المخرج له في الصحيحين: ستة عشر حديثًا.
المتفق عليه منها: ثلاثة.
انفراد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة.
- ١٠٠ -
الحديث الأول: (من المتفق عليه)
[عن زيد بن خالد الجهني: أنه سأل عثمان بن عفان فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن؟ فقال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. قال عثمان: سمعته من رسول الله ﷺ.
[ ١ / ٢٢٦ ]
زاد في رواية البخاري قال: فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، فأمروه بذلك].
* هذا الحديث منسوخ بالحديث الآخر عن عائشة: إذا التقى الختانان وجب الغسل، وتقول عائشة فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - واغتسلنا، والإجماع منعقد على أن هذا الحديث منسوخ بذلك.
- ١٠١ -
الحديث الثاني:
عن (٧٤/ أ) عطاء: أن عثمان دعاء بإناء، فأخرج على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية عروة: (أن عثمان قال لما توضأ: والله لأحدثنكم حديثًا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه؛ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا يتوضأ رجل
[ ١ / ٢٢٧ ]
فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها).
وفي رواية معاذ بن عبد الرحمن: أن عثمان توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: (من توضأ نحو هذا الوضوء، ثم أتى المسجد فركع ركعتين ثم جلس، غفر له ما تقدم من ذنبه).
وعند مسلم في هذه الرواية: أن عثمان قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه).
وفي رواية ابن المنكدر: أن عثمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من توضأ فأحسن الوضوء، خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره).
وفي رواية زيد بن أسلم: أن عثمان توضأ ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صالته ومشيته إلى المسجد نافلة).
(٧٤/ ب) وفي رواية بكير: أن عثمان توضأ يومًا وضوءًا حسنًا ثم
[ ١ / ٢٢٨ ]
قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: (من توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة إلا غفر له ما كان من ذنبه).
وفي رواية جامع بن شداد عن حمران؛ قال: كنت أضع لعثمان طهوره، فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه فيه نطفة- يعني ماء- قال: وقال عثمان: حدثنا رسول الله - ﷺ - عند انصرافنا من صلاتنا- أراه قال: العصر- فقال: (ما أدري، أحدثكم أو أسكت؟ قال: فقلنا يا رسول الله، إن كان خيرًا فحدثناه، وإن كان غير لك فالله ورسوله أعلم، قال: ما من مسلم يتطهر فيتم الطهارة التي كتب الله عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس، إلا كانت كفارات لما بينها).
وفي أفراد مسلم عن مالك بن أبي عامر الأصبحي عن عثمان أنه قال: (ألا أريكم وضوء رسول الله - ﷺ -؟ فتوضأ ثلاثًا ثلاثًا).
زاد البرقاني في روايته عن عثمان قال: أليس هكذا رأيتم رسول الله - ﷺ - يتوضأ؟ فقالوا: نعم.
وفي أفراد مسلم عن عمرو بن سعيد بن العاص: أن عثمان دعا بطهور فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)].
[ ١ / ٢٢٩ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان أول ما يبدأ به من أفعال صلاته (الوضوء) فإذا حسنه وأسبغه وجوده كان كمن أحكم أساس عمله.
* وفيه من الفقه ترتيب الوضوء.
