
* وفيه: السؤال عن المريض. وفيه: تشريف سعد بأن قال النبي - ﷺ - في حقه: أخي. إنما قال النبي - ﷺ -: (من يعوده منكم؟ (؛ لئلا يتبعوه بغير نية سوى اتباعه فيفوتهم أجر عيادة المريض؛ وإنما أعلمهم لينووا العيادة.
* وفي الحديث جواز أن يمشي الرجل بغير قميص، ولا قلنسوة، وأن يمشي حافيا.
* وفيه من الأدب أن يستأخر من حول المريض حتى يتقدم إليه زواره وعواده.
[ ٤ / ١٨٣ ]
وفيه تحذير رسول الله - ﷺ - من حصائد الألسن، وشر ذلك، فإنه من أشد ما خيف على الإنسان منه.
-١٣٩٠ -
الحديث السادس والخمسون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: لما كان رسول الله - ﷺ - بالطائف، قال: (إنا قافلون غدا إن شاء الله)، فقال ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ -: لا نبرح أو نفتحها فقال النبي - ﷺ -: (فاغدوا على القتال)، فغدوا فقاتلوهم قتالا شديدا وكثر فيهم الجراحات. فقال رسول الله - ﷺ -: (إنا قافلون غدا إن شاء الله). قال: فسكتوا. قال: فضحك رسول الله - ﷺ -)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الإمام إذا قال قولا ظاهره يقتضي إرجاء المشركين بحال يراها؛ أو تلوح له، فإنه ليس لأحد من أتباعه أن يراجعه في ذلك. على معنى أنه قد كان، فإنه ما يدركه تبعه لأن رسول الله - ﷺ - لما قال لهم: (إنا قافلون غدا إن شاء الله)، قالوا: (لا نبرح أو نفتحها)، فتركهم رسول الله - ﷺ -؛ وكان ذلك من فقهه - ﷺ -، فإنه لو رحل وهم يظنون أنهم لو قاموا لفتحوها لكان يبقى ذلك في قلوبهم، فوافقهم رسول الله - ﷺ - إلى أن
[ ٤ / ١٨٤ ]
تبين لهم صواب قوله وخطأ قولهم، فلما قال: (إنا قافلون (فسكتوا. ضحك لظهور حقه، وخطأ رأي من خالفه.
-١٣٩١ -
الحديث السابع والخمسون بعد المائة:
عن سعيد بن جبير، قال: (مر ابن عمر بفتيان من قريش قد (١٠٤/أ) نصبوا طيرا، وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا. فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله - ﷺ - لعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا).
وعن ابن عمر، أنه دخل على يحيى بن سعيد - غلام من بني يحيى - رابط دجاجة يرميها، فمشى إليها ابن عمر حتى حلها، ثم أقبل بها إلي والغلام معه، فقال: ازجروا غلامكم عن أن يصبر هذا الطير للقتل، فإني سمعت رسول الله - ﷺ -: (نهى أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل)].
* هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز حبس البهائم للقتل.
* وفيه ما يدل على أن اللعنة قد تسبق من فم المؤمن إلى غير كافر؛ لأن رسول الله - ﷺ - لعن من فعل هذا.
[ ٤ / ١٨٥ ]
وقد تقدم الكلام في هذا.
-١٣٩٢ -
الحديث الثامن والخمسون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - كان معه ناس فيهم سعد، وأتوا بلحم ضب، فنادت امرأة من نساء النبي - ﷺ -: إنه لحم ضب، فقال رسول الله - ﷺ -: (كلوا؛ فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي).
وفي رواية، قال الشعبي: أرأيت حديث الحسن، عن النبي - ﷺ -؟ وقاعدت ابن عمر قريبا من سنتين أو سنة ونصف، فلم أسمعه روى عن النبي - ﷺ - غير هذا. قال: كان ناس من بعض أصحاب النبي - ﷺ - فيهم سعد فذهبوا يأكلون من لحم، فنادته امرأة من أزواج النبي - ﷺ -: إنه لحم ضب، فأمسكوا، فقال رسول الله - ﷺ -: (كلوا، أو: اطعموا؛ فإنه حلال. وقال: لا بأس به، ولكنه ليس من طعامي).
وفي رواية للبخاري: أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الضب فقال: (لا أحله ولا أحرمه).
وفي رواية: (لا آكله ولا أنهى عنه)].
* قد تقدم الكلام في هذا الحديث في مواضع.
[ ٤ / ١٨٦ ]
-١٣٩٣ -
الحديث التاسع والخمسون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يقرن الرجل بين التمرتين، حتى يستأذن أصحابه).
قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلام ابن عمر، يعني (١٠٤/ب) للاستئذان].
* إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن ذلك، لأن الله تعالى خلق الرطبة على نحو اللقمة فنفس وضعها على ذلك مشير إلى أكلها أن يتناول الواحدة، فإذا قرن بين تمرتين أوهم في ذلك أن ما خلقه الله تعالى من مثل ذلك قد كان مفتقرا إلى أن يتممه بفعله.
* ثم فيه أيضا غيبته لباقي الآكلين معه، فإنه إن كل يأكل وحده فالواحدة بالواحدة أسرع له، وإن كان مع آخرين فإنه إنما يقرن ليفضل عليهم بما يتناوله، فنهى رسول الله - ﷺ - عن ذلك. وأما شعبة فما أبعد قوله: (لا أرى الاستئذان إلا من قول ابن عمر)؛ لأنهم لو أذنوا لم يكن أيضا يحسن ولا يجمل.
[ ٤ / ١٨٧ ]
-١٣٩٤ -
الحديث الستون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن النذر، وقال: (إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من البخيل).
وفي رواية: أنه ﵊، إنما نهى عن النذر، وقال: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل).
وفي رواية عن ابن عمر: أو لم ينهوا عن النذر، إن النبي - ﷺ - قال: (إن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخره، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل)].
* المراد بقوله: (يستخرج به من البخيل (أنه إنما يعطى البخيل بعوض، وما عند الله سبحانه أقرب إلى سائله من أن لا يبذل إلا بعوض أو أن يجعل بإزائه جعالة، وكل ما يستخرج بجعالة فإنما يستخرج من البخيل، والله تعالى ليس ببخيل إلا أنه إذا نذرا الإنسان نذر ألزمه الوفاء به؛ وقد مدح ﷿ المؤمنين بالنذر فقال: ﴿يوفون بالنذر﴾.
-١٣٩٥
الحديث الحادي والستون بعد المائة:
[ ٤ / ١٨٨ ]
[عن صفوان ابن محرز المازني، قال: (بينما ابن عمر يطوف، إذ عرض رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أو يا ابن عمر، كيف سمعت النبي - ﷺ - يقول في النجوى؟ فقال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (يدنى المؤمن من ربه حتى يضع كنفه، فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف رب، أعرف -مرتين فيقول: سترتها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم يعطى صحيفة حسناته، وأما الكافر أو المنافق فيقول الأشهاد: ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين﴾)].
* (النجوى): المحادثة في السر. (والكنف): الستر، وهو ﷿ يستر عبده حين يقرره بذنوبه لئلا يطلع على ما بينه (١٠٥/أ) وبين ربه من ذلك غير ربه.
* وفيه أيضا من الفقه أن المؤمن ينبغي إذا بلي بشيء من هذه المعاصي أن لا يفضح نفسه بها، وينتظر ما يفعله الله ﷿ به، فإن سترها الله عليه كانت مستورة قد تناولها ستر من ستر، فإن أراد الله أن يفضحه بها في الآخرة فستلحقه الفضيحة فما له والاستعجال، وقد يكون في هذه الذنوب ما لو سمعه مخلوق لأخذ في قلبه على الذي قد وهب له ذنبه حزازة،
[ ٤ / ١٨٩ ]
فيعظم نعمة الله على العبد حتى يستر معاصيه من أبيه وأمه وأخيه فإنهم لو اطلعوا عليها نقص من نفوسهم وهان عليهم، وأما الكافر والمنافق فيظهر حالهم في الخلائق ليستبقي بهم من عاداهم لأجل الله ﷿.
* (والأشهاد) جمع شاهد أو شهيد، وقال مجاهد: هم الملائكة. وقال مقاتل: جميع الناس.
-١٣٩٦ -
الحديث الثاني والستون بعد المائة:
عن زياد بن جبير، قال: كنت مع ابن عمر، فسأله رجل فقال: إني نذرت أن أصوم كل ثلاثاء أو أربعاء ما عشت، فرافقت هذا اليوم يوم النحر، قال: أمر الله بوفاء النذر، ونهينا أن نصوم يوم النحر، فأعاد عليه فقال مثله، لا يزيد عليه).
وفي رواية: (أمر النبي - ﷺ - بوفاء النذر، ونهى النبي - ﷺ - عن صوم هذا اليوم).
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: (في رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم سماه إلا صام، فوافق يوم أضحى أو فطر فقال: ﴿لقد كان لكم في رسول الله
[ ٤ / ١٩٠ ]
أسوة حسنة﴾ لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر، ولا يرى صيامهما)].
* في هذا الحديث دليل على ورع ابن عمر؛ لأنه كان يروي ما سمع وقد مضى مثل هذا.
* والذي ذهب أبو حنيفة وأحمد إليه في هذا: أنه يفطر، ويقضي يوما ما مكانه: وقال الشافعي: إنه يفطر ولا يلزمه قضاء.
-١٣٩٧ -
الحديث الثالث والستون بعد المائة:
[عن زياد بن جبير، قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل أناخ بدنته ينحرها، قال: (ابعثها قياما مقيدة، سنة محمد - ﷺ -)].
[ ٤ / ١٩١ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن السنة في الإبل النحر لا الذبح، وأن تكون قائمة غير باركة، وأن تكون مقيدة حتى لا يضطرب.
-١٣٩٨ -
الحديث الرابع والستون بعد المائة:
[عن خالد بن الحارث (١٠٥/ب)، سئل عبيد الله عن التحصيب؟ فحدثنا عن نافع قال: (نزل بها النبي - ﷺ - وابن عمر).
وعن نافع، أن ابن عمر: (كان يصلي بها -يعني بالمحصب الظهر والعصر -وأحسبه قال: والمغرب. قال خالد: لا أشك في العشاء، ويهجع هجعه، ويذكر ذلك عن رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح).
وفي رواية عن ابن عمر: (كان يرى التحصيب سنة، وكان يصلي الظهر والعصر يوم النحر بالحصبة. وقال نافع: قد حصبت رسول الله - ﷺ - والخلفاء بعده).
وفي رواية: (أن أبا بكر وعمر وابن عمر كانوا ينزلوا الأبطح)].
* قد بينا أن نزول المحصب ليس بسنة، وقول ابن عمر مذهب له.
[ ٤ / ١٩٢ ]
-١٣٩٩ -
الحديث الخامس والستون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما).
وفي رواية: (أيما امرئ قال لأخيه: كافر، فقد باء بها أحدهما؛ إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه)].
* هذا الحديث قد تقدم شرحه في مسند ابن مسعود والكلام عليه.
-١٤٠٠ -
الحديث السادس والستون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن اليهود إذا سلموا على أحدكم -أنها تقول: سام عليك، فقال: وعليك).
وفي رواية: (إن اليهود إذا سلموا عليكم إنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم)].
[ ٤ / ١٩٣ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يتفقد من عدوه نطقه لأن العدو إذا عجز عن القتال باليد قاتل بالنطق وغيره؛ فاليهود كانوا يوهمون أنهم يسلمون فيقولون لفظا يوجب الدعاء.
* وقوله: (عليكم)، فالمعني عليكم ما عليكم من اللعن، وعليكم السام.
-١٤٠١ -
الحديث السابع والستون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: كنا إذا بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة يقول لنا: (فيما استطعتم).
وفي رواية: (يقول لنا: فيما استطعتم)].
* هذا من لطف الشرع ورفقه (١٠٦/أ) أن رسول الله - ﷺ - لقن المبايع وقوله: (ما استطعت).
* وقد سبق هذا الحديث.
-١٤٠٢ -
الحديث الثامن والستون بعد المائة:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي
[ ٤ / ١٩٤ ]
فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).
وفي رواية: (يبيت ثلاث ليال).
قال ابن عمر: (ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله - ﷺ - قال ذلك إلا وعندي وصيتي).
وفي رواية: يبيت ليلتين؛ وله شيء يريد أن يوصي فيه).
وفي رواية: (ليلة)].
* في هذا الحديث ما يدل على استحباب الوصية، وأن لا يبيت الرجل حتى يقدمها، فإنه لا يدري ما يقضي الله فيه، وهي عند الموت كانت لم تزل خيرا مكتوبة عليه إلا أنه قد قضى الإسلام في تركه كل تارك بما قضى، وذلك مغن عن أن يغير المسلم فيه شيئا، وقد كانت وصية يعقوب ﵇ لأولاده أنه قال له: ﴿وما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك﴾.
-١٤٠٣ -
الحديث التاسع والستون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال رسول الله - ﷺ -: (لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي
[ ٤ / ١٩٥ ]
منهم اثنان)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الخلافة في قريش دائمة إلى يوم القيامة.
* وقوله - ﷺ -: (ما بقي منهم اثنان (يجوز أن يكون إخبارا من رسول الله - ﷺ -؛ بأنه لا ينتهي بهم الأمر إلى أقل من هذا العدد، فيكون الواحد أميرا والآخر مؤتمرا له؛ والناس تبع لهم.
