أخرج له في الصحيحين خمسة أحاديث، المتفق عليه منها حديث واحد في التيمم، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد.
-٣٤٥ -
فأما حديث التيمم فقد قسموه حديثين متقاربين في المعنى، أحدهما:
[عن أبي موسى الأشعري عنه قال شقيق (١٥٩/ ب): كنت جالسًا مع عبد الله وأبي موسى الأشعري. فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلًا أجنب، فلم يجد الماء شهرًا، كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله: لا يتيمم، وإن لم يجد الماء شهرًا، فقال أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة المائدة: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد).
فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع قول عمار لعمر: بعثني رسول الله - ﷺ - في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي - ﷺ -، فذكرت ذلك له، فقال: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا)،
[ ٢ / ١٣٣ ]
ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين فظاهر كفيه ووجهه فقال عبد الله: أولم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟
وفي رواية (فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار، فكيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول؟).
وفي رواية: ان رسول الله - ﷺ - قال: (إنما يكفيك أن تقول هكذا وضرب بيديه إلى الأرض، فنفض يديه، فمسح وجهه وكفيه).
والحديث الثاني، في معناه، (أن رجلًا أتى عمر فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء؟ فقال: لا تصل، فقال عمار: ألا تذكر، يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فلم نجد ماءً، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك؟ فقال عمر: اتق الله يا عمار. فقال: إن شئت لم أحدث به فقال عمر: نوليك ما توليت)].
* هذان الحديثان أصل في التيمم ومبينان للآية، والآية قد صرحت بمسح الوجه واليدين في التيمم، وفي الحديث أنه يستحب نفخ ما عساه أن يعلق باليد من ذرة طفيفة يزيلها النفخ ويكفي فيها أدنى الغبار (١٦٠/ أ)، وما ذهب إليه ابن مسعود في هذا فليس عليه العمل.
* وقد أجمع كل من يحتج بقوله أن للجنب أن يتيمم في السفر؛ فيمسح وجهه
[ ٢ / ١٣٤ ]
وكفيه ويصلي ولا يعيد، وأما من خاف من برد الماء فجائز له أيضًا في السفر، ولا إعادة عليه وجائز ذلك في الحضر إلا أن في الإعادة خلافًا.
قال الشافعي في بعض أقواله: تجب عليه الإعادة في الحضر خاصة.
* فأما الحديث الثاني ففيه دليل على أن الثقة قد ينسى الحديث فلا يكون ذلك قادحًا في الحديث إذا ذكره ثقة غيره، فإن عمارًا لم يقل لعمر: (ألا تذكر) إلا لما تحقق أنه قد كان معه فيه، وأما قول عمر لعمار: (اتق الله) فإنه يدل على أنه قد كان ذلك من وهمه بالكلية، ولم يقدح ذلك في إخبار عمار ولهذا قال: (نوليك ما توليت)، أي أنك عندنا أهل أن يقبل خبرك فيما أخبرت به.
-٣٤٦ -
الحديث الأول من أفراد البخاري:
[عن أبي وائل قال: لما بعث علي ﵁ عمارًا والحسن بن علي إلى الكوفة ليستنفرهم، خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجة نبيكم - ﷺ - في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لينظر إياه تتبعون أو إياها].
* في هذا الحديث ما يدل على ان عمارًا ﵁ كان فيه من الإيمان ما لم تستخفه الخصومة والحرب إلى أن ينقص عائشة ﵂ شيئًا من فضلها بل شهد لها بأنها زوجة النبي - ﷺ - في الدنيا والآخرة.
* وفيه أيضًا ما يدل على ما تقدم من ذكرنا له من أن الحال كانت حالة اجتهاد وقد سبق القول في ذلك.
[ ٢ / ١٣٥ ]
-٣٤٧ -
الحديث الثاني:
[عن أبي وائل قال: دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار، حيث أتى الكوفة ليستنفر الناس فقالا: ما رأينا منك أمرًا منذ أسلمت أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر؟ فقال: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرًا أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر ثم كساهما حلة.
