أخرج له في الصحيحين أحذ وثمانون حديثًا. المتفق عليه منها ستة وعشرون حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين حديثًا، وانفرد مسلم بأحد وعشرين حديثًا.
- ١٩ -
الحديث الأول: (مما اتفقا عليه)
[أن عمر بينما هو يخطب الناس يوم الجمعة، إذ دخل رجل من أصحاب النبي ﷺ من المهاجرين الأولين:
وفي رواية: إذ دخل عثمان بن عفان، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟! قال: إني شغلت اليوم، فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت، فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل!
[ ١ / ١٠٠ ]
وفي رواية أنه قال: ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول: إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل؟]
* في هذا الحديث من الفقه جواز الكلام للإمام وهو يخطب.
* وفيه من الفقه جواز التأنيب للرجل الرفيع القدر، عند إخلاله بفعل الأفضل وتأخره عن الأولى، فإن عمر ﵁ لم يقل لغير عثمان أية ساعة هذه؟ يعني أنه ليس مقامك في الإسلام ومنزلتك من الإيمان بحيث يسبقك الكل إلى الفضيلة في التبكير إلى الجمعة حتى يفوتك البدنة والبقرة والشاة والدجاجة (٢٥/ أ) والبيضة، وينال ذلك غيرك ممن هو دونك، ولاسيما وأنت مقتدى بك، ومشار إلى علمك، فلم يكن يرى عمر إلا تقديم هذا التأنيب على فوت الفضيلة لمثل عثمان ﵁، وإن كان لا خلاف بين المسلمين في أن إتيان عثمان في ذلك الوقت مجز عنه.
ولما قال له معتذرا: (إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت) فقال عمر: (والوضوء أيضا) وهذا من عمر معناه: وإفراد التوضؤ أيضا أو الاقتصار على الوضوء؟ وكيف أخللت بالاغتسال وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل؟ وفي حديث أبي هريرة: ألم تسمعوا رسول الله - ﷺ - يقول: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)؟ وإنما قال عمر ما قاله في معنى الاغتسال لما ذكر عثمان ما استدل به أنه لم يغتسل للجمعة، ولو كان عثمان سكت ولم يذكر ذلك لم يقل عمر شيئا لأنه كان يحمل أمره على الأجمل ويظن به الأحسن.
* وفي هذا الحديث من الفقه تأكيد الغسل في يوم الجمعة، وذلك لأنه مجتمع
[ ١ / ١٠١ ]
الناس، وإذا اغتسل الإنسان أطاب ريح نفسه، فلم يشم أخوه المسلم منه ما يكرهه، ثم يوطئ شعر الثائر، ويشمل الغسل جميع البدن والمغابن.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن غسل الجمعة على كونه سنة مؤكدة، فإنه ليس بواجب، ولا تأثير له في بطلان الجمعة، ألا ترى أن عثمان حين اقتصر على الواجب أجزأه؟
- ٢ -
الحديث الثاني:
[عن ابن عمر لمسلم: (أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر العطاء.
وعن ابن عبد الله السعدي لهما أن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه (٢٥/ ب) من هو أفقر إليه مني، فقال رسول الله - ﷺ -: (خذه، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك).
وفي رواية: (خذه فتموله وتصدق به. وفي لفظ: أو تصدق به.
وفي رواية: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه.
وفي حديث يسر بن سعد: أن ابن السعدي قال: استعملني عمر على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه، أمر لي بعمالة فقلت: إنما عملت لله، وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ: فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى
[ ١ / ١٠٢ ]
الله عليه وسلم: (إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل، وتصدق)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لم يكن أصحاب رسول الله - ﷺ - متهافتين على الدنيا، ولا كانوا يريدون بأعمالهم فيها إلا وجه الله ﷿ ألا ترى إلى عمر ﵁ قال لرسول الله - ﷺ -: ادفعه إلى من هو أفقر مني؟
وأفقر في لغة العرب من باب أفعل، يعني أنه فقير؛ ولكن تقديم من هو أشد فقرا مني في ذلك علي أولى، وذلك يدل على أنه إنما رد عمر مع كونه فقيرا لا غنيا طلبا للإيثار بذلك لمن هو أشد منه حاجة.
* وفيه أيضا من الفقه قول النبي - ﷺ -: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف) أي متطلع، (ولا سائل) أي طالب (فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك) يعني - ﷺ - ما لا يكون بهذه الصفة وهو أن يأتي عن إشراف نفس منك فلا تتبعه نفسك.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن ذلك من طريق الأفضل والأشرف لأنه لم يقل له: (وما لا فلا تأخذه) (٢٦/ أ)، وإنما قال: (فلا تتبعه نفسك) أي لا تجعل نفسك تتحسر على فوته، وعلى أنه ليس في هذا النطق ما يدل على تحريمه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أنه قال له: (فتموله وتصدق به)، ولم يقل فتصدق به من غير ذكر تقديم قوله: (فتموله)، لأنه إذا تموله وصار له مالا وملكا دخل حينئذ في جملة من قال الله ﷿ فيهم: ﴿ينفقون أموالهم﴾ على ما يملكونه من حلالهم الطيب، إذ لو أنفق الإنسان من شيء في يده على سبيل الغصب لم يكن منفقا لماله بل منفقا مال غيره، ولو تصدق به من قبل أن يتموله
[ ١ / ١٠٣ ]
كان فيه كالوكيل لرسول الله - ﷺ - فكان لا يخطئ هو بكمال ثوابه، وينقص رسول الله - ﷺ - من عشرة أضعاف إلى ضعف واحد، وذلك أن المتصدق الأول يكتب له الدرهم بعشرة، فإذا تصدق الثاني انتقلت رتبة العشرة إلى الثاني، وانتقلت العشرة مضروبة في نفسها فصارت للمتصدق الأول، لأن الأصل منه وفرع العشرة انتقل إلى غيره، ولو تصدق بها الذي تصدق عليه عمر لكان لذلك الإنسان العشرة ولعمر مائة، ولرسول الله - ﷺ - ألف، وعلى ذلك ما زاد، وهذا من قوله ﷾: ﴿فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾، وكثيرة ههنا نكرة، والنكرة في هذا الموضع أعم من المعرفة.
* وفي هذا الحديث من الفقه قوله في الرواية الأخرى: (فتموله وتصدق به) وذلك دليل على أنه لم يعزم عليه في الصدقة به؛ لأنه ربما يكون في نفسه محتاجا إليه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن العبد المؤمن كما ينبغي أن لا يكون مشرفا، ولا متطلعا إلى شيء من الدنيا، كذلك ينبغي أن لا يكون مزاحما لله تعالى في تدبيره، ولا رادا على (٢٦/ ب) الله شيئا من عطائه، ولا مظهرا للتغاني عن الله ﷿ بمال ولا بحال، كما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان لا يسأل أحدا شيئا، وإذا أعطي شيئا أخذه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضا أن ابن السعدي لما استعمله عمر وأعطاه العمالة، فرد ذلك فأخبره عمر أنه رد كما رد، فقال له رسول الله - ﷺ - ما قال له؛ أن ذلك في العمالة على الصدقة؛ فيه زيادة توكيد لتبعد عنه التهمة، وليكون مستعينا به على نفسه كي لا يضجر في وقت ما إذا استمر لها العمل بغير أجرة، لأنه قد لا يستمر الصفاء للإنسان في الأحوال كلها، فالحازم يتخذ في أوقات الصفا عدة لمرافعة الكدر، ثم قول رسول الله - ﷺ -: (فكل وتصدق) دليل على إباحة
[ ١ / ١٠٤ ]
أن يأكل العامل من أجرة ما يعمل عليه في الصدقات، وأن يتصدق بعد ذلك إن فضل عنده لأنه قدم الأكل على الصدقة، فيكون إذا أكل أكل طيبا، وإذا تصدق تصدق طيبا من العفو أي الفضل.
- ٢١ -
الحديث الثالث:
[عن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم).
وفي رواية: قال عمر: (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عنها ذاكرا ولا آثرا)].
* فيه من الفقه كراهية الحلف بغير الله، وقول عمر ﵁: (ما حلفت بها ذاكرا) أي للنهي (ولا آثرا) أي ولا راويا ذلك عن أحد، وهو من قول الله ﷿: ﴿أو أثارة من علم﴾ أي رواية، ومآثر العرب أي مناقبها المأثورة عنها. والسر في ذلك أن الحالف إنما يحلف لغيره على قول يقوله له ليصدقه، أو ليعزم هو على نفسه باليمين ليثبت عليها، وذلك إنما يتم له المقصود فيه إذا حلف بأعز الأشياء عنده، فإذا حلف بغير الله فقد قال بلسان حاله: إن هذا الذي حلفت به أعز عندي من ربي ﷿، والمؤمن (٢٧/ أ) أعز الأشياء في قلبه ربه ﷿، فكيف يحلف بغيره لمن يريد أن يصدقه في يمينه؟!.
[ ١ / ١٠٥ ]
- ٢٢ -
الحديث الرابع:
[عن ابن عمر، قال: دخلت على حفصة ونوساتها تنطف فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل. قال: فحلفت أني أكلمه في ذلك. فسكت حتى غدوت ولم أكلمه، فكنت كأنما أحمل بيميني جبلا. حتى رجعت، فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس، وأنا أخبره. قال: ثم قلت له: إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك؛ زعموا: أنك غير مستخلف، وأنه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاءك وتركها؛ لرأيت أنه قد ضيع؛ فرعاية الناس أشد، قال: فوافقه قولي، فوضع رأسه ساعة ثم رفعه إلي فقال: إن الله تعالى يحفظ دينه، وإن لا أستخلف فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فوالله! ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر، فعلمت أنه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدا، وأنه غير مستخلف.
وفي رواية: أنه لما طعن عمر قيل له: لو استخلفت؟ قال: أتحمل أمركم حيا وميتا؟ إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني؛ أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله ﷺ؛ وددت أن حظي منها الكفاف؛ لا علي ولا لي. قال عبد الله: فعلمت أنه غير مستخلف، فقالوا: جزاك الله خيرا، فقال: راغب وراهب].
[ ١ / ١٠٦ ]
* فيه من الفقه أن عمر ﵁ رأي أن الخليفة بعده إذا كان باستخلاف منه، أنه يكون عليه إصره، وذلك إنما يكون إذا علم منه ما يكره، فاستخلفه على علم منه لذلك.
* وفيه أيضا أنهم لما أثنوا عليه بالخير أشار لهم أنه لا اعتبار بما يثنون به؛ فإنهم ما بين راغب وراهب؛ راغب يرغب فيما عندي، وراهب (٢٧/ ب) يرهب من سطوتي، وهذا إنما يقوله ﵁ على سبيل الاستقصاء في المناقشة، وإلا فإنه كان أهلا للثناء عليه، وكان الصحابة ﵃ أشرف مقاما من أن يثنوا على أحد رغبة أو رهبة؛ إنما هو ﵁ قال ذلك ليصدم به نفسه عن أن يركن إلى ما زكوها به، وهو كلام له مخرج حق من حيث إنه لم يكن يخلو واحد منهم من أن يرغب إليه أو يرهب منه؛ لكن لم تكن رغبتهم ولا رهبتم تمنعهم عن الحق.
* وفيه من الفقه أيضا أنه لما تصورت الصورة وقد كان فعل منها رسول الله - ﷺ - فعلا، وفعل منها أبو بكر ﵁ فعلا لم ير الأولى إلا ما فعل رسول الله - ﷺ - المؤيد بالعصمة، مع كونه أجاز الفعل الآخر.
* وفيه من الفقه أنه قد صرح عمر بأن أبا بكر ﵁ خير منه لقوله: (وإن أستخلف فقد استخلف من خير مني؛ أبو بكر ﵁).
- ٢٣ -
الحديث الخامس:
[عن عمر قال: قلت يا رسول الله، إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة.
[ ١ / ١٠٧ ]
وفي رواية: يوما في المسجد الحرام. قال: فأوف بنذرك].
* ذكر ابن جرير في هذا الحديث من الفقه أن على الرجل أن يفي في الإسلام بما كان نذر في الجاهلية.
قال الوزير يحيى بن محمد عفا الله عنه: والذي أراه أن النذر بالإسلام يتأكد؛ لأنه نذر لله ﷿ في الجاهلية وهو لا يعرفه؛ فلأن يفي له إذا عرفه وأمر به، أولى وآكد.
- ٢٤ -
الحديث السادس:
[عن عمر قال: قال النبي ﷺ: (الميت يعذب في قبره بما نيح عليه). وفي رواية (ما نيح عليه). وفي رواية: أن عائشة قالت: (لا والله ما قال رسول الله ﷺ قط: إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا، وإن الله لهو أضحك وأبكى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ لكن السمع يخطئ).
وفي رواية: أن حفصة بكت على عمر. وفي رواية: أن (٢٨/ أ) عمر قال نحو ذلك لما عولت حفصة وصهيب عليه.
وفي رواية: إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه].
[ ١ / ١٠٨ ]
* هذا الحديث قد رواه الثقات، وهو صريح في تعذيب الميت ببكاء الحي عليه، وقد عمل به عمر ﵁، ونهى حفصة عن البكاء لمقتضاه. وقد ذكرت عائشة فيما رواه ابن عباس من القول ما لا يدفع، إلا أن الجمع بين الحالين والتأليف بين الأمرين عندي- والله أعلم- أن عذاب الميت ببكاء الحي عليه إنما يكون فيما قد كان الميت أوصى به، وخرج فيه على ما كانت عادة العرب من أن يوصوا به، ويؤكدوا القول على مخلفيهم فيه كما قال طرفة:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
ولا تجعليني كآمرئ ليس همه كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي
وكما قال صخر:
والله لا أمنحها شرارها ولو هلكت مزقت خمارها
وهي حصان قد كفتني عارها واتخذت من شعرها صدارها
والعرب: قد تسمي النوح بكاء، ولفظ الحديث (بما نيح عليه)، فالنياحة من عمل الجاهلية، وقد يخاف على المسلم إذا أخل بالوصية لأهله أن يتجنبوا النياحة عليه- إن كان لا يركن من أهله ونسائه إلى متانة دين، وأهمل الوصية حتى
[ ١ / ١٠٩ ]
نيح عليه يخاف عليه- أن يلحقه من ذلك أذى من العذاب من حيث إهمال الوصية بالواجب، ولا أرى عمر ذكر هذا الحديث لابنته حفصة قبل موته إلا مخرجا له إخراج تأديب وتعليم.