* وفيه دليل على أن ذلك الوضوء الذي يحسنه ويسبغه إذا أتبعه صلاة مقدارها ركعتان؛ أقل ما يكون من الصلاة، فحسنها (٧٤/ أ) وأخلص فيها، ولم يحدث فيها نفسه؛ فإنه يغفر له ما تقدم له من ذنبه، وذلك أنه يكون قد أحسن العمل أصلًا وفرعًا، وهذا معنى حديث عمر. وما أخبر في ذلك الحديث من فكر المصلي في الأذكار التي ينطق بها، ما بين تكبير لله سبحانه، وحمد وثناء وإفراد بعبادة، واستعانة وسؤال هداية لصراط مستقيم مع استاذة من حالة غضب وضلال؛ وتدبر تلاوة مرتلة يسمعها نفسه، وركوع وسجود، وقيام وقعود، وحفظ لأطرافه عن العبث وعقله عن الطموح، ولأعضائه عن الاضطراب وجملته عن الالتفات ولقلبه عن الوسوسة، فإذا تمت له هذه الصلاة في مدة ساعة هدم الله بها الذنوب المتقدمة في عمره ما كان، وذلك لأن هذه الصلاة خلصت فثقلت في الموازين ومحت كل ذنب بإزائها في كفة ميزان لأنها اشتملت على إنابة وفيئة وأوبة وإخلاص في إيمان، وانقطاع عن الخلق واستعانة بالخالق مع امتثال أمره على سنة رسول الله - ﷺ -، وتلاوة كلامه وتوجيه الوجه إليه والتذلل له، ووضع أشرف ما في الإنسان على الأرض بين يدي ربه.
* وفيه من الفقه أيضًا أن الإنسان إذا علم علمًا لم يحل له أن يكتمه.
* وفيه أيضًا أن الأحاديث المتعلقة بالرجاء فإنه ينبغي أن تذكر على وجهها، ولا يبخل العبد على عباد الله بما جاد به ربهم.
[ ١ / ٢٣٠ ]
* وفيه أيضًا من التذلل أن المصلي إذا صلى الصلاة فإن ما بين الصلاة إلى الصلاة الأخرى في حماية ما قد سبق له من الصلاة المتقدمة فكأنما صلاة تسلمه (٧٤/ ب) إلى صلاة، وتتناوله صلاة من صلاة، وكأنما يكون دهره بأسره قد حفظ إذا حفظ الصلوات الخمس.
* وفيه أيضًا أن من توضأ فجاء إلى المسجد فصادف وقتًا لا يمكنه الصلاة فيه- كما بعد العصر أو وقت طلوع الشمس- فجلس في المسجد على ذلك الوضوء أنه يلحقه الله تعالى بدرجة من صلى.
* وفيه أيضًا ما يدل على فضل الجماعة.
* وفيه أيضًا أن الوضوء يرفع الحدث عن الجسم ويرفع الوزر عن العبد، وأن الخطايا تخرج من الجسد حتى من تحت الأظفار، والذي أراه في ذلك أن تحت الأظفار قل ما يباشر به عمل، وإنما نصال الأجسام الظفر؛ فذكر ذلك للمبالغة في خروج الإثم من جسم لم يعمل به خطيئة.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الله تعالى يغفر بالوضوء خاصة ما تقدم من الذنوب كلها حتى يعود العبد مطلق الحال لا يكون ما يعمله من العبادات مقابلًا لشيء من الخطايا بل يكون ما يصليه نافلة؛ على معنى أنه يكون فاضلًا له؛ وليس يريد بالنافلة (التي هي) غير الفرض.
* وفيه استحباب الاغتسال لقوله: (ما أتى على عثمان يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة).
* وفيه من الفقه أنه قال: (ما أدري أحدثكم أو أسكت؟)، والمعنى: لا أدري أبلغتم إلى مقام لا يفسدكم فيه قوة الرجاء أم لا؟
* وفي الحديث تنبيه على تجديد الوضوء لأنه قال: (يتوضأ ثم يصلي).
[ ١ / ٢٣١ ]
- ١٠٢ -
الحديث الثالث:
[عن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من بنى لله مسجدًا- قال الراوي: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله- بنى الله له مثله في الجنة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الباني للمسجد قد أثر أثرًا يعبد لله فيه؛ فكأنه قد شهد بفعله ذلك لربه ﷾ أنه لا إله إلا هو قائمًا بالقسط، وبأنه مستحق للعبادة، فلذلك بنى الله له بيتًا في الجنة.
