أخرج له في الصحيحين مائة وعشرون حديثًا، المتفق عليه منها أربعة وستون، وانفرد البخاري بواحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين.
-٢٢٥ -
الحديث الأول من المتفق عليه:
[عن ابن مسعود قال: لما نزلت ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، شق ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقالوا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يا بني لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم). وفي رواية: ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه)].
؟
[ ٢ / ٩ ]
وفي رواية: ألم تسمعوا قول العبد الصالح.
* في هذا الحديث تصريح بانصراف الظلم المذكور في الآية إلى الشرك، وذلك مغن عن الشرح. فأما كون الشرك ظلمًا، فإنه من حيث أن الله سبحانه هو المنعم؛ فإذا أشرك عبده معه غيره فقد جاء بظلم عظيم.
والظلم: فعل ما ليس لفاعله فعله.
-٢٢٦ -
الحديث الثاني:
[عن ابن مسعود، قال: بينما أنا مع رسول الله - ﷺ - -وهو يتوكأ على عسيب- مر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه لئلا يسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن الروح، فقام ساعة ينظر، فعرفت أنه يوحى إليه، فتأخرت عنه حتى صعد الوحي، ثم قال: ﴿ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي﴾].
[ ٢ / ١٠ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن الروح إذا سئل عنها الإنسان سؤالًا (١٢١/ أ) مطلقًا كان الجواب هذا، وهو أن يقال ﴿الروح من أمر ربي﴾ فأما إذا سئل عن روح الآدمي، فيقال: إنها جسم، وكذلك إذا قيل: (عيسى روح الله ﷿)، فيقال هذه إضافة ملك.
والقرآن قد سمي روحًا بقوله: ﴿روحًا من أمرنا﴾ وسمي جبريل (روحًا) أيضًا.
* وفي الحديث من الفقه أنه يستحب للإنسان أن يكون في يده ما يكف به ما عساه أن يعرض له، ويتوكأ عليه، ويتمم به كلامه، ولا يكون عطل اليدين.
والعسيب من النخل: كالقضيب من سائر الأشجار.
-٢٢٧ -
الحديث الثالث:
[عن ابن مسعود، قال: كنا نسلم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه، فلم يرد علينا، فقلنا: يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا، فقال: (لأن في الصلاة شغلًا)].
[ ٢ / ١١ ]
* في هذا الحديث دليل على أن ابن مسعود هاجر إلى الحبشة، وقد هاجر إلى المدينة، فجمع له بين الهجرتين.
* وفيه دليل على أن ما كان من إباحة الكلام في الصلاة نسخ.
* وفيه تنبيه على أن الإنسان ينبغي أن يكون مستغرقًا بشغله بالصلاة، وقد استوفينا هذا المعنى في مسند عثمان.
-٢٢٨ -
الحديث الرابع:
[عن علقمة قال: كنت أمشي مع عبد الله بمنى، فلقيه عثمان، فقام معه يحدثه، فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن، ألا نزوجك جارية شابة، لعلها تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ قال: فقال عبد الله: لئن قلت ذاك، لقد قال لنا رسول الله - ﷺ -: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الرجل الشيخ لا ينبغي أن يستضعف نفسه عن التزويج فإن الاختيار له في ذلك للثواب لأنهن يرجى منهن الولد.
* وفيه أن عبد الله لما قال له عثمان ذلك، أجاب (٢١ ب) بجواب يصلح أن يكون عذرًا له إن هو فعل؛ وعذرًا له إن لم يفعل؛ لأنه ذكر عن النبي - ﷺ - أنه قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج) فذكر أن النبي - ﷺ - أمر الشباب بالتزويج ثم علله بما يشمل الشباب وغيره: من قوله (فإنه أغض
[ ٢ / ١٢ ]
للبصر، وأحصن للفرج) ويصلح أن يكون عذرًا له في تركه النكاح لأنه خصه بالشباب في قوله: يا معشر الشباب. فكأنه قال: عندي دواء الترك وهو قوله - ﷺ -: (فليصم)، فإذا كان ذلك للشباب ففي الشيوخ أولى، فيجوز أن يكون هذا الاعتذار منه في الترك لأجل قوله (نزوجك جارية شابة) فكان هذا كالعذر عن تزويجه الشابة لكونه قد شاب لقوله: (تذكرك بعض ما مضى) ويحتمل أن يكون ذكر ابن مسعود لما ذكر موافقته لعثمان في حثه على النكاح له.
* والباءة: الجماع * والوجاء: هو أن ترض الأنثيان.
* وأحصن: أعف.
-٢٢٩ -
الحديث الخامس:
[عن ابن مسعود، قال جاء حبر إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا محمد إن الله يضع السماء على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع ثم يقول: أنا المليك، فضحك رسول الله - ﷺ - وقال: (وما قدروا الله حق قدره)].
وفي رواية: والماء والثرى على إصبع ثم يهزهن، وأن رسول الله - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه تعجبًا وتصديقًا له، ثم قرأ رسول الله - ﷺ -، ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾.
[ ٢ / ١٣ ]
* هذا الحديث وما يجري مجراه، مذهب أهل الحديث إمراره كما جاء، ولغة العرب معلومة فيه.
* وقول رسول الله - ﷺ -: (وما قدروا الله حق قدره)، يعني أن عظمة الله سبحانه وجل جلاله لا تتناهى فهو أعظم من ذلك، ومهما خطر من عظمة الله في القلوب فالله أعلى وأجل، وعلى أن هذا الحديث ليس فيه من كلام رسول الله - ﷺ - إلا قراءته الآية (وما قدروا الله حق قدره) وأما ضحكه فمحتمل. إلا أن قولنا: نمرها كما جاءت أي نرويها كما سمعناها، ونمتنع أن (١٢٢ أ) نقول بجهلها على ظاهرها. ولا خلاف بين كل من يعتد بخلافه أن الله ﷾ منزه مقدس عن كل نقص فإنه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.
والنواجذ: الأنياب.
-٢٣٠ -
الحديث السادس:
[عن علقمة، قال: كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله: والله لقد قرأتها على رسول الله - ﷺ - فقال:
[ ٢ / ١٤ ]
(أحسنت)، فبينما هو يكلمه، إذا وجد منه ريح الخمر؛ فقال: أتشرب الخمر وتكذب بالكتاب؟ فضربه الحد]
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن ابن مسعود ضربه الحد بنفس وجود الريح من الخمر، وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء، وله في الحديث حجة.
-٢٣١ -
الحديث السابع:
[عن ابن مسعود، قال - ﷺ -، فزاد أو نقص -شك بعض الرواة- والصحيح أنه زاد- فلما سلم، قيل له: يا رسول الله! أحدث في الصلاة شيء؟ قال: (وما ذاك؟) قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: (إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكني إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا
[ ٢ / ١٥ ]
شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليبن عليه، ثم يسجد سجدتين)]
وفي رواية: [صلى بنا رسول الله - ﷺ - خمسًا، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال (وما ذاك)؟ قالوا: صليت خمسًا، فقال: (إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، ثم سجد سجدتي السهو].
* في هذا الحديث: إخبار منه - ﷺ - أنه بشر، ينسى كما ينسى البشر، وذلك من لطف الله ﷿ بعباده، ليكون لهم قدوة في كل شيء حتى في ذلك.
* وفيه أيضًا دليل على أن سجود السهو بعد السلام.
* وفيه أيضًا دليل على أنه على من رأى شيئًا أن يذكره لقوله - ﷺ -: (فإذا نسيت فذكروني).
* وفيه دليل على التحري في عدد الركعات.
-٢٣٢ -
الحديث الثامن:
[عن علقمة، عن عبد الله أنه لعن الواشمات.
وفي رواية أنه قال: (لعن الله الواشمات والمستوشمات (١٢٢/ ب) والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)، فبلغ ذلك امرأة من بني
[ ٢ / ١٦ ]
أسد، يقال لها: أم يعقوب وكانت تقرأ القرءان، فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك، أنك قلت كذا وكذا؟ وذكرته.؟
فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله - ﷺ -؟ وهو في كتاب الله ﷿؟ فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته. قال: إن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ قالت: إني أرى شيئًا من هذا على امرأتك الآن؟. قال فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت فلم تر شيئًا، فجاءت فقالت: ما رأيت شيئًا، فقال: أما لو كان ذلك، لم نجامعها]
* وإنما منع من هذا لأنه غرور، ويؤدي إلي ضرر، فإن الواشمة تؤذي نفسها بالجراح، والمتنمصة تنتف شعرها، فلا يؤمن أذى البشرة وكذلك المتفلجات للحسن فربما حصل الأذى بالمبرد، ويجمع ذلك كله قوله (المغيرات خلق الله).
* وقوله لها: (اذهبي فانظري) تنبيه على أن العالم ينبغي أن يحرس امرأته من أن
[ ٢ / ١٧ ]
يرى عليها شيء لا يحسن أن يقتدى به في ذلك، إلا أنه إن كان قد بلي بامرأة تعمل بخلاف ما يقوله فلا ينبغي أن يترك هو القول للحق، وليكن ناهيًا لزوجته وغيرها.
* وقول ابن مسعود: (لو كان ذلك لم نجامعها) قوة عزيمة.
-٢٣٣ -
الحديث التاسع:
[إن الأشعث بن قيس دخل على عبد الله وهو يطعم يوم عاشوراء، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء، فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان فلما نزل رمضان ترك، فإن كنت مفطرًا فاطعم).
وفي رواية لمسلم قال: (وكان يومًا يصومه رسول الله - ﷺ - قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تركه).
وفي رواية أخرى له أيضًا: (دخل الأشعث على عبد الله، يوم عاشوراء فقال: أدن فكل، قال: إني صائم، قال: كنا نصومه ثم ترك]
* فيه من الفقه ما يدل على أن صوم عاشوراء قد كان فرضًا ثم ترك، والأمر على ذلك.
[ ٢ / ١٨ ]
-٢٣٤ -
الحديث العاشر:
[عن عبد الله: قال: بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - في غار بمنى، إذ نزلت عليه (والمرسلات) فإنه ليتلوها -وإني لأتلقاها- من فيه (١٢٣ أ)، وإن فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية، فقال النبي - ﷺ -: (اقتلوها)، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا- فقال النبي - ﷺ -: (وقيت شركم ووقيتم شرها)].
قوله (بمنى) للبخاري دون مسلم.
* في هذا الحديث من الفقه أن ابن مسعود كان أول من تلقن المرسلات من رسول الله - ﷺ -.
والغار: النقب في الجبل.
* ومعنى قوله: (وإن فاه لرطب بها) أي لم يمسك عن التلاوة لها بعد، ورطوبة الفم بها حركته للتلاوة.
* وفي الحديث دليل على إباحة قتل الحيات.
* وقوله: (وقيت شركم، ووقيتم شرها) فيه دليل على حسن تنبيه النبي - ﷺ - في ألطاف الله ﷿ في جميع أقداره، وأنه لا يخلو له فعل من حكمة، وأنه ﷾ قد يلطف بالشرير إمهالًا منه له، وإعذارًا فيه إلى أجل وحين، فإن هذه الحية على كونها لا منفعة منها في عاجل الحال، وقيت شر أولئك النفر الصالحين في أذاها، وقد يكون دفع الشر عنها لحمة اقتضت ذلك، وهي
[ ٢ / ١٩ ]
أنها لعلها أن تكون معدة لأن تسلط على بعض أعداء الله أو غير ذلك من المنافع.
-٢٣٥ -
الحديث الحادي عشر:
[عن عبد الله، أن النبي - ﷺ - قرأ (والنجم ..) فسجد فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخًا من قريش أخذ كفًّا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا.
قال عبد الله: فلقد رأيته، بعد، قتل كافرًا]
* وهذه القصة لها حديث يأتي فيما بعد بطوله، إلا أن تكبر ذلك الكافر، ورفعه الحصى إلى جبهته، لجهله وعمهه، قضى أن أذله الله في الدنيا بأن قتل كافرًا، واتصل ذلك الإذلال أبدًا في جواب تكبره على الله ﷿.
-٢٣٦ -
الحديث الثاني عشر:
[عن عبد الله، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (مدكر، دالًا)]
[ ٢ / ٢٠ ]
* أما قوله (مدكر) فإن أصله مذتكر، لأنه لم يكن بد من ذكر الذال لأنه من الذكر (١٢٣/ ب) فأدغمت التاء في الذال، وأبدلت منها الدال لمشاركتها في المخرج.
-٢٣٧ -
الحديث الثالث عشر:
[عن عبد الله، قال: لا يجعلن أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته، يرى أن حقًا عليه إذا سلم أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - كثيرا ينصرف عن يساره]
* في هذا الحديث ما يدل على أن الشيطان يسول للآدمي أشياء في عبادته توهمه فيها زيادة التحرج فينال الشيطان بذلك لأنه إنما يقصد الشيطان بالعبد أن يزيغ عن سنن الشرع ولو شعرة، فإذا ضيق عليه وشدد احتجره، فكان من فقه عبد الله بن مسعود أن قال ذلك وشدد الوصية بنون التوكيد فقال: لا يجعلن. وهذا يقاس عليه كل ما يريده رأي الإنسان مما ليس بمشروع، أو يرى المسنون فيه واجبًا.
[ ٢ / ٢١ ]
-٢٣٨ -
الحديث الرابع عشر:
[عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: (صلى بنا عثمان بن عفان بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود، قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان].
* هذا الحديث قد فسره الزهري، وقال: إنما أتم عثمان لأنه اتخذ الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها، على أن الحديث يدل على أنه يجوز للمسافر أن يتم.
* وقوله: (فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبلتان).
في هذا دليل أن العمل القليل إذا أصيبت به السنة كان أقرب إلى القبول وما فعله أبو بكر وعمر هو الأولى، وإن كان فعل عثمان جائزًا.
[ ٢ / ٢٢ ]
-٢٣٩ -
الحديث الخامس عشر:
[عن ابن مسعود، قال: ما رأيت النبي - ﷺ - صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها)
وفي أفراد البخاري: (حج عبد الله بن مسعود، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريبًا من ذلك، فأمر رجلًا فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين ثم دعا بعشاء فتعشى (١٢٤/ أ) ثم أمره فأذن وأقام، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما كان حين طلع الفجر، قال: إن النبي - ﷺ - كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان، في هذا اليوم.
قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: (رأيت النبي - ﷺ - يفعله)
وفي رواية عن عبد الرحمن بن يزيد قال: (خرجت مع عبد الله ثم قدمنا جمعًا، فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، تعشى بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: (طلع الفجر)، وقائل يقول: (لم يطلع الفجر)، ثم قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: (إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما، في هذا المكان: المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعًا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة)، ثم وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير
[ ٢ / ٢٣ ]
المؤمنين -يعني عثمان- أفاض الآن أصاب السنة، فما أدري: أقوله كان أسرع أم دفع عثمان، فلم يزل يلبي حتى جمرة العقبة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن هاتين الصلاتين متخصصتان من الوقت الذي له أول وآخر، والإنسان مخير في أن يصلي ما بين أول الوقت وآخره، أي وقت شاء من ذلك سوى هاتين الصلاتين، وأنهما يتخصصان من الوقت بالوقت الذي عينه النبي - ﷺ - لا يتزحزحان عن ذلك. فأما جمع هاتين الصلاتين فإنه زيادة رفق بالمصلين في ذلك الوضع؛ فإن الجمع مع القصر رفق فوق رفق.
-٢٤٠ -
الحديث السادس عشر:
[عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: (رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة، من بطن الوادي، بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة).
وفي رواية: (فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، قال: فقيل له: إن أناسًا يرمونها من فوقها. فقال: هذا - والذي لا إله غيره، مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة]
[ ٢ / ٢٤ ]
* فيه من الفقه أن رمي جمرة العقبة يكون من بطن الوادي.
* وفيه، (١٢٤/ ب) أن الإنسان إذا أراد أن يثبت قوله حلف على ذلك وإنما ذكر سورة البقرة لأن معظم المناسك فيها.
-٢٤١ -
الحديث السابع عشر:
[عن مسروق، قال: كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًّا عند أبواب كندة يقص ويزعم، أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار. ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام، فقال عبد الله -وجلس وهو غضبان-: يا أيها الناس! اتقوا الله تعالى. من علم منكم شيئًا، فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. فإن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ -: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾. إن رسول الله - ﷺ - لما رأى من الناس إدبارًا عنه قال: (اللهم سبع كسبع يوسف).
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - لما دعا قريشًا كذبوا واستعصوا عليه، فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف .. فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك جئت تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم،
[ ٢ / ٢٥ ]
وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، قال الله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله ﴿إنكم عائدون﴾
قال عبد الله: أفيكشف عذاب الآخرة؟ ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى، إنا منتقمون]
والبطشة يوم بدر.
وفي رواية عند البرقاني: فسوف يكون لزامًا يوم بدر.
وفي الكتابين عن مسروق عن عبد الله قال: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والروم، والبطشة، والقمر)
* قد تقدم في حديث عمر نهيه من قال في شيء سأله عنه: الله أعلم. وقال: (من علم شيئًا فليقل) وذلك هو القول المحرر.
* وقول ابن مسعود (فليقل: الله أعلم) له وجه فإن من لا يعلم إذا رد العلم إلى الله فقد أحال على مليء.
[ ٢ / ٢٦ ]
* والصحيح في آية الدخان (١٢٥/ أ) أنها تقدمت كما قال ابن مسعود: خمس قد مضين الدخان، واللزام، والروم، والبطشة وهو يوم بدر، وانشقاق القمر ..
* وفي الحديث دليل على جواز أن يستصلح الناس بالشدة فإن الله ﷾ يقول: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى﴾ فإذا أفسدتهم العافية فإن البلاء يصلحهم.
* وفي الحديث جواز إجابة السائل وإن كان مشركًا إذا طلب ما في إجابته إليه دليل على وحدانية الله ﷾، كما طلب أبو سفيان من قبل إسلامه من رسول الله - ﷺ - أن يدعو الله لقومه، ولعل ذلك كان من أسباب إسلامه.
* وقوله: (حصت) أي أذهبت النبات فانكشفت الأرض، وأصله الظهور والتبين.
-٢٤٢ -
الحديث الثامن عشر:
[عن عبد الله أن رسول الله؟ قال: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية).
وفي رواية: (أو، أو)]
[ ٢ / ٢٧ ]
* في هذا الحديث صريح النهي عن أن يبلغ الحزن إلى ضرب الخدود وشق الجيوب، أو أن ينتهي إلى دعوى الجاهلية من كونهم كانوا يذكرون الكلام الباطل الذي نسخه الإسلام، وليس في هذا ما يمنع البكاء وظهور الرقة على الإنسان عند فقد حبيبه أو أخيه المسلم.
-٢٤٣ -
الحديث التاسع عشر:
[عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: سألت مسروقًا: من آذن النبي صلي الله - ﷺ - بالجن ليلة اسمعوا القرآن؟ قال: حدثني أبوك -يعني ابن مسعود- أنه آذنت بهم شجرة)].