فأما من وصي أهله بأن لا يتجاوزوا في أمره بعد موته ما شرع الله ﷿- قبلوا ذلك أم لم يقبلوا- فإنه لا حرج عليه بعد ذلك، وعلى أن البكاء على الميت من غير نوح، ولا خمش حد، ولا تخريق ثوب مباح، وقد بكى رسول الله - ﷺ - ابنه إبراهيم (٢٨/ ب) وقال: هذه رحمة، وقد بكى الصحابة على رسول الله - ﷺ -.
وحديث عائشة في أن الكافر يعذب ببكاء أهله، فإنها صادقة، وكذلك لو لم يبك أهله عليه لعذب أيضا.
وقولها: (إن السمع يخطئ)، فقد يخطئ السمع كما قالت. إلا أن الذي أراه في ذلك أن يجمع بين الحديثين ما ذكرته.
- ٢٥ -
الحديث السابع:
[أن عمر ﵁ قال على منبر النبي ﷺ: (أما بعد، أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر ما خامر العقل). ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ينتهي إليه: الجد؛ والكلالة؛ وأبواب من أبواب الربا].
[ ١ / ١١٠ ]
* هذا الحديث صريح في تحريم النبيذ المتخذ من التمر وسائر الأجناس التي عددها، ثم قوله ﵁: (والخمر ما خامر العقل) تعليق للحكم بالعلة، وينبغي أن يكون كل شيء فيه معنى الخمر من مخامرة العقل أن يسمى خمرا.
* ثم قوله على أثر هذا: ثلاث وددت أن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه ثم ذكر الجد والكلالة وأبوابا من الربا، ويعني أن هذه الأبواب لما لم يعهد إلينا فيها عهدًا تجاذبتها المسائل، وجرى فيها الخلاف، أما الخمر فإنها مما عهد رسول الله - ﷺ - فيه، وإنما من الأجناس التي عددها؛ فلا يقع فيها خلاف ولا يسوغ فيها تنازع، وهذا من مفهوم الخطاب الواضح؛ أي: إني وددت أن رسول الله - ﷺ - كان عهد إلينا في واحدة من هذه المسائل كما عهد إلينا في الخمر من هذا القول الصريح فلم يبق في شيء منهن خلاف.
- ٢٦ -
الحديث الثامن: (حديث السقيفة)
[عن ابن عباس من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين؛ منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزلة (٢٩/ أ) بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم؛ فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة، فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العيشة في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس
[ ١ / ١١١ ]
وغوغاءهم، فإنهم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر: أما والله- إن شاء الله- لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت بالرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المبنر، فجلست حذوه، تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلا، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي؛ وقال، ما عسى أن يقول ما لم يقله قبل؛ فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذن قام: فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:
أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قدر أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي: إن الله ﷿ بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله (٢٩/ ب) تعالى عليه آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال
[ ١ / ١١٢ ]
والنساء؛ إذا قامت البينة؛ أو كان الحبل أو الاعتراف، ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله ﷿: (أن لا ترغبوا عن آبائكم. فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم)، ألا وإن رسول الله ﷺ قال: (لا تطروني كما أطرى عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله)، ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغتر امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت؛ ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خبرنا حين توفي نبي الله ﷺ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار؛ فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم، لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم، لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا سعدة بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك، فلما جلسنا قليلا، تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة من قومكم،
[ ١ / ١١٣ ]
فإذا هم (٣٠/ أ) أن يختزلونا من أصلنا وأن يخضونا من الأمر، فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت مقالة أجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم، قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان أحلم مني وأوقر، ووالله ما ترك من كلمة أجبتني في تزويري، إلا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها، حتى سكت، فقال: ما ذكرت فيكم من خير، فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي- لا يقربني ذلك من إثم- أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر؛ اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن، فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقتل: ابسط يدك يا أبا بكر فبايعته، وباعيه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزولنا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما تابعناهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا.
[ ١ / ١١٤ ]
زاد في رواية البرقاني بالإسناد الذي أخرجه البخاري، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة (٣٠/ ب): أن الرجلين اللذين لقوهما: عويم بن ساعدة ومعن بن عدي، فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا أنه قيل لرسول الله ﷺ: من الذين قال الله لهم: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾؟ فقال النبي ﷺ: (نعم المرء منهم عويم بن ساعدة). ولم يبلغنا أنه ذكر منهم غير عويم بن ساعدة، وأما معن بن عدي فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله ﷺ حين توفاه الله تعالى، وقالوا: لوددنا أنا متنا قبله، نخشى أن نفتن بعده، فقال معن: لكني والله ما أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتا، كما صدقته حيا، فقتل باليمامة يوم مسيلمة الكذاب].
[ ١ / ١١٥ ]
* في هذا الحديث من الفقه إقراء الحدث للشيوخ؛ لقول ابن عباس: (كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف).
* وفيه دخول الرجل إلى دار صديقه؛ فإنه قال: فبينا أنا في منزلة، ولم يذكر فيه الإذن ولا ما يدل على الإذن، وقد قال ﷿: ﴿أو صديقكم﴾.
* وفيه أن عبد الرحمن لما عاد من عند عمر، وقد ظهر على سر من سره له تعلق بالعلم العام أظهر عليه عبد الله عباس لأنه كان من أهله.
* وفيه أن العلم يصان عن غير أهله، ولا يحدث منه الناس إلا بما يرجى ضبطهم له، ألا تراه قال له: (إن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم)، فوافق عمر عبد الرحمن في صونه نشر العلم عن غير أهله.
* وفيه جواز أن يرد على الإمام بعض أصحابه إذا لاح الأصوب والأولى.
* وفيه جواز رجوع الإمام إلى الصواب وترك ما كان من قوله هو لقول الناصح من مأموميه.
* وفيه أيضا أن علم الفقه والدقيق من الأحكام ينبغي أن يتوخى بنشره خواص الناس ووجوههم وأشرافهم، ممن تقدمت منه الدرجة، فيضع كل شيء منه على موضعه.
* وفيه أيضا من حرص ابن عباس ﵁ على طلب العلم وتحصيله (٣١/ أ) ما كان نصب عينه منذ كان بمكة إلى أن عاد إلى المدينة في قوله: (إنني رحت عند الزوال) ما يدل على أن ما بعد الزوال يسمى رواحا.
* وفيه أنه ينبغي للداخل إلى الجامع أولا أن يجلس في الصف الأول الأقرب إلى
[ ١ / ١١٦ ]
المنبر، وإن كان قد اعتاد الجلوس في موضع غيره، ألا تراه حيث قال: (حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المبنر)؟
* وفيه أيضا أن الجلوس في المسجد إنما يكون على هيئة الصفوف، ألا تراه قال: (فجلست حذوه)؟
* وفيه أيضا أن الجالس في المسجد لا ينبغي له أن يتباعد عن أخيه المسلم، فيأخذ من عرصة الجامع أكثر من حقه، ألا تراه قال: (تمس ركبتي ركبته)؟؛ وذلك لأن الجامع مشترك بين المسلمين؛ فإذا أخذ الإنسان منه أكثر مما يكفيه فقد أضر بالمصلين، وعلى هذا فإني لا أرى للمصلي أن يبسط تحته الغطاء الواسع، الذي يفضل عما يحتاج إليه، فإنه إن منع الناس من أن يبسطوا عليه أو بسطه هو على أوطئه الناس لم يكن له ذلك، بل ليكن وطاؤه بحسب ما يكفيه.
* وفيه أيضا جواز التهيئة في الأسماع لقبول القول المهم؛ لأن ابن عباس ﵁ لم يقل لسعيد: (ليقولن اليوم أمير المؤمنين مقالة لم يقلها) إلا إيثارا منه لأن يوقظ قلبه لأن فيه معنى زيادة الإيقاظ لقلبه.
* وفيه أيضا جواز إنكار المستغرب من القول تنزيها للصادق عن الغرائب والنوادر التي لا يقوم عليها شاهد كما قال: (فأنكر علي سعيد وقال: ماذا عساه أن يقول ما لم يقله)؟، وقوله: (فلم أنشب أن طلع عمر فرقي المنبر فسلم على الناس ثم جلس فأخذ المؤذنون في الأذان، فلما سكتوا، قام فأثنى على الله تعالى بما هو أهله)، يدل على أن كل كلام لم يبدأ فيه بذكر الله ﷿ فهو أبتر، وهو في الخطبة لازم وفي غيرها معتبر.
* وفيه أنه قال: (إني قائل مقالة قدر لي أن أقولها، ولا أدري لعلها بين يدي أجلي) يريد بهذا أنه (٣١/ ب) عند قرب الأجل يزداد الخوف من كل أحد؛ فيكون التحري للصدق من كل قائل، ألا ترى إلى أبي بكر الصديق رضي الله
[ ١ / ١١٧ ]
عنه حين يقول عند وفاته: (في حالة يؤمن فيها الكافر ويعترف فيها الفاجر).
* وقوله: (إن الله ﷿ بعث محمدا - ﷺ -، وأنزل عليه الكتاب، وكان فيما أنزل الله تعالى عليه آية الرجم، فرجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده)، وما ذكرنا في آية الرجم فإنه أشعرهم بذلك وبما ذكره بعده من التخويف من أن يدعي الرجل إلى غير أبيه. ومن وصية رسول الله - ﷺ - بأن لا يطرى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإن هذا كله من المهمات التي خاف على الناس أن يستهينوا بشيء منها، وكل منها باب من الأبواب الكبيرة الشأن، ثم أتبعها ما يرجع إلى الخلافة، ومن فقهه وتأنيه لم يفرد ذكر الخلافة فكان ربما لا يرى أنه من الفرضية والوجوب بمقام هذه المسائل، بل جعلهم وإياه في أسلوب واحد وحيز مفرد، وكل منهم واجب فرض يخاف من تجاوزه عذاب النار، من ترك الرجم، وأن يدعي الإنسان إلى غير أبيه فتسقط بذلك وشائج الإنسان فيخرج من قوم ويدخل في آخرين، فيضع المواريث على خلاف ما وضعها الله تعالى، وكذلك ما خوف منه من إطراء رسول الله - ﷺ - كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنهم ادعوا على عيسى بن مريم أنه ولد الله، وأرادوا بجهلهم التقرب إلى عيسى، فكفروا، ثم أتبع هذا بما يرجع إلى الخلافة بما ذكره دالا بذلك على أنها من هذا الخير، ومن جملة هذا الأسلوب.
وقوله: (إن فلانا قال: لو قد مات عمر، بايعت فلانا، وإن بيعة أبي بكر كانت فلتة)، إنما خاف عمر من أن يغتر بعض الناس بما جرى في نوبة أبي بكر الصديق من البيعة له في عجلة على غير طمأنينة ثم استتب الأمر بعد ذلك، فيظن الظان أن كل بيعة تجري كذلك تكون مثل بيعة أبي بكر ولذلك (٣٢/ أ) قال: (وتمت) ثم عاد فقال: (ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر)، أي أن أبا بكر من شرف المنزلة والعلو ما تنقطع الأعناق في الامتداد إليه أو تقطع إليه أعناق الإبل بالسير إليه في القصد نحوه؛ فإنه كان فيه من
[ ١ / ١١٨ ]
الأهلية لذلك ما لم يشنه من إيقاع البيعة له على سبيل الفلتة، ثم ذكر ما جرى له يوم السقيفة.
قوله: (اعتزلنا الزبير وعلي في آخرين، وخرجت أنا وأبو بكر ومن معنا من المهاجرين نريد الأنصار). ولعمر الله إنهما لم يخرجا ليعقدا البيعة؛ وإنما خرجا لقصد الإصلاح وتسكين النفرة، وقمع طلائع الفتنة، فلما تجوذبت الأحاديث وخيف من فتنة، اقتضى الصواب حينئذ عقد البيعة من غير مهلة.
وقوله: (فلقينا رجلان صالحان)، ثم ذكر أنهما قالا: (لا عليكم أن تقضوا أمرا دون الأنصار)، يدل على أنه لو كان المهاجرون قد أجمعوا وبايعوا أبا بكر صحت البيعة؛ ولكن أراد الله أن يجمع على ذلك المسلمون كافة من المهاجرين والأنصار.
وقوله: (كنت زورت في نفسي كلاما)، يعني زينته وهيأته.
وقوله: (كنت أداري من أبي بكر بعض الحد)، مع قوله: (وكان أحكم مني عقلا وأوقر)؛ إنما خاف في ذلك المقام أن يعرض لأبي بكر في شيء من حدة فربما يشوشه عن قصده الذي شرع فيه.
وقوله: (أحكم مني) قول صدق فيه؛ وذلك أنه قال للأنصار قولا أثنى عليهم فيه، وأبقى مودتهم مع تسكينهم على خروج الأمر عنهم وهو قوله: (إن العرب لم تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) يعني أن نبوة محمد - ﷺ - خصصت الشرف لقومه فمن بعدهم.
وقول أبي بكر: (أي هذين الرجلين شئتم فبايعوا)، يعني عمر وأبا عبيدة.
وقوله: (إن كل واحد منهما كان لذلك أهلا) يعني مع نزول أبي بكر
[ ١ / ١١٩ ]
عنه. الا تسمع إلى قول عمر: (وكنت أن اقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن (٣٢/ ب) أتقدم على أبي بكر)، يعني أن الفاضل لا ينبغي أن يتقدم عليه، فإن الله تعالى أشار بحال الفاضل إلى أنه الأولى بالتقديم.
وفي هذا المعنى يقول أبو الطيب:
فدعاك حسدك الرئيس وأمسكوا ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا
خلفت صفاتك في العيون كلامه كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
* وفيه أيضا أن الإنسان إذا قال القول على ما يجده من عزمه ويذوقه من نفسه؛ وأنه لو عرض له عند الموت عارض نقضه فيه، لم يكن ذلك دالا على أن وقت قوله له في حال العافية لم يكن صادقا في عزمه عليه.
وقول من قال من الأنصار: (أن جذيلها المحك) يعني به أنا الذي يستشفى برأيي، وهو مأخوذ من الجذل الذي ينصب فتحكك بالدواب ذرات الأدواء.
وقوله: (وعذيقها المرجب)؛ لعذيق الكباسة يعني أن هذا العذق في نفسه كان أكبر الأعذاق فلم يحمله عرجونه حتى رجب ودعم، فهو أفضل الأعذاق، وأراد: إني في قومي عزيز عليهم.
[ ١ / ١٢٠ ]
وقوله: (قتلتم سعدا. فقلت: قتل الله سعدًا) ليس هو كما يقع للناس أنه دعاء على سعد، وإنما هو على سبيل الإخبار؛ لأنهم أرادوا: قتلتم سعدًا بالوطء والدوس. فقال عمر: (قتل الله سعدًا) أي: إن كان قد قتل فالله قد قتله، أي فلو مات كان دمه هدرًا في مصلحة المسلمين.