من أفراد البخاري
- ١٠٣ -
الحديث الأول: (٧٥/ أ)
[عن أبي الزبير قال: قلت لعثمان: هذه الآية التي في البقرة: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا﴾ إلى قوله: ﴿غير إخراج﴾ قد نسختها الأخرى؛ فلم تكتبها؟ فقال: تدعها يا بن أخي، لا تغير شيئًا منه من مكانه].
* في هذا الحديث من الفقه معرفة أن ما في المصاحف من القرآن هو على ما انتهى
[ ١ / ٢٣٢ ]
إلينا لم يجر في شيء منه تبديل ولا تغيير؛ لأن الله ﷿ تولى حفظه كما وعد سبحانه.
* وفيه أيضًا أن السنة في كتابته وقراءته على ما انتهى إلينا من ترتيبه.
- ١٠٤ -
الحديث الثاني:
[عن أنس بن مالك في جمع القرآن: أن حذيفة قدم على عثمان. وقد تقدم في مسند أبي بكر متصلًا لحديث زيد بن ثابت].
* وقد سبق تفسيره.
- ١٠٥ -
الحديث الثالث:
[عن السائب بن يزيد: (أنه سمع عثمان بن عفان على منبر النبي ﷺ)؛ لم يزد].
* يدل على أن اتخاذ المنبر سنة؛ لأن النبي - ﷺ - صنعه ورقى عليه، ولا يتعدى في معناه الكراسي التي يجلس عليها من يذكر الناس ليمتد صوته ويبلغ كلامه، وكذلك المحدث إذا عظمت حلقته وخاف أن لا يصل صوته.
[ ١ / ٢٣٣ ]
- ١٠٦ -
الحديث الرابع:
[عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود قالا له: (ما يمنعك أن تكلم أمير المؤمنين عثمان في شأن أخيه الوليد بن عقبة؟ فقد أكثر الناس فيه، فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة، فقلت: إن لي حاجة إليك، وهي نصيحة، فقال: يأيها المرء، أعوذ بالله منك، فانصرفت، إذ جاء رسول عثمان فأتيته (٧٥/ ب) فقال: ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ورسوله، فهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ، ورأيت هدية، وقد أكثر الناس في شأن الوليد. قال: أدركت رسول الله - ﷺ -؟ قال: فقلت: لا، ولكن خلص إلي من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها، قال: فقال: أما بعد، فإن الله تعالى بعث محمدًا - ﷺ -، فكنت ممن استجاب لله ورسوله، وآمنت بما بعث به، ثم هاجرت الهجرتين كما قلت، وصحبت رسول الله - ﷺ -.
وفي رواية: ونلت صهر رسول الله - ﷺ -، وبايعته، فوالله، ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله ﷿، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الذي لهم؟ قلت: بلى. قال: فما هذه الأحاديث التي بلغتني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد، فسآخذ فيه بالحق إن شاء الله، ثم دعا عليًا، فأمره أن يجلده، فجلده ثمانين.
وفي أفراد مسلم في مسند علي: أن الوليد لما جلد أربعين. قال علي:
[ ١ / ٢٣٤ ]
أمسك، جلد النبي أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي)].
* في هذا الحديث من الفقه استحباب التأدب في نصح الإمام.
* وفيه أيضًا من الفقه أن شارب الخمر إذا أعلن بذلك وثبت عليه تعين استيفاء الحد منه.
* وفيه أيضًا جواز الأربعين في الحد والثمانين، وأن كل ذلك سنة.
* وفيه ما يدل على تقوى عثمان؛ إذ جلد ابن عمه الوليد، واستوفى حد الله منه.
- ١٠٧ -
الحديث الخامس:
[عن عبد الله بن عدي أنه دخل على عثمان بن عفان وهو محصور فقال له: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، ويصلي (٧٦/ أ) لنا إمام فتنة، وأنا أتحرج من الصلاة معه، فقال له عثمان: (إن الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أسأوا فاجتنب إساءتهم)].
* في هذا الحديث من الفقه جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، إذا كانت صلاة جمعة أو عيد أو نحو ذلك.
* وفيه أنه لا نبغي أن ينهى أحد عن الصلاة.