-١٤٠٤ -
الحديث السبعون بعد المائة:
[عن ابن عمر، قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله - ﷺ -، فنهى عن قتل النساء والصبيان)].
* إنما نهى عن قتل النساء؛ لأنهن لم يتعرضن للقتال ولأنهن يكن شيئا من جملة الغنيمة.
أفراد البخاري
-١٤٠٥ -
الحديث الأول
[ ٤ / ١٩٦ ]
[عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر).
وفي رواية أبي بكر البرقاني: (فرض رسول الله - ﷺ - فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالناضح نصف (١٠٦/أ) العشر)].
* هذا الحديث يدل على أن العشر في كل شيء لم سيق بمؤونة، وما سقي بمؤونة فنصف العشر، وقد استنبط الفقهاء من هذا أنه إذا كان يسقى بعض الغامر بالمؤونة وبعضه بلا مؤونة ففيه ثلاثة أرباع العشر، فإن كان أحدهما أغلب كان الحكم له، فإن جهل أغلبهما غلب موجب العشر احتياطا للفقراء.
والسماء هاهنا المطر. والمراد بالعيون: ما سقي من غير ترفيه الماء منه بكلفة.
فأما العثري، فقال أبو عبيد: العثري هو العذي، والعذي ما سقته السماء، فأما ما يشرب بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها فهو بعل. وقال أبو عبيد والكسائي: وما سقته السماء. وقال ابن قتيبة: لم أرهم يختلفون أن البعل العذي بعينيه.
* والعذي: نوعان: أحدهما: العثري، وهو الذي يؤتى لماء المطر إليه حتى يسقيه؛ وإنما سمي عثريا، لأنهم يجعلون في مجرى السيل عاثورا، فإذا
[ ٤ / ١٩٧ ]
صدمه الماء تراد فدخل في تلك المجاري حتى يبلغ النخل ويسقيه، ولا يختلف الناس في العثري أنه العذي.
والنوع الآخر من العذي البعل فمن البعل ما يفتح إليه الماء عن مجاري السيول بغير عواثر، ومنه ما يبلغه الماء فالسماء تسقيه بالمطر.
-١٤٠٦ -
الحديث الثاني:
[عن ابن عمر، قال: سمعت النبي - ﷺ - وهو قائم على المنبر يقول: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، ما بين العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار، ثم عجزوا. فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أي ربنا، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطا قيراطا، ونحن كنا أكثر عملا؟ قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجوركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء).
وفي رواية عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: (مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال من (١٠٧/أ) يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى؛ ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين؟ فأنتم هم؛ فغضب
[ ٤ / ١٩٨ ]
اليهود والنصارى فقالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء؟!. فقال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء).
وفي رواية: (إنما أجلكم في أجل من خلاء من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى صلاة مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط. ثم ذكر نحوه، وفي آخره: ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين، فغضب اليهود والنصارى. وذكر نحو ما قبله)].
* هذا الحديث قد سبق ذكره في مسند أبي موسى وشرحه هناك والحمد لله.
[ ٤ / ١٩٩ ]
-١٤٠٧ -
الحديث الثالث:
[عن ابن عمر، قال: بعث النبي - ﷺ - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام؛ فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا، فجعل خالد يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ - فذكرنا له، فرفع يديه، فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) مرتين].
* في هذا الحديث ما يدل على أن المتعين على أمير الجيش أن يتأنى في القتل بمن يلقي إليه بالسلم حتى يفهم عنه ما يريد من قوله.
* وفيه أيضا ما يدل على أن الأمير إذا كان له مقصود عام فجرت منه هفوة خاصة؛ فإنها لا يقتص منه بها، لأن رسول الله - ﷺ - قال: (أبرأ إليك مما عمل خالد)، أي من أن أكون رضيت به لما بلغني؛ ثم لم يقتص من خالد
[ ٤ / ٢٠٠ ]
بما فعل لأن الأمر كان فيه نوع اشتباه.
-١٤٠٨ -
الحديث الرابع:
[عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع الآخرة من الفجر يقول: (اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا) بعدما يقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إلى قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن (١٠٧/ ب) عمرو، والحارث بن هشام؛ فنزلت ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ إلى قوله: ﴿فإنهم ظالمون﴾)].
* في هذا الحديث ما يدل على جواز الدعاء على أئمة الكفار وصناديد الضلال في الصلاة بحيث يسمعه المأمومون، فيكونوا شهداء على أن الله أهلك أولئك بالدعاء.
* وقوله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، معناه ليس لك في دعائك عليهم
[ ٤ / ٢٠١ ]
حظ لنفسك، ولا تقوله تشفيًا بهم، وإنما أفعالك كلها لله ﷿ لا لحظك.
-١٤٠٩ -
الحديث الخامس:
[عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -: (مفاتيح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)].
* هذا الحديث يدل على أن هذه الغيوب لا مفتاح لها إلا عند الله تعالى، فلا يمكن أن يطلع عليها بشر: وهي الساعة، ونزول المطر، وعلم ما في الأرحام، وما يكون في غد، وأين يكون الموت.
-١٤١٠ -
الحديث السادس:
[عن ابن عمر، أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة ثم يتقدم فيبتهل؛ فيقوم مستقبل القبلة طويلًا، ويدعو يرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة ثم يدعو
[ ٤ / ٢٠٢ ]
ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف، ويقول: هكذا رأيت النبي - ﷺ - يفعل].
* في هذا الحديث ما يدل على أن من السنة أن يبدأ الجمرة الدنيا يعني القريبة إلى عرفات، ويستهل أي ينحدر إلى الأرض السهلة المنخفضة، وإنما يقف في الأخيرة لأنها آخر الجمار فهي كالتشهد في الصلاة، وإنما سمى الجمار جمارا فقد ذكر أبو عبيد الهروي: أن الجمار هي الأحجار الصغار، وبه سميت جمار مكة.
-١٤١١ -
الحديث السابع:
[عن سالم، قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج: أن لا تخالف ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر -وأنا معه يوم عرفة- حين زالت الشمس، فصاح عند سرادق الحجاج فخرج وعليه ملحفة مصفرة، فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح؛ إن كنت تريد السنة. فقال: هذه الساعة؟ قال: نعم، قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ماء (١٠٨/أ) ثم أخرج، فنزل حتى خرج الحجاج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد السنة، فاقصر
[ ٤ / ٢٠٣ ]
الخطبة، وعجل الوقوف، فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى عبد الله ذلك، قال: صدق).
وأخرجه تعليقا: (أن الحجاج عام نزل بابن الزبير فسأل عبد الله: كيف يصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال سالم: إن كنت تريد السنة، فهجر بالصلاة يوم عرفة، فقال عبد الله بن عمر: صدق؛ إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة، فقلت لسالم: أفعل ذلك رسول الله - ﷺ -؟ فقال سالم وهل يتبعون في ذلك إلا سنته؟!)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الإمام يأمر صاحبه باتباع العالم في مناسك الحج والجهاد وغير ذلك؛ فإن عبد الله أمر الحجاج أن لا يخالف ابن عمر.
* وفيه جواز أن يأتي العالم فيقف على باب الأمير، فقد وقف ابن عمر على باب الحجاج فانتظره حتى خرج.
* وقوله: (فنزل حتى خرج الحجاج) فيه: بيان أنه إذا طال الانتظار لم يقف الراكب على دابته، وقد جاء في الحديث: (اركبوا هذه الدواب سالمة ولا تتخذوها كراسي).
[ ٤ / ٢٠٤ ]
* وفيه جواز أن يبتدئ الغلام بالكلام في حضرة أبيه إذا كان يقول ما لا يدفعه أبوه.
* وفيه رد وأي رد على من يمتنع من إتيان أبواب الإمام وثوابه إلا أن يكون في حالة ضعف يبيح له ذلك.
-١٤١٢ -
الحديث الثامن:
[عن ابن عمر، قال: دخلت على حفصة- ونوساتها تنظف- قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين؛ فلم يجعل لي من الأمر شيء؟ فقالت: الحق فأتيهم، فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة، فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية، فقال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب ابن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك، من قاتلك وأباك على الإسلام فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجميع، ويسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت)].
* ظاهر هذا الحديث يقتضي أن أوله: هو شرح ما جرى في (١٠٨/ ب) شورى عمر ﵁؛ لأن عمر قال: ليشهدكم عبد الله بن عمر؛ وليس له من الأمر شيء، فيكون هذا الحديث مشتملا بطرفيه على ذكر حالتين:
[ ٤ / ٢٠٥ ]
إحداهما: جرت في الشورى بعد موت عمر ﵁، والأخرى: جرت في زمن معاوية، وبينهما بون بعيد.
* فأما قول معاوية: (من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه)؛ فإنه قول يحمل منه على صيال دون كلمة المسلمين لئلا نقول قولا واهيا، فتنبض نوابض الفتنة، وكان ذلك اجتهاده الذي انتهى إليه علمه.
* وقول ابن عمر: (فهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك، من قاتلك وأباك على الإسلام) فإنه قال أيضا قولا أدى إليه اجتهاده مستندا إلى أصل من قول رسول الله - ﷺ - من تقديم الفاضل في الإمامة حتى انتهى ذلك إلى أن قال: (فأقدمهم هجرة). فيكون ما هم به ابن عمر عن اجتهاد أيضا إلا أنه حيث خاف أن يؤدي قوله ذلك إلى إثارة فتنة استعان على نفسه في ترك المراء ممن يرى أنه محق بتذكيرها ما أعد الله في الجنة حتى سكنت. ولهذا قال له حبيب بن مسلمة: (حفظت وعصمت) يعني أن الله تعالى عصمه من الخطأ، وحفظه من قول يثير فتنة.
وقوله: (فلما تفرق الناس) أي في زمن معاوية على أن حفصة قد أدركت زمن معاوية، فإنها ماتت سنة خمس وأربعين وهي بنت ستين سنة.
-١٤١٣ -
الحديث التاسع:
[عن ابن عمر، قال: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة،
[ ٤ / ٢٠٦ ]
فإن لم يجد هديا، ولم يصم، صام أيام منى) وعن عائشة مثله].
* ومالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدي، في صيام أيام منى خلاف إذا كانت عن فرض؛ فأما عن نفل فلا يجوز صومها.
-١٤١٤ -
الحديث العاشر:
[عن ابن عمر، قال: (وعد النبي - ﷺ - جبريل، فراث عليه، أي أبطأ، حتى اشتد على النبي - ﷺ -، فخرج النبي - ﷺ -، فلقيه فشكا إليه، فقال: (إنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب)].
[ ٤ / ٢٠٧ ]
* قد سبق في مسند أبي طلحة.
-١٤١٥ -
الحديث الحادي عشر:
[عن ابن عمر ﵁، قال: (ربما ذكرت قول الشاعر، وأنا أنظر إلى وجه النبي - ﷺ - (١٠٩/أ) يستسقي، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وهو قول أبي طالب)].
* في هذا الحديث بيان أنه ما كان رسول الله - ﷺ - ينزل من الاستسقاء حتى يجيش كل ميزاب، أي يغلي بالماء.
* وفيه أيضا أن الإنسان يذكر الشيء بالشيء؛ فكان ابن عمر إذا رأي الغيث ذكر استسقاء رسول الله - ﷺ -.
* وقد دل الحديث على أن الشعر في مدح الإسلام والرسول ممدوح لا مذموم.
* وقوله: (ثمال اليتامى) أي معتمدهم وملجؤهم.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
الحديث الثاني عشر:
[عن ابن عمر، في رؤيا النبي - ﷺ - المدينة قال: (رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت بمهيعة، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهي الجحفة)].
* في هذا الحديث دليل على أن رسول الله - ﷺ - كان الله تعالى يريه فيما يشاء من المنام وحيا، ولا يقصر الوحي على ما يأتي به جبريل ﵇.
* وقوله: (سوداء ثائرة الرأس) يعني أن شعرها منتشر غير وجل.
* (والجحفة): موضع كان يسكنه اليهود.
* وقد جاء في الحديث عنه أن الطاعون شهادة، وقد عدها هنا انتقال الوباء عن المدينة نعمة. والذي أرى من الجمع بين الحالين أنه من كان في أرض وباء فصبر امتثالا لأمر رسول الله - ﷺ - وأمن تقلبه أن مقامه في الأرض الوبيئة لا يقرب له أجلا لم يكن قد قدره الله ﷿ فمات فموته شهادة له، وأن العافية التي أحلها الله بالمدينة وصرف عنها الوباء إلى اليهود حتى تكاملت الصحة للمسلمين فقووا على الجهاد ولم يشمت بهم الكفار، ولم يروا فيهم الوهن- أن ذلك نعمة.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
-١٤١٧ -
الحديث الثالث عشر:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند سعيد بن زيد.
-١٤١٨ -
الحديث الرابع عشر:
[عن ابن عمر، أنه كان يحدث عن رسول الله - ﷺ - (أنه لقي زيد بن عمرو ابن نفيل بأسفل بلدح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله - ﷺ - الوحي، (١٠٩/ ب) فقدم إليه رسول الله - ﷺ - سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه).
وفي رواية: (أن زيد بن عمرو، كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم أنتم تذبحونها على غير اسم الله. إنكارا لذلك وإعظاما له).