وقوله: (فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا). المعنى لا ترون تغريره بنفسه واحتقاره أن يقتل أن حمله على ذلك حق.
وقول ابن شهاب: (إن عويم بن ساعدة من الرجال الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فيه رجال يحبون أن يطهروا والله يحب المطهرين﴾ فإنما أخبر أنهم أحبوا ما أحب الله منهم.
* وفيه أيضا: أنهم أحبوا أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين أي الكاملي الطهارة.
* وقول معن بن عدي: (لكني والله أحب أني مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا) فإن هذا من متانة فقهه (٣٣/ أ)، وإن موت الرسول - ﷺ - زلزلة قوية لإيمان الخلق، وما أحسه معن أن يكتب له ثبات وسلامة من هذه الزلزلة مقصودة حسن وغرض صالح، ﵃ أجمعين.
- ٢٧ -
الحديث التاسع: (في اعتزال النبي - ﷺ - نساءه).
[عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه قال: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ
[ ١ / ١٢١ ]
وسلم اللتين قال الله تعالى فيهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبرز، ثم أتاني فسكبت على يديه، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله ﷿ فيهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾؟
فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس! (قال الزهري: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه).
قال: هما عائشة وحفصة، ثم أخذ يسوق الحديث قال:
(كنا معشر قريش قومًا نغلب النساء؛ فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي، فتغضبت يوما على امرأتي، فإذ هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ؟ فقالت: نعم. فقلت: أتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله ﷺ، فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله ﷺ، ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك؛ ولا يغرنك أن كانت (٣٣/ ب) جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك- يريد عائشة-.
وكان لي جار من الأنصار، فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله
[ ١ / ١٢٢ ]
عليه وسلم، فينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك، وكنا نحدث: أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل يومًا صحابي ثم أتاني عشاء، فضرب بابي، ثم ناداني فخرجت إليه. فقال: حدث أمر عظيم!. فقلت: ماذا؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، طلق رسول الله ﷺ نساءه، قلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن ذلك يوشك أن يكون، حتى إذا صليت الصبح شددت على ثيابي، ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي. فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ؟ قالت: لا أدري، هو هذا معتزل في المشربة، فأتيت غلاما له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي، قال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلا، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت، استأذن لعمر، فدخل ثم خرج إلي، فقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج. فقال: قد ذكرتك له فصمت، فوليت مدبرا؛ فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله ﷺ، فإذا هو متكئ على رمال حصير، فقد أثر في جنبه، فقلت: أطلقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إلي فقال: لا، فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضبت على امرأتي يومًا، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن (٣٤/ أ) اليوم إلى الليل، فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله ﷺ، فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله صلى الله
[ ١ / ١٢٣ ]
عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله فدخلت على حفصة، فقتل: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم، فجلست، فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت شيئًا يرد البصر إلا أهبة ثلاثة، فقلت: ادع الله أن يوسع على أمتك؛ فقد وسع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا، ثم قال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) فقلت: استغفر لي، يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة- من شدة موجدته عليهن- حتى عاتبه الله تعالى.
قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل علي رسول الله ﷺ؛ بدأ بي، فقلت: يا رسول الله: إنك أقسمت أنك لا تدخل علينا شهرًا، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن، فقال: إن الشهر تسع وعشرون.
زاد في رواية: وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة، ثم قال: يا عائشة، إن ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، ثم قرأ: ﴿يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾، حتى بلغ إلى قوله: ﴿أجرا عظيمًا﴾.
قالت عائشة: قد علم- والله- أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقلت: أوفي هذا أستأمر أبوي؟، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
وفيه عن معمر أن أيوب قال: إن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أنني
[ ١ / ١٢٤ ]
اخترتك (٣٤/ ب)، فقال لها النبي ﷺ: (إن الله أرسلني مبلغًا ولم يرسلني متعنتا).
قال قتادة: صغت قلوبكما: مالت.
وفي رواية سماك: وذلك قبل أن يؤمروا بالحجاب، وفيه: دخول عمر على عائشة وحفصة ولومه لهما، وقوله لحفصة: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك.
وفيه: قول عمر عند الاستئذان في إحدى المرات: يا رباح استأذن لي، فإني أظن أن رسول الله ﷺ ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني أن أضرب عنقها لأضربن عنقها، قال ورفعت صوتي، وأنه أذن له عند ذلك، وأنه استأذن رسول الله ﷺ في أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه، فأذن له، وأنه قام على باب المسجد، فنادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه؛ وأنه قال له- وهو يرى الغضب في وجهه- يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؟! فإن طلقتهن، فإن الله معك، وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. قال: وقلما تكلمت- وأحمد الله- بكلام إلا رجوت أن يكون الله تعالى يصدق قولي الذي قلت، ورأيت هذه الآية، آية التخيير: ﴿عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا ﴾ الآية.
وفيه أنه قال: فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك- وكان من أحسن الناس ثغرًا-.
[ ١ / ١٢٥ ]
وفيه: أنه قال: ونزلت أتشبث بالجذع، وهو جذع يرقى عليه رسول الله ﷺ وينحدر، ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض، ما يمسه بيده. فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين. قال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين.
قال: ونزلت هذه الآية: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾، قال: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله آية التخيير.
وفي رواية: أن عمر دخل على أم سلمة لقرابته منها فكلمها، وأنها قالت له: عجبًا لك يابن الخطاب! قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه! وأن ذلك كسره عن بعض ما كان يجد، وأنه لما قص على رسول الله - ﷺ - حديث أم سلمة تبسم].
* في هذا الحديث من الفقه أدب المتعلم مع من يأخذ العلم عنه، وأن لا يتهجم عليه بالسؤال، فقد يكون من العلم ما يقتضي البسط، ولا يحتمل مثله أن يسأل عنه في الأوقات الضيقة، ولا في وقت ازدحام السائلين؛ لأن عبد الله بن عباس يقول: ما زلت حريصًا على أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين اللتين قال الله ﷿ فيهما: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ حتى حج وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرز ثم أتاني فسكبت على يديه فتوضأ.
* وفيه من الفقه أن المتعلم إذا أراد أن يسأل العالم عن ما للمسؤول فيه مماسة أو حصة لسبب له، أن لا يهجم عليه بالسؤال عنها في مشهد من الناس، وكذلك
[ ١ / ١٢٦ ]
إذا كانت من المسائل الراجعة إلى أهل رسول الله - ﷺ - ونسائه في مثل هذه؛ ألا ترى إلى ابن عباس توخى أن يسأل عمر في خلوة؟! فصبر عليه الزمان الطويل، وسافر معه حتى ناب مناب الأتباع في حمل الإداوة وصب الماء (٣٥/ ب) على يدي عمر في طلب العلم، فلما سأله في موضع السؤال أجابه من غير تراخ.
* وفيه من الفقه أن ابن عباس سأل عمر بالطيب من النطق الذي ورد في حق المرأتين، وهو الذي ذكر فيه صغوهما للتوبة، ولم يذكر النطق الأول في قوله تعالى: ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ ولا قوله: ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ ولا غير ذلك، ومع ذلك فقد أشار الزهري عند قول عمر: (واعجبًا لك يا ابن العباس؛ فقال: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه)، وهذه السورة الكريمة قد نزل فيها من التهديد والوعيد، وذكر امرأة نوح وضربها مثلا للذين كفروا، وذكر امرأة فرعون وضربها مثلا للذين آمنوا، فإنه كله مما يدل على شرف منزلة المرأتين، لأنه كله تهديد دال على الإرادة لئلا يكون أبدًا ما عابتهما إلا في مقام استزادة لرسول الله - ﷺ -، فما نزل في هذه السورة عاد حاجزًا بينهما وبين المكروه أبدًا، ألا ترى أنه لما قال ﷾: ﴿يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحًا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه﴾ وفي قوله سبحانه: ﴿يوم لا يخزي الله النبي﴾ دليل على أنه قد أمن أزواج رسول الله - ﷺ - من سخطه ومن ناره، وأن الواحد منا لو قضي عليه أن يستباح حريمه أو يفضح أهله لكان ذلك خزيًا له، وحاشا لرسول الله - ﷺ - من ذلك، فقوله: ﴿يوم لا يخزي الله النبي﴾ يدل على أنه لا يسوؤه في أحد من أزواجه خاصة أبدًا، وكيف لا وعائشة وحفصة من أفضل نساء العالمين؟
[ ١ / ١٢٧ ]
* وفيه من الفقه أن المؤمن قد يداري زوجته ويصبر على أذاها؛ لقولها: (إن إحدانا كانت تهجر رسول الله - ﷺ - إلى الليل).
* وفي هذا الحديث دليل على أن المؤمن يستعين بأخيه المؤمن في التعلم والمعاش؛ ألا (٣٦/ أ) تراه يقول: وكان لي جار من الأنصار، وكنت أنا وهو نتناوب النزول إلى رسول الله - ﷺ - فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك؟ وإنما فعل ذلك لأنهما كانا يقضيان من الكسب فرضا واجبًا، ويتعلمان من العلم فروضًا لازمة، ففعلًا بحسن تدبيرهما أن يقضي هذا وقتًا في كسبه، ويخلفه هذا في تعلم العلم والإتيان بخبر الوحي، ويفعل الآخر مثل فعل صاحبه، فيقضيان الفرضين ويدركان الأمرين.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الحق قد ينال منه ثم تكون العاقبة لأهله، ألا تسمع إلى قول عمر: (كنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا)، ثم إن الله سبحانه أظهر بعد ذلك حقه وأعلى أمر نبيه.
* وفيه أن عمر ﵁ لما قال له الأنصاري: طلق رسول الله - ﷺ - نساءه؛ بدأ بأن قال: (خابت حفصة وخسرت)؛ ابتدأ بالأهم عنده.
* وفيه ما يدل على أن المؤمن إذا حزبه أمر فلا ينبغي أن يستخفه حتى يزور في غير وقت الزيادة، ألا تراه يقول: (جاءني عشاء، حتى إذا كان الصبح وشددت علي ثيابي فدخلت على حفصة وهي تبكي)؟
* وفي هذا من الفقه: أن العاقل لا يهجم على السؤال عن أمر حتى يفهمه؛ ألا ترى عمر ﵁ بدأ بالدخول على حفصة، وسألها عن الأمر، فقال لها: (أطلقكن رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في المشربة).
* وفي هذا جواز اتخاذ المشربة وهي الغرفة، وأن الغرفة، وأن يكون للإنسان في منزله موضع يعتزل فيه، فلا يدخل عليه في إلا بإذنه.
[ ١ / ١٢٨ ]
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الرجل إذا استأذن فلم يؤذن له فعليه أن يرجع.
* وفيه من الفقه أنه إذا لم يؤذن له فانصرف فأقام هنيهة أن يعاود الاستئذان؛ فربما يكون الامتناع الأول لعارض عرض.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - كان (٣٦/ ب) تحته رمال حصير، والرمال: ما نسج من حصير وغيره، وهذا يدل على أن الجلوس على الحصير أفضل من الجلوس على الأرض، لأن الجلوس على الأرض يوسخ الثوب ويبليه.
* وفيه أيضًا دليل على أن رسول الله - ﷺ - لم يكن متنعمًا ولا مترفًا حتى أثر في جنبه الحصير.
* وفي هذا من الفقه أن عمر ﵁ ذكر صورة حاله مع امرأته على نوع انبساط وطيب كلام ممزوج بيسير من المزح في حق نفسه مستجلبًا بذلك تبسم رسول الله - ﷺ -، فلا جرم أنه أصاب مقصده وتبسم رسول الله - ﷺ -؛ وكذلك عن حديثه عن حفصة حتى تبسم رسول الله - ﷺ - ثانية.
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه ليس التوسع من الدنيا دليلا على رضا الله ﷿ إلا في المؤمنين خاصة، لقول عمر ﵁: (يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يوسع على أمتك؛ فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله).
* وفي هذا الحديث أنه إذا خطر على قلب المؤمن أن ما في يد مثل كسرى وفارس والروم من الدنيا دليل خير لهم أن ينكر عليه ذلك، ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - استوى جالسًا وقال: (أفي شك أنت ياابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا)؟! حتى فزع عمر على الاستغفار بقوله: (يا رسول الله استغفر لي).
* وفي هذا الحديث من الفقه جواز أن يهجر الرجل امرأته وأهله أكثر من ثلاث
[ ١ / ١٢٩ ]
تأديبا؛ فإنه قال: (كان أقسم أن لا يدخل علهين شهرًا من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة من شدة موجدته عليهن).
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين.
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه لا يستتب للرجل المريد للآخرة استدامة صحة امرأة لا تريد الآخرة، ألا ترى كيف تلا رسول الله - ﷺ - على عائشة الآية في التخيير حتى أقررن كلهن أنهن لا يردن الحياة الديا (٣٧/ أ) وزينتها، بل يردن الله ورسوله والدار الآخرة حتى أقرن على صحبته؟
* وفيه أيضًا ما يدل على فضيلة عائشة ببدايته بها وقوله لها لما خيرها: (لا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك) لأنها حدثة، وربما يكون بلغ منها الغيظ إلى أن تقول كلمة تندم عليها فردها إلى مراجعة أبويها، إلا أنها وفقت بقولها: (أفي هذا أشاور أبوي؟ بل أريد الله ورسوله والدار الآخرة).
* وفي هذا من الفقه جواز تسمية العبد رباحًا ونجاحًا وفلاحًا وغير ذلك.
* وفيه أيضًا استحباب أن لا يتشبث النازل في درجة أو جذع إذا أمكنه ذلك لأنه لا يأمن أن تقع يده على ذنيب أو غيره مما يؤذي.
* وفيه أيضًا من فضيلة عمر أنه لما قال له: (ما يشق عليك من شأن النساء إن كنت طلقتهن فإن الله وملائكته معك، وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر وعمر والمؤمنون)، فنزلت الآية إلى قوله: ﴿وجبريل وصالح المؤمنين﴾.
* وفي هذا من فضيلة عمر قوله تعالى: ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ ولقوله: (وكنت أنا الذي استنبطت هذا الأمر).
[ ١ / ١٣٠ ]
الحديث العاشر:
[عن ابن عباس: شهد عندي رجال مرضيون؛ وأرضاهم عندي عمر، أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس، وبعد العصر حتى تغرب].
* في هذا الحديث من الفقه أنه نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها لئلا تشتبه بصلاة الذين كانوا يعبدون الشمس، فلما كانت الصلاة قبل طلوعها وبعد غروبها تميزت الحال في ذلك، وكانت الصلاة لخالق الشمس.
- ٢٩ -
الحديث الحادي عشر:
[عن ابن عباس: بلغ عمر أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، فباعوها)؟].