[ ١ / ٢٣٥ ]
- ١٠٨ -
الحديث السادس:
[عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان أن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)].
* في هذا الحديث من الفقه بيان شرف القرآن وفضل تعلمه وتعليمه، لأن الإنسان ينال بتلقنه درجة المتعلمين وبتلقينه درجة العالمين؛ إلا أني أرى أن الأولى للفطن اليقظ أنه لو تعلم منه آية واحدة علمها في وقته، ولا يصبر حتى إذا تعلم القرآن كله علم حينئذ، بل ليتلقن ما استطاع حفظه ثم ليلقنه لغيره إن قدر من يومه فيكون انتشار ذلك عنه- ما بلغ- نورًا يسعى بين يديه، وليكون إلى أن يختم الكتاب العزيز قد ختم غيره.
- ١٠٩ -
الحديث السابع:
[عن عثمان حين حوصر، أشرف عليهم، فقال: أنشدكم بالله،- ولا أنشد إلا أصحاب النبي ﷺ- ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزتهم؟ ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله ليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة؛ فحفرتها؟ قال: فصدقوه بما قال].
[ ١ / ٢٣٦ ]
* في هذا الحديث ما يدل على فضل عثمان ﵁ بتجهيز جيش العسرة، وحفر بئر رومة، وتصديق المسلمين له على ذلك وعلى ما وعده رسول الله - ﷺ - في ثواب فعله ذلك.
* وفيه أيضًا جواز أن يستدفع الرجل شر الجاهلين عنه بذكر أعماله التي يوضح بها (٧٦/ ب) مقامه من الدين إذا كان يدفع به الأذى عنه.
- ١١٠ -
الحديث الثامن:
[عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد سنة الرعاف حتى حبسه عن الحج، وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش فقال: استخلف يا أمير المؤمنين. قال: أو قالوه؟ قال: نعم. قال: ومن؟ فسكت، قال: ثم دخل عليه رجل آخر، فقال: استخلف يا أمير المؤمنين. فقال عثمان: أوقالوه؟ قال: نعم. قال: ومن هو؟ قال: فسكت. قال: فلعلهم قالوا الزبير؛ قال: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده، إنه لخيرهم ما علمت، وإن لأحبهم إلى رسول الله ﷺ].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الرعاف إذا اشتد من الأشياء الخطرة التي يستحب معها الوصية، وهذا ينبني عليه من الفقه أن لا تنفذ الوصية فيما عدا الثلث إذا مات من ذلك المرض.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الزبير ﵁ كان من الشرف والمقام في الإسلام بحيث تسبق الظنون إلى أنه هو المستخلف بعد عثمان.
[ ١ / ٢٣٧ ]
* وفيه أيضًا تحرز عثمان في قوله: ما علمت؛ أي الذي بلغه علمي.
* وفيه أيضًا أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كالنجوم فكلهم يهتدى به.
من أفراد مسلم
- ١١١ -
الحديث الأول:
[عن عثمان أن رسول الله ﷺ قال: لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب].
* في هذا الحديث من الفقه تحريم النكاح على المحرم، والإنكاح، وأن يكون خاطبًا للنكاح، وسر ذلك أن المحرم قد تلبس بعبادة تستغرق وقته فلا يشتغل بعبادة أخرى تنافي حالة تلك العبادة، كما أنه لو دخل في الصلاة لم يجز له أن يلابس الصدقة بنفسه، ولو دخل في صيام الفرض أو النذر لم يجز له أن يؤاكل الضيف لأنها ليست من جنس العبادة التي شرع فيها بخلاف ما لو كانت العبادة (٧٧/ أ) ن جنس عبادته كذكر الله، وقراءة القرآن فإنه لا يكون ممنوعًا من ذلك وإلا فالنكاح عبادة، والخطبة له عبادة، لكن لكل عبادة موطن، ولكل مقام حال.