وفي رواية: (أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام، يسأل عن الدين
[ ٤ / ٢١٠ ]
ويبتغيه، فلقي عالما من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعل أن أدين دينكم فأخبرني، فقال: لا تكون على ديننا، حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأني أستطيعه؟ فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله، قال: ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا أبدا، وأنى أستطيع، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا، قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه، وقال: اللهم، اشهد أني على دين إبراهيم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الشرع من بعث رسول الله - ﷺ - لزم ووجب، وما ذكره زيد بن عمرو بن نفيل فهو على ظن منه أن النبي - ﷺ - كان يأكل مما ذبح على الأصنام، ولم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه كان يأكل من ذلك، عصمة من الله تعالى له.
* وأما الدين الحنيف فإن الله تعالى هدانا له، وهدى إليه زيدا، وأما اليهودية والنصرانية فليسا من الله ﷿ ولم يبعث الله نبيا إلا بالإسلام ومنهم موسى
[ ٤ / ٢١١ ]
وعيسى ﵉، فإنهما كانا مسلمين قال الله ﷿ هذا في غير موضع من كتابه، منه قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا﴾، وقال الله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لقومه ﴿فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾، وقال ﷿ في الآية الأخرى: ﴿ووصى بها (١١٠/ أ) إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمين﴾، وقوله: ﴿واشهد بأنا مسلمون﴾. وإنما حديث اليهودية بعد موسى ﵇ والنصرانية بعد عيسى ﵇.
-١٤١٩ -
الحديث الخامس عشر:
[عن ابن عمر، قال: (كان أكثر ما كان النبي - ﷺ - يحلف: (لا ومقلب القلوب)].
* هذه يمين إذا لهج بها الإنسان كانت مذكرة له بما يخافه من تقليب قلبه إلى الكفر، وإلى المعصية عن الطاعة، فإنه قد تتقلب القلوب فكأنه تارة مع الملائكة وتارة مع الشياطين، وينبغي أن لا ييأس الإنسان من تقليب قلبه إلى
[ ٤ / ٢١٢ ]
الحق بعد أن أغرق في الباطل، ولا يأمن من انقلاب قلبه عن الحق إلى إيثار الضلال؛ وإن استمرت منه الاستقامة.
-١٤٢٠ -
الحديث السادس عشر:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا)].
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند سعد.
-١٤٢١ -
الحديث السابع عشر:
[عن ابن عمر، أنه كره أن تعلم الصورة، وقال: (نهى النبي - ﷺ - أن تضرب)].
* ومعنى تعلم أي يجعل فيها علامة، وهي السمة يعني الوجه.
-١٤٢٢ -
الحديث الثامن عشر:
[عن ابن عمر، قال: (كانت الكلاب تقيل وقد ترقى المسجد في زمان
[ ٤ / ٢١٣ ]
رسول الله - ﷺ -، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك)].
* هذا الحديث محمول على أن الكلاب تكون يابسة وتمشي على الأرض اليابسة ولا تحتاج إلى تطهير ولا إلى رش.
-١٤٢٣ -
الحديث التاسع عشر:
[عن ابن عمر، قال: لما اشتد برسول الله - ﷺ - وجعه، قيل له في الصلاة؛ فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس). قالت عائشة: إن أبا بكر رجل دقيق، إذا قرأ غلبه البكاء، فقال: (مروه فليصلي،)، فعاودته فقال: (مروه فليصلي، إنكن صواحب يوسف)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه.
[ ٤ / ٢١٤ ]
-١٤٢٤ -
الحديث العشرون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - (أن الناس يصيرون يوم القيامة جثى، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: اشفع يا فلان، اشفع. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي - ﷺ -، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)].
* قد تقدم الكلام في الشفاعة.
* ومعنى جثى أي جماعات مجتمعة (١١٠/ ب) الواحدة: جثوة بضم الجيم.
-١٤٢٥ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، (أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس، ففعلته، وأنا يومئذ حدث السن؛ فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت:
[ ٤ / ٢١٥ ]
إنك تفعل ذلك؟ قال: إنه رجلي لا تحملاني)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الكبير إذا لم تحمله رجلاه كان له أن يتربع في صلاته في موضع التورك والافتراش.
* وفيه أنه إذا رأى الإنسان رجلا صحيحا يفعل ذلك أنكر عليه.
* ومن مفهوم خطابه ما يدل على أنه إذا رأى العالم قد كان يفعل شيئا ثم انتقل عنه لم يفعله المتعلم حتى يسأله عن موجبه وما الذي دعاه إلى ترك ذلك.
-١٤٢٦ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب وحده بليل أبدا)].
* في هذا الحديث ما يدل علي كراهية أن يسير الرجل بالليل وحده، وعلى هذا فأرى أن هؤلاء الذين يخرجون في السياحة منفردين، ويسمونها سياحة؛ فكل واحد منهم معرض نفسه للسباع وغير ذلك، وتارك للصلوات في الجماعة؛ ولنفع الناس بالتعليم إن كان من أهل التعليم، والانتفاع بالتعلم إن كان من أهل التعلم، وأن يحظى بعيادة المريض وشهود الجنائز وعمارة المساجد وغير ذلك؛ فإنه يفئت نفسه ذلك فلو عرف ما في سير الوحدة من فوات هذه الخيرات لم يفعله.
* وقد جاء النهي عن السياحة عن أكابر أهل العلم إلا أن ذلك إذا اضطر إليه
[ ٤ / ٢١٦ ]
انسان أو كان على حال لم يقصد فاعله فعله توخيا لسير الوحدة بل كما اضطره إليه امرؤ أو سوء رفقة فإنه يستغفر الله تعالى من مخالفة السنة في ذلك ويعمل بحكم الضرورة.
-١٤٢٧ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن ابن عمر، أن أناسا قالوا له: إنا برجل يدخل على سلطاننا، فيقول لهم بخلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عندهم قال: (كنا نعد ذلك نفاقا في عهد رسول الله - ﷺ -)].
* في هذا الحديث ما يدل المؤمن على أن لا يذكر السلطان في غيبته إلا بما يمكنه أن يذكره في حضرته.
* وقوله: (كنا نعد ذلك نفاقا في عهد رسول الله - ﷺ -) فإنه لم يكن في زمنه سلطان إلا هو، فمن قال في غيبته ما لا يقول في حضوره فهو منافق.
* واعلم أنها (١١١/ أ) واجبة لأمير المؤمنين، ولم ولاه فإذا احتاج الإنسان إلى المداراة بالكلمة اللينة والصبر على بعض ما يكره مداراة بذلك فإني أرجو أن لا يكون به بأس، وقد قال ﷿ لموسى ﵇ في خطابه لفرعون: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾؛ فتكون كلمة المداراة أرجى لصلاحه.
[ ٤ / ٢١٧ ]
-١٤٢٨ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن ابن عمر، أنه ذكر الحرورية، فقال: قال: رسول الله - ﷺ -: (يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية)].
* قد سبق في مسند علي ﵁.
-١٤٢٩ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن واقد بن محمد عن أبيه عن ابن عمر-أو ابن عمرو- قال: (شبك النبي - ﷺ - أصابعه، وقال: كيف أنت يا عبد الله بن عمرو، إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم، وأمانتهم، واختلفوا فصاروا هكذا؟ قال: فكيف يا رسول الله؟ قال: تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم)].
* (حثالة كل شيء): رديئه وثفله، (ومرجت): اختلطت.
[ ٤ / ٢١٨ ]
* وفي هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - نهى عبد الله عن مخالطة من هذه صفته، وأنذره بأنه يدركهم، وأشار عليه - ﷺ - بأن يصلح خاصة نفسه ويترك العامة.
* والذي أراه أنه أمره بذلك لحال رآها فيها، وإلا فالواجب على المؤمن في مثل تلك الحال أن يسعى في إصلاح الفاسد ما أمكنه بنص القرآن، قال الله ﷿: ﴿فأصلحوا بينهما﴾، ولا يترك الناس والهلاك وهو يقدر على إنقاذهم بنوع إنقاذ ما تبلغه قدرته، إلا أن يضعف عن ذلك فإن المتعين عليه حينئذ الاعتزال مخافة أن يفسد نفسه ولا يصلح به غيره فقد قال رسول الله - ﷺ - لأبي ذر: (إنك ضعيف). وقد فسرناه هناك فيكون قول رسول الله - ﷺ - لهذا الحال رآها فيه تخصه.
-١٤٣٠ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن ابن عمر، (أن النبي - ﷺ - قرأ ﴿والنجم﴾ فسجد فيه)].
* قد سبق هذا الحديث.
[ ٤ / ٢١٩ ]
-١٤٣١ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن نافع، قال: أخيرني عبد الله: أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في (١١١/ ب) مسجد رسول الله - ﷺ -].
* في هذا الحديث جواز أن ينام الإنسان في المسجد، وإن جاز عليه حدوث الجنابة؛ فإن اجنب فارق.
-١٤٣٢ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن ابن عمر، أنه كان ينحر في المنحر، قال عبيد الله: منحر النبي - ﷺ -
وفي رواية: (أن ابن عمر كان يبعث بهديه من جمع من آخر الليل، حتى يدخل به منحر النبي - ﷺ - مع حجاج، فيهم الحر والمملوك)].
* في هذا الحديث دليل على أن ابن عمر كان يتبع أفعال النبي - ﷺ - ومواضعها.
* وفيه دليل على صحة حج المملوك وإن كان الحج لم يجب عليه.
[ ٤ / ٢٢٠ ]
-١٤٣٣ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن ابن عمر، (أن عبدا لابن عمر أبق فلحق بالروم، فظهر عليهم خالد فرده إلى عبد الله، وأن فرسا لعبد الله غار فظهروا عليه فردوه إلى عبد الله).
وفي رواية: (عن نافع أن خالد بن الوليد حين بعثه أبو بكر اخذ غلاما كان فر من عبد الله بن عمر إلى الروم، وأخذه خالد فرده إليه)].
* في هذا الحديث أن ما يرجع إلى بلاد الكفار من المسلمين فهو على ملك صاحبه.
* ومعنى (غار): ند وذهب.
-١٤٣٤ -
الحديث الثلاثون:
[عن ابن عمر، ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، قال: يأتيها فيه.
وفي رواية: (كان إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه قوما، فقرأ سورة البقرة، حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيما نزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى).
[ ٤ / ٢٢١ ]
وفي رواية عن ابن عمر: (﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ قال: يأيتها يعني في الفرج)].
* وإلى ذلك أشار البخاري لأنه أورد بعده في تفسير هذه الآية حديث جابر ابن عبد الله قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾.
* معنى قوله: (يأتيها فيه) أي في الفرج، ولا يجوز أن يصرف إلى غير ذلك، فإن الله تعالى علل في وطء الحائض أنه أذى أي قذر ولا يبلغ أذى الحائض هذا الأذى، ولأنه قال: ﴿فأتوا حرثكم﴾ فدل على موضع الحرث الذي تزكو فيه البذر.
-١٤٣٥ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن ابن عمر، (أنه قرأ: ﴿فدية طعام مساكين﴾ فقال: هي منسوخة)].
[ ٤ / ٢٢٢ ]
* كان يجوز للإنسان أن يطعم ولا يصوم رمضان مع القدرة على (١١٢/ أ) الصيام فنسخ بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾.
-١٤٣٦ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن ابن عمر، أنه (أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر، صاحب رسول الله - ﷺ - فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم علي دم أخي المسلم، فقالا: ألم يقل الله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾ قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنت تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله).
وفي رواية: (خرج إلينا ابن عمر، ونحن نرجو أن يحدثنا حديثا حسنا، فبدأنا برجل يقال له حكيم فقال: يا أبا عبد الرحمن، كيف ترى في القتال في الفتنة؟ قال: ثكلتك أمك! إنما كان محمد - ﷺ - يقاتل المشركين وكان الدخول في دينهم فتنة وليس بقتالكم على الملك)].
* هذا الحديث محمول من ابن عمر ﵁، على أنه لما رأى البيعة قد انعقدت لشخص علم أنه ليس لغيره أن يخرج عليه، وهذا هو الحق.
[ ٤ / ٢٢٣ ]
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن ابن عمر، قال: (لما قدم المهاجرون الأولون العصبة، موضعا بقباء، قبل مقدم النبي - ﷺ -؛ فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنا).
وفي رواية: (كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب رسول الله - ﷺ - في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة وزيد وعامر بن ربيعة ﵃)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن القارئ أولى بالإمامة وإن كان مولى.
-١٤٣٨ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن ابن عمر، قال: كنا في زمان النبي - ﷺ - لا نعدل بأبي بكر ﵁ أحدا، ثم عمر، ثم عثمان ﵃، ثم نترك أصحاب النبي - ﷺ - لا نفاضل بينهم).
وفي رواية: (كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله - ﷺ -، فنخير أبا بكر،
[ ٤ / ٢٢٤ ]
ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان)].
* هذا الحديث هو الذي يحج به من يعدل بأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ غيرهم وليس لهؤلاء رابع إلا علي ﵁؛ وإن لم يكن مذكورا في هذا الحديث.
* وهؤلاء الأربعة أفضل الصحابة (١١٢/ ب)، وأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃.