* في هذا الحديث دلالة على نبوته - ﷺ - وأن الشجرة أعلمته باستماع الجن لقراءته، فهي في ذلك بعض أعوانه - ﷺ -.
* وفيه أيضًا دليل على أن من اطلع سر مسترق لسمع من محق أنه يتعين عليه أن يطلعه على ذلك تأسيًا بهذه الشجرة المباركة.
-٢٤٤ -
الحديث العشرون:
[عن (١٢٥/ ب) عبد الله بن مسعود، أن النبي - ﷺ - قال: (ليس من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه سن القتل أولًا).
[ ٢ / ٢٨ ]
وفي رواية: (لأنه كان أول من قتل)].
* في هذا الحديث من الفقه شدة التحذير من سن السنن السيئات، وأنها لا تزال تتجدد على الذي سنها أولًا بأذى كلما تجدد من تلك السنة السيئة فعل يشابه فعل الفاعل الأول، فليكن الإنسان شديد الحذر من المعاصي على الإطلاق. وليكن أشد حذرًا من كل شيء يستمر ويبقى ويكون عرضة لأن يعمل به غيره.
والكفل: النصيب والحظ.
-٢٤٥ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون)
وفي رواية لمسلم: (إن من أشد أهل النار يوم القيامة عذابًا، المصورون).
وعند البرقاني في رواية: (إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو مصور يصور هذه التماثيل]
[ ٢ / ٢٩ ]
* وإنما اشتد عذاب المصورين لأنهم يعملون أصنامًا وإن لم تكن تعبد في وقتنا هذا عبادة ظاهرة، فإن الأنس والميل إليها درجة يخاف منها الإفضاء إلى عبادتها.
* وأما زيادة البرقاني: (أشد الناس عذابًا رجل قتله نبي)، فإنه لما قتله في سبيل الله أكرم وقته على ربه بعد إظهار الدليل، فالنبي خصمه في الحالتين، فلما أهانه الله بيد أكرم أهل الوقت عليه اشتد عذابه، لأن النبي رحمة، فإذا جعله الله ﷿ لواحد منهم نقمة كان ذلك الشخص أشد الناس عذابًا إذ أتاه الله بالبلاء من حيث ترجى الرحمة.
-٢٤٦ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن عبد الله قال: قال النبي - ﷺ - (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة]
* فيه دليل على إطلاق العصمة لكل من (١٢٦/ أ) شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فأما الاستثناء بعد هذا الإطلاق لمن ذكر: بأن يزني الإنسان بعد إحصانه ويقتل نفسًا معصومة فيهتك عصمة الله، فأبيح منه ما كان معصومًا، والتارك دينه هو المفارق للإسلام، وهذه واسعة يدخل فيها كل من أدى به قول أو اعتقاد أو فعل إلى مفارقة الدين.
[ ٢ / ٣٠ ]
-٢٤٧ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في قبة نحوًا من أربعين فقال: (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟)، قلنا: نعم، قال: (أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟) قلنا: نعم. قال والذي نفس محمد بيده، إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة. وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر]
* في هذا الحديث أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وأن الأنبياء كلهم مسلمون ومن تبعهم، وأن اليهودية والنصرانية بدعتان.
* وفيه أيضًا أن أمة محمد - ﷺ - يكونون نصف أهل الجنة وذلك لأن أمة محمد - ﷺ - عقبت الأمم فورثت ما كانت عليه الأمم بأسرها ثم لا يعقبهم غيرهم، وإذا نزل المسيح بن مريم كان على ملتهم فمن حيث العدد والكثرة فإنهم فيما يوضحه التأمل لا يرد الجمع من أهل الجنة من يكون أكثر عددًا منهم.
فأما من أهلكه الله تعالى من الأمم التي كذبت الرسل من قوم نوح وعاد وثمود فإن أولئك ليسوا من أهل الجنة.
* ويكون قوله: أنتم في أهل الشرك كالشعرة البيضاء، إشارة إلى جميع الخلق، وذلك أن الخلق خرجوا من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، كما قال
[ ٢ / ٣١ ]
الله ﷿: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا﴾. فلم يفق من سكرة ذلك إلا من وفقه الله ﷿ للعلم واتباع المرسلين.
-٢٤٨ -
الحديث الرابع (١٢٦/ ب) والعشرون:
[عن ابن مسعود قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه، فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه. فلما سجد النبي - ﷺ - وضعه بين كتفيه - ﷺ - فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر. فلو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - ساجدًا ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت، وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا، قال: (اللهم عليك بقريش)، ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: (اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط) وذكر السابع ولم أحفظه].
[ ٢ / ٣٢ ]
قال: فوالذي بعث محمدًا بالحق! لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر.
وفي رواية: (فأشهد بالله لقد رأيتهم صرعى، قد غيرتهم الشمس، وكان يومًا حارًا).
وفي رواية البرقاني: (ذكر السابع، وهو عمارة بن الوليد، قال بعض الرواة: الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث].
* في هذا الحديث ما يدل على شدة صبر رسول الله - ﷺ - على أذى المشركين.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المؤمن إذا أوذي في الله ﷿ مع قدرته، وتعرض الضعفاء للبغي والعدوان مع شدة قوته -يتعجب في ذلك الوقت من حلم الله تعالى حيث يؤتى إلى نبيه - ﷺ - وهو ساجد له سبحانه فيستهزأ منه ويوضع سلا الجزور (١٢٧/ أ) على كتفيه -وهو وعاء الولد- فلو كان قد أطبق السماء على الأرض في ذلك الوقت أو دك كذلك جبال الأرض كلها لكان ذلك بعض جزاء المشركين، ولكنه سبحانه حلم ثم انتقم انتقامًا أهلك فيه أعداءه على كفرهم ليستديم لهم العذاب السرمد أبدًا.
[ ٢ / ٣٣ ]
* وفي هذا الحديث دليل على ما خص الله تعالى به فاطمة البتول من رفع ذلك عن أبيها - ﷺ -، ولعل رسول الله - ﷺ - مكث ساجدًا لا يلقي ذلك عن ظهره انتظارًا لما يفعل الله ﷿ في إكرام من يريد أن يكرمه بأن يجعله هو الملقي لذلك عن ظهره فكانت فاطمة، ويجوز أن يكون - ﷺ - لما رأى أن ذلك قد ألقي على ظهره في سبيل الله تعالى استطاب دوامه ليراه الله ﷾ راضيًا بما أوذي به في سبيله.
* وفيه أيضًا دليل على أن رسول الله - ﷺ - دعا عليهم دعاء ظاهرًا أسمعهم إياه حتى إذا أهلكهم الله ﷾ عرف كل من كان قد سمع ذلك في جواب دعائه. ولا يقول قائل إن هذا جرى اتفاقًا.
* وفيه أيضًا ما يدل على أنه يستحب للداعي أن يكرر دعاءه ثلاث مرات فإن في ذلك تثبيتًا لما يطلبه لنفسه من ربه.
* وفيه دلالة على تصديق الله ورسوله - ﷺ - من إهلاكهم في يوم بدر في القليب الذي ذكره.
* وفيه دليل على أن المؤمن إذا لم تعجل له إجابته فلا ييأس ولا يظن أن الله ﷿ لم يجبه؛ بل إنه يجيبه ﷾ في الوقت الذي يستصلحه لذلك.
* وفيه أيضًا أن الضحك من الكافر بالمؤمن باب من الأبواب التي يزيد بها بعدًا عن الله ﷿، فإن السخرية الاستهزاء من الحق يذهب كثير من الناس به إلى الكفر والبدعة، وصاحب ذلك يظن أن قوله مقصور على السخرية والاستهزاء فليحذر ذلك المؤمن.
* وفيه أن المجرم إذا استشعر العذاب وخاف العقوبة فلم يبلغ به إلى (١٢٧/ ب) الإقلاع والانتهاء عما كان عليه بالتوبة النصوح فإن ذلك لا ينفع.
* وفيه جواز السب للمشركين لأن فاطمة سبتهم.
[ ٢ / ٣٤ ]
الحديث الخامس والعشرون:
[عن ابن مسعود قال: (دخل النبي - ﷺ - مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبًا، فجعل يطعنها بعود كان في يده، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا) (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد].
* في هذا الحديث دلالة على صدق الله ورسوله من وعده على أن رسول الله - ﷺ - وثق باستمرار ما فتح الله به عليه من ذلك طعنه الأصنام.
* وقوله (جاء الحق وزهق الباطل) قول واثق بدوام ذلك موقن باستمراره.
-٢٥٠ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن ابن مسعود: قوله ﷿ ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾.
[ ٢ / ٣٥ ]
قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن، واستمسك الآخرون بعبادتهم. فنزلت: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾]
* في هذا الحديث من التنبيه على أن التابع في الكفر قد اشتد غلظ جرمه إلى أن لا يزيله عن كفره استقامة متبوعه الذي كان يتبعه، فإن الجن الذين كان هؤلاء يعبدونهم لما أسلموا وابتغوا إلى ربهم الوسيلة لم يرجع الكافرون عن عبادتهم لهم.
-٢٥١ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن عبد الله، قال: (علمني رسول الله - ﷺ - التشهد - كفي بين كفيه- كما يعلمني السورة من القرآن:
* التحيات لله، والصلوات، والطيبات.
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله (وبركاته).
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
أشهد أن لا إله إلا الله،
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله).
* وفي رواية (إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله)، ذكره وزاد عند
[ ٢ / ٣٦ ]
ذكر عباد الله (الصالحين) - فإنكم إذا فعلتم ذلك سلمتم على كل عبد الله صالح في السماء والأرض. وفي آخره: ثم يتخير من المسألة ما شاء]
* (١٢٨/ أ) في هذا الحديث أن التشهد ما ذكره.
* وفيه أيضًا أن العالم إذا أراد من المتعلم زيادة حفظ لشيء يلقنه إياه من الأمور المهمة أن يزيده من عاداته معه شيئًا يعرف به مكان نفاسة ذلك العلم الملقى إليه، إما بأخذ يده كما ذكر ابن مسعود أو بتقديم القول له من زيادة الإيقاظ والإنباه أو غير ذلك.
* وفيه أيضًا: أن هذا التشهد لا يسوغ أن يزيد فيه الإنسان ولا ينقص منه ولا يغير نطقه؛ لقوله: كما يعلمني السورة من القرآن، يعني أنه حفظني نطق ذلك، ولذلك قال: (فإذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض) فليس له أن يغير هذا النطق إلى غيره ولا أن يرويه بالمعنى.
* وفيه أيضًا جواز أن يدعو الإنسان في صلاته بما شاء، وقد ذهب إلى الاحتجاج بهذا جماعة منهم الشافعي ﵁، إلا أن الذي ذكرناه في مسند أبي بكر الصديق ﵁ من أنه أشار ألى أن لا يدعو ألا بما جاءت به الأخبار، فإنه يتناول هذا النطق لأنه قال: ثم يتخير من المسألة، والأخبار قد جاءت بأدعية كثيرة، ولم يل الدعاء إلا مما لا مصلحة فيه، فليختر من ذلك المنقول.
[ ٢ / ٣٧ ]
-٢٥٢ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن أبن مسعود، قال: (انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - لشقين، فقال رسول الله - ﷺ -: اشهدوا).
وفي رواية: (بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - بمعنى، إذا انفلق القمر فلقتين، فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: (اشهدوا، اشهدوا]
* وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن انشقاق القمر كان وسبق، وأنه انشق في عهد رسول الله - ﷺ -، وأن رسول الله - ﷺ - قال (اشهدوا .. اشهدوا) مكررًا الإشهاد.
* ويصدق هذا الحديث الآية قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ وقوله (انشق)، لفظ ماض وقد أتبعه سبحانه بقوله: ﴿وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ ولو لم يكن ذلك مما لم يمكن المشركين أن يدافعوه وينكروه لكانوا يتخذونه حجة (١٢٨/ ب) على رسول الله - ﷺ - ويقولون: فمتى انشق القمر؟ ولما لم يمكنهم ذلك دل على صدق ما أنزل الله سبحانه.
* وفي هذا من الآيات الفاصلة لرسول الله - ﷺ - المقدمة له على سائر الأنبياء أن موسى شق الله له البحر، وهو آية عظيمة إلا أن البحر قد تشقه السفن والمراكب
[ ٢ / ٣٨ ]
والحواجز فإن لم يكن لكله كان لبعضه. وأما القمر فهو في كبد السماء مرتفع عن نيل أهل الدنيا فكان انشقاقه لرسول الله - ﷺ - من الآيات التي تدل على شرفه وكرمه على الله تعالى، كما أن انفجار الماء من بين أصابعه أفضل من انفجار الماء من الحجر لموسى ﵇؛ لأن الحجارة قد تنفجر منها الأنهار ولم تجر العادة أن ماء ينفجر من بين أصابع بشر إلا رسول الله - ﷺ -.
* وفيه أيضًا أنه انشق انشقاقًا ظاهرًا حتى حال الجبل بين فلقيه حتى لا يمكن أحدًا أن يجحد ذلك ولا يناكر فيه.
* وقد روى هذا الحديث من الصحابة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك فانضموا إلى ابن مسعود؛ فصاروا أربعة فبلغوا الغاية في البينات، وهذه بينات عند المتأخرين وإلا فالحاضرون كلهم شهدوا ذلك.
-٢٥٣ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن عبد الله، قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول، فقال الآخر: يسمع، إن جهرنا، ولا يسمع، إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله ﷾: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم﴾]
[ ٢ / ٣٩ ]
* في هذا الحديث دليل على أن كثرة شحم البطن مظنة قلة الفهم، ومن قلة فهم هؤلاء أنهم شبهوا الله تعالى بخلقه من أنه يسمع جهر الأصوات دون سرها؛ ولذلك قال قائلهم: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، ثم لجهله أيضًا علقه بأن الشرطية وموضع الاحتجاج عليهم من آية هو قوله (١٢٩/ أ) سبحانه: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون﴾ فأخبرهم بأنه ﷾ يعلم، والعلم محيط بما يسمع وما لا يسمع، فكان قوله سبحانه (يعلم) ها هنا، أبلغ من السمع، (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم)، أي أهلككم جهلكم بالله سبحانه في تشبيهكم إياه بخلقه، وإنما أتوا من قبل التشبيه؛ لأنهم قاسوا سمع الله سبحانه على سمع الآدمي الذي يسمع الجهر دون السر.
-٢٥٤ -
الحديث الثلاثون:
[عن عبد الله قال: أتيت على النبي - ﷺ - وهو يوعك، فمستنه بيدي، فقلت: إنك لمتوعك وعكًا شديدًا، قال أجل، أوعك كما يوعك رجلان منكم، فقلت: بذلك إن لك أجرين. قال: (أجل، ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها].
* في هذا الحديث جواز أن يخبر الرجل بشدة ألمه لقوله: (أوعك كما يوعك رجلان).
[ ٢ / ٤٠ ]
* وفيه من السنة أن العائد يمس المريض ليتعرف بذلك حاله فيخبره بما يجد منه. فلقد يحس الرجل من لمس صاحبه مالا يحس به الملموس من نفسه.
* وفيه أيضًا دليل أن الرجل إذا عاد مريضًا عزيزًا عليه صدقه فيما يراه منه لقول ابن مسعود (إنك لمتوعك).
* وفيه أن يستحب للعائد أن يبشر المريض بثوابه ويذكره بأجر صبره على ألمه؛ لقول ابن مسعود: (إن لك أجرين) وقول رسول الله - ﷺ -: (أجل)، فصدقه في ذلك، ولم ينكره عليه لأنها بشرى لسائر الأمة في المرض.
* وفيه أيضًا بشرى لكل مؤمن لقوله - ﷺ -: (ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواء إلا حط الله سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) وذلك أن السيئات من ثمرات الأبدان والنفوس، فلما أصاب الأبدان التي أثمرت السوء من الألم ما شاركته فيه نفوسها عم أجزاءها، فكان كالعقوبة لمثمر السوء، فصار على نحو الشجرة التي إذا قلت المادة منها لما كانت تمده من الورق انتثر، فلما قلت مادة السيئات بما أصاب البدن (١٢٩/ ب) من الألم انتثرت من الخطايا بلطف من الله سبحانه، وهذا مما ينبغي للعبد أن يتضاعف شكره لله تعالى عليه، لأنه يحط عنه خطاياه بغير عزم من المخطئ تطهيرًا منه لعباده.
-٢٥٥ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن الحارث بن سويد، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين: أحدهما عن رسول الله - ﷺ -، والآخر: عن نفسه. قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا -أي بيده- فذبه عنه، ثم قال، سمعت رسول الله - ﷺ -
[ ٢ / ٤١ ]
يقول: لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش -أو ما شاء الله- قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)].
* أما الحديث الموقوف: فإن المؤمن ينظر إلى عظمة الله ﷿ جلاله وعز سلطانه وغناه عن خلفه وفقر خلقه إليه، وأن يسير المعصية له ﷻ ليس بيسير عند المؤمن؛ فلذلك يرى كأنه قاعد تحت جبل من خوف ما أتى. وأما الفاجر فلا يرى من ذلك ما يراه المؤمن فلذلك يستخف الأمر في المعصية لله
[ ٢ / ٤٢ ]
﷿ حتى يرى كأن ذنوبه ذباب أطاره بيده عنه لا لخفة ذنوبه، ولكن لخفة إيمانه في نفسه.
* فأما الحديث المرفوع: فإنه من أعظم ما حض وحث وبعث الآبقين على حسن العود وتلاقي الفارط، والفزع إلى التوبة، فإن الذي ذكره رسول الله - ﷺ - من موقع التوبة عنده ﷾ دليل كرمه، وآية (١٣٠/ أ) جوده، وأنه يسره ﷾ أوبة عبده حتى يبلغ ذلك السرور مقدارًا لا يمكن أن تنتهي المعرفة إليه إلا بأن لا يزال العبد تائبًا إلى الله تعالى راجعًا إليه مقلعًا عن كل ما لا يصلح في معاملته إلى ما يصلح من مقتضى أمره وكريم وصاياه، فإنه تتوالى عنده المسار بالعبادات، وتتتابع إليه الأفراح بالطاعات؛ كما يسر ربه سبحانه بتتابع توباته وموالاة إنابته.
* وهذا في حق من يتوب مقبلًا بعد إعراض فكيف إذًا من يتوالى إقباله ويتتابع إحسانه.
* الدوية منسوبة إلى الدو، وهي المفازة والقفر التي تخاف فيها الهلاك.
-٢٥٦ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه
[ ٢ / ٤٣ ]
الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها"].
* في هذا الحديث من الفقه أنه من شرف هاتين الخلتين أتيح فيهما ما هو محظور في غيرهما، وذلك أن من آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق فقد أهلك المهلك للناس، ومن أوتي حكمة فقضى بها وعلمها فإنه قد رزق من التوفيق أن لا يشح بما آتاه من فضله.