* في (٣٧/ ب) هذا الحديث من الفقه أن ثمن الحرام حرام، وأنه لا يسوغ التأويل فيه توصلًا إلى الانتفاع بما حرم الله تعالى منه، فإن اليهود لما رأوا أن الشحوم إذا جملوها- وهو إذابتها- ثم باعوها، وأكلوا ثمنها، أن هذا انتقل عن حالة إلى حالة أخرى وخرج عن تسمية الشحم، فرخصوا متأولين في ذلك؛ فلعنهم رسول الله - ﷺ -.
[ ١ / ١٣١ ]
- ٣٠ -
[عن ابن الزبير خطب فقال: لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: (لا تلبسوا عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: (لا تلبسوا الحرير، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة).
وفي رواية ابن عمر عن عمر مسندًا: (إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة)].
* وهذا الحديث أراه مفسرًا بالحديث الآخر الذي تلقته الأمة بالقبول في تحريم الحرير على الرجال دون النساء، فيكون ذلك الحديث مفسرًا لهذا الإجمال، وما قاله ابن الزبير في أول الحديث فإنه مدرج من كلام ابن الزبير نفسه على ظن منه أن كلام رسول الله - ﷺ - يتناول الرجال والنساء، والحديث الآخر الذي فسر هذا الإجمال قد أزال اللبس في ذلك وهو قوله - ﷺ -: (هذا حرام على ذكور أمتي حل لإناثها).
[ ١ / ١٣٢ ]
- ٣١ -
الحديث الثالث عشر:
[عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ، فكدت أساوره في الصلاة، فتربصت حتى سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرك هذه السورة التي سمعتك تقرؤها؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقلت: كذبت فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ، (٣٨/ أ) فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ: (أرسله؛ اقرأ يا هشام) فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: (هكذا أنزلت) ثم قال النبي ﷺ: (اقرأ يا عمر) فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ: (هكذا أنزلت؛ إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على شرف القرآن وكثرة وجوهه، وأنه ليس ككلام الآدميين الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا؛ فإن اختلاف القراءة دليل دال على كثرة معاني القرآن في مثل قوله تعالى: ﴿فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير﴾ وفي القراءة الأخرى: (اعلم) (بفتح اللام وتسكين الميم)، وفي القراءة الثالثة: (أعلم) (بكسر اللام).
[ ١ / ١٣٣ ]
* وقوله: إن القرآن نزل على سبعة أحرف على اختلاف الناس في ذلك، لا أرى تأويله إلا ما انتهت إليه القراءات السبع في سائر الأمصار. فأما الحديث الذي روي في تفسير الأحرف السبعة من أنها حلال وحرام، ومتشابه وقصص وأمثال (.. الخ)، فإنما ذكر في هذا تفسير جملة القرآن التي اجتمعت عليها القراءات السبع.
- ٢٣ -
الحديث الرابع عشر:
[عن عمر ﵁ أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مثلى﴾.
وقلت: يا رسول الله: يدخل على نسائك البر والفاجر؛ فلو أمرتهن يحتجبن! فنزلت آية الحجاب.
واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن. فنزلت كذلك.
وفي رواية: في مقام إبراهيم، وفي الحجاب، وفي أسارى بدر].
* في هذا الحديث من الفقه أن عمر ﵁ كان جدًا كله (٣٨/ ب) ليس بذي هزل؛ فلذلك أجرى الله على لسانه من الحق الذي لا ينزل القرآن إلا به، وكل ذلك ليس له في شيء منه هوى بل توخى الأصوب فالأصوب، والأحوط
[ ١ / ١٣٤ ]
فالأحوط والأحسن فالأحسن كقوله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وقوله: (إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن)، وقوله في الغيرة على أزواج رسول الله - ﷺ - ونصحه له: (عسى ربه إن طلقكن)، وهذه المعاني إنما ذكرها عمر عن نفسه قاصدًا بذلك- والعلم عند الله- لمعنيين: أحدهما، ليحسن ظن السامعين به لقوله: (فلا ينازعوه في حق يقوله)؛ والآخرة أن يقتدي به المؤمنون لإيثاره الحق وقوله الصواب، فإن الله تعالى يقضي بالحق ويقوله، فمن أراد أن يوافق ربه دائمًا فليكن قوله الحق وعمله الحق فإن الله سبحانه ويقول الحق، ومن ذلك قوله تعالى عن الملائكة: ﴿ماذا قال ربكم، قالو: الحق﴾، وكذلك في إشارته إلى ما أشار إليه في أسارى بدر؛ فإن الوقت كان وقت إثخان وشدة وقوة عزم في ذات الله ﷾ فلذلك قال رسول الله - ﷺ -: (لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر بن الخطاب).
- ٣٣ -
الحديث الخامس عشر:
[عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس، فقد أفطر الصائم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الصوم هو حكم مؤقت بأول وآخر، فإذا انتهى إلى وقته زال حكمه، فإن أخر أحد إفطاره فقد أعلمه هذا الحديث أن الله غير معتد له بصيام بعد غروب الشمس؛ لأن وقت حكم الصيام قد زال، وهذا مما يكون داعيًا إلى تعجيل الفطر.
[ ١ / ١٣٥ ]
* وفي هذا الحديث من الفقه أيضًا دليل على أن الليل والنهار ليسا عن الشمس وطلوعها وغروبها بل هي على النهار دليل؛ كما قال ﷿: ﴿ثم جعلنا الشمس عليه دليلًا﴾ ألا ترى إلى قوله (٣٩/ أ) ﵇: (إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس)؟
- ٣٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إنما الأعمال بالنية- وفي رواية: بالنيات- وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى الدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه)].
* الفقه في هذا الحديث كثير، وقد روي عن الشافعي أنه قال: يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه.
والذي أراه: أنه يدخل في كل الفقه؛ إذ لا يقبل الله عملًا إلا بنية، حتى إن المسلم يضاعف له الثواب على أكله وشربه وقيامه وقعوده ونومه ويقظته على حسب نيته في ذلك، وربما يجمع الشيء الواحد عدة وجوه من العبادات بالنية كما قال موسى ﵇: ﴿هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآب أخرى﴾. وعلى هذا تبتنى أبواب العبادات والمباحات، وتعلم العلم وتعليمه، ومصاحبة الخلق وهجرانهم، وغير ذلك؛ إلا أن المسلم ينبغي
[ ١ / ١٣٦ ]
أن يصفي موارد نيته؛ بأن يبني أمره على أسس محرزة ناظرًا إلى قلبه بعينه؛ فإنه سريع التقلب، وإنه غير مستغن عن تكرير الحق عليه، وتأنيه به، واعتبار إيمانه، وأن ينوي في كل حركة وسكون إرادة وجه الله ﷿، وأن ينوي حياته لله ومماته لله، كما قال سبحانه: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمي﴾ فالأمر ظاهر، وأما المحيا والممات فإني أضرب فيهما مثلًا جرى لي في مرضة كنت مرضتها، فنمت، فدفعت إلى أرض ذات ظل ممدود وما يشبه دجلة إلا أنه لا جرف له، ونسيم ذي روح، والوقت على نحو بوح ما قبل طلوع الشمس (٣٩/ ب) في الضياء، فخوطبت وأنا لا أدري من يخاطبني بما معناه: إنك مع الحق- أو نحو هذا- فباكرت على ذلك، وأعدم الخلق؛ فما رأيت أحدًا بحيث لم يبق في ظني إلا أن ليس في الأرض كلها من مشرقها إلى مغربها سواي؛ لا آدمي يقبل ولا دابة ولا طائر يطير ولا غير ذلك، فبرمت حينئذ من الحياة، وجعلت أتمنى الموت حتى كنت أقول في المنام: لو كان الشرع يجيز أن يقتل الإنسان نفسه لكنت أجد ذلك الآن غنيمة، وعرضت علي الأعمال فكانت تخف حتى عرض علي مختصر كنت قد صنعته في النحو، وقد كررت نساخته بخطي مرارا كثيرة، فلم أبش به، فحينئذ فهمت المعنى؛ أي قد ثبت عندك أنك كنت تريد حياتك لأجل الخلق، وأنك تريد الآن الموت استيحاشًا لهم، وكأني فهمت ذلك معنى قوله: ﴿محياي ومماتي لله رب العالمين﴾.
- ٣٥ -
الحديث السابع عشر:
[عن عمر عن النبي ﷺ قال: الذهب بالورق ربًا، إلا
[ ١ / ١٣٧ ]
هاء وهاء، والبر بالبر ربًا؛ إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا، إلا هاء وهاء).
وفي لفظ: (الورق بالورق ربًا، إلا هاء وهاء، والذهب بالذهب ربًا، إلا هاء وهاء)].
* في هذا الحديث من الفقه تحريم النساء فيما يجري فيه الربا، وذلك محرم في فتوى الفقه؛ إلا أن من سر تحريم الربا في أصله أنه ليس في القروض؛ إذ المؤمن عند حجة أخيه كان يتوقع منه بمقتضى أخوته في الدين، وكرمه في الإسلام، ووعد الله سبحانه له بالخلف أنه كان يرفد أخاه بالقدر الذي أعوزه واحتاج إليه هبة ونحلة من غير أخذ عوض، وناظرًا أن ذلك من القرض الذي ينتهز والخيرات التي تغتنم، وأن يحمد الله تعالى كيف لم يكن هو السائل، وأن يشكره كيف لم يجعله هو المحتاج، فإذا لم تسم همته إلى هذا المقام؛ وهو إرفاد أخيه المسلم بما قد أعوزه ببعض ما قد أفضله (٤٠/ أ) الله في يده هو فجعله فاضلا عن حاجته، ورضي الله بأن يقرضه ذلك قرضًا يستعيد عوضه، ويسترد بدله في وقت يسار أخيه فلم يقف على هذا حتى تاجر أخاه الضعيف الفقير، وأراد أن يربح عليه ربحًا مكشوفًا ظاهرًا لا يخفى، ولا يخرجه على سبيل مبايعة في شيء كان؛ فأخذ ذلك الربح فيه سرًا، ولا يجاهر بهذا اللؤم، ولا يعلن بهذا البخل، فلذلك اشتد غضب الله فيه، ونهى عن الربا وحرم فعله على الأخذ والمعطي، وكأن لسان الحال يقول لهذا الآخذ: لا تقرب هذا اللئيم ولا تتعرض للإقراض من هذا البخيل، فإن خالفت فحالك في السوء مثل حاله، وهلا انتهزت أنت الفرصة التي فاتت، وقبلت الغنيمة التي أخطأته بأن تتوكل أنت على الله سبحانه
[ ١ / ١٣٨ ]
وتعالى، وتثق بما في يده سبحانه، وتعرض عن هذا اللئيم وعما تأخذه منه فإن أبيت فأنت شريكه في اللعنة؛ فهذا الأصل عندي- والله أعلم- فيما يرجع إلى الربا، وأنه إنما حرم لأنه لؤم محض وبخل صرف؛ إذ المبايعات في السلم وغيره- وإن كانت في المنافع تجري بفائدة- إنما جازت لأنها ليست هكذا مكشوفة؛ مثل أن تأخذ الدينار بدينار وقيراط، فإن الإنسان قد يبتاع الكر بدينار ونصف، وقد يجوز أن يباع الكر في وقت آخر بدينار بخلاف أخذ دينار بدينار وقيراط، فإنه لا يجوز أن يساوي الدينار دينارًا وقيراطًا من جنسه في وقت قط، وأما هذه الأجناس وهي قوله: الذهب بالورق، فإنما حرم النساء فيها لأنه كان يتوصل به إلى الربا.
وصورته: أنه لو اشترى رجل من رجل عشرين درهمًا فضة بدينار إلى شهر لكان يرى أنه قد أخذ الدينار منه بعشرين درهمًا، فحسبت الزيادة عليه لأجل تعجيله هو الانتفاع (٤٠/ ب) بالدينار، فحرم الشرع ذلك، ولم يجز فيه النساء ليكون قاطعًا للربا؛ فأما الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر نسيئة فلأن هذه الأشياء تختلف، فإذا اختلفت ولم يشاهد كل واحد منهما متاع صاحبه وقت البيع كانت معرضة لتنشأ الخصومات فيها.
- ٣٦ -
الحديث الثامن عشر:
[عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إلي عمر، فجئته حين تعالى النهار، فوجدته في بيته جالسًا على سرير، مفضيًا إلى رماله، متكئًا على وسادة من أدم، قال لي: يا مالك، إنه قد دف أهل أبيات من قومك، وقد
[ ١ / ١٣٩ ]
أمرت فيهم برضخ، فخذه فاقسمه بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟
قال: خذه يا مالك. قال: فجاء يرفأ فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم، فأذن لهم فدخلوا، ثم جاء، فقال: هل لك في عباس وعلي؟ قال: نعم، فأذن لهما.
فقال العباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا، فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين، فاقض بينهم وأرحهم.
قال مالك بين أوس: فخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك، فقال عمر: اتئدوا، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال: (لا تورث، ما تركنا صدقة)؟ قالا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي، فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم الساء والأرض، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة)؟. قالا: نعم. قال عمر: إن الله كان خص رسوله ﷺ بخاصة لم يخصص بها أحدًا غيره، فقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول﴾.
وقال: ﴿ما أفاء الله على رسوله منهم فماء أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾. قال: فقسم رسول الله (٤١/ أ) ﷺ أموال بني النضير، فوالله ما استأثرها عليكم، ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منه نفقته سنة ثم يجعل ما بقي أسوة المال- وفي رواية: ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله- ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم نشد عباسًا وعليا بمثل ما نشد به القوم؛ أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فلما توفي رسول الله
[ ١ / ١٤٠ ]
صلى الله عليه سلم قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ.
وفي رواية: فجئتما؛ تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها؟ فقال أبو بكر: قال رسول الله ﷺ: (لا نورث، ما تركناه صدقة)، ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله ﷺ، وولي أبو بكر، فوليتها، ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتم: ادفعها إلينا، فقلت: إن شئتم دفعتها إليكم، على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﷺ، فأخذتماها بذلك. أكذلك؟ قالا: نعم، قال: ثم جئتماني لأقضي بينكما! ولا والله، لا أقضي بينكما بغير ذلك، حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها علي.
زاد البرقاني في رواية من طريق معمر: فغلب علي عليها، فكانت بيد علي، ثم بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد الحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم وليها بنو العباس.
وفي رواية عن عمر قال: كانت أموال بني النضر مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي صلى الله
[ ١ / ١٤١ ]
عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة؛ وفي رواية: ويحبس لأهله قوت سنتهم (٤١/ ب)، وما بقي جعله في الكراع والسلاح، عدة في سبيل الله ﷿].