-١٤٣٩ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن ابن عمر، (أنه ذكر له أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل-وكان بدريا- مريض في يوم جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهار، واقتربت الجمعة وترك الجمعة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن من له نسيب مريض فإنه يجوز له ترك الجمعة اشتغالا بالقيام على مريضه.
* وفيه ما يدل على أن العالم إذا عرض له في وقته ما يستدل منه على مسألة من العلم ولا سيما مثل هذه؛ فإنه يستحب له أن يأتي الرخصة منها ويترك
[ ٤ / ٢٢٥ ]
العزيمة ليقتدي به المسلمون فيكون مقصده في ذلك أفضل من إتيانه العزيمة.
-١٤٤٠ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن ابن عمر، قال: (إذا مضت أربعة أشهر، يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق، حتى يطلق، يعني المؤلي. قال: ويذكر ذلك عن عثمان ﵁، وعلي ﵁، وأبي الدرداء، وعائشة ﵄، واثني عشر رجلا من أصحاب النبي - ﷺ -).
وعن ابن عمر، كان يقول في الإيلاء الذي سمى الله ﷿: (لا يحل لأحد بعد الأجل، إلا أن يمسك بالمعروف، أو يعزم الطلاق كما أمر الله تعالى)].
* في هذا الحديث أن الرجل إذا آل من زوجته مدة هي أكثر من أربعة أشهر، ترك حتى تمضي عليه أربعة أشهر ثم يؤمر بالفيئة، والفيئة: الجماع: فإن هو جامع وإلا أمر بالطلاق كما قال ابن عمر، ولا يقطع الطلاق إلا بتطليقة، وعند غيره إن لم يطلق طلق عليه الحاكم.
* والحكمة في ذلك أنه إذا آلى أكثر من أربعة أشهر؛ جوز الشرع أن يموت قبل أن تأتي الأربعة الأشهر ولا يكون لإيقافه قبل ذلك فائدة، فإن عاش حتى مضى من مدة الإيلاء أربعة أشهر وقف لها حينئذ ليفئ أو يطلق.
* وفيه ما يدل على أن غير المؤلي أيضا يكره له أن يرجي جماع زوجته أكثر من
[ ٤ / ٢٢٦ ]
ذلك، ولذلك فلا يستحب للمسافر أن يتجاوز سفره عن أهله أكثر من أربعة أشهر.
-١٤٤١ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن ابن عمر، كان يعطي زكاة رمضان بمد النبي - ﷺ -.
قال أبو قتيبة: قال لنا مالك: (مدنا أعظم من مدكم، ولا نرى الفضل إلا (١١٣/ أ) في مد النبي - ﷺ -؛ ثم قال: وقال لي مالك: أو جاءكم أمير، فضرب مدا أصغر من مد النبي - ﷺ - على أي شيء كنتم تعطون؟ قلنا: كنا نعطي بمد النبي - ﷺ -، قال: أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مد النبي - ﷺ -)].
* في هذا الحديث أن السنة العمل على مد النبي - ﷺ -، وهو رطل وثلث، وهذا هو الذي عليه الجمهور.
-١٤٤٢ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن ابن عمر، (أنه كان يبيت بذي طوى بين الثنيتين، ثم يدخل من الثنية التي بأعلى مكة، وكان إذا قدم حاجا أو معتمرا لم ينخ ناقته إلا عند باب المسجد، ثم يدخل فيأتي الركن الأسود فيبدأ به، ثم يطوف سبعا: ثلاثا سعيا، وأربعا مشيا، ثم ينصرف فيصلي سجدتين قبل أن يرجع إلى منزله، فيطوف
[ ٤ / ٢٢٧ ]
بين الصفا والمروة، وكان إذا صدر عن الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، التي كان رسول الله - ﷺ - ينيخ بها).
وعن ابن عمر: (أنه كان إذا أقبل بات بذي طوى، حتى إذا أصبح دخل، وإذا نفر مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح، وكان يذكر أن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك)].
* في هذا الحديث أن ابن عمر ﵁ كان يتتبع سنة رسول الله - ﷺ - في جميع أفعاله وأقواله ﵁.
-١٤٤٣ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن ابن عمر، قال: (إن الناس كانوا مع النبي - ﷺ - يوم الحديبية، تفرقوا في ظلال الشجر؛ فإذا الناس محدقون بالنبي - ﷺ -، فقال -يعني عمر-. يا عبد الله، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله - ﷺ -؟ فوجدهم يبايعون؛ فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع).
وفي رواية عن نافع: (أن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر، وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، يأتي ليقاتل عليه، ورسول الله - ﷺ - يبايع عند الشجرة، وعمر لا
[ ٤ / ٢٢٨ ]
يدري بذلك، فبايعه عبد الله ثم ذهب إلى الفرس، فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله - ﷺ - يبايع تحت الشجرة (١١٣/ ب)، قال: فانطلق، فذهب معه حتى بايع رسول الله - ﷺ -، فهو الذي يتحدث الناس أن ابن عمر بايع قبل عمر) أخرجه البخاري تعليقا].
* في هذا الحديث كشف ما توهمه الناس من تقديم إسلام ابن عمر على إسلام أبيه، وإنما كان ذلك يوم الحديبية.
* ومعنى قوله: (يستلئم) أي يلبس اللأمة بالهمز، وهي الدرع.
-١٤٤٤ -
الحديث الأربعون:
[عن ابن عمر: (أن المسجد كان على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيا باللبن وسقفه بالجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنيانه في عهد رسول الله - ﷺ - باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم عمره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن كل عمارة كانت في وقتها على مقتضى
[ ٤ / ٢٢٩ ]
الحال واتساع الأيدي؛ فإن عثمان ﵁ لما أمكنه ذلك شيد المسجد وعمده.
* وأما قوله: (بالحجارة المنقوشة) فإن من البناء ما يضطر الصانع فيه إلى أن يؤلف بين صغار الحجارة وكبارها، فإذا تألفت بين صغار الحجارة وكبارها، فإذا تألفت على نسق واحد أشبه ذلك النقش؛ ولعل هذا من ذاك، وإلا فعثمان ﵁ لم يكن ليفعل من زخرفة المساجد المكروهة ما قد نهي عنه لا سيما ما يلي المصلي.
* والقصة: هي الجص. قال الخطابي: رواشي تشبه الجص وليس به.
* وقد يحتج بظاهر هذا الحديث من يبيح زخرفة المساجد.
-١٤٤٥ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن نافع، أن ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية؟ قال: (إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئا أكثر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله ﷿)].
* هذا محمول على أن ابن عمر كان يكره ذلك، لأنه ينبغي أن يعاشر أهل الدين، فأما تحريم ذلك فليس هو بمذهب معمول عليه.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
-١٤٤٦ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن ابن عمر، (أن رسول الله - ﷺ - أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، مردفا (١١٤/ أ) أسامة، ومعه بلال، ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة، حتى أناخ في المسجد، فأمره أن يأتي بمفتاح البيت فدخل رسول الله - ﷺ - ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فمكث فيها نهارا طويلا، ثم خرج فاستبق الناس، فكان عبد الله أول من دخل، فوجد بلالا وراء الباب قائما، فسأله: أين صلى رسول الله - ﷺ -؟ فأشار إلى المكان الذي صلى فيه. قال عبد الله: فنسيت أن أساله كم صلى من سجدة)].
* في هذا الحديث ما يدل على جواز صلاة النافلة في البيت.
* وفيه دليل على حسن اتباع ابن عمر أفعال النبي - ﷺ -. وإنما قال: (فنسيت أن أساله كم صلى) لأنه أراد أن يتبين عدد الركعات التي صلاها.
-١٤٤٧ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن ابن عمر، قال: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا
[ ٤ / ٢٣١ ]
نرفعه)].
* في هذا الحديث دليل على أنه يجوز للمجاهد أن يأكل مثل هذه الأشياء ولا يرفعها إلى المقسم إلا أنه إذا قطف من ذلك شيئا يفضل عن مأكوله؛ فإنه يرده في مقسم المسلمين.
-١٤٤٨ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن نافع، قال: (كان ابن عمر يجمع بين المغرب والعشاء بجمع، غير أنه يمر بالشعب الذي أخذه رسول الله - ﷺ - فيدخل فينتفض ويتوضأ ولا يصلي حتى يصلي بجمع)].
* في هذا الحديث تتبع ابن عمر لآثار رسول الله - ﷺ -.
* والشعب: كالزقاق بين الجبلين، أو كالدرب بين الدور إلا أنه لا ينفذ.
* وقوله: (فينتقض) وهو كناية عن الحركة لقضاء الحاجة.
-١٤٤٩ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن نافع، قال ابن عمر: (رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على
[ ٤ / ٢٣٢ ]
الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله، فسألت نافعا: على أي شيء بايعهم؟ على الموت؟ قال: لا، بايعهم على الصبر)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن العهد بالشيء إذا مضى عليه عام فإنه جدير أن ينسى.
* وقوله: (كانت رحمة من الله) يعني البيعة تحت الشجرة.
-١٤٥٠ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن ابن عمر، قال: (لقد حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء). وعن ابن عمر قال: (نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب)].
* هذا الحديث قد سبق وتقدم الكلام (١١٤/ ب) عليه.
-١٤٥١ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن ابن عمر، قال: (أتى النبي - ﷺ - بيت فاطمة ﵂ فلم يدخل
[ ٤ / ٢٣٣ ]
عليها، وجاء علي ﵁ فذكرت ذلك له، فذكره للنبي - ﷺ - قال: إني رأيت على باباها سترا موشيا. وقال: مالي والدنيا. فأتاها علي ﵁ فذكر ذلك لها، فقالت: ليأمرني فيه بما شاء، قال: ترسل به إلى فلان. أهل بيت بهم حاجة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - رأى مقام فاطمة ﵂ أرفع من أن تضع من الدنيا بستر مخطط إلا أنها لشرف مقامها عنده لم يفاجأها بالإنكار عليها؛ لكنه رجع فدل ترك إنكاره على جواز استعمال ذلك إذ لو كان حراما لهتكه، فلما سأله علي ﵇ عن موجب إعراضه قال: (ما لي والدنيا) أي أن فاطمة مني.
وكان من فقهها وعقلها أنها لم تبادر إلى تحريقه ولا إلى إفساده كما يفعله الجهال؛ ولكنها قالت: ليأمرني فيه بما شاء.
فقال: (أن تبعث به إلى قوم ذوي حاجة) أي لينتفعوا به في وقاية برد من فراش أو وطاء أو لبس؛ إذ هي لم تستعمله في مثل ذلك إنما كان سترا معلقا في موضع لا يضر زواله، فأمرها أن تبعثه إلى من ينتفع به انتفاعا لازما.
* والموشي: هو المخطط بألوان شتى، وكل منسوج على لونين فصاعدا موشي.
-١٤٥٢ -
الحديث الثامن والأربعون:
[ ٤ / ٢٣٤ ]
[عن ابن عمر، (أن رسول الله - ﷺ - خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا، أمروه أن يخرج، فخرج)].
* هذا طرف من حديث الحديبية، وسيأتي مشروحا إن شاء الله تعالى.
-١٤٥٣ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن ابن عمر، قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - بفناء الكعبة محتبيا بيديه، هكذا)].
* هذا يدل على قلة لحم رسول الله - ﷺ -، فإن الرجل السمين لا يمكنه الاحتباء باليدين.
* ويدل على جواز الجلوس بحيال الكعبة؛ فإن قوما كانوا يعظمونها فوق الحد المشروع ويقولون: لا نجلس عندها بل نقف.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
-١٤٥٤ -
الحديث الخمسون:
(١١٥/ أ) [عن ابن عمر، قال: (أمر النبي - ﷺ - في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال: (إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة).
قال ابن عمر: فكنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفرا فوجدناه في القتلى، ووجدنا فيما أقبل من جسده بضعا وسبعين بين طعنة ورمية).
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: (أنه وقف على جعفر يومئذ، وهو قتيل قال: فعددت به خمسين، بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره)].
* في هذا الحديث دليل على أنه يستحب للإمام أن يعين على شخص إن هلك الأمير كان هو إلا أني أرى أن يسر لهذا في مثل زماننا لئلا يتوقع الناس حادثة للأول.
* وفيه أيضا ما يدل على شجاعة جعفر، وأنه كان به بضع وسبعون جراحة كلها ليست في ظهره، فانظر إلى عزم ثبت عليه قلب حتى صبر على مثل هذا فما انثنى ولا انهزم، ومن روى خمسين فإنه ما استوفى العدد.
-١٤٥٥ -
الحديث الحادي والخمسون:
[ ٤ / ٢٣٦ ]
[عن ابن عمر، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن عسيب الفحل)].
* قال أبو عبيد: العسيب، الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل.
قال: وإنما نهى عن هذا لأنه يكون تبعا لشيء ما وجد بعد، ولا اجتمع؛ ولأن مثل هذا يتسامح به الناس فبيع مثله من اللوم.
-١٤٥٦ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: (كان النبي - ﷺ - يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه النبي - ﷺ - فمسحه).
وفي حديث عثمان بن عمر: (فالتزمه).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - لما أسن وكبر، قيل: ألا نتخذ لك منبرا وذكر الحديث وفيه: فلما صعد حن الجزع، فنزل إليه النبي - ﷺ - فاحتضنه وساره بشيء)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على صحة نبوة نبينا - ﷺ -.