* ومعنى"يقضي بها" أي أموره وأمور غيره، ثم إنه يعلمها الناس ليبقى له بعده فيدر عليه ثوابها إلى يوم القيامة، فلا لوم على من حسده لأنه لما أهلك هذا الشخص الشيء المهلك للناس وهو المال، وجاء بالشيء المنجي للعموم من الهلكة وهو الحكمة، كان نطق الحسد المذموم منقلبًا في حق ذلك الحاسد مباحًا، لأن الحاسد إنما يذم على كونه كان يحسد على ما يهلكه. فإذا حسد على ما يهلك المهلك وينجي الهلكى زال المعنى الذي وضع نطق الحسد له فلم يلم.
* وقد قيل: إن ذكر الحسد ها هنا يجوز على ما يظنه الناس حسدًا فهو كقوله تعالى: ﴿حجتهم داحضة عند ربهم﴾ وقوله (١٣٠/ ب): ﴿فرحوا بما عندهم من العلم﴾ فتجوز بذكر الحسد والمراد الغبطة.
* والفرق بين الحسد والغبطة. أن الحسد تمني زوال النعمة عن المحسود والغبطة تمني مثلها مع بقائها على صاحبها.
[ ٢ / ٤٤ ]
* وقال الخطابي: (المراد بالحسد في هذا الحديث شدة الحرص والرغبة فكنى بالحسد عنهما لأنهما سبب الحسد والداعي إليه).
- ٢٥٧ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن عبد الله قال: كنا نغزو مع النبي - ﷺ - وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) الآية].
* هذا الحديث منسوخ بالحديث الآخر في أنه نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وقد سبق ذكر هذا، وقراءة عبد الله لهذه الآية ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ محمول منه على أنه لم يتعد النهي عن المتعة.
* وفي الحديث النهي عن الاستخصاء.
[ ٢ / ٤٥ ]
- ٢٥٨ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن زر بن حبيش في قوله ﷿: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ وفي قوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ وفي قوله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ قال فيها كلها: قال إن ابن مسعود قال: رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح، زاد في قوله تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ رأى جبريل في صورته. كذا عند مسلم].
وعند البخاري في قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ أن ابن مسعود قال: "رأى جبريل له ستمائة جناح، ولم يذكر في سائر الآيات هذه ولا ذكر فيها غير ما أوردنا.
قال ابن مسعود في الأطراف في حديث عبد الواحد: ولقد رآه نزلة أخرى قال: قال رسول الله - ﷺ -: (رأيت جبريل في صورته له ستمائة جناح). وليس ذلك فيما رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقاني فيما أخرجه على الكتابين.
* مجموع هذا الحديث أنه حكاية عما كان يراه عبد الله بن مسعود في هذه الآيات وإلا ففي أحاديث أخر أن محمدًا - ﷺ - رأى ربه ﷿، ونص القرآن يدل على (١٣١/ أ) ذلك.
[ ٢ / ٤٦ ]
- ٢٥٩ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: (إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: (تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم]
* (الأثرة) هي الاستئثار. (والأمور التي ينكرونها) المراد بها الأمراء.
* وفي هذا الحديث دليل على أن الأمير إذا أتى ما ينكر لم يمنع ذلك الحق الذي له بل يعطاه، وأن يسأل الحق الذي عليه من الله ﷿ ولا ينازع ولا يقاتل.
- ٢٦٠ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن عبد الله قال: (حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق، (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا. ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكًا بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح، فوالذي لا إله غيره! إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل
[ ٢ / ٤٧ ]
أهل النار. فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها]
* قوله: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا) دليل على أن الطبيعة لا تفعل ذلك لأنه لو كانت الطبيعة من شأنها أن تولد النطفة كيف كانت تستحيل بنفسها فتصير علقة، وإن كانت الطبيعة هي التي من شأنها أن تجعلها علقة فكيف تصير مضغة في مقر واحد، وهكذا حتى تصير عظامًا وهكذا إلى حين تمامها.
* ثم هذا الحديث يدل على وجوب الإيمان أن كل نسمة توجد إلى يوم القيامة قد سبق في علم الله ما يكون من رزقها وأجلها وسعادتها وشقائها. وهذا علم ينفرد الله ﷿ به، فله الأمر من قبل ومن بعد.
* قال أحمد بن حنبل -﵀- لما سمع هذا الحديث قال: هذا الحديث ينبغي أن يكون أشد شيء في الحث (١٣١/ ب) على زيادة العمل.
ووفق ذلك فإنه حيث كان الأمر قد فرغ منه فإنه لا يعمل إلا من قد سبق له التوفيق فهو يعان عليه ويساعد فيه، وهو الأمارة على أن الكتاب الذي سبق كان مقتضيًا ذلك، إلا أنه مع ذلك فإنه لا ينبغي أن يركن الإنسان إلى عمل ولا يعول على عبادة، فإن الله ﷾ إذا اطردت الأسباب خرقها في نوادر، ليتبين بذلك أنه لا تجوز عبادة الأسباب ولكن يعبد الله المسبب؛ فلهذا قال: (فيبقى بينه وبين الجنة أو بين النار مقدار ذراع) فهذا ينبغي أن يتداوى به في نفي العجب عن العاملين لا ترك العمل الصالح، وفي الحذر من القنوط من رحمة الله تعالى لا في الزيادة من الذنوب إزماعًا على الهلكة.
[ ٢ / ٤٨ ]
- ٢٦١ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته)]
* في هذا الحديث دليل على أن خير الناس الذين صحبوا رسول الله - ﷺ - ورأوه ثم التابعون لهم بإحسان كما قال ﷿: ﴿والذين اتبعوهم بإحسان﴾.
*وقوله: ﴿ثم الذين يلونهم﴾ تنبيه على من يأتي إلى يوم القيامة، فإن كل متقدم خير ممن يليه. ثم حذر من قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته؛ لأن الشاهد إن كان لا غرض له فيما عليه أن يحلف -قبلت شهادته أم ردت- فهو يدل يمينه على شهادته أنه متهم أو خائف أن يتهم فيكمل شهادته بيمين.
-٢٦٢ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن عبد الله، قال: قال لي رسول الله - ﷺ - (اقرأ علي القرآن) فقلت يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل. قال: (إني أحب أن أسمعه من غيري) قال:
[ ٢ / ٤٩ ]
فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك (٧٣٢/ أ) على هؤلاء شهيدًا قال: (حسبك الآن)، فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان].
وفي رواية لمسلم قال: قال النبي - ﷺ -: (شهيدًا ما دمت فيهم -أو ما كنت فيهم).
* في هذا الحديث أن القرآن في سماعه ثواب كما في تلاوته.
* وفيه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - لما أتى إلى هذه الآية التي فيها ذكره وأنه لا بد أن يأتي شاهدًا على أمته، وإنما يحبس الحاكم ويطلق بشهادة الشهود، فإذا كان شهيدًا على أمته وهو شفيعهم وبه يتوسلون فكيف تكون أحوالهم، فلذلك ذرفت عيناه فيما أرى - ﷺ -.
*وفيه من الفقه أنه يجوز لمن يقرأ عنده القرآن أن يقول للقارئ (حسبك).
- ٢٦٣ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا
[ ٢ / ٥٠ ]
منها، وآخر أهل الجنة دخولًا في الجنة، رجل يخرج من النار حبوًا فيقول له الله تعالى: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله ﷿ له: اذهب فادخل الجنة، قال فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، ويرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول له الله ﷿: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول: أتسخر بي (أو أتضحك بي) وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة].
* في هذا الحديث من الفقه أن أدنى أهل الجنة منزلة من يجتمع له مثل ملك ملوك الدنيا في شرقها وغربها وجبالها وأوديتها وأنهارها وأشجارها ويضاعف ذلك عشرة أضعاف وهذا آخر من يخرج من النار، فلا يبقى بعده إلا من يخلد (١٣٢/ ب).
*وقوله: (فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى) يدل على أنه كان من أهل تخيلات السوء ولم يكن من أولي الألباب؛ لأنه بعد أن خرج من النار وقد مكث فيها مدة طويلة أمره الله ﷿ أن يمضي فيدخل الجنة فعرض له تخيل سوء بأن الجنة ملأى بمن فيها فلا يكون معه من الإيمان والمعرفة بالله سبحانه أن يعلم أنه يأمره بدخولها إلا وهو سبحانه عالم أن له مكانًا فيها؛ فيرجع بتخيله فيأمره الله سبحانه ثانيًا فيعرض له تخيله السيء فيرجع عنها ثم
[ ٢ / ٥١ ]
تأتيه حتى إذا قال الله ﷿: ﴿لك مثل الدنيا وعشرة أضعافها﴾، يستكثر هذا في كرم الله ﷿ لأنه لم يعرف الله ﷾، ولا قدره حق قدره، فذكر رسول الله - ﷺ - ذلك ليتبين به أهل النار مثل هذا الشخص كما قال ﷿: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾.
* فأما ضحك رسول الله - ﷺ - فإنه فيما أرى؛ أنه لما رأى عطاء الله ﷾ لهذا الرجل على أحواله هذه، وأنه أعطى مثل الدنيا عشرة أضعاف، استبدل به على جزالة ما يعطي الله ﷿ المؤمنين وسعته وطيبه فضحك سرورًا بذلك إن شاء الله تعالى.
- ٢٦٤ -
الحديث الأربعون:
(عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله - ﷺ -: أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك)، قال: قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) قلت: ثم أي؟ قال: (وأن تزاني حليلة جارك)
[ ٢ / ٥٢ ]
* هذه الذنوب المذكورة في الحديث دركات في مقام السوء، فلذلك عظم الجواب على مقاديرها فقوله: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك). فإن المشرك يعلم قطعًا أنه لم يخلقه الذي يشركه مع الله ﷿، ولا في خلقه شركة فيكذب في جعله ندًا لله ﷿ كذبًا يعلمه هو فلا يكفيه أن يجحد أن الله خلقه حتى يجعل له مثلًا. وكذلك الذي يقتل (١٣٣/ أ) ولده مخافة أن يطعم معه، وهو في نفسه يطلب من الله طعمته، فماذا عليه من غيره حتى يقتله؟ وكذلك الزاني فإنه يأتي بفاحشة، إلا أنه إذا أتاها مع حليلة جاره وهو عنده كالمؤتمن والأحسن منه إن كان يحمي حريم جاره ويحرس ذماره -فكيف يكون هو الذي يأتي بالفاحشة إليه؟!
- ٢٦٥ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن عبد الله ﵁ قال: سألت النبي - ﷺ - أي العمل أحب إلى الله ﷿؟ قال: (الصلاة على وقتها) قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين). قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله)، قال: حدثني من لو استزدته لزادني].
[ ٢ / ٥٣ ]
* في هذا الحديث دليل صريح على أن أفضل الأعمال الصلاة على وقتها، وذلك لأنها هي التي يفرق بها بين المؤمن والكافر، ثم أتبعها ببر الوالدين وهو مما يدل على كرم طبع البار؛ فإنه إذا ذكر حال ضعفه وعجزه وكونه كان طفلًا لا يقدر على دفع أذى عن نفسه، ولا جلب منفعة إليها فسخر الله له الوالدين فأحسنا إليه إحسانًا استمر به حتى أنهما بعرضة أن يرثهما فيخرجان من الدنيا له، فقد أحسنا في حال ضعفه، وأحسنا في حال قوته، فمتى برهما دل ذلك على أنه من ذوي الألباب، الذين يسعون في فكاك ذممهم من ديون الإحسان ولا سيما بأول المحسين وهما الأبوان اللذان سبق إحسانهما إليه، وسلف برهما به، وتبع ذلك إنهما يخرجان من الدنيا ويتركان ما في أيديهما له، فلذلك صار هذا البر على أثر إقامة الصلاة في الفضيلة، ثم ذكر الجهاد بعد هذا، وذلك أنه يدل على مبدأ الإنسان في حفظه وهو النفس، فإن الإنسان لا يجود بها إلا موقنًا أن وراءه مقرًّا خيرًا من هذا المقر، وإن القائلين بما لا يليق بجلال الله يستدعي من المؤمنين الغيرة وأن يبذلوا نفوسهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، وأن لا يذكر في الأرض إلا كلمة الإخلاص (١٣٣/ ب) وهي لا إله إلا الله، فإذا جاهد هذا المسلم أعداء الله على هذه الكلمة حتى تكون هي العليا فقتل؛ فإنه قاتل بلسان حاله لا إله إلا الله، ولسان الحال في هذا المقام أمكن من لسان المقال.
-٢٦٦ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن عبد الله أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فنزلت: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل) الآية فقال: يا رسول الله، ألي هذه؟ قال: (ولمن عمل بها من أمتي)].
[ ٢ / ٥٤ ]
[وفي رواية لمسلم قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة. وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت: فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت على نفسك، قال: ولم يرد النبي - ﷺ - شيئًا، فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي - ﷺ - رجلًا، فدعاه وتلا هذه الآية عليه: ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين﴾ فقال رجل من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة؟ قال: (بل للناس كافة)].
*في هذا الحديث ما يدل على شدة ورع هذا الرجل الذي اختلف في اسمه على ثلاثة أقوال: أحدها، أنه عمرو بن غزية أبو حية الأنصاري، قاله ابن عباس. والثاني: عامر بن قيس الأنصاري، قاله مقاتل. والثالث: أبو اليسر كعب بن عمرو، وذكره أبو بكر الخطيب.
فلما جرى على هذا الشخص من مصيبة الله ﷿ ما جرى اختار الإعلان بحاله، وآثر سؤال رسول الله - ﷺ - عن صورة أمره وتسليمه إليه نفسه ليقضي فيها بما شاء.
[ ٢ / ٥٥ ]
*وفيه أيضًا أن الذي رآه عمر من ستره لنفسه فوق ما يراه الرجل، فلو ستر على نفسه وتاب فيما بينه وبين الله ﷿ كان ذلك أولى، من حيث أن ما جرى منه هو كشف عورة -فهو أنه كما ينتقم بالإظهار من نفسه بما جرأ- جرأ على المعصية من غيره من قد كان يرى عن هذا الرجل أن (١٣٤/ أ) مقامه أكبر من أن يتعرض لمثل هذه.
*وقوله: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ يدل على فرق ما بين كرم الله تعالى وبين عباده، فإنه من لطفه أن الحسنات عنده يذهبن السيئات أي تمحوها وتزيلها، ومن شأن العباد أن السيئات عندهم تذهب الحسنات، فشتان ما بين حالين، ويا خسران من ترك معاملة الله تعالى إلى معاملة فلان وفلان.
-٢٦٧ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن (أو قال ينادي) بليل ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، وليس الفجر أن يقول: هكذا.
وجمع بعض الرواة كفيه -حتى يقول: هكذا، ومد إصبعيه السبابتين].
وفي رواية جرير: وهو المعترض، وليس بالمستطيل.
[ ٢ / ٥٦ ]
* في هذا الحديث من الفقه: جواز الأذان لصلاة الفجر قبل دخول الوقت.
* وفيه: أن الأذان لا يمنع من السحور.
* وفيه أيضًا: أن المصلين كانوا إذا دخلوا في الصلاة انصرفوا عن الخلق وتوجهوا إلى الله ﷿. فلذلك قال: يرجع قائمكم أي إليكم فيما أرى ويوقظ النائم ليتأهب للصلاة.
ويعني الراوي بمد إصبعيه أن الفجر هو المعترض لا المستطيل.
- ٢٦٨ -
الحديث الرابع والأربعون:
[قال عبد الله: من اشترى محفلة فليرد معها صاعًا.
في بعض الروايات عند البرقاني: من تمر، ولم يذكره البخاري
قال: ونهى النبي - ﷺ - عن تلقي البيوع].
* فيه من الفقه أن الإنسان إذا اشترى محفلة وهي المصراة، والمصراة التي قد جمع لبنها في ضرعها أيامًا ليغر بها مشتريها فإنه لا يمكنه أن يعتبر التصرية فيها والتحفيل إلا بأن يحلب لبنها، فإن رد ما يكون قيمة ذلك اللبن لا يعلم مقداره فيرد معه صاعًا لئلا يخسر صاحبها مقدار اللبن فيجمع ذلك عليه مع ردها (١٣٤/ ب) عليه.
[ ٢ / ٥٧ ]
* وأما تلقي البيوع، فالمعنى فيه أنه إذا تلقاهم ولم يخبرهم بأسعار البلد غرهم.
وفي حديث آخر: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
- ٢٦٩ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن عبد الله، قال رسول الله - ﷺ -: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه، ولا تباشر المرأة المرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها)].
* إنما نهى عن تناجي اثنين دون الثالث لأن ذلك يحزن الثالث، ومن أجل أنه يعطي هذا المقصد بين المسلمين منع ذلك على الإطلاق، فإذا انفردا عن أخيهما المسلم بنجوى أحزناه، فإن صاروا أربعة جاز أن يتناجى اثنان منهم؛ لأن ذلك المعنى يزول لانفراد اثنين بنجوى فيكون لكل واحد من الممنوعين بالادخال في السر أسوة بالآخر فلا يتعين انقباض من الواحد، بل لو تناجى ثلاثة دون الرابع كان كتناجي اثنين دون الثالث في الكراهية.
* وأما مباشرة المرأة المرأة؛ فإنه يدل على أنه يكره للمرأة أن تصف لزوجها امرأة أخرى والمراد بالمباشرة قيل: إنه رؤية البشرة. فلا ينبغي أن تصف ذلك لزوجها لا على وجه المدح فربما عرضه للافتتان بها، ولا على وجه الذم والوقيعة، فتمدح نفسها، فعلى كلا الحالين الوصف مكروه.
[ ٢ / ٥٨ ]
- ٢٧٠ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)].
* سباب المسلم من أجل أنه مسلم فسوق، وقتال المسلم من أجل أنه مسلم كفر، وأما غير هذا الوجه فكل مقام فيه مقال.
- ٢٧١ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد (١٣٥/ أ) أحب إليه المدح من الله ﷿؛ ولذلك مدح نفسه).
وزاد مسلم في رواية له: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله ﷿ من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل)].
[ ٢ / ٥٩ ]
* في هذا الحديث تنبيه على أن لله سبحانه غيرة على عبده وأمته، وأن من أتى فاحشة مع أمة من إماء الله بغير إذن مالكها ﷻ فقد اجترأ على حمى الله سبحانه.
* وقوله: (ولا أحد أحب إليه المدح من الله) لأنه سبحانه يحب الصدق، ولا يصدق المادح إلا في مدح الله ﷿، فإن مدحه نشر الآية الحميدة، وهو يستدعي تحبيب الله تعالى إلى عباده، ويحضهم على طاعته فيستدعي حب الله تعالى لعباده، إلا أنه سبحانه لما علم عجز الخلق عن مدحه تعالى مدح نفسه سبحانه.
* وقوله: (وليس أحد أحب إليه العذر من الله) .. أي إقامة العذر، ولذلك أنزل الكتب وأرسل الرسل لئلا يكون للناس على الله حجة يعد الرسل؛ ولذلك لا يدخل النار إلا من قد برد قلبه بإقامة الحجج عليه فهو كالمتشفي من نفسه لظلمها وبغيها على الله ﷿ بعد أن انكشفت لها الأمور وزال عنها اللبس.