* في هذا الحديث من الفقه أن ما ترك رسول الله - ﷺ - ووصل إلى يد العباس وعلي ﵄ كان على سبيل الولاية، وليس على سبيل الوراثة، ولذلك قال عمر: (لا أقضي بينكما بغير ذلك إلى يوم القيامة).
* وفي هذا الحديث أيضًا جواز الجلوس على السرير؛ لأن الجلوس على السرير لمقدم القوم أمكن من حيث إشرافه عليهم ونظرهم له، فيمكن من كل واحد منهم؛ ولأنه قد يكون في البلاد الحارة أقرب إلى الروح وأبعد من وهج الأرض وكرتها، ولأنه أيضًا قد يحترز بها من الدبيب.
* وفيه أيضًا جواز الاتكاء على الوسادة.
* وفيه أيضًا جواز أن يكون الرجل في بيته وعليه حجاب ولا يدخل عليه أحد إلا بإذن.
* وفيه جواز إعداد النفقة لسنة لأنه قال: كان رسول الله - ﷺ - يأخذ من نفقته سنة.
وقول الراوي- وهو مالك بن أوس- (يخيل إلي أنهم كانوا قدموهم لذلك)؛ يعني للتوجه إلى قضاء ما قصدا له.
* وفيه أيضًا ما يدل على أنه لما دخل عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد فرأوا جد عمر لم يفاتحوه؛ وهكذا ينبغي لمن أراد أن يخاطب في أمر إذا رأى من مقدمات الحال ما يستدل به على أن ليس لخطابه وجه، أن يمسك.
[ ١ / ١٤٢ ]
- ٣٧ -
الحديث التاسع عشر:
[من رواية أبي عثمان عبد الرحمن بن مل قال: (كتب إلينا عمر بن الخطاب ﵁، ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: يا عتبة، إنه ليس من كدك، ولا كد أبيك، ولا كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ نهى عن لبوس الحرير، قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه الوسطى والسبابة، وضمهما.
وفي رواية (٤٢/ أ): جاءنا كتاب عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: لا يلبس الحرير إلا من ليس له منه شيء في الآخرة؛ إلا هكذا- قال أبو عثمان-: بإصبعيه اللتين تليان الإبهام.
وفي رواية: أن عمر خطب بالجابية، فقال: نهى نبي الله - ﷺ - عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة].
* في هذا الحديث من الفقه أن يستحب للإمام أن يديم التعهد لعماله بالتخويف من التنعم واحتجان مال المسلمين، وأن يغلط لهم في القول إشعارًا لهم بأن ما في أيديهم ليس ملكًا لهم، إنما هو للمسلمين وفي أيديهم. وإن المناسبة بين ذكر الحرير وهذا الكلام أن الذين يخاف من لبسهم الحرير والأجدر والأخلق أن يكونوا الأمراء وأتباعهم.
[ ١ / ١٤٣ ]
* وفيه أيضًا ما يدل على أنه لا يجوز أن يستعمل من الحرير إلا من أصبعين إلى أربع.
* وفيه أنه يستحب للوالي أن يترك من المباح ما لا يتركه غيره كما ذكر من التنعم فإنه في مال هو فيه أجير وأمين، فلو تنعم من ماله وتوسع من حلاله لكان بعرضة أن يسيء الظن بنفسه فيظن أنه إنما فعل ذلك من مال المسلمين.
- ٣٨ -
الحديث العشرون:
[عن عمر قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي صلى الله علي وسلم؛ فقال: (لا تشتره، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه).
وفي رواية: فإن الذي يعود في صدقته كالكلب يعود في قيئه].
* في هذا الحديث من الفقه أنه ملكه الفرس بحمله إياه عليها، وإذا حمل الإنسان على فرس في سبيل الله هكذا مطلقًا، ولم يعينه لغزوة بعينها، فإنه يملكه من يحمل عليه، ولا ينبغي أن يستعمله إلا في سبيل الله.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا تصدق الإنسان بصدقة على فقير فاحتاج الفقير إلى
[ ١ / ١٤٤ ]
أن يبيعها (٤٢/ ب) فلا ينبغي للمتصدق أن يشتريها، والسر في ذلك أن وضع الصدقة للطهرة لقول الله ﷿: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ فهي تطهير للمتصدق في المعنى كالماء المزال به النجاسة في الصورة، فإذا أعاد ما أزال به النجاسة إلى نفسه صار كما قال - ﷺ -: (كالكلب يعود في قيئه) لأن القيء نجس فإذا ألقى نجاسة عنه ولكن لشره الكلب يعود ويأكل فيء نفسه، فنهى رسول الله - ﷺ - المؤمن أن يحمله الشره إلى أن يستعيد ما قد كان طهره وأزال عنه نجاسات ذنوبه؛ أي يعود إلى التلوث به.
- ٣٩ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن عمر ﵁: قدم على النبي ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسعى، إذ وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا؛ وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - وصف رحمة الله تعالى لعباده كما هي؛ إذ لا خلاف في أن الله ﷾ أرحم بعباده من كل والدة بولدها.
* وقوله - ﷺ -: أترون هذه طرحة ولدها في النار؟! يعني أن من رحمة الله ﷿ لعباده إرساله الرسل، وإنزاله الكتب وتخويفه عباده بما خوفهم به؛ أنه كذلك إذا طرح في النار من يستحق ذلك في سخطه فإن رحمته على ما وصف، فينبغي
[ ١ / ١٤٥ ]
للعبد أن لا يستعظم في كرم الله وسعة رحمته ذنب مذنب، كما ينبغي له أن لا يأمن سطوة الله عند أيسر مخالفة. ويتفسر هذا بأنه إذا ذكر لك بعض المسرفين على أنفسهم فرأيت استحقاقهم للنار، فإن خطر لك في ذلك الوقت هذا الحديث من سعة رحمة الله تعالى التي تحظر عليك أن توجب لأحد (٤٣/ أ) من المسلمين النار فذلك في موضعه، كما أنه إذا بلغك عن بعض المجتهدين شدة عبادة فرجوت له رجاء قطعت به مع كونه لا يؤمن عليه زلة قدم في بعض مقاماته من سوء أدب أو نوع إدلال أو خاطر عجب فتهدم أعماله، فعلمت حينئذ أن الرجاء والخوف لا يزايلان أحدًا على الإطلاق حتى يزايل الدنيا.
- ٤٠ -
الحديث الثاني والعشرون:
[من رواية طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرأونها، لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: فأي آية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾. فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فهي، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات، في يوم الجمعة].
* في هذا الحديث من الفقه التنبيه على ما أنعم الله سبحانه في هذه الآية على أمة محمد - ﷺ - من قوله ﷾: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾.
[ ١ / ١٤٦ ]
* وفيه أيضًا أن قول الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ دليل على أن الدين أكمله الله في زمان محمد - ﷺ -، فهو غير محتاج إلى أن يتم أو يحدث فيه شيء لم يكن، أو يذكر فيه شيء لم يعرف؛ ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾ وهذا يستدل منه أن إتمام النعمة إنما تستتب بدخول الجنة إن شاء الله لأنه لم يقل: اليوم أنعمت عليكم، فكان يكون توقع لتمام فيما بعد؛ ولكن إنما قال: (أتممت)، فدل بهذا القول على أنه قد كانت نعمة موجودة فأتمها التمام الذي لا يحتمل أن يزاد فوقه شيء آخر، وهذا لا يتم إلا بدخول الجنة، فإنها لبشرى عظيمة، وهذا اليهود وإن كان عدوًا فلقد نبه على كنز عظيم إلا أنه من حسده عليه انتبه له (٤٣/ ب). وقوله سبحانه: ﴿ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ فإن الرضا بمنزلة فوق الاختيار، وهذا موسى ﵇ يقول له الله ﷿: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى﴾ فقال: ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ وهذه الآية فسرت في أول قدم من رضى الله ﷿ بما تعجل موسى لأجله. ومن شرف هذه الآية خصت بأن نزلت في يوم جمعة ونزلت بعرفات، وذلك اليوم يوم الجمعة وهو يوم عرفة.
- ٤١ -
الحديث الثالث والعشرون:
[من رواية أبي عبيد سعد بن عبيد عن عمر وعلي مسندًا، أو عن عثمان موقوفًا: (أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب، فصلى قبل الخطبة، ثم خطب الناس، فقال: يأيها الناس، إن رسول الله - ﷺ - نهاكم عن صيام هذين العيدين.
وقال بعضهم: اليومين، الفطر والأضحى. أما أحدهما: فيوم فطركم
[ ١ / ١٤٧ ]
من صيامكم. وأما الآخر: فيوم تأكلون فيه من نسككم.
قال أبو عبيد: ثم شهدته مع عثمان بن عفان، فصلى قبل أن يخطب، فكان ذلك يوم جمعة، فقال لأهل العوالي: من أحب أن ينتظر الجمعة فليفعل، ومن أحب أن يرجع إلى أهله فقد أذنا له.
ثم شهدته مع علي: فصلى قبل الخطبة، ثم خطب فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد نهاكم أن تأكلوا من لحوم نسككم فوق ثلاث].
* فيه من الفقه بعد الذي انتدب لذكره الفقهاء أنه إنما لا يدخر من الأضاحي فوق ثلاث لما في ذلك من التوفير على الفقراء.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا اتفقت الجمعة في يوم عيد كان مخيرًا بين حضور الجمعة أو صلاته ظهرًا في بيته. وهذه المسألة تفرد بها أحمد بن حنبل ﵁ عملًا بهذا الحديث.
- ٤٢ -
الحديث الرابع والعشرون:
[من رواية عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إني لأعلم أنك حجر ما تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك (٤٤/ أ) ماقبلتك).
وفي رواية: (رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًا)].
[ ١ / ١٤٨ ]
* في هذا الحديث من الفقه إظهار عمر ﵁ أن تقبيله الحجر بموجب الشرع واتباعه السنة، لا على ما كانت الجاهلية يعظمون الأحجار ويتخذونها أوثانًا، فأراد أن ينبه بهذا أنه إنما يقبل الحجر؛ لأنه رأى رسول الله ﷺ يقبله، أو رأى رسول الله - ﷺ - به حفيًا لا لغير ذلك.
- ٤٣ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن عدي بن حاتم قال: (أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يفرض للرجل من طيء في ألفين، ويعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه، فأعرض عني، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ فضحك، ثم قال: نعم والله إني لأعرفك؛ آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيئ، جئت بها إلى رسول الله ﷺ، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة عشائرهم، لما ينويهم من الحقوق؛ فقال عدي: فلا أبالي إذا»].
* في هذا الحديث من الفقه جواز أن يعرض الإمام زيادة في الرزق لسيد العشيرة إذا كان ممن ينوبه الحقوق ويفد عليه الوافدون.
* وفيه أيضًا جواز أن يفرض للفقير ما لا يفرض للغني؛ وإن كان الغني أفضل منه في نفسه؛ ألا ترى عمر ﵁ كيف يقول لعدي: (إني لأعرفك؛
[ ١ / ١٤٩ ]
آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وأول صدقة بيضت وجه رسول الله - ﷺ - ووجوه أصحابه، صدقة طيئ جئت بها، وإنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة عشائرهم)؟! وإن عديًا لما عرف أن هذا هو (٤٤/ ب) الموجب للانصراف عنه طابت نفسه حتى قال: (فلا أبالي إذًا).
- ٤٤ -
الحديث السادس والعشرون: (للبخاري مختصرًا؛ ولمسلم بطوله)
[أن عمر خطب يوم جمعة، فذكر نبي الله ﷺ، وذكر أبا بكر؛ ثم قال: إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا لحضور أجلي، وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله ﷿ لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به رسوله ﷺ، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء السنة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال. ثم إني لا أدع بعدي شيئًا عندي من الكلالة؛ ما راجعت رسول الله ﷺ في شيء ما راجعته في الكلاة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ فيه، حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: (يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف، التي في آخر سورة النساء؟)، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضى بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، وأني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا، وليعلموا الناس دينهم، وسنة نبيهم ﷺ، ويقسموا فيهم فيئهم ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم. ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم؛ ولقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما
[ ١ / ١٥٠ ]
فليمتهما طبخًا.
وفي رواية: فما كانت الجمعة الأخرى حتى طعن عمر، (٤٥/ أ) قال: فأذن للمهاجرين من أصحاب النبي ﷺ، وأذن للأنصار ثم أذن لأهل الشام، ثم أذن لأهل العراق، فكنا آخر من دخل عليه، قال: فإذا هو قد عصب جرحه ببرد أسود، والدم يسيل عليه. قال: فقلنا: أوصنا- ولم يسأله الوصية أحد غيرنا- قال: أوصيكم بكتاب الله؛ فإنكم لن تضلوا ما اتبعتموه. قال: وأوصيكم بالمهاجرين؛ فإن الناس يكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار، فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه، وأوصيكم بالأعراب فإنهم أصلكم ومادتكم.
وفي رواية: فإنه إخوانكم وعدو عدوكم، وأوصيكم بأهل الذمة، فإنهم ذمة نبيكم ورزق عيالكم، قوموا عني.
وبعض هذا المعنى في حديث مقتل عمر].
* في هذا الحديث من الفقه إخبار الرجل بما يراه من رؤيا يكرهها؛ على أن الأحاديث عن النبي - ﷺ -: (إذا رأى الرجل رويا يكرهها فلا يتحدثن بها وليستعذ من شرها ويقرأ القرآن)، وفي رواية: (أو يقوم إلى الصلاة فإنها
[ ١ / ١٥١ ]
لا تضره)، ولكن عمر استشف من الرؤيا أنها شهادة، وقوى ذلك عنده ما حدثه به حذيفة في حديث الفتنة، وقوله: بينك وبينها باب من حديد، فقال له: أيفتح أم يكسر؟ فقال: بل يكسر. فقال: إذن لا يغلق أبدًا، فأحس بالشهادة، فلذلك أرى أنه ذكرها لتصح له الشهادة.
* وفيه جواز أن يفوض الإمام إلى عدد معروف من غير تعين على واحد منهم، وفي هذا دليل على أن رسول الله - ﷺ - مات وهو راض عن: عمر، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف.
* وفيه أن من طعن على ما جرى من خلافة الأربعة فإن عمر قد شهد أنهم ضلال، وأنهم جهلة غير علماء.
* وفيه أيضًا اهتمامه بالعلم، وكيف يخرج من (٤٥/ ب) الدنيا ومسألة الكلالة لم يحرر فيها ما لا يختلف بعده معه.
* وقوله: (ما أغلظ لي في شيء ما أغلظ في الكلالة) فيه جواز أن ينهر العالم المتعلم، وأن نكيره طلبًا لفطنته لقول عمر (حتى طعنني بإصبعه في صدري).