* وفيه ما يحض المؤمنين على شوقهم إليه - ﷺ - وألفهم إياه؛ لأنه إذا حن
[ ٤ / ٢٣٧ ]
الجذع إليه، فهم أحص بالشوق إليه، وإنما ضمه رسول الله - ﷺ - تسكينا له؛ وذلك أنه كان يذكر الله عنده فلما ذكر الله عند غيره صاح.
-١٤٥٧ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أسلم مولى عمر، قال: (سألني ابن عمر عن بعض شأنه؟ -يعني عمر- فأخبرته، فقال: ما رأيت أحدا قط بعد رسول (١١٥/ ب) الله - ﷺ - من حين قبض كان أجد وأجود حتى انتهى- من عمر رضوان الله عليه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن عبد الله سأل أسلم عن حال عمر، ولا أراه سأله إلا عن الأشياء التي ربما خفيت على عبد الله.
* ومعنى قوله: (كان أجد وأجود) فمعنى أجد أي أنه ما زال يلازم الجد ولا يروغ عنه إلى أن مات، ومعنى (أجود) فيحتمل معنيين: أحدهما: أجود من الجودة وهذا يتناول معاني كثيرة، والآخر: أجود من الجود السماح.
-١٤٥٨ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: (قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله - ﷺ -: إن من البيان لسحرا- أو إن بعض البيان
[ ٤ / ٢٣٨ ]
لسحرا)].
* في هذا الحديث دليل على فضل البيان، وأنه يبلغ في استجلاب القلوب إلى ما يشبه السحر.
* وقد ذكر بعض العلماء أن البيان أفضل العلوم من حيث أن كل العلوم لا تدرك إلا به. قال الله ﷿: ﴿الرحمن (١) علم القرآن (٢) خلق الإنسان (٣) علمه البيان﴾؛ فبين بهذا الفرق بين المخلوق وغير المخلوق؛ لأنه لما ذكر القرآن فقال: ﴿علم القرآن﴾، ولما ذكر الإنسان قال: ﴿خلق الإنسان﴾؛ فبين أن الفرق بين المخلوق وغير المخلوق؛ ثم قال بعد ذلك: ﴿علمه البيان﴾، والقرآن هنا هو البيان. قال سبحانه: ﴿هذا بيان للناس﴾.
وقوله: (لسحرا) وليس هو السحر الذي يأثم من يأتي به إلا أن يكون ذلك البيان في باطل، فأما إذا كان لحق فهو المبارك.
-١٤٥٩ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن ابن عمر، (أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه: وأقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله - ﷺ - فيما استطعت).
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وفي رواية عن عبد الله بن دينار، قال: (شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، كتب: إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله بن عبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت، وإن بني قد أقروا بمثل ذلك)].
* في هذا الحديث دليل أنه من الفقه جواز إمامة المفضول؛ فإن ابن عمر أفضل من عبد الملك بن مروان، وقد أقر له بالسمع والطاعة وكاتبه بذلك، وما كان ليفعل إلا ما له فعله.
* وفيه جواز الاستثناء في الاستطاعة في (١١٦/ أ) البيعة لقوله: (فيما استطعت).
* وفيه أيضا أنه أخذ البيعة على بنيه، وهذا فلم يكن واجبا عليه ولا ضرورة؛ وإنما يعتبر فيه على مثل عبد الله بن عمر إذ كان صدرا في وقته؛ لأن ابن عمر الذي كان أبوه علما في الخلفاء إلى يوم القيامة، وكان عبد الله ﵁ من أزهد الصحابة فإقراره هو كإقرار ألوف.
-١٤٦٠ -
الحديث السادس والخمسون:
[ ٤ / ٢٤٠ ]
[عن عبد الله بن دينار، قال: (نظر ابن عمر إلى رجل يسحب ثيابه في ناحية المسجد، فقال: انظروا من هذا؟ قال إنسان: هذا محمد بن أسامة، فطأطأ رأسه وقال: لو رآه رسول الله - ﷺ - لأحبه)].
* في هذا الحديث دليل على أن من جر ثوبه لا للخيلاء لم يتناوله الوعيد الذي ورد في ذلك.
* وفيه أيضا أنه إذا رأي أحدا على منكر في مثل ذلك المقام الذي يجمع الأشراف والأفاضل أن يسأل عنه قبل أن ينكر عليه ألا ترى إلى ابن عمر لما عرف أنه ابن أسامة أمسك عنه.
-١٤٦١ -
الحديث السابع والخمسون:
عن ابن عمر قال: (كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد النبي - ﷺ - هيبة أن ينزل فينا شيء، فلما توفي النبي - ﷺ - تكلمنا وانبسطنا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الرجل الصالح على ما كان من صلاحه في دينه
[ ٤ / ٢٤١ ]
فهو ينبسط إلى أهله، وأنهم كانوا في زمان رسول الله - ﷺ - يخافون أن يفضي بهم ذلك الانبساط إلى بعض ما لا يسوغ فينزل القرآن في الواحد منهم. على أن انبساط الرجل إلى زوجته من مداعبة ولعب يظهر لها به رغبته فيها وحبه إياها مباح، وهو فيما أرى إذا حسن القصد به عبادة إن شاء الله.
-١٤٦٢ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يبيع حاضر لبادٍ)].
* وقد تقدم هذا الحديث في مسند ابن عباس.
-١٤٦٣ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن ابن عمر، قال: قال النبي - ﷺ -: (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - أيقظ بهذا الكلام
[ ٤ / ٢٤٢ ]
همم الأبناء ليكونوا على آثار الآباء في المآثر والمناقب (١١٦/ ب) من طاعة الله وعبادته، وأنه لما كان نبيا كريما تابعا في ذلك أباه يعقوب نبيا كريما، وكان يعقوب تابعا في ذلك أباه إسحاق نبيا كريما، وكان إسحاق تابعا في ذلك أباه إبراهيم نبيا كريما. كان يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كما قال رسول الله - ﷺ -: (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم).
-١٤٦٤ -
الحديث الستون:
[عن ابن عمر، قال: (ما شبعنا حتى فتحنا خيبر)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الصحابة كانوا في شدة وكانوا يجوعون ضرورة فلما أمكنهم شبعوا.
-١٤٦٥ -
الحديث الحادي والستون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ - (أفرى الفرى: أن يري الرجل عينيه ما لم تريا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الذي يكذب في منامه، يكذب لنفسه، فيكون قد بالغ في الكذب حتى كذب لنفسه؛ ونفسه تعلم أنه كاذب.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
-١٤٦٦ -
الحديث الثاني والستون:
[عن ابن عمر، قال: (أول مشهد شهدته الخندق)].
قد ضبط الخندق ابن عمر أول مشاهده، فلو نسب إليه مشهد قد كان قبله، كان بذكر ذلك باطلا.
-١٤٦٧ -
الحديث الثالث والستون:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما).
قال: وقال ابن عمر: (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله)].
* في هذا الحديث ما يدل على تعظيم أمر الدم، وقد ذكرناه في مسند ابن مسعود وغيره.
* وقوله: (إن من ورطات الأمور) الورطات: جمع ورطة، وهي كل بلاء لا يكاد صاحبه يتخلص منه.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
-١٤٦٨ -
الحديث الرابع والستون:
[عن ابن عمر، قال: (رأيتني مع النبي - ﷺ -، بنيت بيدي بيتا يكنني من المطر، ويظلني من الشمس، ما أعانني عليه أحد من خلق الله ﷿).
وعن ابن عمر، قال: (ما وضعت لبنة على لبنة منذ قبض النبي - ﷺ -)].
* في هذا الحديث ما يدل على جواز البناء، ويدل على أن المستحب الاقتصار منه على ما يكفي. ويدل على أنه قد كان في ابن عمر من التأني ما يعمل كلما يصلح للبيت.
* وقوله: (ما وضعت لبنة على لبنة منذ قبض النبي - ﷺ -) يدل على زهده واقتناعه (١١٧/ أ) بما كان يسكنه.
-١٤٦٩ -
الحديث الخامس والستون:
[عن سعيد بن عمرو، قال: (دخل الحجاج على ابن عمر، وأنا عنده، فقال: كيف هو؟ قال: صالح؟ قال: من أصابك؟ قال: أصابني من أمر بحمل السلاح، في يوم لا يحل فيه حمله. يعني الحجاج).
وعن سعيد بن جبير، قال: (كنت مع ابن عمر حين أصابه سنان الرمح في أخمص قدمه؛ فلزقت قدمه بالركاب، فنزلت فنزعتها، وذلك بمنى فبلغ الحجاج فجاء يعوده، فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك؟ فقال ابن عمر:
[ ٤ / ٢٤٥ ]
أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال: حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه، وأدخلت السلاح الحرم، ولم يكن السلاح يدخل الحرم)].
* في هذا الحديث ما يدل على كراهة حمل السلاح في الحرم؛ لأنه لا يؤمن أن يجري منه مثل هذا.
* وفيه أيضا أن من شرع في شيء فتطرق منه أذى جاز أن ينسب ذلك الأذى إلى من شرع ذلك.
-١٤٧٠ -
الحديث السادس والستون:
[عن مجاهد، قال: (قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر إلى الشام، قال: لا هجرة، ولكن جهاد، فانطلق فاعرض نفسك، فإن وجدت شيئا وإلا رجعت).
وفي رواية: (لا هجرة بعد الفتح)].
* في هذا الحديث المنع من أن يسمى الجهاد هجرة.
* وفيه أيضا أن الغازي يذهب قاصدا بذهابه إلى أن تكون كلمة الله هي العليا؛ فإن وجد موادعة أو لم يصادف قتالا رجع معدا بفيئه لغير تلك الجهة.
[ ٤ / ٢٤٦ ]
-١٤٧١ -
الحديث السابع والستون:
[عن مجاهد عن ابن عمر، قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بمنكبي، وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر (يقول): وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - حض على التشبه بالغريب؛ لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم ولم يخرج من أن يروه على خلاف عادته في الملبوس، ولا يكون متدبرا معهم، وكذلك عابر السبيل فإنه لا يتدبر ولا يلج في الخصومات مع الناس ولا يشاحهم ناظرا إلى أن لبثه معهم أياما يسيرة.
(١١٧/ ب) فكل أحوال الغريب وعابر السبيل في الدنيا مستحبة أن يكون للمؤمن، لأن الدنيا ليست وطنا له، لأنها تحبسه عن داره، وهي الحائلة بينه وبين قراره.
* وقول ابن عمر: (وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح) أي لا ينتظر بأعمال الليل الصباح بل بادر بالعمل؛ وكذلك (إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء) أي لا تؤخر أعمال الصباح إلى الليل، (وخذ من صحتك) أي اغتنم زمن القوة فاستسلف منك لك، واعلم أنه سيأتي عليك زمان طويل وأنت تحت
[ ٤ / ٢٤٧ ]
الأرض لا يمكنك أن تذكر الله ﷿ فبادر في زمن سلامتك.
-١٤٧٢ -
الحديث الثامن والستون:
[عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة (أن بني صهيب مولى بني جذعان ادعوا بيتين وحجرة: أن رسول الله - ﷺ - أعطى ذلك صهيبا، فقال مروان: من يشهد لكم على ذلك؟ قالوا: ابن عمر، فدعاه، فشهد لأعطى رسول الله - ﷺ - صهيبا بيتين وحجرة. فقضى مروان بشهادته لهم)].
* في هذا الحديث ما يدل على وجوب إقامة الشهادة، وقد يحمل على أنه يكون قد قضى بشهادته من بين القوم.
-١٤٧٣ -
الحديث التاسع والستون:
[عن عكرمة بن خالد، قال: سألت ابن عمر عن العمرة قبل الحج؟ قال: (لا بأس، اعتمر رسول الله - ﷺ - قبل الحج)].
* فيه ما يدل على جواز العمرة قبل الحج.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
-١٤٧٤ -
الحديث السبعون:
[عن ابن عمر، (أنه كان مع النبي - ﷺ - في سفر، فكان على بكر لعمر صعب، فكان يتقدم النبي - ﷺ - فيقول أبوه: يا عبد الله، لا يتقدم النبي - ﷺ - أحد. فقال له النبي - ﷺ -: (بعنيه) فقال عمر: هو لك، فاشتراه، ثم قال: هو لك يا عبد الله بن عمر، فاصنع به ما شئت).
وفي رواية: (كنا مع النبي - ﷺ - في سفر، فكنت على بكر صعب لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم، فيزجره عمر فيرده، فقال النبي - ﷺ -: هو لك يا عبد الله بن عمر، فاصنع ما شئت)].
* في هذا الحديث من الفقة أن عمر إنما كان يمنع ابنه من التقدم تصرفا في الجمل الذي هو ملكه؛ فاشتراه النبي - ﷺ -، ووهبه لعبد الله، ليصنع بملكه ما شاء؛ ثم صار لابن عمر إذن من رسول الله - ﷺ - في التقدم.
-١٤٧٥ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن ابن عمر، قال: (١١٨/ أ) لما أسلم عمر، اجتمع الناس عند داره، فقالوا: صبأ عمر، وأنا غلام فوق ظهر بيتي، فجاء رجل عليه قباء ديباج،
[ ٤ / ٢٤٩ ]
فقال: صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جار، قال: فرأيت الناس تصدعوا عنه؛ فقلت: من هذا؟ قالوا: العاص بن وائل)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند عمر ﵁.