- ٢٧٢ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن شقيق، قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن! كيف تقرأ هذا الحرف، ألفًا تجده أم ياء، (من ماء غير آسن). أو من ماء غير ياسن؟ فقال له عبد الله، أو كل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ قال: إني لأقرأ المفصل في ركعة.
فقال عبد الله: هذا كهذ الشعر إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم
[ ٢ / ٦٠ ]
ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع، إن أفضل الصلاة الركوع والسجود. إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن سورتين في كل ركعة. ثم قام عبد الله فدخل علقمة في إثره. فقلنا له: (١٣٥/ ب) سله عن النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرأ بها في ركعة، فدخل عليه فسأله ثم خرج علينا فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف عبد الله آخرهن من الخواتيم (حم الدخان) و(عم يتساءلون)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان يتعين عليه أن يتقن الأصول قبل طلب الفروع، ألا ترى قول ابن مسعود: أوكل القرآن قد أحصيت غير هذا؟ إذ لا يعرف أحد يقرأ ياسين، ويدلك على أن ابن مسعود لم يرض فقه المسائل من أجل أنه لما سأله عن علمه في أصول القراءة لم يجبه عنه بل عدل إلى غيره، وقال: إني لأقرأ المفصل في ركعة، وليس هذا بجواب لابن مسعود، فإن جوابه كان أن يقول: إني عرفت ذلك كله أو لم أعرفه فعدل إلى كلام آخر فوجد ابن مسعود فيه أيضًا ما يقتضي نهيًا آخر فقال له: هذا كهذ الشعر، وهذا هو جواب هذا الكلام الأخير ثم أتبعه بقوله: (إن أقوامًا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم) تحذيرًا له أن يكون منهم، ثم قال بعد ذلك: إذا وقع في القلب فرسخ في القلب أي ثبت فيه.
* ومن دليل الخطاب في هذا الكلام أنه ينبغي أن يشتد الخوف على من يقرأ القرآن ولا يرسخ في قلبه.
* وأما قوله: (إن أفضل الصلاة الركوع والسجود) فما أراه إلا أنه، إذ كرر الركوع والسجود كان بذلك مسبحًا لله ﷿، ومعظمًا له، وكان ذلك لمن يهذ
[ ٢ / ٦١ ]
القرآن أفضل. وأما من يتدبر القرآن بالتلاوة فإن طول التلاوة له أفضل، وسيأتي تفصيل هذا في الأحاديث التي يذكر فيها إن شاء الله تعالى.
*وقوله: (إني لأعلم النظائر التي كان رسول الله - ﷺ - يقرن بينهن) فيه جواز أن يقرن الرجل بين سورتين في ركعة.
* وفيه من الفقه أن العالم إذا سأله من لا يحسن السؤال أو من لا يراه أهلا لأن يحمل عنه (١٣٦/ أ) أن لا يضيع الزمان في حديثه. ألا ترى ابن مسعود كيف قام وترك الرجل حتى سأل الحاضرون علقمة أن يدخل إلى ابن مسعود فيسأله عن النظائر.
*فأما النظائر فليس في هذا الحديث ما يدل أنها نظائر في القصص أو في عدد الآي أو الوعد أو الوعيد أو غير ذلك
ومن النظائر في العدد نحو الحجرات والتغابن وكل واحدة منهما ثماني عشرة آية ونحو سورة الحديد تسع وعشرون ومثلها التكوير، ونحو المجادلة اثنتان وعشرون ومثلها البروج، ونحو الجمعة إحدى عشرة آية ومثلها المنافقون والضحى والعاديات والقارعة، والطلاق اثنتا عشرة آية ومثلها التحريم، ثم سورة الملك ثلاثون آية ومثلها الفجر، ونون خمسون آية وآيتان ومثلها الحاقة، والمزمل عشرون ومثلها البلد، والقيامة أربعون ومثلها القتال، والانفطار تسع عشرة آية ومثلها الأعلى والعلق، والانشراح ثماني آيات ومثلها التين والزلزلة والتكاثر، والقدر خمس آيات ومثلها الفيل وتبت والفلق، والعصر ثلاث آيات ومثلها الكوثر والنصر، وقريش أربع آيات ومثلها الإخلاص، والكافرون ست آيات ومثلها الناس.
* وإن كان يعني النظائر في القصص وهو أن يخرج من قصة إلى نظيرها نحو قوله في آخر سورة الأحقاف: ﴿فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾ ثم أتبعها
[ ٢ / ٦٢ ]
بوصفهم فقال: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾ وكذلك قوله في آخر الذاريات: ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾ ثم ذكر ذلك اليوم بقوله: ﴿والطور، وكتاب مسطور﴾ الآيات.
إلا أنه في هذا الحديث المفصل، والمفصل قصار السور.
قال ابن قتيبة (١٣٦/ ب) (سميت مفصلًا لقصرها وكثرة الفصول فيها بسم الله الرحمن الرحيم).
* الترقوة: العظم بين الحلق والصدر، وإنما سميت بترقوة لترقيها، والواو في ترقوة منقلبة عن ياء لأن جمعها تراقي وإنما لما انضم ما قبلها انقلبت واوًا.
- ٢٧٣ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن شقيق، قال خطبنا عبد الله فقال: على قراءة من تأمرونني أن أقرأ، والله لقد أخذت من في رسول الله - ﷺ -.
وعند مسلم: (لقد قرأت على رسول الله - ﷺ - بضعًا وسبعين سورة ولقد علم أصحاب رسول الله - ﷺ - أني من أعلمهم بكتاب الله ﷿ وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه).
[ ٢ / ٦٣ ]
قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد - ﷺ - فما سمعت أحد يرد ذلك عليه، ولا يعيبه].
* في هذا الحديث من الفقه جواز أن يذكر الرجل فضل نفسه إذا غفل عن قدره ليحض الناس على التعلم منه والتحمل عنه.
* وقوله: (على قراءة من تأمرونني أقرأ؟ لقد أخذت من في رسول الله - ﷺ - بضعًا وسبعين سورة) فإنه صادق في ذلك إلا أن الذي وقع عليه الإجماع وشهد به أربعة من الرجال الذين عددهم الغاية في البيان، وأقره الخلفاء الراشدون هو الحق، وإذا خالف عبد الله شيئًا منه في بعض الحروف كان الرجوع إلى ما شهد به الأكثر، إذ الواحد فد يجوز عليه الخطأ والنسيان وغير ذلك ما يجوز.
* وقوله: (لقد علم أصحاب رسول الله - ﷺ - أني من أعلمهم بكتاب الله) فهو صادق في ذلك، وهذا قول عالم إلا أنه احترز بقوله (من أعلمهم) ولم يقل أنا أعلمهم.
*وقوله: (لو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه) يدلك على أن المتعين على العالم إذا أشير إليه وتفرد في علمه فبلغه أو (١٣٧/ أ) إذا عرف أن عالمًا أعلم منه في ذلك العلم الذي أشير إليه هو فيه كان المتعين عليه أن يرحل إليه ويستفيد منه، فيزداد بذلك علمًا إلى علمه. وليعرف الناس باستحقاق العالم بالقصد له فيصرفهم إليه.
*وقول شقيق: (فجلست في حلق أصحاب محمد - ﷺ -، فما رأيت أحدًا يرد ذلك عليه ولا يعيب عليه) فإنه قول صدق فإنه لم يقل إلا قول عالم محترز في قوله فلا يعيبه عليه محق.
[ ٢ / ٦٤ ]
-٢٧٤ -
الحديث الخمسون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بئسما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، فاستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها).
وفي رواية يحيى بن يحيى، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا يقل أحدكم: نسيت آية كذا وكذا، بل هو نُسِّي)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الكلمة إذا كانت تحتمل معنيين: أحدهما، يتضمن سوء أدب، فالأولى أن يعدل الإنسان عنها إلى كلمة لا تحتمل إلا معنى واحدًا خارجًا عما يحذر، فإن قوله: (بئسما لأحدهم أن يقول نسيت) فإن نسيت تكون بمعنى تركت. ولا ينبغي لأحد أن يقول: تركت آية كذا وكذا فإذا قال: (نسيت آية كذا وكذا) خلص قوله من الاحتمال، ثم لما كان هذا يخلص منه أن يستذكر الإنسان القرآن بدراسته وتلاوته عقبه يذكر الحض على الدراسة والتلاوة. ثم أتبعه بقوله: (فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم من عقلها) وذلك أن القرآن حق فصل ليس بالهزل، جد كله، وما قد نشأ الآدمي عليه من أضداد هذه الأحوال فقد أنس بها طبعه. فإنه لا يزال ينزع إلي ما قد أنس به وطالت صحبته فيضطر غلى تذكار القرآن وتكرير دراسته وتلاوته، ويزيده قوة على ذلك أن يفهم ما يقرأه، ألا تراه يقول: أشد (١٣٧/ ب) تفصيًا من النعم من عقلها؟ فإن الأفهام إذا أدركت المعاني كانت لسرورها بها من أعوان التالي بخلاف ما إذا قرأ ما لا يفهمه.
وأما التفصي فإنه من تفصى الشيء إذا انفصل عنه.
[ ٢ / ٦٥ ]
-٢٧٥ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن عبد الله، قال: ذكر عند رسول الله - ﷺ - رجل نام ليله حتى أصبح وفي رواية: مازال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنه، أو قال في أذنيه)].
* في هذا الحديث من ظاهر نطقه الحض على قيام الليل نافلة، وإن كان مع تحرير كلمه ينصرف إلى من نام عن العشاء لأنه قال (نام الليل كله) والعشاء بعض الليل.
* وقوله: (بال الشيطان في أذنيه). أعلم أن الباب الذي يدخل منه إلى اليقظة هو الأذن لقوله: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا﴾.
* وقوله: (بال الشيطان في أذنه) فلا أراه إلا مثلًا من حيث أن الآدمي إذا أهمل سمعه في نهاره قبل نومه انتهز الشيطان فرصة غفلته؛ فقذف في أذنه من الكلام الخبيث المشكك له في الدين، والمغلب عنده طيب راحة النوم على ناشئة الليل فمنعه من قيام الليل؛ فكان بمثابة من ألقى البول في أذنه من حيث أنه ألقى الكلمة الخبيثة النجسة في أذنه فلذلك نام الليل كله من غير انزعاج لذكر الله تعالى في الليل الذي يخلو فيه بنفسه، ويسلم فيه من الرياء لأحد من خلق الله تعالى ولا يمتنع أن يكون للشيطان بول لا يحس به الآدمي وقد ذكر هذا العلماء.
[ ٢ / ٦٦ ]
-٢٧٦ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن عبد الله: قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني فأقول: أي رب أصحابي؟ فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (١٣٨/ أ)].
* في هذا الحديث أنه فرط لأمته على حوضه
والفرط: هو السابق إلى الماء.
* وفي الحديث دليل على أنه - ﷺ - يومئذ عال في المقام والمكان، ألا تراه يقول: حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني.
ومعنى اختلجوا أي اجتذبوا؛ فأقول أصحابي فيقال: (أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) وهذا ينصرف إلى من ارتد بعده كالذين منعوا الزكاة وغيرهم.
-٢٧٧ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن عبد الله، قال: قال رجل يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟
[ ٢ / ٦٧ ]
فقال: (أما من أحسن في الإسلام فلا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ون أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن المسلم إذا أحسن إسلامه كان الإسلام جابًا لما قبله.
* وفيه من الفقه أنه إذا أسلم بلسانه ولم يحسن عمله ولا صلحت نيته ولا آمن قلبه؛ فإنه يضاعف عليه السوء، ويؤخذ بما كان أساء في وقت عناده ومظاهرته بالشقاق مع الكفار، وبإساءته التي أتى بها في حال إسلامه، وهذا ينصرف إلى المنافقين ونحوهم إن شاء الله تعالى.
-٢٧٨ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن شقيق قال: (كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم؟ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة، كما كان رسول الله - ﷺ - يتخولنا بها، مخافة السآمة علينا)
[ ٢ / ٦٨ ]
* فيه من الفقه أن الواعظ ينبغي له أن يكون همه في وعظ الناس أن يعلمهم من الخير بقدر ما يعلم أنهم يحفظونه، وأن يكون غرضه في الترقيق جذب القلوب إلى أن تفيء ثم ينتهز فرصة حضورها وانجذابها إلى حفظ ما يعلمها، وأن يتجنب كل ما يراه داعيا إلى السأم، وأن يغب بالموعظة (١٣٨/ ب).
* وقوله (يتخولنا). قال أبو عبيد (يتخولنا): يتعهدنا، والخايل: المتعهد للشيء والمصلح له والقائم به، وروي يتخوننا بالنون، والتخون مثل التخول وكان أبو عمر بن العلاء يقول: إنما هو يتخولهم أي ينظر حالتهم التي ينشطون للموعظة والذكر فيعظهم فيها، ولا يكثر عليهم فيملوا.
* وهذا الحديث فيه من المسند (كان رسول الله - ﷺ - يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا).
-٢٧٩ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن عبد الله، قال: لما كان يوم حنين آثر النبي - ﷺ - ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله. قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله - ﷺ - قال: فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف، ثم قال: فمن
[ ٢ / ٦٩ ]
يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله) ثم قال: (يرحم الله موسى، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر).
قال: (فقلت: لا جرم، لا أرفع إليه بعدها حديثًا)].
* الصرف: صبغ يصبغ به الأديم.
* وفي هذا الحديث من الفقه جواز إيثار الإمام وتفضيله قومًا في الغنائم على قوم على حسب ما يراه في مصالح الإسلام.
* وفيه أيضًا دليل على حلم رسول الله - ﷺ - عن شرارات النطق الخفي طلبًا لجمع الكلمة وكراهية لشق العصا عند نفث كل ناطق غاو ما لم يظهره.
* وفيه أيضًا جواز تأدية القول الذي ليس بصالح إذا قيل إذا كانت التأدية عبرة للحق ليعلم قائله فيحذر.
* وفيه أيضًا أن عبد الله لما رأى أن رسول الله - ﷺ - غضب لذلك الخبر الذي أخبره به ثم لم يزد على أن قال: (قد أذي موسى بأكثر من هذا فصبر) (١٣٩/ أ) اقتضى استصوابه أن لا يرفع بعد ذلك إليه - ﷺ - مثله. وهذا جائز مع أمن الشر الذي يخاف في كتمان مثله مما ينشر أذاه أو يعظم ضرره.
[ ٢ / ٧٠ ]
- ٢٨٠ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن عبد الله قال: (صليت مع رسول الله - ﷺ - فأطال حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه»].
*فيه جواز تطويل الصلاة وإن شق على بعض المأمومين، وهذا فلا أراه إلا في النافلة.
* وفيه أيضًا جواز أن يخبر الرجل عن نفسه بما كان من همه بسوء ووقاية الله ﷿ إياه شرها، وعلى أنه لو بلغ به الأمر أن لا يطيق القيام فلم يستمسك جاز له أن يقعد.
- ٢٨١ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من مات يشرك بالله شيئًا، دخل النار).
وقلت أنا: (من مات لا يشرك بالله (شيئًا) دخل الجنة)
وفي رواية لمسلم بالعكس: أن رسول الله - ﷺ - قال: (من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة)، وقلت أنا: (من مات يشرك بالله شيئًا، دخل النار).
[ ٢ / ٧١ ]
وفي رواية للبخاري قال رسول الله - ﷺ - كلمة وقلت أخرى قال: (من مات يجعل لله ندًا دخل النار)، وقلت: (من مات لا يجعل لله ندًا دخل الجنة)].
* في هذا الحديث على ما ذكر في الروايات دليل على أن الشرك بالله ضد الإيمان به، فكما أن الشرك يدخل النار فمن ليس يشرك يدخل الجنة. وهذا صحيح حق.
- ٢٨٢ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن ابن مسعود قال: (كأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)].
* في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - ذكر ما جرى لنبي قبله من الأذى ليشعر أصحابه وأمته أن صبره على أذى قومه قد سبقه الأنبياء إليه، وليس هو عن عجز ولا عن ذل كما يظنه أهل (١٣٩/ ب) الجاهلية، وإنما هو الرفق بالخلق والأناة
[ ٢ / ٧٢ ]
بهم والصبر عليهم، ولا سيما إذا كانوا لا يعلمون فيصبر انتظارًا لهم أن يؤمنوا؛ فيكون صبره ذلك نوعًا من المجاهدة في سبيل الله ﷿.
* وقوله: (يمسح الدم عن وجهه) يعني أنه بلغ الأمر به إلى أن اجترأ عليه قومه حتى ضربوه وأدموه في وجهه وذلك من أشق ما لقي الأنبياء.
* وفيه أيضًا دليل على أن النبي - ﷺ - لا يولي المشركين ظهره بل يلقاهم بوجهه؛ ولذلك شج رسول الله - ﷺ - في وجهه وكسرت رباعيته أي أنه كان مقبلًا غير مدبر - ﷺ -.
- ٢٨٣ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل أحب قومًا، ولما يلحق بهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: المرء مع من أحب)].
* في هذا الحديث دليل على أنه سيلحق برسول الله - ﷺ - وأصحابه من أحبهم إلى يوم القيامة إن شاء الله؛ فإن قوله (لما يلحق بهم)؛ فإن لما أصلها (لم) زيدت عليها (ما) ليقتضي التأخير فيتصرف المعنى إلى أنه لم يلحق بهم عملًا ووقتًا.
وفيه أيضًا بشرى لمن أحبهم ثم قصر به عمله أن يبلغ أعمالهم. فإن الله ﷿ يلحقه بهم من حيث أنه بنفس حبه لهم فنيته تكون متمنية بلوغ مرامهم؛ فلمثل هذا كانت نية المؤمن بالغة ما لم يبلغه عمله.
[ ٢ / ٧٣ ]
*ويستدل من نطق هذا الحديث على أنه لا ينبغي لمسلم أن يحب كافرًا ولا أن يوده، ولا أن يتعرض أن يكون له عنده يد فيوده لأجلها مخافة أن يلحقه الله به؛ لظاهر هذا الحديث فإنه لم يقل المرء مع من أحب من الصالحين خاصة بل أطلقه، وهذا عام يتناول الصالحين وغير الصالحين.
- ٢٨٤ -
الحديث الستون:
[عن ابن مسعود قال: قال النبي - ﷺ -: (أول ما يقضي بين الناس يوم القيامة في الدماء)].
* في هذا الحديث (١٤٠/ أ) من الفقه أنه لما كان يوم القيامة هو يوم الوزن الحق لم يقدر فيه إلا الأهم، والنفوس هي مالكة الأموال والأعراض فيبدأ في يوم القيامة بفعل الأهم فالأهم فإذا قضي فيه بالحق فيما كان من الدنيا من إصابة النفوس والجراح عدل حينئذ إلى القضاء فيما كان ملكًا لهذه النفوس أو مضافًا إليها ليعلم حينئذ تحرير التدبير في ذلك اليوم.
- ٢٨٥ -
الحديث الحادي والستون:
[عن عبد الله عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان)].
[ ٢ / ٧٤ ]
* لما أتى الغادر بالشنعاء في اللوم وهي الغدرة وإنما يأتي ذلك لذل فيه عن المجاهرة بالغدر، رفع اللواء عليه لإظهار شهرته بعقوبة يشهدها الأولون والآخرون، كما يقام في الدنيا شاهد الزور، ويعلم الناس بحال المفلس؛ لئلا يغتر بهما أحد.