* وفيه أن الأمراء في الإسلام ينبغي أن يكونوا عدولًا علماء؛ ألا ترى عمر ﵁ يقول: (أشهدكم على أمراء الأمصار، وأني إنما بعثتهم عليهم ليعدلوا، ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمرهم)؟
[ ١ / ١٥٢ ]
* وفيه أيضًا كراهية أن يتعرض الإنسان لأكل الثوم والبصل، وكل ما يجري مجراها في نتن لئلا يتأذى به جلساؤه وإخوانه إلا أن يميته بالطبخ.
* وفيه أيضًا استحسان ترتيب الدخول على الإمام بمقتضى منازل الناس في أقدارهم، ألا تراه كيف أذن أولا للمهاجرين ثم للأنصار ثم أذن لأهل المدينة ثم لأهل الشام ثم لأهل العراق، وإنما أذن لأهل الشام قبل أهل العراق من أجل أهم أهل ثغور ومتاخمة للأعداء، وأهل العراق في راحة من ذلك.
* وفيه أيضًا الإشارة إلى وجوب عصب الجرح، وأن لا يترك إذا كان يخشى منه التلف.
* ومن ذلك أنه أوصى المهاجرين مشيرًا إلى زمانهم وبقائهم، بقوله: (إن الناس يكثرون ويقلون)، يعني: والمهاجرون يقلون، لأنهم عدد معروف، ومن يلده المهاجرون من الأولاد فليسوا بمهاجرين.
* وفيه دليل على حسن الثناء على الأنصار، بقوله: (فإنهم شعب الإسلام الذي لجأ إليه)؛ يشبههم بشعب بين جبلين فيه المرعى مع الامتناع من الأعداء.
* وفيه أيضًا وصية بالأعراب ولقد أحسن في وصف الأعراب بأنهم (مادتكم) أي أصلكم الذي يمدكم.
وفي الرواية الأخرى: (فإنهم إخوانكم وعدو عدوكم).
* وكذلك أوصى بأهل الذمة فقال: (إنهم ذمة نبيكم)؛ يعني إنما أقاموا (٤٦/ أ) بينكم ثقة بوفائكم، وركونًا إلى صدق قولكم، وإنكم تمتثلون فيهم أمر نبيكم ثم عقب ذلك بما فيهم من النفع فقال: وهم رزق عيالكم؛ يعني الجزية وما تنالون فيها من ذلك.
* * *
[ ١ / ١٥٣ ]
من أفراد البخاري
- ٤٥ -
الحديث الأول:
[عن سالم عن ابن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط. إني لأظنه كذا كان كما يظن؛ بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ ظني، أو: إن هذا على دينه في الجاهلية، أو: لقد كان كاهنهم، علي بالرجل، فدعى له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظني، أو: إنك على دينك في الجاهلية، أو: لقد كنت كاهنهم، فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم، فقال: إني أعزم عليك إلا ما أخبرتني، قال: كنت كاهنهم في الجاهلية، قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك؟ قال: بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني أعرف فيها الفزع، قالت:
ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها؟
قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه يقول: يا جليح، أمر نجيح، رجل فصيح يقول: لا إله إلا الله؛ فوثب القوم. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح، أمر نجيح، ورجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، فقمت، فما نشبنا أن قيل: هذا نبي].
[ ١ / ١٥٤ ]
* في هذا الحديث ما يدل على فطنة عمر وذكائه في كونه لم يقل قط لشيء أظنه هكذا إلا كان كما يقول.
* وفيه كراهية أن يذكر الرجل بعد إسلامه ما كان عليه في حالة كفره إلا أن يكون راجعًا إلى مصلحة.
* وفيه دلالة واضحة على نبوة محمد - ﷺ -، ففيما جاءت به الجنية إلى الرجل وفيما سمعه عمر بأذنيه، ما يشهد بنبوة محمد - ﷺ -.
- ٤٦ -
الحديث الثاني:
[عن ابن عمر أنه (٤٦/ ب) لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر، قام عمر خطيبا، فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: (نقركم ما أقركم الله تعالى)، وإن عبد الله بن عمر خرج على ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس له هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق، فقال: يا أمير المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرنا محمد، وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني نسيت
[ ١ / ١٥٥ ]
قول رسول الله ﷺ لك: (كيف بك إذا أخرجت من خيبر، تعدو بك قلوصك، ليلة بعد ليلة؟)، فقال: كانت هذه هزيلة من أبي القاسم، قال: كذبت، يا عدو الله. قال: فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالا وإبلا وعروضًا من أقتاب وحبال وغير ذلك.
قال البخاري: ورواه حماد بن سلمة عن عبد الله بن عمر قال: أتى رسول الله - ﷺ - أهل خيبر فقاتلهم حتى ألجأهم إلى حصنهم، وغلبهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يجلوا منها؛ ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله - ﷺ - الصفراء والبيضاء والحلقة، وهي السلاح، ويخرجون منها، واشتراط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد، فغيبوا مسكًا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير. فقال رسول الله - ﷺ - لعم حيي واسمه سعية: ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ قال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد القريب، والمال أكثر من ذلك، وقد كان حيي قتل قبل ذلك، فدفع رسول الله - ﷺ - سعية إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ههنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله - ﷺ - ابني أبي الحقيق (٤٧/ أ)، وأحدهما زوج صفية بنة حيي بن أخطب، وسبى رسول الله - ﷺ - نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا وأراد أن يجليهم منها، فقالوا: يا محمد، دعنا نكن في هذه الأرض نصلحها ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله - ﷺ - ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها، فأعطاهم خيبر، على أن لهم الشطر من كل زرع وشيء ما بدا لرسول الله - ﷺ -، وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل
[ ١ / ١٥٦ ]
عام فيخرصها عليهم، ثم يضمنهم الشطر، فشكوا إلى رسول الله - ﷺ - شدة خرصة، وأرادوا أن يرشوه، فقال عبد الله: أتطعموني السحت؟، والله جئتكم من عند أحب الناس إلي، ولأنتم أبغض إلي م عدتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم وحبي إياه على أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
وكان رسول الله - ﷺ - يعطي لكل امرأة من نسائه ثمانين وسقًا من تمر كل عام، وعشرين وسقًا من شعير، فلما كان زمن عمر غشوا المسلمين، فألقوا ابن عمر من فوق بيت، ففدعوا يديه، فقال عمر بن الخطاب: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم، فقسهما عمر بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا؛ دعنا نكن فيها كما أقرنا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر، فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقط علي قول رسول الله - ﷺ -: كيف بك إذا ركضت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا؟ وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية)].
* في هذا الحديث من الغريب: ذكر الفدع؛ والفدع: تغيير شكل اليدين والرجلين.
* وفيه من الفقه أن لوث العداوة معمول به، لأن عمر ﵁ قال: (ليس لنا عدو (٤٧/ ب) غيرهم، وقد رأيت إجلاءهم)، يعني اليهود.
[ ١ / ١٥٧ ]
* وفيه دليل على نبوة محمد - ﷺ -، لقول عمر ﵁ لابن أبي الحقيق: (أتظن أني نسيت قول رسول الله - ﷺ - لك: (كيف بك إذا أخرجت من خيبر تعدو بك قلوصك ليلة بعد ليلة)؟
* وفيه هذا الحديث الحجة في إجلاء اليهود من أرض العرب.
* وفيه أيضًا بيان جهل ابن أبي الحقيق إذ يقول: (هزيلة من أبي القاسم)، والنبي - ﷺ - لا يقول إلا حقًا في كل أحواله.
* وفيه أيضًا أنه لا يجوز بعد عقد الذمة لأهل الكتاب أن تؤخذ أموالهم؛ ألا ترى أن عمر ﵁ أعطاهم قيمة ما كان من التمر؛ مالًا وعروضًا وأقتابًا وحبالا وغير ذلك؟
* وفي هذا الحديث من الفقه أن المسلمين لما فتحوا خيبر عنوة ملكوا أرضها وغراسها؛ وإلا فلو كان باقيًا على ملك يهود لكان أعطاهم ثمنه كما أعطاهم ثمن التمر.
في رواية البخاري الأخرى التي شك فيها أبو سلمة عن نافع ما يفسر هذا المعنى، وأنه شرط لهم من التمر ما تحمل رواحلهم، وأنه صالحهم على الجلاء، وأنه اشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئًا فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد.
* وفي هذا الحديث من الفقه جواز أن ينال المتهم بالعذاب ليقر به عنده إذا كان كافرًا معاهدًا، وإذا كان قد عرف له مال ولم تمض مدة تستنفق فيها مثله.
* وفيه من الفقه أنه إذا كان قد عقد الذمة لجماعة على أن لا يخونه منهم أحد، فخانه من الجماعة واحد، فله أن ينقض العهد في الجميع، لأنه قال: (فقتل رسول الله - ﷺ - ابني أبي الحقيق، وسبى ذراريهم بالنكث الذي نكثوا).
* وفيه من الفقه جواز تسليم الرجل أرضه إلى غيره بشطر ما يخرج.
[ ١ / ١٥٨ ]
* وفيه أيضًا تحريم الرشوة، لقول عبد الله بن رواحة: (تطعموني السحت؟).
* وفيه أيضًا أنه يتعين على المسلم (٤٨/ أ) أن يبغض اليهود والنصارى ولا يكون لأحد منهم في قلبه مودة؛ ألا ترى قول عبد الله بن رواحة: (إنكم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير)؟
* وفيه أيضًا من الفقه أن هذا البغض إذ اشتد فلا ينبغي أن يزلزل المسلم عن إتباع الحق شعرة. وفي هذا يبين الإيمان؛ فإن الله ﷿ يقول: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.
* وفيه جواز أن يعد الإنسان قوته لعام، ولا يكون ذلك قادحًا في إيمانه ولا ناقصًا من تولكه؛ لقوله: (كان رسول الله - ﷺ - يعطي كل واحدة من أزواجه ثمانين وسقًا من تمر وعشرين وسقًا من شعير).
* وفيه أيضًا دليل تام على التوسعة على العيال، فإن بهذا الحساب يكون لكل امرأة من نسائه في كل يوم تمرًا وشعيرًا تسعون رطلًا تقريبًا.
- ٤٧ -
الحديث الثالث:
[عن ابن عمر أن غلامًا قتل غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم. موقوف.
[ ١ / ١٥٩ ]
قال البخاري: وقال مغيرة بن حكيم، عن أبيه: إن أربعة قتلوا صبيًا، فقال عمر مثله].
* في هذا الحديث من الفقه أن يقتل الجماعة بالواحد.
- ٤٨ -
الحديث الرابع:
[عن ابن عمر قال: لما فتح هذان المصران، أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنًا، وإنه جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا أن نأتي قرنًا شق علينا! قال فانظروا حذوها من طريقكم، قال: فحد لهم ذات عرق].
* في هذا الحديث من الفقه أن كل طريق لم يوقت فيها رسول الله ﷺ ميقاتًا لإحرام الحج فإنه يحاذى الميقات القريب إليه، ويهل منه فذلك ميقاته.
- ٤٩ -
الحديث الخامس:
[من حديث ريبعة بن عبد الله أنه حضر عمر وقد قرأ (٤٨/ ب) يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى جاء (السجدة)، فنزل فسجد،
[ ١ / ١٦٠ ]
وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يأيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد.
وفي رواية: إن الله تعالى لم يفرض علينا السجود، إلا أن نشاء].
* في هذا الحديث من الفقه أن سجود التلاوة سنة وليس فريضة.
* وفيه أيضًا أنه يستحب للعالم أن يترك الأفضل في وقت ليعلم الناس أن ذلك ليس بواجب.
- ٥٠ -
الحديث السادس:
[عن ابن عمر في إسلام عمر، قال: بينما هو- يعني عمر- في الدار خائفًا، إذا جاءه العاصي بن وائل السهمي أبو عمرو، عليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: ما بالك؟ قال له عمر: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك، بعد أن قالها أمنت، فخرج العاصي فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريديون؟ فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ، قال: لا سبيل إليه، فكر الناس].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله ﷾ يمنع عبده المسلم بما شاء، ويجعل صونه بيد عدوه، ويرد عنه الأذى بمكان خصمه.
* وفيه أيضًا أن المؤمن إذا كان في شدة وقد اضطره الأمر أن يستدفع الشر بمشرك، فإن ذلك جائز بمثل حال عمر ﵁.
[ ١ / ١٦١ ]
- ٥١ -
الحديث السابع:
[عن أبي موسى الأشعري قال: قال لي عبد الله بن عمر، هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: قلت: لا، قال: قال أبي لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله - ﷺ -، وهجرتنا معه، وجهادنا معه، وعملنا كله معه، (٤٩/ أ) برد لنا، وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا؛ رأسا برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد جاهدنا بعد رسول الله - ﷺ -، وصلينا وصمنا، وعملنا خيرا كثيرا، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجو ذلك. قال أبي: لكني والذي نفس عمر بيده، لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعده نجونا منه كفافا رأسا برأس. فقلت: إن أباك والله خير من أبي].
* في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن كلما قلت ذنوبه ازداد خوفه، وكلما غزر عقله استبد قلقه، وما ذكره أبو موسى من اعتداده بحجه وجهاده فإنه إيمان بكون ذلك كله حسنات، إلا أن الذي نظر ﵁ من أنه انتهت ودادته إلى أن يبرد له عمله، أي يثبت عمله مع رسول الله - ﷺ - ويهدر الباقي، يدل على أنه قد خاف أن يكون ما أتى به بعد رسول الله - ﷺ - من بعض ما فعله بالاجتهاد أو غير ذلك مزلزلا لعمله الأول مع النبي - ﷺ -، وهذا إذا كان يقوله عمر وهو المعروف الخلال في زهده في الدنيا، وعدله في المسلمين، وفتحه الفتوح، وإنصافه في القسمة بين الغانمين، وجده في أمر الله، فكيف بنا وأمثالنا إذا اتبعنا النفوس أهواءها وتمنينا على الله سبحانه، نسأل الله أن يوفقنا لما يرضاه من القول والعمل، وأن يحمينا من الغرور، إنه ولي الإجابة.
[ ١ / ١٦٢ ]
- ٥٢ -
الحديث الثامن:
[عن عمر قال: لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فلما قام رسول الله - ﷺ - وثبت إليه، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: (أخر عني يا عمر). فلما أكثرت عليه، قال: (إني خيرت فاخترت، لو أعلم أني (٤٩/ ب) إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها)، قال: فصلى عليه رسول الله - ﷺ - ثم انصرف، فلم يمكث إلا سيرا حتى نزلت الآية من براءة: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾، قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله ﷺ يومئذ، والله ورسوله أعلم].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الإمام إذا وادع من يسر له السوء وينافقه في الدين، إلا أنه لا يظاهره؛ من أجل أن لا يحدث ما يثير الفرقة، فإن ذلك جائز.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن يذكر الإمام ببعض ما يقتضيه رأي بعض أصحابه وهو أيضًا جائز.