-١٤٧٦ -
الحديث الثاني والسبعون:
[عن الشعبي، قال: (كان ابن عمر إذا سلم على ابن جعفر- يعني عبد الله- قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين)].
* في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سمى رجلا باسم كان ذلك الاسم أحسن أسمائه، ولذلك دعاه عبد الله بن عمر.
-١٤٧٧ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن ابن عمر، قال: (جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر محاسن عمله فقال: لعل ذلك يسوءك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله أنفك؛ ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله. فقال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي - ﷺ -
[ ٤ / ٢٥٠ ]
ثم قال: لعل ذلك يسوءك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله أنفك. انطلق فاجهد على جهدك).
وفي رواية: (جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت، فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني؛ هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر؛ فإنه كانت تحته بنت رسول الله - ﷺ - وكانت مريضة. فقال له رسول الله - ﷺ -: (إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه). وأما تغيبه عن بيعة الرضوان؛ فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه، فبعث رسول الله - ﷺ - عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله - ﷺ - بيده اليمنى: (هذه يد عثمان) فضرب بها على يده، وقال: (هذه لعثمان). ثم قال ابن عمر: اذهب بها (١١٨/ب) الآن معك)].
*في هذا الحديث من الفقه ما يدل كل مؤمن على أن المتعين ذكر محاسن الصحابة ومناقبهم ومآثرهم دون ما شجر بينهم؛ كما فعل عبد الله بن عمر في ذلك، فهذه علامة من أراد الله به خيرًا من كل مسئول يسأل عن الصحابة؛ إذ الصحابة قد قضى الله لهم بالجنة؛ فلا يضرهم ما يقوله أحد
[ ٤ / ٢٥١ ]
من ورائهم، وإنما ضر القائل نفسه، وأنه من أراد به شقاء أن يلهج بذكر ما شجر بينهم، متتبعًا فلتات عساها أن تكون جردت، أو شرارات قد كانت عن بعض ما يجده الإنسان في وقت موجدة أو مغيظة، فليس يضر الشقي إلا نفسه، ولا ينحس إلا حظه.
- ١٤٧٨ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن وبرة عن عبد الرحمن، قال: سألت ابن عمر متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة؟ قال كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا)].
*هذا الحديث يدل على اتباع الإمام، وعلى أن الرمي بعد الزوال.
- ١٤٧٩ -
الحديث الخامس والسبعون:
[عن حرملة، (أن الحجاج بن أيمن بن أم أيمن، وكان أخا أسامة لأمه من الأنصار، فرآه ابن عمر لا يتم ركوعه، قال: أعد).
زاد بن نمير: (فلما ولى قال ابن عمر: من هذا؟ قلت: الحجاج بن أيمن.
[ ٤ / ٢٥٢ ]
قال: لو رأى النبي - ﷺ - هذا لأحبه)].
إنما قال: لأحبه لمكان أم أيمن، وهي حاضنة رسول الله - ﷺ - ومولاته.
-١٤٨٠ -
الحديث السادس والسبعون:
[عن أبي عثمان النهدي، قال: (سمعت ابن عمر يغضب إذا قيل له: إنه هاجر قبل أبيه).
قال ابن عمر: (قدمت أنا وعمر على النبي - ﷺ - المدينة فوجدناه قائلًا؛ فرجعنا إلى المنزل، فأرسلني عمر، فقال: اذهب فانظر هل استيقظ فوجدته قد استيقظ فبايعته ثم انطلقت إلى عمر فجئنا نهرول فبايعه ثم بايعته)].
*إنما هاجر عمر إلى المدينة قبل هجرة الرسول - ﷺ -، وكان قد خرج في عشرين راكبًا، وهاجر جهرًا، وإنما الإشارة بهذا الحديث إلى المبايعة بعد القدوم، وقد تقدم ذكرها.
-١٤٨١ -
الحديث السابع والسبعون:
[عن عبد الرحمن بن أبي نعم، قال: كنت شاهدًا لابن عمر، وسأله رجل
[ ٤ / ٢٥٣ ]
عن دم البعوض؟ (١١٩/أ) قال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبي - ﷺ -، وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: هما ريحانتاي من الدنيا).
وفي حديث شعبة، قال: (وأحسبه سأله عن المحرم يقتل الذباب؟ قال: يا أهل العراق، تسألونا عن قتل الذباب، وقد قتلتم ابن ابنة رسول الله - ﷺ -. وذكره)].
*وفي هذا الحديث من الفقه احتفال ابن عمر بما جرى من قتل الحسين ﵁؛ حتى أنه لم يجب السائل عن مسألة من الفقه، بل قال له من التقريع ما قال، وإن كان ابن عمر قد علم أن ذلك الشخص بعينه ليس هو القاتل، وإنما يعني أنكم يا أهل العراق أزعجتموه عن قراره حتى إذا وصل إليكم خذلتموه وحاربتموه.
-١٤٨٢ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن خالد بن أسلم، قال: (خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال أعرابي: أخبرني عن قول الله ﷿:﴾ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴿، فقال ابن
[ ٤ / ٢٥٤ ]
عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة؛ فلما نزلت جعلها الله طهرًا للأموال)].
*قد سبق شرح هذا في مسند أبي ذر، وبينا أن المال إذا أخرجت زكاته لم يلم صاحبه على جمعه.
-١٤٨٣ -
الحديث التاسع والسبعون:
[عن ابن عمر، أنها قد نسخت:﴾ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴿الآية٣)].
*وقد روي عن: ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير في جماعة: أن هذه الآية نسخت بقوله تعالى:﴾ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ﴿.
وقد ذهب آخرون إلى أنها محكمة، وفسروا هذا الذي يبدى ويخفى أنه الشك واليقين.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
* وقد سبق ذكر هذه الآية وتفسيرها في مسند ابن عباس.
-١٤٨٤ -
الحديث الثمانون:
[عن مورق، قال: (قلت لابن عمر: وتصلي الضحى؟ قال: لا: قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي - ﷺ -؟ قال: لا إخاله)].
*إنما أخبر ابن عمر عما علم، وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه صلى الضحى، وهي من أفعال الخير فمن فعلها فهو خير له؛ ومن تركها فلا لوم عليه.
-١٤٨٥ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن الزبير بن عربي، قال: سأل رجل ابن عمر عن استلام (١١٩/ب) الحجر؟ فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمه ويقبله. قال: أرأيت إن زحمت؟ أرأيت إن غلبت؟ قال: اجعل أرأيت باليمين، رأيت رسول الله - ﷺ - يستلمه ويقبله].
[ ٤ / ٢٥٦ ]
*في هذا الحديث من الفقه أن السائل إذا كرر على العالم مسائل تتناول الاحتمالات جاز له أن يقطعه عن ذلك بقول يقوله.
كما قال ابن عمر: (اجعل أرأيت باليمين) وقد سبق ذكر الاستلام وشرح معناه.
* * *
[ ٤ / ٢٥٧ ]
أفراد مسلم من هذا المسند
-١٤٨٦ -
الحديث الأول:
[عن ابن عمر، (أن رسول الله - ﷺ - كان يعطي عمر بن الخطاب ﵁ العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني. فقال له رسول الله - ﷺ -: (خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك).
قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدًا، ولا يرد شيئًا أعطيه)].
*قد سبق هذا الحديث في مسند عمر.
-١٤٨٧ -
الحديث الثاني:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يأكلن أحد منكم بشماله،
[ ٤ / ٢٥٨ ]
ولا يشربن، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها).
وفي رواية: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل ويشرب بشماله).
*في هذا الحديث من الفقه أن الله ﷿ لما خلق لابن آدم يدين، وكانت له أعماله الصالحة كتناول الغذاء وغيره جعل ذلك من شغل اليمنى، وكانت له أعمال لابد له منها تنفر النفس عنها كإزالة الأنجاس ومس الفرج وإماطة الأذى وغير ذلك؛ فجعل ذلك من شغل اليسرى؛ فإذا خالف الإنسان وأشغل اليسرى فيما خلقت له اليمنى كان ذلك مخالفًا لموضع الحكمة، وذلك من موافقة الشيطان، والشيطان يدعو من اتبعه إلى عمله.
-١٤٨٨ -
الحديث الثالث:
[عن ابن عمر، قال: (بات النبي - ﷺ - بذي الحليفة مبدأه وصلى في مسجدها)].
*ذو الحليفة: هو ميقات أهل المدينة، وهذا طرف من ذكر حج النبي - ﷺ -؛ وسيأتي في مسند جابر مشروحًا إن شاء الله تعالى.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
-١٤٨٩ -
الحديث الرابع:
[عن ابن عمر، قال: (غدونا مع رسول الله - ﷺ - من منى إلى عرفات، منا الملبي، ومنا المكبر).
وفي رواية: (فمنا المكبر ومنا المهلل (١٢٠/أ)، فأما نحن فنكبر، قال: قلت: والله، لعجبًا منكم؛ كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع؟)].
*كأنه يشير بالتكبير إلى أنه يذكر الله ﷿ فإذا رأى شيئًا من البدن يساق للهدى كبر الله.
والتلبية: هي شأن المحرم.
-١٤٩٠ -
الحديث الخامس:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأزر بين المسجدين كما تأزر الحية إلى جحرها)].
*في هذا الحديث من الفقه ان الله تعالى أظهر الإسلام غريبًا؛ وكان في نأنأة، ثم إنه أظهره على الدين كله والمشركون راغمون. فأخبر - ﷺ - أنه سيعود غريبًا
[ ٤ / ٢٦٠ ]
كما بدأ غريبًا، وهذا إنما يكون إذا انقلبت الأمور، ومات العلماء، ودرست السنن، وظهرت البدع، وكانت أشراط الساعة، وإن آثار ذلك ومقدماته لائحة بادية، والله تعالى يتدارك عباده برأفته.
*وقوله: (يأزر بين المسجدين). قال أبو عبيد: يأزر يعني ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض.
قال رؤبة: فذاك بخال أروز الأرز.
أي لا ينبسط للمعروف ولكن ينضم بعضه إلى بعض.
وقوله: (بين المسجدين) قد وعد النبي - ﷺ - بأن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة، وهما الكعبة ومسجده، فلعله يعني بذلك سلامة البلدين من الفتن.
-١٤٩١ -
الحديث السادس:
[عن ابن عمر، قال: (مررت على رسول الله - ﷺ -، وفي إزاري استرخاء، فقال: (ياعبد الله، ارفع إزارك) فرفعته. ثم قال: (زد) فزدت، فما زلت أتحراها بعد.
فقال بعض القوم: إلى أين؟ فقال: أنصاف الساقين)].
*في هذا الحديث حد المكان الذي هو نهاية رفع الثوب.
[ ٤ / ٢٦١ ]
-١٤٩٢ -
الحديث السابع:
[عن نافع، قال: (جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع، حين كان من أمر الحرة ما كان من زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثًا، سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: من خلع يدًا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة- مات ميتة جاهلية).
وفي رواية: (من نزع يدًا (١٢٠/ب) من طاعة؛ فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة الجاهلية)].
*في الحديث ما يدل على أن العالم إذا أكرمه متسلط لا عن إذن إمام استحب للعالم أن يظهر إباء تلك الكرامة لقول ابن عمر: (لم آتك لأجلس).
*وقوله: (من خلع يدًا من طاعة) فإن طاعة هنا نكرة إلا أن المراد بها طاعة الإمام فهي في معنى المعرفة.
*وقوله: (من مات وليس في عنقه بيعة) أي لا إمام له، وهذا يدل على أنه لا يسوغ أن يظل المسلمون أكثر من ثلاثة أيام مدة الشورى إلا وفي أعناقهم بيعة لإمام يرجعون إليه.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
*وفي هذا ما يدل على أن جمع كلمة المسلمين بإمامهم.
-١٤٩٣ -
الحديث الثامن:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - غير اسم عاصية، وقال: (أنت جميلة). وفي رواية: (أن ابنة لعمر كان يقال لها عاصية فسماها رسول الله - ﷺ - جميلة)].
*في هذا الحديث ما يدل على أن الأسماء التي تنصرف إلى ما تنفر القلوب عنه كعاصية ونافرة ونحو هذا؛ فإن المستحب العدول عنها إلى مثل جميلة وصالحة ونحو ذلك.
-١٤٩٤ -
الحديث التاسع:
[عن ابن عمر (أن النبي - ﷺ -، كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام، فدعا بها، ويده اليسرى على ركبتيه باسطًا عليه)
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ -، كان إذا قعد في التشهد وضع يده
[ ٤ / ٢٦٣ ]
اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة).
ومن حديث: علي بن عبد الرحمن، قال: (رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة، فلما انصرف نهاني؛ فقال: اصنع كما كان - ﷺ - يصنع، قال: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها، وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى)].
*في هذا الحديث من الفقه أن تكون اليسرى مبسوطة؛ لأنها في وضعها معدة لما تقدم ذكره من إماطة الأذى ونحوه، واليمنى في الصلاة مشغولة بالإشارة في التشهد، وذلك فوق ما بين اليمنى واليسرى.
*وفيه أيضًا دليل على الحساب بالأصابع (١٢١/أ) جائز، ويتأتى بالأصابع في اليدين عشرة آلاف.