- ١١٢ -
الحديث الثاني:
[أن عمر بن عبيد الله بن معمر اشتكى عينه وهو محرم، فأراد أن يكحلها، فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يضمدهما بالصبر، وحدثه عن عثمان عن النبي ﷺ: أنه كان يفعله].
[ ١ / ٢٣٨ ]
* في هذا الحديث دليل على كراهية الكحل للمحرم.
* وفيه دليل على أن الصبر يقوم في ذلك مقام الكحل، وذلك أن الصبر فيه من القبض والجلاء- على تنافيهما- ما يزعم الأطباء أنه من الأشياء المنفردة بذلك، وهو موصوف في الأكحال، واكتحلت به أنا مرارًا فيما أظن.
* وفي الحديث ما يدل على إباحة التداوي، وأن التضميد في موضعه باب من أبواب التداوي.
- ١١٣ -
الحديث الثالث:
[عن عثمان قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين)].
* فيه من الفقه تحريم الربا، والفقهاء يرون في هذه المسألة أن الربا حقيقة في وضع اللغة أنه الفضل، ولا أراه كذلك من كل وجه، وإن كان الربا في الصورة كما ذكروا إلا أن نطق القرآن ورد بذكر الربا، ولم يرد بذكر تحريم الفضل، وإنما ينصرف منطق الربا إلى كل شيء يربو، وإن لم يترك عليه غيره؛ كالطعام إذا ربا فإنه يزيد في العين من حيث انتفاخه. وقد قال تعالى: ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ ولم يزد فيها شيء من الخارج، وإنما كان فيها الربا من نفسها، وكذلك إذا أكل الطعام ربا فإنه لا يزيد فيه شيء من غيره، فصار المعنى أن الربا وإن رأيتموه في صورة التزايد فهو من حيث الإيمان (٧٧/ ب) محق؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يمحق الله الربا﴾ فأما الصدقات فإنها من حيث مشاهدة
[ ١ / ٢٣٩ ]
الآدميين لها أنها تنقص، وهي من حيث الإيمان تربو، لقوله تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ وقد تقدم من بيان السر في تحريم الربا في أول هذا الباب ما يكفي إن شاء الله تعالى.
- ١١٤ -
الحديث الرابع:
[عن سعيد بن العاص، أن عثمان وعائشة ﵄ حدثاه: (أن أبا بكر الصديق استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه، لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال: ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه، فجلس وقال لعائشة: اجمعي عليك ثيابك، قال: فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت.
قال: فقالت عائشة: يا رسول الله، ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر، كما فزعت لعثمان؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته)].
* فيه من الفقه جواز الاضطجاع على الفراش ولبس مرط المرأة من غير تنزه عنه.
* وفيه أيضًا من دلائل الزهد أنه لم يكن لرسول الله - ﷺ - مرط إلا مرط عائشة.
* وهو يدل على فضيلة أبي بكر وعمر وشدة أنسه - ﷺ - بهما.
[ ١ / ٢٤٠ ]
* وهو يدل على فضيلة عثمان من حيث احتفاله به، وتعليله ذلك بأنه إنما جلس لئلا يراه على حالة انبساط فيستحيي أن يذكر حاجته؛ من حيث إن المنبسط في أهله وبيته ليس متهيئًا لذكر الحوائج، فإذا ذكر له إنسان حاجته في تلك الحال فقد كدر عليه انبساطه، فأراد - ﷺ - أن يتأهب (٧٨/ أ) للجلوس له لئلا يظن به أنه قد كدر وقته بحضوره، ولا ينطلق في ذكر حاجته.
- ١١٥ -
الحديث الخامس:
[عن عثمان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على فضل الجماعة.
* فأما تفاوت ما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر فإن صلاة العشاء يدركها النوم، وصلاة الفجر تدرك النوم، فالاستعداد لها بالهبوب من النوم أشق لأن الله ﷿: ﴿إن ناشئة الليل هي أشد طئًا وأقوم قيلا﴾.
[ ١ / ٢٤١ ]
٤