قال أبو مسعود في الأطراف: يعني أبا موسى (١٦٠/ ب) وأبا مسعود حلة حلة ثم راحوا إلى المسجد.
ولم يذكر البخاري يعني: أبا مسعود وأبا موسى في روايته عن عبد الله. قال أبو مسعود وكان موسرًا: يا غلام، هات حلتين، فأعط إحداهما أبا موسى، والأخرى عمارًا، وقال: روحا فيهما إلى الجمعة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن اجتهاد أبي موسى وأبي مسعود أداهما إلى البطء وان اجتهاد عمار أداه إلى الإسراع، وكراهية كل جانب من الجانبين حال الآخر؛ لأن الأمور مشتبهة المصادر فإذا أولت تبينت بأعقابها، والذي بان من أعقاب ذلك الأمر أن الإسراع في الشد من أزر إمام المسلمين وتقوية يده كان الصواب، وأن ما عداه في تلك المرة كان خطا مغفورًا لكونه عن اجتهاد.
* وفيه أيضًا دليل على جواز أن يكسو المسلم أخاه الحلة، وأن يشير إليه بالرواح فيها إلى الصلاة.
* وفيه جواز قبول المسلم من أخيه مثل ذلك ولا يرد فضله عليه.
[ ٢ / ١٣٦ ]
الحديث الثالث:
[عن عمار قال: رأيت النبي - ﷺ - وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر].
* في هذا الحديث ما يدل على قدم إسلام عمار.
* وفيه أيضًا أن الأمر إذا كان حقًا فبدأ ضعيفًا فإنه ينبغي للمؤمن أن لا ييأس من قوته وتكميله، كما أن الباطل لو بدأ قويًا ذا مرة لم ييأس المؤمن من اضمحلاله وتلاشيه.
-٣٤٩ -
حديث لمسلم عن عمار:
[عن أبي وائل قال: خطبنا عمار، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست! فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه)، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحرًا). وفي أفراد مسلم في مسند حذيفة كلام لعمار قال: (ما عهد إلينا رسول الله - ﷺ - شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة) (١٦١/ أ) [.
* في هذا الحديث ما يدل على فصاحة عمار ﵁ من حيث وصف أنه
[ ٢ / ١٣٧ ]
أبلغ وأوجز، ومن حيث أنه تعهد ذلك فلم يقع منه اتفاقًا لاحتجاجه لذلك بقول رسول الله - ﷺ - من أمره بتقصير الخطبة وتطويل الصلاة.
* والذي أراه في ذلك إن تطويل الصلاة ليدركها الغائب والبعيد عن الجامع، وأما قصر الخطبة فإنه يكون أدعى لحفظ ما يذكره فيها، ولئلا يقول كلامًا منشورًا لا يتيسر الاحتراز في حدوده، فإذا أقل منه كان قمينًا أن يسلم وينفع، وهذا فهو في الأكثر، فإن احتاج الخطي إلى أن يطيل لذكر حادثة جرت أو نائبة أو إبانة عن صورة لا بد من إبانتها لم يكره ذلك إن شاء الله تعالى.
* وقوله: (لو كنت تنفست) أي أطلت.
* وقوله: (مئنة من فقهه) فمعناها الأمارة والعلامة الدالة على فقهه.
* وقوله: (إن من البيان سحرًا) يعني أن البيان يفعل في عطف الألباب ما يفعل السحر، وهذا يدل على أن للسحر حقيقة حتى شبه ما له حقيقة به، إلا أنه في الحق والصواب من التأييد والنور والإلهام لمن وفق لما تبين له، وقل ما يوفق لذلك مبطل، فإن الله تعالى يقول: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول﴾ وقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ وقوله: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى﴾.
[ ٢ / ١٣٨ ]