-١٤٩٥ -
الحديث العاشر:
[عن ابن عمر، قال: (خطب النبي - ﷺ - في بعض مغازيه؛ فقال ابن عمر:
[ ٤ / ٢٦٤ ]
فأقبلت نحوه، فانصرف قبل أن أبلغه؛ فسألت: ماذا قال؟ فقالوا: نهى أن ينتبذ في الدباء والمزفت).
وفي رواية: عن ثابت، قال: (قلت لابن عمر: نهى رسول الله - ﷺ - عن نبيذ الجر؟ قال: قد زعموا ذلك) قلت: أنهى عنه رسول الله - ﷺ -؟ قال: قد زعموا ذلك.
وفي رواية: عن طاووس، (قال: كنت جالسًا عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: أنهى رسول الله - ﷺ - عن نبيذ الجر والدباء والمزفت؟ قال: نعم)
وفي رواية قال: (وأراه قال: والنقير).
وفي رواية: نهى رسول الله - ﷺ - عن الحنتمة، قال: وما الحنتمة؟ قال: الجرة).
وفي رواية: (عن زياد أن قال: قلت لابن عمر: حدثني بما نهى عنه النبي - ﷺ - من الأشربة بلغتك، وفسره لنا بلغتنا، فإن لكم لغة سوى لغتنا! قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الحنتم، وهي الجرة، وعن الدباء، وهي القرعة. وعن المزفت، وهو المقير، وعن النقير، وهي النخلة تنسج نسجًا، وتنقر نقرًا، وأمر ان ينتبذ في الأسقية).
وعن سعيد بن المسيب قال: (سمعت ابن عمر، عند هذا المنبر، وأشار إلى منبر رسول الله - ﷺ -، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله - ﷺ -، فسألوه عن الأشربة؟ فنهاهم عن الدباء والنقير والحنتم، فقلت: يا أبا محمد! والمزفت؟ وظننا أنه نسيه، فقال: لم أسمعه يومئذ من ابن عمر، وقد كان يكره هذا).
[ ٤ / ٢٦٥ ]
قال أبو مسعود: وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي الزبير عن ابن عمر قال: (سمعت رسول الله - ﷺ - نهى عن الجر والدباء والمزفت).
قال أبو الزبير: (وسمعت جابر بن عبد الله يقول: نهى رسول الله - ﷺ - عن الجر والمزفت والنقير. وكان رسول الله - ﷺ - إذا لم يجد شيئًا ينبذ له فيه، نبذ له في تور من حجارة).
ومنه حديث سعيد بن جبير، قال (أشهد على ابن عمر وابن عباس أنهما شهدا أن رسول (١٢١/ب) الله - ﷺ - نهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير).
وعن ابن جبير قال: (سألت ابن عمر عن نبيذ الجر؟ فقال: حرم - ﷺ - نبيذ الجر، قال: صدق ابن عمر، حرم رسول الله - ﷺ - نبيذ الجر، قلت: وأي شيء نبيذ الجر؟ قال: كل شيء يضع في المدر).
وفي رواية عن ابن عمر: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الجر والدباء والمزفت. وقال: انتبذوا في الأسقية)].
*هذا الحديث قد تقدم، وبينا أن النهي عن هذه الظروف كان لأجل خوف الاشتداد.
[ ٤ / ٢٦٦ ]
-١٤٩٦ -
الحديث الحادي عشر:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوة).
وحكى أبو مسعود: أن مسلمًا أخرجه، وحكى أنه أخرجه أيضًا وفيه: (الرؤيا الصالحة من العبد الصالح)].
*هذا يختص بالرؤيا الصالحة من العبد الصالح.
*وقوله: (سبعين جزءًا) من أفراد مسلم، وقد تقدم في المتفق عليه من حديث (عبادة) أنها ستة وأربعون جزءًا، وبينا هنالك وجهه.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
* وأما قوله في هذا الحديث: (سبعون جزءًا)، فالذي أراه فيه أن السبعين هو العدد الذي انتهت إليه الكثرة من أعداد العرب، وقد تقدم شرحنا لذلك، فيكون قوله جزءًا من سبعين يعني به أقل من أكثر فليعلم أنها أمر شرعي، وأنها من أجزاء النبوة ودلائلها فهو رد على من ادعى غير ذلك.
-١٤٩٧ -
الحديث الثاني عشر:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمتين، تعبر إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة).
زاد أبو مسعود: (لا تدري أيها تتبع)].
*هذا الحديث يدل على أن المنافق ليس له أس يبني عليه؛ ولا عزيمة يثبت فيها، فهو يصير مع المسلمين باللفظ ويرجع إلى المشركين بالعقد.
-١٤٩٨ -
الحديث الثالث عشر:
[عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)].
[ ٤ / ٢٦٨ ]
*هذا الحديث يدل على فضل مسجده على جميع المساجد ما خلا المسجد الحرام؛ وإنما نقصت رتبة مسجده بالإضافة إلى الكعبة لموضع إضافة الكعبة إلى الله ﷿.
-١٤٩٩ -
الحديث الرابع عشر:
[عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن أحب أسمائكم إلى الله ﷿" عبد الله وعبد الرحمن)].
*إنما كان هذان (١٢٢/أ) الاسمان أحب الأسماء إلى الله لما فيهما من ذكره أولًا؛ ولكونهما صدقًا؛ لو سمي الرجل شجاعًا ونحو ذلك فإنه اسم قد يصدق وقد يكذب بخلاف الاسمين، فإنهما صدق إذ كل تسمية إذا سميتها بعبد الله أو عبد الرحمن فقد صدقت في تسميتها بذلك.
-١٥٠٠ -
الحديث الخامس عشر:
[عن نافع، قال: (كان ابن عمر يستجمر بالألوة غير مطراة، وبكافور يطرحه مع الألوة، ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله - ﷺ -)].
[ ٤ / ٢٦٩ ]
يستجمر: بمعنى يتدخن، والألوة: العود، ويقال: ألوة وألوة (بفتح الألف وضمها).
وما جعل الكافور معه؛ فأنه يزيده طيبًا ويعدل من حر ببرده.
-١٥٠١ -
الحديث السادس عشر:
[عن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - قال: (من صبر على لأوائها- يعني المدينة- كنت له شفيعا - أو شهيدًا- يوم القيامة).
وأخرجه من حديث يحنس (إنه كان جالسًا عند عبد الله بن عمر في الفتنة، فأتته مولاة تسلم عليه، فقالت: إني أردت الخروج يا أبا عبد الرحمن، اشتد علينا الزمان، فقال لها عبد الله: اقعدي يا لكاع، فإني س-معت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يصبر على لأوائها وشدتها بعد، إلا كنت له شهيدًا- أو: شفيعا- يوم القيامة (يعني المدينة)].
*اللأواء: الشدة.
وقد سبق شرح هذا الحديث، والمراد به أنه من أقام صابرًا فله هذا الأجر، فأما من أقام ولم يصبر فليس هذا له، وذلك أن المدينة لو أنها ذات
[ ٤ / ٢٧٠ ]
ثمار وكسب وتجارة وأنهار لكان المجاور بها يتهم فيقال: هذا لطيب المكان؛ فلما كانت ليس فيها ذلك خلصت نية المقيم فيها لأجل جوار رسول الله - ﷺ - خاصة.
*وقوله: (يا لكاع): يقال للرجل: يا لكع، ولكع الرجل إذا لؤم، واشتقاقه من اللكع وهو الوسخ.
-١٥٠٢ -
الحديث السابع عشر:
[عن ابن عمر: (أن رجلًا مر ورسول الله - ﷺ - يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه)].
*هذا الحديث يعلم البائل حسن الأدب؛ فإنه ليس موطن كلام؛ وكذلك كل شيء يكون في معنى البول.
-١٥٠٣ -
الحديث الثامن عشر:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)].
[ ٤ / ٢٧١ ]
*قد سبق هذا الحديث في مسند أبي أيوب.
-١٥٠٤ -
الحديث التاسع عشر:
(١٢٢/ب) [عن ابن عمر، قال: (كان من دعاء النبي - ﷺ -: اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك)].
*في هذا الحديث من الفقه أن الداعي إذا دعى الله ﷿ واستعاذه من زوال نعمته؛ فإنما في ضمن دعائه أن يستعيذ بالله من أن يغير ما بنفسه لأن
[ ٤ / ٢٧٢ ]
القرآن نزل: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾؛ فيستعيذ من أن يغير ما بنفسه لئلا يزيل الله ﷿ ما أنعم به عليه.
*وقوله: (وتحول عافيتك): أي أنك قد عودتني منك العافية، فلا تحولني إلى البلاء، ويكون في ضمن هذا أن من العافية التي يعافي الله بها عبده أن يسامحه ويساهله ولا يناقشه؛ وقد عود الله عبده ذلك فإذا أمر وقت عبده في عافية منه؛ فإنما ذلك عن مساهلة الله وسماحته لا عن براءة العبد وسلامته، فإذا استعاذ العبد من أن يحول عنه ما عوده إياه من هذه العافية؛ فقد احتظى بحظار من فضله عن سخطه.
*وقوله: (وفجاءة نقمتك): أن النقمة إذا جاءت فجأة بغتة لم يكن هناك زمان يستدرك فيه، ولا وقت لإعتاب.
*وأما قوله: (وجميع سخطك): ففي ذلك أنه لما كان في تعديد مساخط الله سبحانه نوع ترويع تستجدي له قلوب المؤمنين لإعتاب أجمل - ﷺ - ذلك، وعدل عن تفصيله إلى قوله عليه السلا: (وجميع سخطك).
*ثم من حسن الترتيب، وبديع التصريف أن بدأ في الاستعاذة من تحول العافية؛ لأنه من لطف الله تعالى به إدامة العافية عليه، وقد حرس خصاله من الالتفات ثم اتبع ذلك بالتعوذ من فجاءة النقمة، وهي أن يفجأ بالنقمة من قبل منذرات تنذر ومؤذنات تؤذن وتشعر، فتسبق الاستغفار وتعجل عن الاعتاب؛ ثم اتبع ذلك بالتعميم من الاستعاذة من جميع سخطه أعاذنا الله سبحانه من ذلك وإياكم.
-١٥٠٥ -
الحديث العشرون:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: (يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن من
[ ٤ / ٢٧٣ ]
الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار. قال امرأة منهن جزلة: ما لنا أكثر أهل النار؟ قال: (تكثرن اللعن، وكفرن العشير، ما رأيت من (١٢٣/أ) ناقصات عقل ودين أغلب لذي اللب منكن، قالت: ما نقصان العقل والدين، قال: شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي)].
*قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عباس.
*وأما الجزلة: فإنه يقال رجل جزل وامرأة جزلة إذا كانت لهما قوة في الخطاب والرأي.
-١٥٠٦ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن ابن عمر، أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروح عليه إذا مل ركوب الراحلة؛ وعمامة يشد بها رأسه، فبينما هو يومًا على الحمار، إذ مر به أعرابي؛ فقال: ألست فلان بن فلان؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار، وقال: اركب هذا، والعمامة، وقال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه غفر الله لك! أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن من أبر صلة الرجل أهل ود أبيه، بعد أن يولى).
وأن أباه كان صديقًا لعمر ﵁)].
[ ٤ / ٢٧٤ ]
*في هذا الحديث من الفقه استحسان سؤال الرجل عن الرجل إذا لقيه في الطريق، فإنه لا يعدم من سؤاله فائدة من أن يعرف نسبه هل يتصل به أو يبعد عنه؛ أو يكون في نسبه من بينه وبينه دم ينحدر منه.
*وفيه أيضًا إحسان الرجل إلى من بينه وبين أبيه معرفة ومودة، وإن بعد ذلك فإن ابن عمر أكرم هذا الأعرابي لأن أباه كان صديقًا لعمر.
*وقوله: (بعد أن يولي) كناية عن الموت.
*وفيه: إن وضع العمائم إنما كان لشد الرؤوس؛ ولأنها نفاية من الحرب والحر والبرد؛ لأنها إذا شدت بها الرؤوس كان منها شيء تحت الحنك، كان الفارس إذا ركض غير مشدودة بما ينتشر منها أو يخاف من سقوطها فتكون حافظة محفوظة.
*وفيه أيضًا أنه من جنس تدبير الرجل أن يكون له ما يستريح به إلى ركوبه عن ركوب راحلته فيجمع في ذلك بين أن يريح بدنه من نفض الراحلة وبين ترويح راحلته في وقت ركوب حماره أو بغله.
-١٥٠٧ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن طاوس، قال: (أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس (١٢٣/ب) والعجز)].
[ ٤ / ٢٧٥ ]
*في هذا الحديث إثبات القدر، وأنه ليس للإنسان من الحيلة أن يدفع ما قدر عليه حتى العجز والكيس؛ فمن قدر له أن يكون كيسًا كان، ومن قدر له أن يكون عاجزًا كان؛ فهذا ينبغي أن يعمل به الرجل المسلم في أنه لا يلوم عاجزًا على عجزه ولا يحسد ذا كيس على كيسه إلا أنه في نفسه أن كان ممن قد بلي بالعجز فلا يستطرح إلى أنه قد قدر ذلك فيه فيترك الحيلة؛ بل ينبغي له أن يحرص على الانتقال إلى الكيس؛ لأن النفوس قد تحتج بهذا ومثله، ويأبى بذكر الإيمان بالقدر من عجزها، ويبين ذلك عليها بأنها لا تكون مستطرحة في الكسب والتطلع إلى الشهوات وغيرها محيلة بها على القدر، وإن كان قد قدر له الكيس فيحمد الله ﷿.