* وفيه أيضًا ما يدل على حرص رسول الله - ﷺ - على أن يشمل بمغفرة الله تعالى سائر خلقه لقوله: (لو علمت أنه إن زدت على السبعين يغفر له لزدت).
[ ١ / ١٦٣ ]
* وفيه ما يدل على فضيلة الشدة في الدين، وعداوة المنافقين، حتى نزل القرآن بما كان قد ذكره عمر.
* وفيه أيضًا أن عمر لما سكن عنه ما وجد به على المنافقين عجب من جرأته على رسول الله - ﷺ -.
- ٥٣ -
الحديث التاسع:
[من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: لما قدم عيينة بن حصن بن حذيفة نزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاروته، كهولا كانا أو شبانًا، فقال عيينة: يابن أخي، هل لك وجه عند الأمير؟ فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا بن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله ﷿ قال لنبيه - ﷺ -: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب (٥٠/ أ) الله ﷿].
* في هذا الحديث من الفقه استحباب مجالسة الإمام للقراء وإن كانوا أحداثًا.
* وفيه أيضًا جواز الإيقاع بمن يسيء أدبه على الإمام لأن عمر هم بذلك.
* وفيه أيضًا جواز العفو عمن يسيء أدبه إذا خرج مخرج العفو عن قدرة؛ فإن الحر
[ ١ / ١٦٤ ]
استعطف عمر بأن دعاه إلى أدب الله والأخذ بمكارم الأخلاق التي فيها الإعراض عن الجاهلين.
* وفيه أيضًا أن عمر كان وقافًا عند كتاب الله؛ أي أنه لا يتجاوزه إلى غيره قناعة به ورضى بحكمه.
- ٥٤ -
الحديث العاشر:
[أن عمر قال يومًا لأصحاب رسول الله ﷺ: فيم ترون هذه الآية نزلت: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل﴾؟. قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، وقال: قولوا نعلم، أو لا نعلم، قال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال: يا ابن أخ، قل، ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعلم. قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله].
* فيه من الفقه أن قول الرجل: الله أعلم؛ في مثل هذا المقام لا يصلح؛ لأن الله أعلم أبدًا؛ ولأنه إذا سئل الرجل عما يعلمه فواجب عليه أن يذكره، وإن كان لا يعمله فواجب عليه أن يقول: لا أعلمه. فلو قال فيه ما يعلمه ثم أتبع ذلك بقوله: الله يعلم لكان حسنًا.
* وفيه من الفقه أنه إذا كان الرجل ذا لب وفقه فإنه لا ينبغي له أن يحقر نفسه أن يقول فيما قد عجز عنه الشيوخ.
[ ١ / ١٦٥ ]
* وفيه أيضًا دليل على أن يفتح الرجل طريقا في المسألة فيدل بذلك الفتح على باقي المسألة؛ ألا ترى أن ابن عباس قال: في نفسي منها شيء، ثم قال: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر: أي عمل؟ فقال ابن عباس: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله تعالى ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى (٥٠/ ب) أغرق أعماله؛ وإنما أعاد ابن عباس ذكر العمل ليستنهض فطنة عمر فيسبق عمر إلى فهم مقصوده، وكذلك كان؛ فإن عمر شرح المسألة فأقر ابن عباس على ذلك، وهو الذي أراد ابن عباس أن يذكره.
وقول عمر: ثم بعث الله له الشيطان؛ من نحو قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء﴾. وهذه الآية جاءت مثلا، فالبسط فيها مما أشار إليه ابن عباس وعمر ﵄، وهو أن الله ﷾ قد ذكر في الآيتين اللتين قبل هذه الآية حال المنفق رياء مع عدم الإيمان بالله ﷿ واليوم الآخر، وقال: ﴿فمثله كمثل صفوان عليه تراب﴾، وذكر أن مثل من ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من نفسه: ﴿كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين﴾، فارقًا سبحانه في ذلك الفرق والبين بين الذي ينفق رياء وبين الذي ينفق ابتغاء مرضاة الله، ثم أشار سبحانه إلى أن الإنفاق في سبيل الله إنما ثمرته على شبيه ثمرة صاحب جنة فيها نخيل وأعناب، وأنه لما أصابه الكبر وكانت له ذرية ضعفاء ليس فيهم من يقوم مقامه، ولا يغني عنه أبدًا، كلهم كل عليه- على كونهم زيادة ثقل وتضاعف هم- وكانت حاجته إلى بقاء تلك الجنة في ذلك الوقت أشد ما كانت حين أصابه الكبر، وذهب الزمان الذي يمكنه أن يغرس فيه غرسا يجتنبه، فأصابها إعصار في ذلك الوقت فاحترقت، فكذلك الذي أنفق ماله رياء الناس فإنه في القيامة حين تنقطع أعماله، وتشتد حاجته إلى ما قد أسلفه وقدمه فتجدها حينئذ قد أصابها الإعصار فاحترقت.
[ ١ / ١٦٦ ]
- ٥٥ -
الحديث الحادي عشر:
[عن عمر عن النبي ﷺ أنه قال وهو بوادي العقيق: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة).
وفي رواية سعيد بن الربيع: وقال: (عمرة وحجة)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن منام رسول الله (٥١/ أ) - ﷺ - حق وصدق، وما يدل على بركة وادي العقيق، وعلى اشتباك العمرة مع الحج.
- ٥٦ -
الحديث الثاني عشر: في مقتل عمر والشورى
(من رواية المسور بن مخرمة مختصرًا في الشورى.
ومن رواية عمرو بن ميمون بطوله؛
وهذا حديث عمرو، لأن حديث المسور طرف منه).
[قال عمرو: رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل، فقال: انظر أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق! فقالا: لا. فقال عمر: لئن سلمني الله ﷿ لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحد بعدي أبدًا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة حتى أصيب﵁-.
[ ١ / ١٦٧ ]
قال عمرو بن ميمون: وإني لقائم، ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكامن إذا مر بين الصفين قام بينهما، فإذا رأى خللا قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وقال: وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني- أو أكلني- الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينًا أو شمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، فمات منهم تسعة. وفي رواية: سبعة.
فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فأما من كان يلي عمر فقد رأى الذي رأيت، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون ما الأمر؛ غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر: من قتلني؟ قال: فجال ساعة ثم جاء، فقال: غلام المغيرة بن شعبة، فقال: الصنع؟ قال: نعم، قال: (٥١/ ب) قاتله الله، لقد كنت أمرت به معروفا، ثم قال: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل مسلم، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة،- وكان العباس أكثرهم رقيقًا- فقال بن عباس: إن شئت فعلت، أي إن شئت قتلنا. قال: بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقا معه، قال: وكان الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقال قائل: أخاف عليه، وقائل يقول: لا بأس، فأتى بنبيذ، فشرب منه فخرج من جوفه، ثم أتى بلبن فشرب منه، فخرج من جرحه، فعرفوا أنه ميت، قال: فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر
[ ١ / ١٦٨ ]
يا أمير المؤمنين ببشرى الله ﷿، قد كان لك صحبة رسول الله ﷺ، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، فقال: وددت أن ذلك كان كفافا، لا علي ولا لي، فلما أدبر الرجل إذا إزاره يمس الأرض، فقال: ردوا علي الغلام، فقال: يا ابن أخ، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفًا، أو نحوه، فقال: إن وفى به مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم، وأد عني هذا المال، انطلق إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، قال: فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، قال: فقالت: قد كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، فقال: ارفعوني فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا أنا قبضت (٥٢/ أ) فاحملوني، ثم سلم، وقل: يستأذن عمر، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسترنها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلا، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين؛ استخلف، فقال: ما أرى أحد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر- أو الرهط- الذين توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنهم راض، فسمى: عليًا، وعثمان، والزبير، وسعدًا، وطلحة، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء- كهيئة التعزية له- فإن أصابت الإمارة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما
[ ١ / ١٦٩ ]
أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا- ﴿الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم﴾ - أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا؛ فإنه ردء الإسلام، وجبال المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضى منهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام؛ أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله - ﷺ -: أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم، قال: فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي فسلم عبد الله بن عمر، وقال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد (٥٢/ ب) جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه! فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي، والله عليه أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم. فأخذ بيد أحدهما فقال: لك من قرابة رسول الله - ﷺ - والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، وبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه.
وفي حديث المسور: أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا فقال لهم عبد الرحمن بن عوف: لست بالذي أنافسكم في هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم، فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوه أمرهم انثال
[ ١ / ١٧٠ ]
الناس على عبد الرحمن ومالوا إليه، حتى ما رأى أحدا من الناس يتبع أحدًا من أولئك الرهط، ولا يطأ عقبيه، ومال الناس إلى عبد الرحمن يشاورونه ويناجونه تلك الليالي، حتى إذا كان الليلة التي أصبحنا فيها، فبايعنا عثمان.
قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظ فقال: ألا أراك نائما؟ فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكثير نوم، فادع لي الزبير وسعدًا، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني، فقال: ادع لي عليًا، فدعوته فناجاه حتى إبهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع، وكان عبد الرحمن يخشى من علي شيئًا ثم قال: ادع لي عثمان، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن للصبح، فلما صلى الناس الصبح، اجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل عبد الرحمن (٥٣/ أ) إلى ما كان خارجًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا قد وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن وقال: أما بعد، يا علي فإني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا، وأخذ بيد عثمان فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون)].
* في هذا الحديث من الفقه استظهار الإمام على عماله، وتخويفهم من أن يحيفوا على الرعية أو يحملوا الأرض ما لا يطيقه، مع جواز تفويضه ذلك إلى الأمناء عنده.
[ ١ / ١٧١ ]
* وفي هذا الحديث أيضًا أنه قد يستظهر العامل بالشيء اليسير مما لا يمكنه أنه يقف فيه عن نص التحقيق؛ لقوله: وما فيها كبير فضل.
* وفيه من الفقه أن عمر ﵁ رأى أن لأرامل العراق حقًا، وأمل أن يوصله إليهن.
* وفيه من الفقه أنه يتعين على الإمام في الصلاة أن يسد الخلل في الصفوف، وأنه لا يتقدم فيكبر حتى يرتب الصفوف.
* وفيه أيضًا استحباب تطويل الإمام في الركعة الأولى نحو يوسف أو النحل في التلاوة ليجتمع فيها الناس فيدركوا الركعة الأولى، ومما يدل على إشفاقه على المسلمين استنباته عبد الرحمن مع ما حدث له، وكون المسلمين لم يشغلهم عن الصلاة شيء.
* وفيه جواز تخفيف الإمام صلاته لما ذكره عن عبد الرحمن.
* وفيه جواز التداوي بالنبيذ، فإن عمر ﵁ قد ثبت عنه أنه قال: (الخمر من خمسة) وعد فيها التمر؛ إلا أنه ليس في هذا الحديث أن ذلك النبيذ كان مما يسكر كثيره.
* وفيه أيضًا أن من شدة إيمانه لم يمنعه ذلك الذي هو فيه من الإنكار على من أسبل إزاره.
* وفيه دليل على جواز كثرة الدين (٥٣/ ب) على المؤمن لما ينوبه من الحقوق اعتمادًا على الله تعالى أن يسهل قضاءه.
* وفيه أيضًا دليل على أنه مر ولده أن يقضي دينه من مال أهله ثقة بكرمهم وسماحتهم له، لأنه قال: إن لم يبق في مال آل عمر فاسأل في بني عدي وفي قريش، ثم أوصاه أن لا يعدو قريشًا التي هي قبيلته وقومه.
[ ١ / ١٧٢ ]
* وفيه أيضًا دليل على فقه عمر؛ من أن الجرح لما كان قد بلغ به إلى حد اليأس من الحياة أزال عنه سمة الإمامة.
* وفيه جواز البكاء لما أخبر عن بكاء عائشة وحفصة وانتحابهما.
* وفيه أن عائشة آثرته بما كانت تريده لنفسها لاستحقاقه له.
* وفيه دليل أن الأمة الصالحة إذا دهمها الأمر الشديد خرجت من غير كمال السترة؛ ألا تسمع إلى قوله: (والنساء يسترنها)؟
* وفيه أنه جعل الأمر في ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن، وسعد.
* وفيه أنه يجوز للرجل أن يرفأ قلب ولده بما لا يضر لقوله: (وليشهدها عبد الله وليس له من الأمر شيء).
* وفيه من الفقه أن الاختيار انتهى إلى عثمان وعلي ﵄ كما آل الأمر إليهما.
* وفيه أيضًا قوله: (وكان عبد الرحمن يخاف من علي شيئا)، ولا أراه إلا شيئًا يكون من نحو دعابة وما يشبهها، إذ لا يجوز أن يكون عبد الرحمن دفع الأمر عن علي ﵁ لشيء خافه على نفسه منه.
* وفيه جواز سهر الليل كله لمثل ذلك الأمر الجسيم.
- ٥٧ -
الحديث الثالث عشر:
[من رواية عبد الرحمن بن عبد القاري قال: (خرجت مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه،
[ ١ / ١٧٣ ]
ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارثهم. فقال عمر بن الخطاب (٥٤/ أ): نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله].
* فيه من الفقه أن عمر ﵁ أحدث الاجتماع لصلاة التراويح، وكان هذا من أحسن ما أحدث، وليس كل محدث على الإطلاق يهجر ويكره.
* وفيه أيضًا أن ناشئة الليل أفضل.
- ٥٨ -
الحديث الرابع عشر:
[عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر، كان أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا؛ يعني بلالا. قال لأبي بكر: إن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت اشتريتني لله ﷿، فدعني وعملي لله تعالى].
* فيه هذا الحديث من الفقه إثبات السؤدد لأبي بكر ﵁، فإن كانت الرواية قد ضبطت عن عمر في قوله: وأعتق سيدنا (بنصب الدال من سيدنا)
[ ١ / ١٧٤ ]
فيكون لمقام بلال في كونه مؤذنًا لرسول الله - ﷺ - ومراعيًا لأوقات الصلوات مع ما له من الفضائل، وإن كانت الدال مضمومة، رجعت السيادة إلى أبي بكر ﵁.