* وفي هذه الإهانة للغادر إكرام لأهل الوفاء بالعهود من جهة أنه شاركهم في العهد وتميز بالعقوبة، فلما أهين علمت كرامتهم.
- ٢٨٦ -
الحديث الثاني والستون:
[عن أبي وائل قال: كنت جالسًا مع ابن مسعود وأبي موسى الأشعري فقالا: قال رسول الله - ﷺ -: (إن بين يدي الساعة أيامًا، ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج- والهرج: القتل).
وفي رواية البخاري أن الأشعري قال لعبد الله: أتعلم الأيام التي ذكر فيها النبي - ﷺ - أيام الهرج؟
قال ابن مسعود: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء).
وفي رواية لمسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)].
[ ٢ / ٧٥ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن قيام الساعة يكون عند كثرة الشرور، وقلة الخير، وأن العدل حينئذ يستدعي قرب (١٤٠/ ب) وقت القضاء، وإنصاف المظلوم، وأنه ما دام الخير أكثر والعمل أظهر والجهل أخفى، فإن الحال المثلى راجحة.
* وفيه أيضًا من الفقه أن شرار الناس الذين تقوم عليهم الساعة يكونون من بقايا عصب الرجال ممن قد رأى اليوم الذي لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
* وفيه أن من أشراط الساعة أن يجترئ الناس على القتل ويستخفوا بأمر الدماء؛ فإن الذين تدركهم الساعة وهم أحياء شرار الناس؛ لأنهم يصادفون الأهوال ثم تتصل بهم.
- ٢٨٧ -
الحديث الثالث والستون:
[عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
وفي أفراد مسلم نحوه وفي أوله (ألا أنبئكم ما العضة)].
[ ٢ / ٧٦ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن الرجل يصدق ثم يصدق إلى أنت ينتهي به إكثار الصدق إلى أن يكتب صديقًا، والصديق هو الصادق في مقاله وفي حاله فمقاله يصدق حاله، وحاله يصدق مقاله.
* وصديق فعيل من الصدق يسمى به كل مكثر من الصدق كما يقال سكيت وشريب أي كثير السكوت والشرب، وكذلك إذا كذب ثم كذب فإنه يكتب عند الله كذابًا، ولم يأت في اللغة كذيب لأن الكذب عورة فقليلها مذموم فلم بين لها بناء نهائيًا مبالغة ليحذر القليل منها.
* وأما العضة ها هنا فهي النميمة.
-٢٨٨ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أبي وائل، عن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - (١٤١/ أ) قال: (من حلف على مال امرى مسلم بغير حقه، لقي الله ﷿ وهو عليه غضان) قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله - ﷺ - مصداقه من كتاب الله: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا ..﴾ إلى آخر الآية- وفي رواية زيادة (فدخل الأشعث ابن قيس قال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: كذا وكذا، قال: صدق أبو عبد الرحمن، كان بيني وبين رجل خصومة في بئر. فاختصمنا إلى رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ - (شاهداك أو يمينه). فقلت: إنه إذن يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله - ﷺ -: (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم،
[ ٢ / ٧٧ ]
هو فيها فاجر: لقي الله وهو عليه غضبان) ونزلت: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا﴾ إلى آخر الآية»].
* في هذا الحديث من الفقه أن من حلف بالله سبحانه كاذبًا ليقتطع به شيئًا من الدنيا استحق غضبه ﷿. وذلك مشير من فاعله إلى عدم الإيمان فإنه من أقسم بالله كاذبًا ليغر خصمه بأنه صادق، فرضي خصمه باسم الله تعالى عوضا عن ماله فأرضى الله عنه، وتعرض الحالف الفاجر بما اقتطعه من مال أخيه فاستحق غضب الله ﷿ بما أفصح به من حاله عن عدم إيمانه به. وفي هذا سر من حيث أن الله ﷾ لم يوجب على من أؤتمن على حق بغير شاهد عليه يجحده سوى اليمين بالله ﷿، وتحت ذلك من السر أن الله ﷿ لم يشرع في الجحد غير ذلك، فإنه قد أشار بالحال إلى أن اسمي عند عبادي أعظم وأعز وأكبر من أن يحلفوا بي كاذبين على الدنيا كلها، فكيف على بعضها؟ فإن بدر منهم من لم يكن له نظر في هذا وحلف باسمي كاذبًا فإنني لا أعاقبه بمثل أن أسقط (١٤١/ ب) عنه عقوبة الحلف وأكون أنا القائم بعقوبته، وهذا يستخرج من قوله تعالى: ﴿وقد جعلتم الله عليكم
[ ٢ / ٧٨ ]
كفيلًا﴾ أي أن الكفيل من الآدميين ينتقل الحديث إليه والخطاب معه عن مكفوله ويكون خطاب الحق مع الكفيل، وكذلك إذا حلف بالله تعالى فكأنه قد تعرض لأن يجعل الله تعالى كفيلًا من صاحب الحق، فلهذا يصير خطاب الله مع هذا الفاجر في يمينه.
* وفي الحديث أيضًا أنه ليس على المدعى عليه سوى اليمين إذا لم تكن بينة -وإن ذهب الحق- لقول الأشعث بن قيس: يا رسول الله إذن يحلف ويذهب حقي.
- ٢٨٩ -
الحديث الأول من أفراد البخاري:
[عن ابن مسعود قال: (سمعت رجلًا قرأ آية، سمعت النبي - ﷺ - يقرأ خلافها، فأخذت بيده، فانطلقت به إلى النبي - ﷺ - فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية وقال: (كلاكما محسن فلا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا).
* في هذا الحديث من الفقه أن كل من قرأ برواية مما اشتهر عن رسول الله - ﷺ - أنه قرأ به من الأحرف السبعة فإنه لا يجوز إنكاره ولا رده، بل يجب قبوله والإيمان به، فإن كلًّا من ذلك شاف كاف.
[ ٢ / ٧٩ ]
وفيه نهي عن الاختلاف في الكتاب، والتحذير من ذلك بذكر ما جرى لأهل الكتاب قبلنا من الاختلاف في كتابهم.
-٢٩٠ -
الحديث الثاني:
[عن ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون أنا صاحبه، أحب إلي مما عدل به، أتى النبي - ﷺ - وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال: (يا رسول الله إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: (اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون) ولكن امض ونحن معك، فكأنه سري عن رسول الله - ﷺ -)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على فضل المقداد بن الأسود وفضل (١٤٢/ أ) ابن مسعود من حيث معرفته بالفضل لأهله؛ لأن معرفة الفضل لأهل الفضل فضل، لأنه قال: (لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به) وهذا يعني به أنه استشف من تلك الكلمات أنها بلغت من رضى الله ﷿، ورضى رسوله - ﷺ - في تلك الساعة وفي ذلك المقام مبلغًا لا يعدله ما يناله علم البشر من الأماني، وذلك أنه قال قولًا اشتدت به قلوب المؤمنين، وجرى فيه إلى مجرى علاء طمح فيه إلى التفضل على أصحاب بموسى في ضمن إيمان بموسى ﵇ وإيمان بأن محمدًا - ﷺ - في نبوته على منهاج موسي في الذي جرى له، فكان قوله باعثًا من الفترة فيمن عساه قد كانت عرضت له وزائدًا في إيمان من قد كان انتهض إيمانه إلى أن سري عن رسول الله - ﷺ - به.
[ ٢ / ٨٠ ]
* واعلم أن المقداد لم يقل: نحن نمضي وأنت، فكان يكون بذلك كالمتقدم بين يدي الله تعالى ورسوله - ﷺ -، بل لم يخرج في ذلك عن حد التبع لرسوله - ﷺ - فقال: (امض ونحن معك)، وهذه الكلمة في ذلك الموطن لا يعدلها قول في غيره.
-٢٩١ -
الحديث الثالث:
[عن عبد الله قال: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها و: ﴿إن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين﴾].
* في هذا الحديث من الفقه أن ابن مسعود سمى كلام الله حديثًا لقوله تعالى ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابًا﴾ وينصرف ذلك إلى أنه حديث التنزيل فيما أرى كما روي عن أحمد ﵀، فهو أحسن الحديث، وأحسن القول.
وهدي النبي - ﷺ - طريقته. والهدي: الطريقة، ففي هذا الحديث دليل على أن من أحدث في الدين شيئًا لم يفعله رسول الله - ﷺ -؛ فإنه خارج عن أن يسمى أحسن بل الذي فعله رسول الله - ﷺ - هو الأحسن
* وقوله (١٤٢/ ب) (شر الأمور محدثاتها) إنما ذكر الأمور بالألف واللام
[ ٢ / ٨١ ]
المعرفتين لأنه يعني بذلك الأمور التي حررها رسول - ﷺ -. فكل ما أحدث بعد رسول الله - ﷺ - فيما حرره فهو شر.
* فأما ما رآه المسلمون صلاحًا مما لا يضاد الشعر ككتابة المصحف، وجمع المصلين في التراويح على قارئ يؤمهم، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فإنه ليس من هذا بل هو من المحدثات المستحسنات.
-٢٩٢ -
الحديث الرابع:
[قال عبد الله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ قال: رأى رفرفًا أخضر سد أفق السماء].
* هذا كلام ابن مسعود أخبر بالرؤية عن النبي - ﷺ -.
الرفرف شبيه بالرف في العلو.
* ومعنى سد افق السماء: سد جانبها.
-٢٩٣ -
الحديث الخامس:
[عن علقمة، قال: كنا جلوسًا عند ابن مسعود، فجاء خباب فقال: يا
[ ٢ / ٨٢ ]
أبا عبد الرحمن، أيستطيع هؤلاء أن يقرأوا كما تقرأ؟ فقال: أما إنك لو شئت أمرت بعضهم يقرأ عليك؟
فقال أجل: فقال: اقرأ يا علقمة، فقال زيد بن حدير، أخو زياد بن حدير: أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ فقال: أما إنك إن شئت أخبرتك بما قال النبي - ﷺ - في قومك وقومه، فقرأ خمسين آية من سورة مريم، فقال عبد الله: كيف ترى؟ قال: إنه أحسن، قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا إلا وهو يقرأه، ثم التفت إلى خباب وعليه خاتم من ذهب، فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يلقى، قال: أما إنك لن تراه علي بعد اليوم فألقاه)].
* في هذا الحديث من الفقه تزاور الصالحين.
* وفيه أن تزاورهم للخير والتذكر.
* وفيه أيضًا أن خبابًا لما رأى المتعلمين عند ابن مسعود أحب أن يختبر حفظهم وقراءتهم.
* وفيه أيضًا أن التفويض في تقديم من يرى العالم من المتعلمين إليه، فإن عبد الله أمر علقمة دون غيره، فالعالم أعلم بتقدير قدر التفاوت بين متعلميه، ألا ترى أنه لما اعترض عليه (١٤٣/ أ) زيد بن حدير فقال: أتأمر علقمة أن يقرأ وليس بأقرئنا؟ احتج عليه عبد الله بمعنى آخر يستدعي التقديم لم يكن عند ابن حدير منه ما عند علقمة.
* وفيه أيضًا المنع من التختم بالذهب.
وفيه أيضًا الرخصة في تلطيف الإنكار على المؤمن لقول ابن مسعود (أما آن لهذا الخاتم أي يلقى).
[ ٢ / ٨٣ ]
* وفيه أيضًا حسن استجابة خباب بقوله: (إنك لن تراه علي بعد اليوم).
* وفيه أيضًا جواز إبقاء ذلك في يده بنية حفظه ريثما يلقيه، وقوله (فألقاه) دليل على أنه نزعه في الحال، ولعل خبابًا لم يكن سمع من النبي - ﷺ - ما سمع ابن مسعود في تحريم خاتم الذهب، فلما سمع ألقاه.
-٢٩٤ -
الحديث السادس:
[عن عبد الله قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فقل الماء، فقال: (اطلبوا لي فضلة ماء)، فجاءوا بإناء فيه ماء، فأدخل يده في الإناء ثم قال: (حي على الطهور المبارك، والبركة من الله تعالى) فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - ﷺ -، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
* في رواية البرقاني: (لقد كنا نأكل مع رسول الله - ﷺ - ونحن نسمع تسبيح الطعام، وزاد في فضل الماء حتى توضأنا كلنا)].
* في هذا الحديث أن الآيات التي يظهرها الله تعالى لعباده المؤمنين بركة، ودليل خير، لأنها تزيد المؤمن إيمانًا وتغيظ الكافر والمنافق.
* وقول: (وأنتم تعدونها تخويفًا) يعني أنه إن ظنها ظان حجة علها، فإن ذلك كذلك، ألا تراه لم ينكر على من حسبها تخويفًا إنكارًا صريحًا.
* وفيه دلالة على نبوة محمد - ﷺ - بتفجر الماء من بين أصابعه.
* وفيه أيضًا أن ذلك يحسن موقعه عند اتفاق الحاجة إليه.
[ ٢ / ٨٤ ]
* قال عبد الله: (فقل الماء)، وقوله (فقل الماء) دليل على أن رسول الله - ﷺ - (١٤٣/ ب) وضع يده في ماء قليل فتفجر فوق ذلك الماء من بين أصابعه ماء كفى وأروى.
* وقوله: (لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل)، هذا يدل على أنهم كانوا ﵃ قد أنسوا بالآيات، لكن قوله، نسمع تسبيح الطعام، يدل على أن الطعام كان ينطق نطقًا يسمعونه، وليس هذا من باب أنهم يفهمون من خلق الله تعالى للطعام ما يشبه تسبيحهم هم، كما قال بعض المفسرين في قوله، ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾.
بل هذا دليل صريح أن الطعام كان يسبح تسبيحًا يعلمونه.
* وقوله (نسمع) بالنون الجامعة يعني به ما كنت أسمعه وحدي.
* وقوله (كنا نأكل مع رسول الله - ﷺ - ونحن نسمع تسبيح الطعام) ولعل هذا الطعام -إنما كان يسبح لله تعالى لكون جعله قوتًا لنبيه - ﷺ - والذين معه يتقوون على مجاهدة أعدائه والقيام في أرضه بحقوقه، فيكون ذلك الطعام من جملة أعوان رسول الله - ﷺ - وأصحابه على أعدائهم.
-٢٩٥ -
الحديث السابع:
[عن علقمة، قال: شهدنا عنده يعني عند عبد الله- عرض المصاحف، فأتى على هذه الآية: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ قال: هي المصيبات تصيب
[ ٢ / ٨٥ ]
الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى)].
* فيه من الفقه أن ابن مسعود ﵁ رأى أن التسليم في المصائب هدى من الله ﷿ لعبده، وذلك لأنه عند المصائب يتبين الرغوة من الصريح، وإن كان لا يبعد أن يكون المعنى أن من يؤمن بالله يهد قلبه للعلم والعمل ومقامات الخير على كثرتها، والجزم في (يهد) هو جواب الشرط، وحرف الشرط (من) ولولا جواب الشرط تحذف الياء.
-٢٩٦ -
الحديث الثامن:
[عن ابن مسعود قال: (أتى النبي - ﷺ - الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، قال: فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: هذه ركس].
* هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز الاستجمار إلا بكل طاهر مزيل للعين.
[ ٢ / ٨٦ ]
* (١٤٤/ أ) وفيه دليل على أن الروث نجس لأن قوله ركس أي نجس، فعلى هذا لو كان الحجر يابسًا قد علقت به نجاسة لم يجز الاستجمار به.
-٢٩٧ -
الحديث التاسع:
[عن عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادي].
* فيه من الفقه: إشعاره بزيادة أنسه بهذا السور وذلك يستدعي زيادة فهمه لكل منهن، وذلك لأن نزولهن متقدم، ويعني قوله (من تلادي) أي مما حفظته قديمًا، والتليد والتلاد والتالد: المتقدم. والطريف والطارف: المستحدث.
* وفي الحديث ما يدل على أن نزول القرآن كان على غير ترتيبه في المصحف، إلا أن الله ﷿ أعلم أن ترتيبه يكون على ما هو الآن، وفي ذلك أسرار، وتنبني عليه أمور.
-٢٩٨ -
الحديث العاشر:
[عن ابن مسعود قال: قال النبي - ﷺ -: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟
[ ٢ / ٨٧ ]
قالوا: يا رسول الله، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه. قال: (فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر)].
* في هذا الحديث من الفقه، تلطيف القول بإيصال الحكمة إلى قلوب الخلق، فهو كما قال؟: (إن مال الإنسان ما قدمه ومال وارثة ما خلفه) وقد شرد الناس عن ملاحظة هذا السر إلا من وفقه الله تعالى، وإنه لمن البيان العجيب والنطق الفصيح والمقنع الكافي، وذلك من فضل الله على الناطق به.
-٢٩٩ -
الحديث الحادي عشر:
[عن ابن مسعود قال: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى جعل ميقات إعزاز دينه بإسلام عمر بن الخطاب ﵁ تكرمة له بذلك، فطوبى لمن أعز الله به دينه، والويل لمن أهان مؤمنًا أو استذله.
-٣٠٠ -
الحديث الثاني عشر:
[عن عبد الله أنه أتى أبا جهل يوم بدر، وبه رمق، فقال: هل أعمد من رجل قتلتموه).
[ ٢ / ٨٨ ]
وفي رواية البرقاني في (١٤٤/ ب) أوله: (هل أخزاك الله يا عدو الله؟ فقال: هل أعمد].
* قال أبو عبيد: المعنى هل زاد على سيد قتله قومه، هل كان إلا هذا؟ وأراد أن هذا ليس بعار، وهذا من جهله وبقاء نخوته في الجاهلية فيه حتى يلقى ربه وهو ساخط عليه، فكأن المعاصي في الكفر تزيده غلظًا وشدة وشرًّا.
-٣٠١ -
الحديث الثالث عشر:
[عن عبد الله قال: قال النبي - ﷺ -: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)].
في هذا الحديث من الفقه تمكين الله ﷿ عبده من العمل للجنة والنار، وأنه في حالة قرب من الدارين، فإن أطاع الله فالجنة أقرب إليه من شراك نعله، وإن عصى الله تعالى فالنار أقرب إليه من شراك نعله.
-٣٠٢ -
الحديث الرابع عشر:
[عن عبد الله قال: قال النبي - ﷺ -: (لا يقولن أحدكم: إني خير من يونس بن متى).
[ ٢ / ٨٩ ]
وفي رواية عن الأعمش: (ما ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من يونس بن متى)].
* في هذا الحديث من الفقه: لا تقولوا عني إني خير من يونس؛ لأنه أشار بقوله: (إني) إلى نفسه، وهذا يدل على وجه التواضع.
-٣٠٣ -
الحديث الخامس عشر:
[عن عبد الله: (هيت لك) فقال: إنما نقرأ كما علمنا.
وعن عبد الله: (بل عجبت ويسخرون)، (يعني بالنصب) هاتان القراءتان المسندتان إلى ابن مسعود مشهورتان.
فأما هيت بفتح التاء فهي قراءة الأكثرين.