-١٥٠٨ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فلقتين، فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، قال رسول الله - ﷺ -: (اللهم اشهد)].
*قد سبق هذا الحديث في مسند ابن مسعود.
*وفيه أيضًا أن الله ﷾ لما فلق القمر فلقاه فلقًا ظاهرًا بحيث حصل الجبل بين فلقتيه؛ لئلا يظن ظان أن ذلك كان على سبيل توهم أو
[ ٤ / ٢٧٦ ]
تحيل؛ لأن الحيل قد تكون سمكة الفراسخ الكثير فإذا حصل في كل جانب منه فلقة من القمر ثبت عند كل ناظر له بعينه وسامع لذلك عنه من الثقة عنده مما لا يتمارى فيه ولا يشك من أجل بعد ما بين الفلقتين.
-١٥٠٩ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن وبرة بن عبد الرحمن، قال: (كنت جالسًا عند ابن عمر، فجاءه رجل فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم. فقال: ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حج رسول الله - ﷺ - فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف فبقول رسول الله - ﷺ - أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس، إن كنت صادقًا؟).
وفي رواية: (سأل رجل ابن عمر: أطوف بالبيت وقد أحرمت بالحج؟ فقال: وما يمنعك؟ فقال: إني رأيت ابن فلان يكرهه، وأنت أحب إلينا منه. رأيناه قد فتنته الدنيا، فقال: وأينا- أو قال: وأيكم لم تفتنه الدنيا؟ ثم قال: رأينا رسول الله - ﷺ -: أحرم بالحج، وطاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة؛ فسنة الله ورسوله (١٢٤/أ) أحق أن تتبع، من سنة فلان، إن كنت صادقًا)].
[ ٤ / ٢٧٧ ]
* في هذا الحديث جواز القدوم قبل الإفاضة.
*وأما قول القائل: (فتنته الدنيا) فغير مستقيم؛ لأن ابن عباس كان من أعلم الناس وأفضلهم؛ والقائل عنه هو المفتون.
*وقول ابن عمر: (وأينا لم تفتنه الدنيا) ليس هنا وفاقًا للذاكر عن ابن عباس ما ذكر؛ ولكنه آنس منه أن القائل أراد بذلك تزكية ابن عمر على ابن عباس، فقال: (وأينا لم تفتنه الدنيا)، وعلى نفس الفتنة ينصرف إلى الامتحان فقد يخلص الانسان منها ما لم تزراه، وقد يهلك بها كثيرًا إلا أن ابن عباس وابن عمر كان بحمد الله مما لم يفتتن بحال.
-١٥١٠ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل).
وفي حديث وكيع، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء؛ فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تعتم بحلاب الإبل).
وفي رواية البخاري من حديث عبد الله بن مغفل عن النبي - ﷺ -: (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاة المغرب. قال: والأعراب تقول: هي العشا)].
[ ٤ / ٢٧٨ ]
*في هذا الحديث ما يدل على أنها لا تسمى العشاء العتمة.
قال ابن قتيبة: عتمة الليل هو ظلامه، وإنما سميت عتمة باسم عتمة الليل وهي ظلامه، نقول: إنما يقع هذا الاسم على حلاب الإبل لا على الصلاة.
-١٥١١ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن مصعب بن سعد، قال: دخل ابن عمر على ابن عامر يعوده، وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، وكنت على البصرة].
*في هذا الحديث من الفقه أن عبد الله بن عمر لما عاد عبد الله بن عامر كان راضيًا عنه إن شاء الله؛ فلذلك عاده في مرضه.
*وفيه أيضًا من الفقه أنه لما سأله أن يدعو له حذره من أشياء يدخل مثلها كثيرًا على الأمراء، فمنها، أنه ذم عنده الغلول، فلم يقل له إنك قد غللت؛ فالذي قاله على سبيل الموعظة؛ لا على سبيل الشهادة عليه، وعلى (١٢٤/ب) هذا فإن الاستحباب لكل عامل يكون على عمل من الأعمال للمسلمين أن يكون ذا عيش مقتصد لئلا يتسع من ماله فتسبق الظنون إلى أنه
[ ٤ / ٢٧٩ ]
قد اتسع من مال المسلمين.
-١٥١٢ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه؛ فإن أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين)].
*هذا الحديث قد تقدم الكلام عليه، والمراد بالقرين الشيطان.
-١٥١٣ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن ابن عمر، قال: (بينما نحن نصلي مع رسول الله - ﷺ -، إذ قال رجل في القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرًة وأصيلًا. فقال رسول الله - ﷺ -: (من القائل كلمة كذا وكذا؟) قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله قال: (عجبت لها فتحت لها أبواب السماء). قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك)].
قد سبق هذا الحديث. وأشير إليه هاهنا فأقول: إن قوله: (الله أكبر كبيرًا)
[ ٤ / ٢٨٠ ]
قد تقدم قولنا فيه، وإنما مما ذكر سيبويه: أن تعني قول الله أكبر أي الله كبير، فإذا قلت: الله أكبر كبيرًا، فإنما تنصب كبيرًا مصدرًا وقوله الحمد لله كثيرًا، فإن كثيرًا هاهنا صفة لمصدر، كما أن كبيرًا يجوز أن يكون صفة أو صفة لمصدر أيضًا، فيكون معناه مسمى كبيرًا.
* (ويكون الحمد لله حمدًا كثيرًا) يريد به أن الحمد لله حمدًا كثيرًا من حيث استحقاقه فلا يزل استحقاقه لذلك يتصل النطق به، ويكثر فبهذا يكون الحمد أبدًا كثيرًا، وكثيرًا فعيل، وقد تأتي بمعنى فاعل فيكون كثيرًا بمعنى كاثر.
*وقوله: (سبحان الله بكرة وأصيلًا) أي ليلًا ونهارًا، وذلك لأن سواد الليل يسبح لله بلسان حاله، وبياض النهار يسبح لله أيضًا بحاله عند مشاهدة اختلافهما، إذ كل منهما يدع عند إخفاء الآخر موصمين بوصمات الحدث، مشوهين بتشويهات التبدل والاختلاف، ويجدد كل واحد منهما عند فناء الآخر في محله كله فهما بتبيان بنقصهما فضل خالقهما، وبالعزة فيهما كان مبدعهما والبكرة والأصيل: فهما أطيب أوقات الليل والنهار، وإذا اشرأبت النفوس إلى ذين الوقتين دعتها العقول إلى ما في مطاويهما من العور (١٢٥/أ) والعيوب والنقص، فكان التسبيح لله بكرًة وأصيلًا من أحسن ما تنهض إليه عقول المؤمنين وأفهام الصديقين.
[ ٤ / ٢٨١ ]
-١٥١٤ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن علي بن عبد الله البارقي، أن ابن عمر علمهم؛ أن رسول الله - ﷺ - كان إذا استوى على بعيره خارجًا إلى سفر، كبر ثلاثًا، ثم قال: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾، اللهم؛ إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا مشقة سفرنا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل). وإذا رجع قالهن، وزاد فيهن: (آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون)].
*قوله: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾ أي ذلل لنا هذا المركوب.
*وقوله: ﴿مقرنين﴾ أي مطيقين، ﴿إنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ أي راجعون للآخرة.
*إنما بتكبيره ثلاثًا، فإنه ﵇ لما كبر ثلاثًا شرع التكبير لكل مسافر عند توجهه إليه ليصدم بقوله: (الله أكبر) ما يتهجسه في سره من هذه المشقة، وحوادث السفر، وأخطاره والبعد عن الوطن وإنهاره، فاستعان على ذلك كله بتكرير التكبير، فإنه إذا قال: (الله أكبر) عندما يتهجسه من مخاوف
[ ٤ / ٢٨٢ ]
السفر صغر كل ذلك، وكل كثير منها عند قول المؤمن: (الله أكبر)، ولذلك إذا ذكر ما وراءه من الأهل والوطن ورأى أن سفره لله في سبيله، فقال: (الله أكبر مما نزلت وأرى، والله أكبر مما أخاف من بين يدي) فقد تدرع بدرع حصينة في ذلك، فأما تكريره التكبير ثلاثًا: فواحدة لما بين يديه، وواحدة لما وراءه، وواحدة لحاله في نفسه.
*وقوله: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾ أي ذلل لنا هذا المركوب، وذلك أن أول نعم الأسفار أن ذلل الله تعالى حيوانًا ذا أبد يحمل نقل الآدميين ولا يتجاوز أبده إلى الحد الذي يقهر راكبه، فجعل الله ﷿ ما سخر من الدواب بقوة تنفع راكبها ولا تبلغ إلى الحد الذي يقهره عن إذلاله.
*وقوله: ﴿مقرنين﴾ مطيقين، ﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ أي راجعون في الآخرة، ومعناه إنه لما توجه إلى السفر كان من أعظم (١٢٥/ب) الأشياء خطورًا في قلبه ذكر انقلابه إلى أهله في الغالب، فأنزل الله ﷿ ما أنزل في هذه الآية من ذكره.
﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ يعني أن المؤمنين إذا ذكروا منقلبهم إلى ربهم كان ذلك متلاشيًا معه ذكر ميلهم إلى أهلهم وأوطانهم في هذه الدنيا، ولذلك فلم يقل الله: فإنا إلى مواطننا في الآخرة منقلبون؛ لأن تلك المواطن مخلوقة أيضًا فأنزل الله سبحانه، وإنما إلى ربنا لمنقلبون أي حالتنا إذ لا مساواة بين الخالق والمخلوق عند المؤمن في حال.
*وأما قوله بعد هذا: (نعوذ بك من وعثاء السفر) بعدما قدم تقدم ذكره؛ فإن ذلك يدلل على إحكام القاعدة في العقيدة، وبناء الأمر على أساس الحق لا يمنع الاستعاذة من كل مكروه، ألا تراه - ﷺ - بعدما كرره من التكبير
[ ٤ / ٢٨٣ ]
الذي هدم به كل خاطر يعرض من الوسواس فيما بين يدي المسافر وما وراءه. وذكر الإيمان بالمنقلب إلى الآخرة بعد شكر الله على ما أحال له من الدواب التي لم يكن مقرونًا لا يدها أتبع ذلك بأن قال: (أعوذ بك من وعثاء السفر)، وعثاء السفر: هي شدته.
(وكآبة المنظر): سوء الهيئة والانكسار من الحزن، و(المنقلب): هو الرجوع.
*وفي هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - لم يكن ليغفل عن ربه في حال سفره، ولا في حال قدومه، ولا مقامه ولا ظعنه؛ ولا ليله ولا نهاره، وكان في كل حال من حاله له ذكر يخصه، وهكذا ينبغي لكل مسلم؛ فإن الله تعالى هو الصاحب في السفر، وهو الخليفة في الأهل، والسلامة في السفر منه سبحانه وهذا معنى ما تقدم.
-١٥١٥ -
الحديث الثلاثون:
[عن ابن عمر، (أنه أمر رجلًا؛ إذا أخذ مضجعه، قال: اللهم أنت خلقت نفسي، وأنت تتوفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها. اللهم إني أسألك العافية).
فقال له رجل: أسمعت هذا من عمر؟ قال: من خير من عمر، من رسول الله - ﷺ -)].
[ ٤ / ٢٨٤ ]
*في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان إذا أوى إلى فراشه فينبغي له أن يجدد الإيمان قبل نومه كما أنه إذا استيقظ من نومه يجدد الإيمان عند هبوبه.
*وقوله: (اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها) فيؤمن في نفسه أنه ذو (١٢٦/أ) أول وآخر، وأن الله خلقه أولًا وهو يتوفاه آخرًا.
*وقوله: (لك مماتها ومحياها) أي لك محياها ومماتها؛ غير أنه أراد استواء القرائن. وقد بينا هذا المعنى فيما سبق.
-١٥١٦ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: (من ضرب غلامًا له حدًا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه).
وفي رواية: (من لطم مملوكه فكفارته أن يعتقه)].
*المراد بهذا الحديث من ضرب عبدًا ظلمًا في غير موضع الضرب؛ فإن كفارة ذلك أن يحرره، فلا يجعل عليه يدًا أخرى فيما بعد من أجل ظلمه مكانه لما بسط يده إليه ظالمًا له، كانت الكفارة رفع يديه عنه.
-١٥١٧ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[أخرجه أبو مسعود بكماله فيما انفرد به مسلم عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -
[ ٤ / ٢٨٥ ]
أنه قال: (إن الفتنة تجيء من هاهنا. وأومأ بيده نحو المشرق لا من حيث يطلع قرن الشيطان).
وهذا المعنى قد أخرجه البخاري من طرق عن ابن عمر ثم زاد مسلم: (وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وقتلت نفسًا فنجيناك من الغم وفتناك فتونًا﴾].
*هذا الحديث يتضمن التهديد والوعيد لمن أقدم على القتل بغير حق؛ لأن موسى ﵇ قتل نفسًا تستحق القتل لكن بغير إذن فعوتب، فالمعنى إذا كان هذا نبيًا معظمًا، وقد عوتب على هذا، فكيف بكم وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض؟!.
آخر مسند عبد الله بن عمر ﵁
[ ٤ / ٢٨٦ ]