وأما هيت بكسر الهاء وفتح التاء فهي قراءة نافع وابن عامر، قال الزجاج: معناها هلم لك، أي: أقبل على ما أدعوك إليه.
[ ٢ / ٩٠ ]
قال الشاعر:
أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله عتق إليك فهيت هيتا
وأما عجبت بفتح التاء فهي قراءة الجمهور].
قال المفسرون في معناها: بل عجبت يا محمد منهم إذ كفروا ويسخرون هم منك.
* وفي هذا دليل على أنه لا يجوز الاستطراح عند ظهور المنكر والإخلاد إلى التعجب والإمساك، بل لتجهد في إزالته.
-٣٠٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن عبد الله: لقد أتاني اليوم رجل، فسألني عن أمر ما دريت (١٤٥/ أ) ما أرد عليه، فقال: أرأيت رجلًا مؤديًا نشيطًا، يخرج مع أمرائنا في المغازي، فيعزم علينا في أشياء لا نحصيها؟ فقلت: والله ما أدري ما أقول لك، إلا أنا كنا مع رسول الله - ﷺ - فعسى أن لا يعزم علينا في أمر إلا مرة حتى نفعله، وإن أحدكم لن يزال بخير ما اتقى الله، فإذا شك في نفسه شيء سأل رجلًا فشفاه منه، وأوشك أن لا تجدوه، والذي لا إله إلا هو، ما أذكر ما غبر من الدنيا إلا كالثغب، شرب صفوه ويقي كدره].
* في هذا الحديث ورع ابن مسعود وترفعه عندما لم يعلم، وقوله: (أرأيت رجلًا مؤديًا) أي كامل الأداء.
[ ٢ / ٩١ ]
* ومعنى (لا نحصيها) لا نطيقها من قوله تعالى ﴿علم أن لن تحصوه﴾ أي لن تطيقوا قيام الليل.
* وفيه أيضًا أنه يستحب لأمراء الجيش أن لا يكثروا العزمات على المجاهدين فيعرضوهم لبعض المخالفة بل ليخففوا عنهم ما استطاعوا، وليشاوروهم في الأمور ويعرفوهم مطالع الأحوال التي عليها تبنى وجوه التدبير للحرب.
* ويستحب أيضًا للمجاهدين مع الأمراء إذا عزموا عليهم عزمة أن يقابلوها بالإمساك ولا يحوجوهم إلى تكدير الأمر بها، ويكون الأمراء والمأمورون في هذا يعاملون الله ﷿ بذلك.
* وفيه أيضًا أن الإنسان إذا شك في شيء لم ينفذ فيه حكمًا على شك بل يسأل عنه ويبحث ويستضيء بنور العلم من أهله إن وجد، وإلا عمل فيه على أصول الشرع وقاس واجتهد.
* وقوله: (بما غبر من الدنيا) أي ما فني. والثغب: هو الماء المستنقع في الموضع المطمئن، وإذا كان عبد الله يقول هذا في زمانه فكيف في زماننا؟ إلا أنه لابد من المقاربة والتسديد والاستعانة بالله ﷿ على عبادته.
-٣٠٥ -
الحديث السابع عشر:
[عن عبد الله قال: كنا نقول للحي في الجاهلية- إذا كثروا قد أمر بنو فلان].
* في هذا الحديث من الفائدة (١٤٥/ ب) ذكر اللغة. ومنها أمر بنو فلان أي كثروا، ويفهم من دليل نطقه أن حفظ اللغة من الأمور المهمة في الدين.
[ ٢ / ٩٢ ]
الحديث الثامن عشر:
[عن ابن مسعود قال: (خط رسول الله - ﷺ - مربعًا، وخط خطًّا في الوسط خارجًا منه، وخط خطوطًا صغارًا، إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط، فقال: (هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط به- وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطوط الصغار: الأغراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطاه هذا نهشه هذا)].
* في هذا الحديث من الفقه حسن التعليم، والتوصل في تفهيم الحكمة لمن لا يفهمها إلا بضرب المثال والتشكيل، وهذا أصل لغيره من الصور مما يتوصل الإنسان في تفهيم الناس له بضرب من الأمثال والأشكال.
-٣٠٧ -
الحديث التاسع عشر:
[عن هزيل بن شرحبيل، قال: سئل أبو موسى عن ابنة، وابنة ابن، وأخت فقال: للابنة: النصف، وللأخت: النصف، وائت ابن مسعود، فسيتابعني. فسئل ابن مسعود، واخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا، وما أنا من المهتدين، ثم قال: أقضي فيها بما قضى رسول الله - ﷺ -: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا
[ ٢ / ٩٣ ]
أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: (لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن المعول عليه ما ذكره ابن مسعود، وقد وافق أبو موسى على ذلك، وقول أبي موسى: لا تسألوني مادام هذا الحبر فيكم، يدل على فضل ابن مسعود واعتراف أبي موسى له، وإنما يعرف فضل الفاضل فاضل مثله.
-٣٠٨ -
الحديث العشرون:
[عن عبد الله، قال: إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون).
اختصره البخاري ولم يزد على هذا].
* وأخرجه البرقاني بطوله من تلك الطرق عن هزيل قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إنى أعتقت عبدًا لي وجعلته سايبة فمات وترك مالًا ولم يدع وارثًا -فقال عبد الله (١٤٦/ أ): إن أهل الإسلام لا يسيبون، وإنما كان أهل الجاهلية يسيبون، وأنت ولي نعمته فلك ميراثه، فإن تأثمت في شيء وتحرجت فنحن نقبله ونجعله في بيت المال].
* في هذا الحديث دليل على أن السوائب غير مفسوح فيها، وإنها مما نهى الشرع عنه.
[ ٢ / ٩٤ ]
* وفيه أيضًا أن ما يصيبه الرجل من تلك بجهله فإن نصيبه يحسب لغوًا ويعود ميراثه إلى المعتق، كما قال عبد الله بن مسعود.
* وفيه أيضًا أنه إذا حل في صدر الرجل المعين .. شيء من ذلك فتحرج أو تأثم أي خاف، فيخرج من الحرج والإثم وضع ذلك في بيت المال أو غيره من سبل الخير.
-٣٠٩ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن ابن سيرين، قال: جلست إلى مجلس فيه عظم من الانصار، وفيهم عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أصحابه يعظمونه، فذكرت حديث عبد الله بن عتية في شأن سبيعة بنت الحارث، فقال عبد الرحمن: لكن عمه كان لا يقول ذلك، قلت إني لجريء إن كذبت على رجل في جانب الكوفة، يعني عبد الله بن عتبة، ورفع صوته، قال: ثم خرجت فلقيت مالك بن عامر، فقلت: كيف كان قول عبد الله بن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ قال ابن مسعود: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون لها الرخصة؟ أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾].
* في هذا الحديث الدلالة على أن أجل الحامل أن تضع حملها، وهو الحق الذي نطق به القرآن، وانعقد عليه الإجماع.
[ ٢ / ٩٥ ]
الحديث الأول (من أفراد مسلم):
[عن ابن مسعود: أن رسول الله - ﷺ - قال: (آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة فيقول: يارب! أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله ﷿: (١٤٦/ ب) يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها، فيقول: لا يارب! ويعاهده أن لا يسأله غيرها. قال: وربه ﷿ يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى. فيقول: أي رب! أدنني من هذه لأشرب من مائها وأستظل بظلها لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم! ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها. وربه تعالى يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هى أحسن من الأوليين فيقول: أي يا رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها، وربه ﷿ يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه. فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب! أدخلنيها. فيقول: ابن آدم! - ما يصريني منك؟ أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين).
فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ فقال: هكذا ضحك رسول الله - ﷺ - فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال:
[ ٢ / ٩٦ ]
من ضحك رب العاملين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر)].
* هذا الحديث في ذكر نجاة هذا الرجل من النار، فيجوز أن يكون قد نجي منها بعد الوقوع فيها، ويجوز أن يكون قد نجا منها فلم بدخلها.
* وفيه أيضًا أنه آخر أهل الجنة دخولًا إليها، فإنه قد يخرج قوم فيدخلون الجنة فإذا كان هذا آخر أهل الجنة دخولًا إليها فإنه يكون آخر أولئك. والذي أراه فيه من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أراد أن يعرف عباد الله (١٤٧/ أ) كرم ربهم ﷾، وأنه ليس كمن عرفوه من ملوك الدنيا، فإن الواحد منهم إذا عاقب أحدًا استوحش منه ولم يأمن بعد ذلك إليه فلا يقربه، فأراد - ﷺ - أن يعلم بهذا الحديث أن الله ﷾ صفته الرحمة، وأنه إذا عاقب بعدله الحد الذي انتهى إليه علمه، وكان ذلك جزاء لمن خالف أمره عطف عليه سبحانه العطف الذي يدنيه إلى الخير ويقربه منه منزلة بعد منزلة، وأنه كلما رأى شيئًا لا صبر له عنده عذره ﷾ في إخلاف الوعد حتى يدخله الجنة، ويضعف له العطاء ويضحك منه سبحانه رضي عنه.
* ومعنى قوله: (ما يصريني) أي ما يقطع مسألتك لي ويرضيك يقال: صريت الشيء إذا قطعته، وصريت الماء: إذا جمعته.
وكأصرى وصرى وهو الذي يطول استنقاعه.
فإن قيل كيف قال: أعطاني ما لم يعط أحدًا من الأولين، وهو يعلم أن خلقًا قد سبقوه إلى الجنة وأنهم أفضل منه؟
فالجواب من وجهين:
[ ٢ / ٩٧ ]
أحدهما: أنه لما تفكر في ذنوبه فرأى أنه يستحق الخلود في النار ولم ير ما يوجب التخلص منها، شكر مجرد الكرم الذي ليس بجزاء عن عمل، ورأى أن كل من جوزي فعلى قدر عمله.
والثاني: أن يكون قوله عائدًا إلى من في النار من المعذبين.
-٣١١ -
الحديث الثاني:
[عن أبي رافع مولى النبي - ﷺ - عن ابن مسعود أن رسول الله - ﷺ - قال: (ما من نبي بعثه الله ﷿ في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
قال أبو رافع: فحدثت عبد الله بن عمر، فأنكره علي، فقدم ابن مسعود فنزل على قناة فاستتبعني إليه ابن عمر يعوده، فانطلقت معه، (١٤٧/ ب) فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث؟ فحدثنيه كما حدثته ابن عمر].
* في هذا الحديث من الفقه أن أصحاب رسول الله - ﷺ - محفوظون معانون على الأخذ عنه والتأدية للعلم إلى الأمة عن نبيهم - ﷺ -، وأنه سيأتي بعدهم خلوف، ومعنى خلوف أن ينشأ الواحد منهم بعد فقد أولئك، وقد تقدم معنى الحواري.
[ ٢ / ٩٨ ]
* وقوله: (يقولون ما لا يفعلون) يجوز أن يكون هذا من قولهم الحق الذي لا يفعلونه، ويجوز أن يكون أنهم يشددون على الأمة ويضيفون عليهم رحمة الله الواسعة بما بأمر به الله، وإن أخرجوا ذلك مخرج الوعظ وأوردوه مورد النصح فشددوا فيه وغلوا غلوا انتهى بهم إلى مثل ما جرى للخوارج وغيرهم، ولا آمن على بعضهم من يظهر التعبد وهو جاهل بالشرع أن يحدث للناس أحداثًا مثل هذا؛ فيجب الإنكار عليه حينئذ كما يجب الإنكار على من أضاع شريعة الله ﷿ تفريطًا فيها باليد إن أمكن أو باللسان أو بالقلب إذا لم يقدر على رفع الباطل بيده، ولا إنكاره بلسانه ولا إنكاره بقليه. فإن لم يفعل فليس في قلبه حبة من خردل من إيمان كما وصف رسول الله - ﷺ -.
* وأما قوله (ويفعلون مالا يؤمرون) ففيه مضمر محذوف، والضمير متعلق بالجار والمجرور، ومعناه لا يؤمرون به، قال الله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) أي تؤمر به أو تؤمره ومثله: (ويفعلون ما يؤمرون)
الحديث الثالث:
[عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ -: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثًا].
* هذا الحديث مما يشهد بما قدمنا ذكره في الحديث الذي قبله؛ لأن التنطع هو التعمق والتدقق في الأشياء، فإن الهلكة مقرونة، وهو مما يقرأه الجهال على غير أصل الشريعة على نحو ما ابتدعه النصارى من الرهبانية
[ ٢ / ٩٩ ]
التي لم تكتب عليهم، وإنما هم الذين ابتدعوها؛ ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها؛ ولذلك كل من ابتدع في الدين شيئًا أو دقق (١٤٨/ أ) على عباد الله وعمق مما لم يأذن به الله ولم يشرعه رسول الله - ﷺ - فهو الهالك المحتقب وزر كل من أهلكه بتنطعه.
-٣١٣ -
الحديث الرابع:
[عن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمط الناس).
وفي رواية الأعمش: (لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبر)].
* قد فسر رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث الكبر بقوله - ﷺ - الكبر: بطر الحق وغمط الناس. وبطر الحق: التكبر عن الإقرار به، والطغيان في دفعه.
وقال أبو عبيدة: غمط الناس الاحتقار لهم والإزراء بهم، ومثله غمض الناس (بالضاد) وكشف هذا أن العبد إذا قال لا إله إلا الله وسجد لله ﷿ ولم يحتقر الناس فقد برئ من ذلك.
والكبر الذي يكون مثقال ذرة منه يحرم الجنة ويوجب النار هو الكبر عن عبادة الله ﷿، فأما تكبر الآدميين بعضهم على بعض من قبيل الفخر بالآباء والبيوت ونحو ذلك فهو الذي أخرج إبليس من الجنة، والجدير بمن
[ ٢ / ١٠٠ ]
يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعتقد الإسلام دينًا أن لا يفخر بنسب بعد أن سمع الله ﷿ يقول ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ يعني ﷾ أن الناس كلهم ينسبون إلى آدم وحواء، ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾ وما قال لتفاخروا، ثم أخبر سبحانه أن المعنى الذي تطمح إليه نفوسكم إنما هو راجع إلى التقوى فقال: ﴿أن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ فالتكبر على عباد الله من أقبح الخلال إلا أنه ليس في الشر كالتكبر على عبادة الله ﷿.
* وأما قوله: (إن الله جميل يحب الجمال) فهو يدلل على أن تحسين الرجل ثوبه وتنظيفه (١٤٨/ ب) يكون عبادة الله ﷿، من أنه في تنظيفه الثوب تطييب لريحه وشكر لله ﷿ لحاله وتظاهره بالغنى الدافع لأعطيات الناس، وفي توسيخ الثوب من الزفر وما يتأذى به الجلساء وشكواه ربه بلسان حاله وتعريضه نفسه لأعطيات الناس برثاثة زيه وتخجيله أيضًا للمؤمنين إذا بدا في مثل تلك البزة، فلذلك وغيره قال: (إن الله جميل يحب الجمال) وليس هذا من الكبر في شيء.
* وأما قوله: (لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان) فإن هذا النطق قد تكرر في الأحاديث، وتارة يأتي مثقال ذرة ووزن قيراط إلى غير ذلك، وقد يقع في قلب الإنسان شبهة من ذلك بأن يقول: وكيف يوزن الإيمان بالذرات ومثاقيل الحبات والقراريط، فيقال له: إن الإنسان إذا أعار جارًا له ميزانًا يزن فيه، فوزن جاره الذي يريده فنسي فتعلق بخيط الميزان من ماله مثقال ذرة فلما رد الميزان على صاحبه وهو لا يعلم بما علق بخيطها من ماله نظر صاحب الميزان في ميزانه فلمح تلك الذرة فأعادها على صاحبها، فتبينا أن في قلب هذا الذي رد هذه الذرة مثقال ذرة من إيمان إذا لم يكن عليه شاهد بها إلا الله ﷿ ولو أنه أخذها ولم يردها، ولا أعلم
[ ٢ / ١٠١ ]
صاحبها بها تبينا أنه ليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وعلى هذا فإن الإيمان يزيد حتى يرجح بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ويقل ويعز حتى لا يزن عشر عشر الذرة.
-٣١٤ -
الحديث الخامس:
[عن عبد الله قال: إنا ليلة جمعة في المسجد، إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيط، والله لأسألن عنه رسول الله - ﷺ - فلما كان من الغد أتى رسول الله - ﷺ - فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيط، فقال (١٤٩/ أ): (اللهم! افتح) وجعل يدعو فنزلت آية اللعان: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ هذه الآيات، فابتلي به ذلك الرجل من بين الناس، فجاء هو وامرأته إلى رسول الله - ﷺ - فتلاعنا، فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم لعن الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فذهبت لتلعن فقال لها النبي - ﷺ - (مه) فأبت فلعنت، فلما أدبرا قال: لعلها أن تجيء به أسود جعدًا، فجاءت به أسود جعدًا)].
* هذا الحديث هو الأصل في حكم اللعان بين الرجل وامرأته إذا قذفها بالزنا ولم يكن له شاهد إلا نفسه، وهو ها هنا مختصر وسيأتي موضحًا وفيه من الفقه:
[ ٢ / ١٠٢ ]
* أن ذلك السائل بلي بما سأل عنه، وأنه تطلعت نفسه إلى حال كشف عورة في الإسلام فبلي في نفسه.
* وفيه من الفقه أيضًا أنه لما كانت الشهادة في الزنا لا تتم إلا بأربعة شهود، وكانت هذه الحالة لم يطلع عليها غير الزواج، كلف أربع أيمان لتكون كل يمين مكان شاهد، لأن اليمين في بعض الأحيان تقوم مقام الشاهد، وذلك أن يكون لواحد حق وليس له إلا شاهد، فإن الشرع قد أقام يمينه مقام الشاهد، فلما تكملت أربع شهادات مقام أربعة شهود، ولم يكن بعد شهادة الشهود الأربعة في الزنا على المحصن الذي هو مثل هذا إلا الرجم وهو الهلاك، لم يكن بعد الالتعان المرات الأربع إلا لعنة الله سبحانه أو غضبه وهما الهلاك أيضًا.
* وقول الله تعالى: ﴿أن لعنة الله عليه أن كان من الكاذبين﴾، و﴿أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين﴾ فهو كلام مقنع وليس بمحتاج إلى ذكر تعيين ما قذفها به من الزنا لا من قوله ولا من قولها، لأنه سبحانه إنما قال من الكاذبين على الإطلاق حتى إذا كان هذا القاذف لزوجته بالفاحشة قد كذب في دهره كله مرة واحدة لم يبر في يمينه هذه، وأنه قد كان يغنيه عن ذلك أن (١٤٩/ ب) يفارقها، وإذا أمر اللعان مفض إلى الفراق وما عساه أن يكون ما يتخوفه من مؤنة الولد فإن الله رزقه وإياه ولم يكن يفضح أهله بعد ما كان بينهما من الإفضاء وأخذ المرأة منه ميثاقًا غليظًا ما كان، وهذا الرجل في الأغلب من أحواله من جهة أنه لا يمكنه أن يشهد بإنزال الشخص الذي قذفها به معها ولو أمكنه ذلك جاز أن يكون الولد من ذلك الشخص وجاز أن يكون منه، فإنزاله هو الماء عندها متيقن وإنزال من رماها به محتمل فإن اعتذر في قذفه إياها بأني لا أريد أن الحق بي من ليس بولدي قيل له: كيف تنفي من يجوز أن يكون ولدك، وإنما دفع العذاب عنها بأربع أيمان فإنها أقامت أربع أيمان في مقابلة
[ ٢ / ١٠٣ ]
أربع أيمان فتعارضت البينات فسقطت فرجع الأمر إلى الحالة الأولى وهو سقوط الحد، وكانت مؤنة الولد على أمه على أمه لأنها أمه بيقين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
* وفيه أيضًا ما قلنا في حق الزوج وأنه إن كان معروفًا بالصدق في غير ذلك غضب الله عليها في جواب تحكيمها غضبه إن كان من الصادقين في شيء من الأمر، والمرأة في ذلك أخف حالًا من الرجل، لأن قولنا من الصادقين لا ينصرف إلا إلى المعروفين بالصدق، بخلاف قول الرجل من الكاذبين فإنه قد ينصرف إلى من يندر منه الكذب، والمرأة ليست قادرة على فراق الزوج قدرة الزوج على فراقها، لأن أمرها بيده وليس أمره بيدها.
-٣١٥ -
الحديث السادس:
[عن عبد الله قال: لما نزلت ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ قال رسول الله - ﷺ -: (قيل لي: أنت منهم].
* في هذا الحديث ما يدل على أنه ﷾ أباح لنبيه - ﷺ - من الأرزاق ما لم يبحه لغيره من الأنبياء، ذلك مما أطعمه الله ورسوله وأمته بعده.
-٣١٦ -
الحديث السابع:
[عن عبد الله قال: (لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا ومؤكله). قال: قلت (يعني
[ ٢ / ١٠٤ ]
مغيرة لإبراهيم) (١٥٠/ أ): وشاهديه وكاتبه؟ فقال: إنما نحدث بما سمعنا].
* هذا الحديث يتضمن لعنة آكل الربا وقد ذكر الربا وعلة تحريمه، وقد جاء في حديث آخر ذكر ما توزع عن روايته راوي هذا الحديث وهو لعن شاهديه وكاتبه، وهذا محمول على ما إذا علموا أنه ربا صريح لا يفتي بحله أحد من الفقهاء.
* فأما مؤكله، فإنه يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: المعطي للربا، فإنه مؤكله المعطى.
الثاني: الآخذ، فإنه قد أطعم مقرضه الربا بما يؤدي إليه.
والثالث: الذي يعامل بالربا ثم يطعم منه الناس.
والرابع: أن يكون المفتي فيه بتأويل باطل غير مستند إلى نذهب معروف يجوز العمل عليه.
-٣١٧ -
الحديث الثامن:
[عن علقمة عن ابن مسعود قال: (لم أكن ليلة الجن مع رسول الله - ﷺ - ووددت أني كنت معه). كذا في رواية أبي معشر عن إبراهيم ولم يزد. في حديث الشعبي أن علقمة قال: أنا سألت ابن مسعود، فقلت: هلى شهد أحد منكم مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو أغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله!
[ ٢ / ١٠٥ ]
فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: (أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن) قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد، فقال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم، أوفر ما يكون لحمًا، وكل بعرة علف لدوابكم) قال رسول الله - ﷺ -: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم).
وفي رواية الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة].
* في هذا الحديث دليل على أن رسول الله - ﷺ - بعث إلى الجن والإنس وكذا ينبغي أن يعتقد، وينبغي أن يكون الإنسان معرضًا لإبلاغ (١٥٠/ ب) الجن إذا أمكنه.
وقد حكى الشيخ محمد بن يحي ﵀ أنه كان يخرج ليلًا وحده في نواحي خيبر أو نحو ذلك المكان؛ فيعظ الجن ويذكرهم ويقرأ القرآن ويذكر أركان الإسلام، ثم قال لي: اعتمدت ذلك ليلة حتى إذا ذهب من الليل نحو نصفه انصرفت عن ذلك إلى مسجد خال فصعدت إلى قبلته، فجلست مستقبل القبلة ووليت ظهري باب المسجد، فأحسست وقع حافر فرس فلم أبرح من مكاني حتى أحسست بأن ذلك الوقع كان وقع فارس؛ فلما وصل إلى باب المسجد نزل عن الدابة ودخل المسجد حتى وضع قصعة فأحسست بها في ظهري فأدرت وجهي إليها فإذا فيها ثريد ولحم فأكلت منها، وهذا إخاله أنه أضافه مؤمنو الجن في جواب تذكيره إياهم.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وحكى لي مرة أخرى أنه كان خارجًا من مكة يقصد المدينة وحده قال: فنوديت من بعض الجبال في حفظ الله وفي ودايعه؛ فقلت: من أنت تكون رحمك الله؟ فقال: إخوانك الجن يسلمون عليك ويودعونك.
* وفي هذا الحديث ما يدل عل لطف الله بالآدميين لأنه اختار لهم لباب الأشياء وجعل ما لم يختره لهم كالعظام زادًا لإخوانهم من الجن.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه ينبغي للإنسان أن لا يطرح عظمًا مما يأكله بل ينزله ناويًا به الصدقة على الجن، وأن يذكر اسم الله ﷿ عليه ليستطيبه المؤمنون منهم، وينبغي أن لا يضايق الجن فيه، ولا يكسر ولا يثلمه ليجدوه أوفى ما يكون لحمًا، وكذلك لطف الله سبحانه بالآدمي فجعل قوته من جوهر البر الحنطة والشعير والحبوب، وجعل العصف الذي لا يصلح للآدميين قوتًا لدوابهم التي حملهم عليها، وجعل الروث والبعر قوتًا لعباده الجن ليعلمك أيها الآدمي أنه ليس في خلقه شيء يضيع، وأن الأشياء على كثرتها قد قدر لها من المرتزقين بإزائها في كل شيء.
* فأما قوله (ما شهدت (١٥١/ أ) مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن) فإنه يجوز أن يكون أراد ما شهدت حالة الخطاب بدليل الحديث الآخر: كنت مع رسول الله - ﷺ - ليلة الجن.
* وفي الحديث ما يدل على حسن صحبة أصحاب رسول الله - ﷺ - وأنهم لما فقدوه التمسوه في الأودية والشعاب ولم يهملوا طلبه إلى أن أتى هو -وقوله: (استطير) أي استطيل بالأذى عليه، وانتشر الأعداء في طلبه، والاغتيال: الغدر والوثوب بالمكروه على عقله.
* وفيه أيضًا بيان حذرهم عليه وقولهم (استطير) محمول منهم مقتضى الحذر والإشفاق وإلا فإن الله تعالى لم يكن ليسلط عليه شيطانًا إذ لو قرب منه الشيطان لاحترق.
[ ٢ / ١٠٧ ]
* وقوله: (فانطلق فأرانا آثارهم) يدل على أنهم يتصورون في الجثث الكثيفة ولذلك كانت لهم آثار في الأرض.
والحديث يدل على أن لهم نيرانًا ولعلهم قد أكثروا منها في تلك الليلة لأجل حضور رسول الله - ﷺ - ليستضيء بها.
* وفي الحديث النهي عن الاستنجاء بالعظم لأنه زاد الجن، والنهي عن الاستنجاء بالروث لأنه أيضًا زاد الجن، وإن كان روث ما يؤكل لحمه في نجاسته الخلاف المعروف.
وقد دل هذا الحديث على طهارته لأن رسول الله - ﷺ - جعله زادًا للجن فقال: (وكل بعرة علف لدوابهم)، ولا يجعل النجس زادًا، ثم قد قرنه بالعظم الذي ذكر اسم الله عليه، وإنما يذكر اسم الله على الطاهر وإن كان نجسًا لم يجز الاستنجاء بالنجس.
* وأما قوله: (وكل بعرة علف لدوابهم) فإنه أراد فيما أراه لما يدب منهم وهم الذين يتصورون في صورة الحيات والحشرات.
-٣١٨ -
الحديث التاسع:
[عن عبد الله قال: سئل النبي - ﷺ - عن الوسوسة؟ قال: (تلك محض الإيمان)].
* الوسوسة: حديث الشيطان في بواطن القلوب. والمحض: الخالص.
[ ٢ / ١٠٨ ]
* وقد روى هذا الحديث أبو هريرة مكشوفًا قال: جاء ناس من أصحاب النبي - ﷺ - فسألوه: (١٥١/ ب) إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: (وقد وجدتموه؟) قالوا: نعم: قال: (ذاك صريح الإيمان) لا أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان؛ لأنها من فعل الشيطان، فكيف تكون إيمانًا؟!.
-٣١٩ -
الحديث العاشر:
[عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى؛ ثم الذين يلونهم، وإياكم وهيشات الأسواق).
ذكر أبو مسعود هذا الحديث في أفراد مسلم، فحكى فيه ثم الذين يلونهم (مرتين)، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم].
* في هذا الحديث من الفقه أن أولي الأحلام والنهى هم الأولى أن يكونوا أقرب الناس إلى الإمام ليأخذوا عنه ويكونوا موضع سره، وعدة لمشاورته، وأمناء على قربه؛ فبذلك صلاح الأحوال.
* وقولهم: (ثم الذين يلونهم) أي يكون المكلفون به على درجات فيكون الأقرب إليه الأفضل فالأفضل.
* وقوله: (وإياكم وهيشات الأسواق) يعني اختلاطها وما يكون فيها من الفتن وارتفاع الأصوات، وأراد ألا يكونوا من أهلها، فإنه يخفى فيها الصواب ولا يتضح فيها الحق، ويتقدم فيها كل مستحق للتأخير ويتأخر كل مستحق للتقديم.
[ ٢ / ١٠٩ ]
* وقوله: (لا تختلفوا) يجوز أن يكون من الاختلاف في صفوف الصلاة فيكون حضًّا على تعديل الصفوف، ويجوز أن يكون من الاختلاف في كل شيء من قول أو فعل، فإن الاختلاف داعية إلى اختلاف القلوب.
-٣٢٠ -
الحديث الحادي عشر:
[عن علقمة والأسود، قالا: أتينا ابن مسعود في داره، فقال: أصلى -هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا. فقال: قوموا فصلوا. فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة. قال: وذهبنا لنقوم خلفه، فأخذ بأيدينا فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله. قال: (فلما ركع وضعنا أيدينا على ركبنا قال: فضرب أيدينا وطبق بين كفيه ثم أدخلهما بين فخذيه. قال: فلما صلى قال: إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى. فإذا (١٥٢/ أ) رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة، وإذا كنتم ثلاثة فصلوا جميعًا، وإذا كنتم أكثر من ذلك فليؤمكم أحدكم، وإذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه بين فخذيه. وليجنأ وليطبق بين كفيه، فلكأني أنظر إلى اختلاف أصابع رسول - ﷺ - فأراهم].
* قوله: (فلم يأمرنا بأذان ولا إقامة). يدل على جواز ذلك مع ترك الأولى.
* وقوله: (فجعل أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله) دليل على جواز صلاة الواحد عن يسار الإمام، وما ذكر فيه من التطبيق منسوخ لحديث سعد وقد تقدم، وإنما أقام عليه ابن مسعود لأنه لم يعلم ناسخه.
[ ٢ / ١١٠ ]
* وقوله: (شرق الموتى) يعني عند آخر مغيبها، وشبهها بخروج نفس الآدمي، ويدل هلى هذا البيان أنه قد جاء في الصحيح: كان النبي - ﷺ - يصلي العصر والشمس حية أي قوية الحر، وكأن الشمس عند قرب الغروب قد أخذت في الموت.
* وقوله: (اجعلوا صلاتكم معهم سبحة) يعني نافلة.
في هذا حث على المداراة وأن لا يتظاهر بالخلاف على الأمراء وإن أخروا الصلاة عن وقتها، بل يصلي الإنسان الصلاة ويجعل صلاته معه نافلة إلا أن المعمول عليه أنه من صلى الجمعة خلف أمير رابع فأعادها في بيته ظهرًا فهو مبتدع.
-٣٢١ -
الحديث الثاني عشر:
(عن عبد الله، أن النبي - ﷺ - أمر محرمًا بقتل حية بمنى)
* فيه دليل على جواز قتل المحرم الحية في الحرم.
-٣٢٢ -
الحديث الثالث عشر:
[عن عبد الله قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أمسى، قال: (أمسينا وأمسى
[ ٢ / ١١١ ]
الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، رب أسألك خير ما في هذه الليلة وخير ما بعدها. وأعوذ بك من شر ما في هذا الليلة وشر ما بعدها، وأعوذ بك من الكسل وسوء (١٥٢/ ب) الكبر، رب أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر).
وإذا أصبح قال ذلك أيضًا: (أصبحنا وأصبح الملك لله).
وفي رواية: (من الكسل والهرم وسوء الكبر. وفتنة الدنيا وعذاب القبر)].
* في هذا الحديث خير وبركة وتعليم لهذا الكلمات وهي تشمل على معان منها أنه إذا أمسى وإذا أصبح يقر بأن الملك لله، وأن كل ملك في يد مالك الملك فإنما هو على سبيل المجاز، والملك حقيقة لله ﷿، وأن الملك لله ﷿ ملكًا وولاية واستحقاقًا. فإذا قال العبد ذلك واعتقده بقلبه خرج من قلبه تعظيم ملوك الدنيا، ثم أتبع ذلك بالحمد لله، وذلك على نعمه الكثيرة التي لا تحصى، منها: انفراد الله تعالى بالملك، فإن الملك يغار من أن يكون الملك إلا له وحده، فإذا قضى ﷾ بما يوافق محبة المؤمن تعين على المؤمن أن يحمد الله تعالى على ذلك القضاء، ثم أتبع ذلك بقوله: (لا إله إلا الله وحده) فنفى الإلهية عمومًا وأثبتها لله تعالى وأنه في ذلك وحده، ووكده بقوله: (لا شريك له) ثم أتبعه بقوله: (له الملك وله الحمد) فإنه لا يملك ان يخلص الحمد إلا الله ﷿، ثم أثبت له القدرة بقوله (وهو على كل شيء قدير) حتى أنه ليعترف المؤمن عند توفيق الله تعالى له، أن الله سبحانه قد كان على خذلانه ومنعه أن يعترف بذلك قديرًا.
* وقوله: (رب أسألك خير ما في هذه الليلة) قوله (رب) بحذف النداء يدل على
[ ٢ / ١١٢ ]
استشعار القرب، فإن المنادي إذا علم قرب المنادى حذف حرف النداء إلا في موضعين اقتضيا الاستحثاث وهما قوله: (وقال الرسول يا رب) وقوله: (وقيل يا رب).
وحرف النداء: يا، وأيا، هيا، والهمزة، وأي. فينادي بها القريب والبعيد، (أيا) ينادى بها المتلفت والنائم، ولأنك تزيد على (يا) همزة فيكون (١٥٣/ أ) أمد ذكرها بقدر ما يقبل المتلفت ويستيقظ النائم.
(وهيا) في معنى (أيا) لأن الهاء بدل عن الهمزة، والهمزة تنادي بها المقبل عليك فإذا تناهى القرب حذفت حرف النداء، وقلت زيد عمرو كقوله تعالى: (يوسف أعرض عن هذا) فعلى هذا يكون نداء الأنبياء وقولهم (رب) دالا على استشعارهم تناهي القرب من ربهم ﷾ إلى داعيه.
* وفي هذا الحديث دليل على أن الإنسان ينبغي أن يجدد الدعاء في كل صباح ومساء لأنه خلق جديد، فيؤتى له بذكر جديد، وقوله: رب أعوذ بك من الكسل، إنما استعاذ من الكسل لأنه من أهم ما استعيذ منه إذ هو سبب للتواني في الطاعات.
* وقوله: (وسوء الكبر) إنما استعاذ في الكبر مما يسمى سوءًا فإذا كان الكبر في طاعة الله وخدمته كان حسنًا لا سوءًا.
* وقوله: (رب أعوذ بك من عذاب في النار) أي من عذاب النار، ويجوز أن يكون: أي من عذاب يكون فيها زيادة على عذابها.
* وقوله: (وعذاب في القبر) دليل على عذاب القبر.
[ ٢ / ١١٣ ]
- ٣٢٣ -
الحديث الرابع عشر:
[عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله - ﷺ - (إذنك علي أن يرفع الحجاب، وأن تستمع سوادي، حتى أنهاك].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رفع الحجاب يغني عن الإذن لمثل من كان مقصودا كالسلطان.
* وقوله: (وأن تستمع سوادي) أي سراري، ليعلم أن في البيت رجلًا لأنه قد رفع الحجاب، وبه نسوة ليس معهن رجل.
* وقوله: (حتى أنهاك) أي حتى أقول ارجع.
-٣٢٤ -
الحديث الخامس عشر:
[عن عبد الرحمن بن يزيد قال عبد الله ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: (لبيك اللهم لبيك)].
* قوله: (لبيك) كلمة في جواب النداء، وكأنه فيما أرى جواب نداء إبراهيم ﵇ نادى في الناس بالحج بأمر الله ﷿ فصار النداء من الله تعالى فأجابه كل وافد إلى بيت الله الحرام: بـ (لبيك اللهم لبيك).
[ ٢ / ١١٤ ]
-٣٢٥ -
الحديث السادس عشر (١٥٣/ ب):
[عن عبد الله، قال: والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه].
* فيه جواز تنبيه الرجل على ما عنده من العلم وأنه مع ذلك لا يستغني عن الاستفادة ممن هو أعلم منه إذا عرف مكانه، وقد تقدم ذكره.
-٣٢٦ -
الحديث السابع عشر:
[عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال: (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت. ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: وأي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا].
[ ٢ / ١١٥ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن الشهداء أعطوا ما لم يبق للأماني متطلع، وأنهم كرر عليهم السؤال مع العلم بأنه لم يبق في ذلك مطلب، ليعلم الراغبون في الجهاد فضله، وأنهم لم يتركوا من أن يسألوا قالوا بحالهم: ماذا نسأل وقد انتهت الأماني بنا وفرغت المسائل منا وتجاوز العطاء لنا مبالغ حد عقولنا. فلما كرر عليهم قالوا: إن كان كذا فما بقي فيما هو لنا ما يقبل زيادة بحال، ولكنه قد بقي ما هو لك يا رب وهو أن تردنا إلى الدنيا فنقتل فيك، فلما كان هذا السؤال ليس مما هو لهم ولا راجع إليهم تركوا؛ فدل هذا الحديث أن الشهداء بلغوا من فضل الله إلى ما لم يتبق فيه أمنية بحال. وقوله: نسرح من الجنة حيث شئنا يدل على أنهم لا يخصصون من الجنة موضعًا مفردًا بل يسرحون فيها حيث شاءوا.
-٣٢٧ -
الحديث الثامن عشر (١٥٤/ أ):
[عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما تعدون الرقوب فيكم؟) قال: قلنا: الذي لا يولد له. قال: (ليس ذاك بالرقوب، ولكنه الرجل الذي لم
[ ٢ / ١١٦ ]
يقدم من ولده شيئًا). قال: (فما تعدون الصرعة فيكم؟) قال: قلنا الذي لا يصرعه الرجال، قال: (ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب)].
* في هذا الحديث من الفقه أن النبي - ﷺ - بين أن الرقوب هو الذي لم يقدم فرطًا من ولده بين يديه، وهذا يدل على أن فضل الولد الفرط غير فضل المخلف من الأولاد، وأن في الفرط فضلًا وذلك أنه قد جاء في الحديث: لم يبلغوا الحنث وسيأتي ذلك في مسند أبي هريرة إن شاء الله تعالى.
* وأما ذكر الصرعة فتنبيه على معالجة النفس وقهرها؛ فإن ذلك أشق وأشد من معالجة المصارعة للناس، لأن النفس عدو خفي والذي يصارع خصم ظاهر، ومعالجة العدو الخفي أشق من معالجة الخصم الظاهر.
* وفيه أنك إذا غلبت نفسك فقد تبعها بدنك، وإن غلبتك نفسك فقد تغلب عليها بدنك، لأن النفوس تستخدم الأبدان وتصرفها فيما تريد، وسنزيد ذلك شرحا في مسند أبي هريرة لأن هذا الحديث يتكرر هناك إن شاء الله تعالى.
-٣٢٩ -
الحديث العشرون:
[عن عبد الله، قال: حبس المشركون رسول الله - ﷺ - عن صلاة العصر، حتى احمرت الشمس أو اصفرت فقال رسول الله - ﷺ -: (شغلونا عن الصلاة الوسطى
[ ٢ / ١١٧ ]
صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا، أو حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا).
* قد سبق تفسيره في مسند علي ﵇.
-٣٣٠ -
الحديث الحادي والعشرون (١٥٤/ ب):
[قال عبد الله، لما أسري برسول الله - ﷺ - انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال: (إذ يغشى السدرة ما يغشى). قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله - ﷺ - ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات].
* سدرة المنتهى: هي سدرة المنتهى في كل شيء.
* وقوله: (غشيها فراش من ذهب) فالذي أراه أن أنوارا تلألأت فيها لورود رسول الله - ﷺ - فبلغ ذلك إلى أن غشيها فراش، لأن الفراش من شأنه موافقة الأضواء، وهذا مما أخبر الله تعالى به من كثرة الأنوار تلك الليلة، وكونه فراشًا من ذهب
[ ٢ / ١١٨ ]
لكون الذهب مناسبًا لون الأنوار، فلو كان من فضة لأثر لمخالفته في لون الأنوار، وهذا مما يدل على شرف مقام النبي - ﷺ - وأن الفرق ما بين سدرة المنتهى وشجرة موسى ﵇ فرق ما بين المنزلتين.
* وقوله: (وأعطي الصلوات الخمس) وهذا مختصر وسيأتي في حديث المعراج مشروحًا وأنها كانت خمسين وإنما ردت إلى خمس وجعل لها ثواب الخمسين، وأما خواتيم سورة البقرة فإنها من عتيد النعم، لأنها ليس في القرآن ما اتصلت فيه الأدعية أكثر منها لأنه قال سبحانه فيها: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ إلى آخر الآية، فجمعت الاستعاذة من النسيان والخطأ وحمل الإصر وإن كان حمله من كان قبلنا، والاستعاذة من تحمل ما لا طاقة لنا به ثم طلب العفو وإرداف ذلك بطلب المغفرة، ثم بسؤال الرحمة ثم ختم ذلك كله بسؤال النصر على القوم (١٥٥/ أ) الكافرين، وكأن الله تعالى بإنزال هذا علمهم أن ادعوني بكذا وكذا، أفيظن ظان أن الله تعالى لقننا هذا الدعاء لندعوه به إلا وهو سبحانه يجيب حتمًا، إن الله على ما يشاء قدير.
* وقوله في الحديث: (غفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات) يعني المقحمات في النار، وإذا غفر تلك غفر ما دونها، والحمد لله رب العالمين.
-٣٣١ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)].
[ ٢ / ١١٩ ]
* الذي أراه في هذا من الفقه أن سبعين ألفًا في سبعين ألفًا، أربعة آلاف ألف ألف وتسع مائة ألف ألف يجرونها إليهم من ثقلها وتغيظها فهؤلاء الملائكة يكفون أذاها أن يصيب بريئًا أو يؤذي من ليس من أهلا.
-٣٣٢ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن عبد الله، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ -، فمررنا بصبيان فيهم ابن صياد، ففر الصبيان وجلس ابن صياد، فكأن رسول الله - ﷺ - كره ذلك فقال له النبي - ﷺ -: (تربت يداك، أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا بل تشهد أني رسول الله؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁: ذرني يا رسول الله! حتى أقتله، فقال رسول الله - ﷺ - إن يكن الذي ترى، فلن تستطيع قتله).
وفي رواية أبي معاوية: فقال رسول الله - ﷺ - (قد خبأت لك خبا فقال: دخ. فقال له رسول الله - ﷺ - (اخسأ (١٥٥/ ب) فلن تعدو قدرك.
والذي أراه في هذا الحديث أن الذي قدره الله من ذلك كان إحدى دلائل نبوة محمد - ﷺ -، وذلك أن رسول الله - ﷺ - أظهر لأصحابه أنه يضمر سورة الدخان فلما نطق بذلك سمعه شيطان ابن صياد مسترقًا لقوله فلم يبد إلى ابن صياد من ذلك سوى الدخ، وإنما كان مقصود رسول الله - ﷺ - بذكره لأصحابه سورة الدخان، من أجل أن آية الدخان من الآيات المعجلة في الدنيا، كما سبق ذكره في هذا المسند، فأراد أن يعلمهم أن هذا ابن صياد مبطل لأنه لو كان
[ ٢ / ١٢٠ ]
صادقًا كما يزعم لأعلمه الله بما يريد أن يحدثه في أرضه، لا سيما وقد ذكر له الشيطان نصف اسم الكلمة فقال: (الدخ) ولم يقل الدخان، عرف أصحابه بطلان قوله، فقال له النبي - ﷺ - (اخسأ فلن تعدو قدرك).
* وقد روي أن ابن صياد أسلم وحج وكان له ابن واسمه عمارة وأنه روى عنه مالك بن أنس.
* وقيل: أن ابن صياد فقد يوم الحرة.
* وقيل: إنه مات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا الثوب عن وجهه حتى رآه الناس، وقيل لهم (اشهدوا).
-٣٣٣ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي ولكن الله اعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أعلمنا أن كل شخص وإن بلغ من العبادة والعلم ما بلغ لا ينفك عنه شيطان يوكل به يغويه ويسول له، ويشككه في الدين، وأنه أيضًا معان بملك يسدده ويرشده، وسألني بعض الناس مرة أخرى الكلام، قلت له: هل ترى الملكين اللذين معك؟ فقال: لا، وكان جالسًا عندي في الدار (١٥٦/ أ) فقلت اخرج إلى الشمس وانظر هل ترى ظلك أم لا، وإنما عنيت بذلك أنه لم ير الملكين من حيث تكاثف الظلمة على
[ ٢ / ١٢١ ]
البصيرة، فلو قد طلعت عليه شمس من نور الإيمان لأضاءت له البصيرة، فأبصر ما لم يره من قبل.
* وقد دل هذا الحديث على أن لرسول الله - ﷺ - شيطانًا. وقوله: (فأسلم) يجوز أن يكون مرويًا بالنصب على معنى أسلم الشيطان، ويجوز أن يكون بضمها والمعنى أسلم أنا منه.
-٣٣٤ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن عبد الله، قال: قالت أم حبيبة- زوج النبي - ﷺ - اللهم أمتعني بزوجي رسول الله - ﷺ -، وبأبي، أبي سفيان، وبأخي معاوية، فقال النبي - ﷺ -: (قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله، ولو كنت سألت الله ان يعيذك من عذاب في القبر أو عذاب في النار لكان خيرًا وأفضل).
قال: وذكرت عنده القردة- قال مسعر: وأراه قال- والخنازير مما مسخ فقال: (إن الله تعالى لم يجعل لمسخ نسلًا ولا عقبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك).
وفي رواية: فقال رجل يا رسول الله! القردة والخنازير، هي مما مسخ؟ فقال النبي - ﷺ -: (إن الله تعالى لم يهلك أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان إذا دعا الله ﷿ فينبغي أن يتخير المسألة ويغتنم وقت الطلب من الله ﷿ فيصرف السؤال فيه إلى أهم الأمور
[ ٢ / ١٢٢ ]
عنده، وما سألته أم حبيبة من إمتاعها برسول الله وبأبيها وأخيها فإنها سألت في أمر قد سبق الأمر بأنه لا بد من انقضائه، وسؤال الله ﷿ الإعاذة من عذاب الآخرة ينصرف إلى حسن الخاتمة والموت على الإسلام، وإن كان لن يدخل النار إلا من قد سبق له في علم الله تعالى أن يدخل النار، ولكن قد أمر (١٥٦/ ب) بالتعوذ من العذاب على يقين من انقضاء عذاب الآخرة كما نحن على يقين من انقضاء المتعة في الدنيا وأما ذكر القردة والخنازير ففيه دليل على أن الإشارة من رسول الله - ﷺ - إلى كل سامع لحديث يروى أو أثر ينقل أن يعتبره ويجتهد في طريق صحته، ومنه هذا الذي يذكر أن القردة مما مسخ حتى بين رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث ما أزال به كل إشكال.
وقد قال ابن قتيبة: أنا أظن أن هذه القردة والخنازير هي الممسوخ بأعيانها توالدت، ثم قال: (إلا أن يصح حديث أم حبيبة، وقد صح حديث أم حبيبة فلا يلتفت إلى ظن ابن قتيبة).
-٣٣٥ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة في بيوتهم].
[ ٢ / ١٢٣ ]
* في هذا الحديث تأكيد أمر الجمعة وأنه لم يرض أن يستنيب في ذلك حتى يلابسه بنفسه، وأنه كان - ﷺ - يرى أن تفوته هو صلاة الجمعة فيحرق بيوت من لم يشهدوها فيكون فوت جمعة واحدة حافظًا لجمع كثيرة إلا ان رسول الله - ﷺ - لم يفعل ذلك وجعل ما نطق به مما هم بفعله نائبًا منابه، حتى إن تركها أهل بلد ففعل به الإمام ما هم رسول الله - ﷺ - أن يفعله جاز له ذلك.
-٣٣٦ -
الحديث السابع والعشرون:
[قال عبد الله لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة. وقال: إن رسول الله - ﷺ - علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه].
* هذا الحديث يدل على زيادة توكيد الجماعة وأنها واجبة على الأعيان.
* وقوله: (كان المريض ليمشي بين رجلين) إنما يحمل على مريض لا يزيد مشيته إلى الجماعة في مرضه (١٥٧/ أ) وإلا فمتى زاد مشيته إلى الجماعة في مرضه كره له ذلك، وصلاته في بيته مجزئة، فإن احتمل ذلك ومشى إلى المسجد كره له ذلك، وأجزأه حضوره، وإذا صلى الإنسان في بيته جماعة فقد حصلت له الجماعة، وكذلك إذا صلى بزوجته.
[ ٢ / ١٢٤ ]
-٣٣٧ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن عبد الله قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف].
* فيه من الفقه الحض على حضور الجماعة في المساجد وأنها دالة على من يحافظ عليها في المساجد أنه بريء من النفاق، وإنها لكذلك.
* إن الإنسان يجمع في حضوره المسجد بين السعي إلى ذكر الله تعالى، وبين التعرض للقاء الإخوان، وبين التعلم ممن هو أعلم منه، والتعليم لمن هو دونه في التعلم، وبين عمارة المسجد بالجلوس فيه، وبين تكثير سواد المصلين، علمًا أن ثوابهم يكثر بحسب كثرة عددهم إلى غير ذلك، وقد ذهب شرح قوله: (يهادى بين رجلين).
[ ٢ / ١٢٥ ]
-٣٣٨ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا.
زاد في بعض الروايات: (ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله).
وفي رواية: (ولو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله].
* في هذا ما يدل على أن الخلة أرفع المقامات، وقد ذكر (١٥٧/ ب) بعض الحكماء أنها المقام الأعلى للمحبين لله سبحانه، واستدل في أنه يعود الأمر في إرادة الله تعالى وإرادة عبده واحدًا كما قال الله ﷿ ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ وأشار إلى هذا المعنى أبو طالب المكي في كتابه، واستشهد عليه بقول الشاعر:
ما الخل إلا من أود بقلبه.
* وقوله: (لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا) يدل على شرف أبي بكر ﵁، وأنه لم يمنع من أن يتخذه خليلًا إلا أن الله تعالى اتخذ محمدًا - ﷺ - خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، فإن الخلة أكثر من الأخوة لقوله - ﷺ - (ولكنه أخي)، وسنوسع القول في هذا إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ١٢٦ ]
الحديث الثلاثون:
-٣٣٩ -
[عن عبد الله قال: إن محمدًا - ﷺ - قال: (ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة، القالة بين الناس).
زاد البرقاني في رواية (وإن شر الروايا روايا الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعد الرجل صبيه ثم لا ينجزه».
* في هذا الحديث من الفقه أنه إذا كان النمام قد أخبر بالسوء دون الحسن، وغلظ ما حكاه من القبيح، فهو شر ممن يحكي ما جرى على صورته. وأن هذا العضه ينتشر فيصير قالة بين الناس، ويكون حوبها على العاضه في كل ما ينتشر من طريقه إذا كان عضها بالباطل لا بالحق.
* وقوله: (أن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل) يتضمن أنه لا يحل أن يكذب الإنسان هازلا، فإن مزح فلا يقل إلا الحق، وعلى هذا فإنه يستحب أن لا يعد الرجل طفله بشيء إلا ويفي به له، لتعتاد نفسه الوفاء بما ينطق به لسانه حتى لصبيه وهكذا، فلا مجرى فيما يتمسح به الناس، فقد روي أن أخت الربيع بن خيثم رأت صبيًا للربيع فنادته: يا ابني، فقال لها الربيع أرضعتيه؟ فقالت: لا، فقال لها: (فقولي يا ابن أخي).
* وأما قول النبي - ﷺ - لأنس: يا بني؛ فلأن رسول الله - ﷺ - قال: (إنما أنا لكم كالوالد) فهو أبو الأمة (١٥٨/ أ) وأزواجه أمهاتهم.
[ ٢ / ١٢٧ ]
-٣٤٠ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن عبد الله ان النبي - ﷺ - كان يقول: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى».
* في هذا الحديث ما يدل على أن المهدي هادي الهدى، وقد سأل من الله ﷿ (الهدى).
* فيه أيضًا جواز أن يكون سأل الهدى لأمته إلى يوم القيامة، فإن الهدى مما قال الله ﷿ فيه: ﴿إن علينا للهدى﴾].
* وقد سأل - ﷺ - مع الهدى (التقى) وهذه التاء في التقى مبدلة من الواو، والتقوى نطق قد تكرر في القرآن، وأصل التقوى تقوى الشرك ثم ترتفع في الدرجات فهي كلمة شاملة إلا أنها راجعة إلى الحذر.
* ثم سأل - ﷺ - (العفاف)، والعفاف قد يكون منه العفاف عن الرذائل على كثرتها، ومنه العفاف عن أموال الناس، ومنه العفاف عن سؤال الأجر على تبليغ الحق، ومنه العفاف الذي يؤدي إلى العون عما لا يحل من النظر فما فوقه، ومنه العفاف عما جاوز الكفاية بالمعروف في كل معنى.
* ثم سأل - ﷺ - (الغنى) وقد جاء عنه أنه - ﷺ - قال: (الغنى غنى النفس) وكذلك هو. وهو الذي سأله رسول الله - ﷺ - لأن الغنى مطلق ينصرف إليه، إذ غنى الأعراض قد يكون فقرًا من وجوه كثيرة؛ منها الاشتغال بها، والخدمة لها، والحاجة إلى دوامها وغير ذلك.
[ ٢ / ١٢٨ ]
-٣٤١ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)].
هذا قد أشير إلى شرحه فيما مضى وسيأتي في تفسير قوله: (لا تقوم الساعة وعلى وجه الأرض أحد يقول الله الله).
-٣٤٢ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن عبد الله قال: (بحسب المرء من الكذب، أن يحدث بكل ما سمع)].
* في هذا (١٥٨/ ب) الحديث من الفقه أن يعرف الرجل أن أكثر ما يسمعه لا يأمن أن يكون كذبًا، فلا ينبغي أن يحدث به حتى يسبره، ويستصحه، فإذا ثبت عنده حدث به حينئذ، لأن ابن مسعود لم يقل: (بحسب المؤمن من الكذب أن يحدث بكل ما صح عنده) ولم يقل (ما ثبت عنده) وإنما قال: (بكب ما سمع) وأراد (قبل أن يستصح ويسبر ليعلم الحق).
[ ٢ / ١٢٩ ]
-٣٤٣ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن يسير بن جابر (وقيل: أسير) قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجيرى إلا: يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متكئًا فقال: إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده، هكذا (ونحاها نحو الشام) فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام قلت: الروم تعني؟ قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال ردة شديدة. فيشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة. فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب. وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل فيفيء هؤلاء وهؤلاء كل غير غالب. وتفنى الشرطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا. فيفيء هؤلاء وهؤلاء. كل غير غالب. وتفنى الشرطة فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام فيجعل الله الدبرة عليهم فيقتلون مقتلة. إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتًا. فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلا الرجل الواحد. فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس، هو أكبر (١٥٩/ أ) من ذلك. فجاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون. فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول الله - ﷺ -: (إني لأعرف
[ ٢ / ١٣٠ ]
أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم. هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ)].
* هذا الحديث ق دل على أن المذكور فيه من أشراط الساعة، وذلك لا محالة لصحة الطريق إلى ثبوته، وأنه نقلب أولئك المجاهدون عن جهادهم ذلك إلى حرب الدجال.
* وفيه أيضًا أن المسلم إذا رأى الريح المنكرة خاف أن تقوم السعة، ألم تر أن ابن مسعود لم ينكر على ذلك قوله، غير أنه يبين له ما يكون من أشراطها، فلو هبت تلك الريح بعد ما ذكر من أشراطها لجاز أن يكون ذلك لقيام الساعة.
-٣٤٤ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ إلا أربع سنين].
* فيه ما يدل على أن القرآن العزيز وبخ قومًا على بطء خشوع قلوبهم بعد نزول القرآن وأنه ﷾ ذكر لنا قومًا (فطال عليهم الأمد فقست
[ ٢ / ١٣١ ]
قلوبهم. ويجوز أن يكون ها هنا الأمد بمعنى الأمل، ويجوز أن يكون بمعنى القيامة، والمعنى أنهم استبعدوا كونها فقست قلوبهم، والله ﷾ يجعلنا ممن خضع قلبه لذكر الله، ولا يجعلنا ممن طال عليهم الأمد فقسا قلبه وكثير منهم فاسقون.
[ ٢ / ١٣٢ ]