* قوله: (إن كنت اشتريتني لنفسك) ليس معناه أن يشك في أن أبا بكر إنما اشتراه لله تعالى، وإنما يعني: إن كنت اشتريتني لتجعلني في خدمة نفسك وترى أني لا أصلح إلا لخدمتك، ولا أصلح أن أكون في خدمة الله تعالى من الغزو والعبادة فخذني لنفسك، وإن كنت تراني أهلا للمعاملة لله وطلب الدرجات والقربات فخلني وذلك، ويقال: العالم من عرف منك ما تصلح له، فكأنه رجع إلى رأي أبي بكر في ذلك، وكأنه قال: إن كنت رأيتني بنظرك الصحيح لا أصلح إلا لخدمتك فاشغلني بذلك، وإن كنت رأيتني صالحًا للانقطاع إلى الله ﷿ فدعني وذلك، وفي هذا دليل على أن الإنسان لا يعرف من نفسه ما يعرفه صاحبه، وكأنه بهذا القول استطلع علم أبي بكر الذي هو فهمه من بلال وتوسمه منه، فلما أعتقه أبان بذلك أنه قد فهم أنه يصلح للمقام الأعلى.
- ٥٩ -
الحديث الخامس عشر:
[(٥٤/ ب) عن أنس بن مالك: (أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - ﷺ - فتسقينا، وإنا نتسول إليك بعم نبينا فاسقنا؛ قال: فيسقون)].
[ ١ / ١٧٥ ]
* في هذا الحديث من الفقه دليل على أن عمر ﵁ هداه الله تعالى لأن يأتي للأمر من بابه، وأنه لم يكن يوم مات رسول الله - ﷺ - على وجه الأرض ذكر أقرب إلى رسول الله - ﷺ - من العباس، فلذلك لما فقد عمر عين رسول الله - ﷺ - توسل بأقرب الناس إليه من جميع الخلق؛ وعلى هذا فإنه لا أقرب من العباس إلى النبي - ﷺ - من جميع هذه الأمة.
* وفيه من الفقه أن عمر ﵁ أحب أن يكون ما يمن الله تعالى به على الخلق من السقيا عن توسل بآل النبي - ﷺ - ليكون أوقر في اعتداد الأمة بالسقيا للنبي - ﷺ - ولم يدلي بنسبه إليه في أقرب نسب من عصبته.
- ٦٠ -
الحديث السادس عشر:
[عن أنس: أنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على منبر رسول الله - ﷺ -، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله - ﷺ - فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم، ثم قال عمر: أما بعد، فإني قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب أنزله الله تعالى، ولا في عهد عهده إلي رسول الله - ﷺ -، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يدبرنا- يريد أن يكون آخرهم-، فإن يك رسول الله - ﷺ - قد مات، فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، به هدى الله محمدًا - ﷺ -، فاعتصموا به تهتدوا بما هدى الله به محمد - ﷺ -. وإن أبا بكر صاحب رسول الله - ﷺ -، وثاني اثنين، وإنه أولى (الناس بأموركم)، فقوموا إليه وبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة عند المنبر.
[ ١ / ١٧٦ ]
وفي رواية قال الزهري: قال لي أنس بن مالك: (إنه رأى عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر إزعاجًا).
قال الزهري: وأخبرني سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب قال: (والله ما هو إلا أن تلاها أبو بكر؛ يعني قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، عقرت وأنا قائم حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن رسول الله - ﷺ - قد مات)].
* فيه من الفقه أن قول عمر: إني كنت قلت لكم أمس مقالة ولم تكن كما قلت، يعني أنه كان قد قال أمس أن رسول الله - ﷺ - لم يمت، ومن قال إن محمدًا قد مات علوته بسيفي هذا، إنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى؛ فقال عمر ذلك اعتذارا من القول الأول، ولذلك قال: إنما كنت أرجو أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يدبرنا، ولهذا يقول: إن يكن رسول الله - ﷺ - قد مات فإن الله ﷿ قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، يعني القرآن، وهذا من عمر صدق وقول حق، إلا أن الفضل منه لم يسبق بالنطق به، وسبقه به غيره؛ وهو أبو بكر ﵁.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن البيعة العامة كانت من غد يوم السقيفة تأكيدًا للأول وتثبيتًا منه.
* وفيه من الفقه أن المؤمن قد ينبغي أن يكون ناهضًا جلدًا حريصًا على استتباب
[ ١ / ١٧٧ ]
الحق حتى يحمل عليه صاحب الحق؛ ألا تراه يقول: رأيت عمر يزعج أبا بكر إلى المنبر؟
*وفيه من الفقه أن القرآن وحي مجدد كلما سمع، ألا ترى إلى عمر ﵁ كيف يقول: والله ما هو إلا أن تلاها أبو بكر؛ يعني قوله: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾، فعقرت أي دهشت وأنا قائم حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن رسول الله - ﷺ - قد (٥٥/ ب) مات؟
* وفيه من الفقه أن الرجل قد يدركه الدهش عند سماع القرآن إلى أن يخر، وهذا إذا جرى على الإنسان كان إيمانًا، وأما افتعاله فأخشى أن يكون شركًا بالله ﷿.
- ٦١ -
الحديث السابع عشر:
[عن أنس قال: كنا عند عمر فقال: نهينا عن التكلف.
وفي رواية عن ثابت عن أنس: أن عمر قرأ: ﴿وفاكهة وأبا﴾، قال: فما الأب؟ ثم قال: ما كلفنا؛ أو قال: ما أمرنا بهذا].
* في هذا الحديث من الفقه أنه إنما كره عمر التكلف؛ وهو التتبع لكتاب الله بمشقة لا ترجع إلى التماس فائدة على سبيل التعنت والاعتراض، ولذلك ضرب ضبيعا إذ كان يتتبع من القرآن ما يظنه إشكالا، وإلا فلا خلاف بين المسلمين أن السؤال عن غريب القرآن من الأب وغيره طلبًا للفائدة وعلم ما يعرفه العرب منه أن ذلك
[ ١ / ١٧٨ ]
قربة إلى الله ﷿، وإنما المكروه التكلف والتتبع لما لا فائدة ولا نفع فيه، وقد قال الله تعالى: ﴿وما أنا من المتكلفين﴾.
- ٦٢ -
الحديث الثامن عشر:
[عن السائب بن يزيد قال: كنت نائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، أترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - ﷺ -]؟
* فيه من الفقه أن الغريب الذي لا يعرف مقدار شرف المسجد معذور حتى يعرف.
* وفيه أيضًا من الفقه أن رفع الصوت في المسجد في غير ذكر الله هو الذي نهى عه عمر؛ لأن المساجد إنما بنيت ليذكر فيها اسم الله ﷿، ولأن أحد ملوك الدنيا إذا رفع الصوت في داره بغير حمده والثناء عليه عد ذلك من سوء الأدب.
* وفيه أيضًا من الفقه أن أرسل إليهما ولم يذهب بنفسه، وفي ذلك دليل على جواز الاستنابة في إنكار المنكر.
* وفيه أيضًا أن عمر أحس بأنهما غريبان فأراد أن (٥٦/ أ) يستدعيا إليه، فيعلما أنه سيد وآمر فيصيرا إلى قوله.
- ٦٣ -
الحديث التاسع عشر:
[عن حفصة وعن أسلم مولى عمر قالا: قال عمر: اللهم ارزقني شهادة
[ ١ / ١٧٩ ]
في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك.
وفي رواية عن حفصة فقلت: أنى يكون هذا؟ فقال: يأتيني به الله إذا شاء].
* في هذا الحديث من الفقه أن العبد إذا دعا الله ﷿ بالشيء الممتنع على غير الله فإنه مستحب وأولى من الدعاء الشيء المعهود المألوف، وأجدر بالإجابة من غيره إذا دعا به الداعي وهو موقن بالإجابة، ألا ترى أن حفصة لما قالت له: أني يكون هذا؟ قال: يأتي به الله إذا شاء!؟ فلا جرم أجابه الله إلى ما سأل وبلغه ما طلب؛ وإنما أحب عمر ﵁- فيما أرى- فضيلة الشهادة وشرف الدفن عند رسول الله - ﷺ - ليكون ضجيع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر ﵁.
- ٦٤ -
الحديث العشرون:
[عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن مظعون على البحرين، وكان شهد بدرًا مع النبي - ﷺ -، وهو خال ابن عمر وحفصة زوج النبي - ﷺ -.
لم يزد، وهو طرف من حديث طويل في قصة لقدامة بن مظعون اقتصر البخاري على هذا القدر منه لحاجته إليه في من شهد بدرًا.
[ ١ / ١٨٠ ]
قال الحميدي: وقد وقع لنا بتهامه بهذا الإسناد متصلا بقوله: وكان خال ابن عمر وحفصة، قال: وقدم الجارود من البحرين فقال: يا أمير المؤمنين، إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرًا، وإني إذا رأيت حدًا من حدود الله حق علي أن أرفعه إليك، فقال له عمر: من يشهد على ما تقول؟ فقال: أبو هريرة، فدعا عمر أبا هريرة؛ فقال عمر: ما تشهد يا أبا هريرة؟ قال: لم أره حين شرب وقد رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطعت يا أبا هريرة في الشهادة، ثم كتب إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم (٥٦/ ب) عليه، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة، كلم الجارود عمر فقال: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر للجارود: أشهيد أنت أم خصيم؟ فقال الجارود: أنا شهيد. فقال: قد كنت أديت شهادتك، فسكت الجارود ثم قال: لتعلمن أني أنشدك الله. فقال عمر: أما والله لتملكن لسانك أو لأسوأنك. فقال الجارود. أما والله ما ذاك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوأني، فأوعده عمر، فقال أبو هريرة- وهو جالس-: يا أمير المؤمنين؛ إن كنت تشك في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون، فأرسل عمر إلى هند زوجة قدامة ينشدها بالله فأقامت هند على زوجها قدامة الشهادة. فقال عمر: يا قدامة، إني جالدك، فقال قدامة: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر! قال: ولم يا قدامة؟ قال إن الله ﷿ قال: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين﴾. فقال عمر: إنك أخطأت التأويل يا قدامة؛ إذا اتقيت اجتنبت ما حرم الله. ثم أقبل عمر على القوم، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقال القوم: لا نرى أن يجلد ما دام وجعا، فسكت عمر عن جلده أيامًا ثم أصبح يومًا قد عزم على جلده فقال لأصحابه: ماذا ترون في جلد قدامة؟ فقالوا: لا نرى أن يجلد ما دام وجعًا؟
[ ١ / ١٨١ ]
فقال عمر: إنه والله لئن يلقى الله تحت السياط أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي، إي والله لأجلدنه، ائتوني بسوط. فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير، فأخذه، فمسحه بيده ثم قال لأسلم: قد أخذتك دقرارة أهلك! ائتوني بسوط غير هذا، قال: فجاءه أسلم بسوط، فأمر عمر بقدامة فجلد؛ فغاضب قدامة عمر وهجره، فحجا، وقدامة مهاجر لعمر حتى قفولا من حجهم، ونزل عمر بالسقيا، ونام بها، فلما استيقظ قال: عجلوا علي بقدامة، انطلقوا فأتوني به، فوالله إني (٥٧/ أ) لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال لي: سالم قدامة فإنه أخوك، فلما جاؤوا قدامة أبى أن يأتيه، فأمر عمر بقدامة فجر إليه جرًا حتى كلمه عمر واستغفر له فكان أول صلحهما].
* في هذا الحديث من الفقه أن العبد المؤمن قد يقارف المعصية، فإن قدامة بن مظعون مع كونه قد شهد بدرًا قارف ما أوجب حدًا.
* وفيه من الفقه أن الإنسان إذا رأى ما يوجب حدًا قد أظهره فاعله، وجب عليه رفعه إلى الإمام لقول الجارود: (إذا رأيت حدًا من حدود الله وجب علي أن أرفعه إليك)، فلم ينكره عمر.
* وفيه أنه لم يقبل في البينة على شرب الخمر شهادة واحدة حتى استشهد أبا هريرة.
* وفيه أيضًا أنه لما لم يشهد أبو هريرة بأنه رآه قد شرب الخمر، أخر العمل بالشهادة، لأن الشهادة بالسكر والقيء لا توجب الحد.
* ثم قوله: (لقد تنطعت في الشهادة يا أبا هريرة)، أي قد تعمقت في ذلك توصلا إلى أن يشهد عليه، ويدل على أنه إذا كان لم يعاين الشرب كان من شأنه أن لا يشهد.
* وفي هذا الحديث كراهية الحرص على إقامة الشهادة في الحدود لأن رسول الله - ﷺ -
[ ١ / ١٨٢ ]
قال: (ادرأوا الحدود بالشبهات) لأنه عورة للمسلم، ولا يحسن بأخيه المسلم أن يكون حريصًا على هتك عورة أخيه؛ ولهذا قال عمر للجارود: (أشهيد أنت أم خصيم؟) لما قال (أقم على هذا كتاب الله) ثم لما قال: (أنا شهيد)، قال: (فقد كنت أديت شهادتك).
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه يكره معاودة الإمام في الحرص على إقامة الحد، ألا ترى أن عمر قال للجارود لما عاوده: (لتملكن لسانك أو لأسوءنك)؟
* وفيه أيضًا ما يدل على حلم عمر حيث قال له الجارود: (أيشرب ابن عمك الحمر وتسوءني؟)، لأنه اقتصر على الإيعاد.
* وفيه أيضًا من الدليل على أنه لما كانت شهادة أبي هريرة فيها بعض الإعواز، استفاد عمر بقول المرأة غلبة الظن على صدق ما أخبر به لأنها زوجته.
* وفيه أيضًا أنه ليس لكل (٥٧/ ب) أحد أن يستدل بآيات القرآن، وإنما ذلك لأهل العلم والفقه؛ ألا ترى أن عمر قال لقدامة: (أخطأت التأويل)؛ لما احتج عليه بقول الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا﴾ (فقال): (لو اتقيت لاجتنبت ما حرم الله عليك)؟
* وفيه أيضًا من الفقه أنه إذا شرب الخمر فشهد عليه بذلك شاهدان، ورفعا ذلك إلى الإمام أو نائبه الحاكم، فإن الجلد يجب عليه وإن تاب، ألا ترى أن عمر جلد قدامة بعد المدة الطويلة، بل لو تاب فيما بينه وبين الله ﷿ من قبل أن تقوم البينة لم يكن عليه حدً إلا أن يقر؟
* وفيه من الفقه أن المسلم إذا وجب عليه حد وكان مريضًا أنه لا يؤخذ منه الحد
[ ١ / ١٨٣ ]
حتى يبرأ من مرضه.
* وفيه أيضًا أن استيفاء الحد يكون بسوط بين سوطين.
* وفيه أن الإمام والحاكم يتعين عليه أن يشاور أهل مجلسه من أهل العلم في الحوادث التي تحدث له.
* وفيه من الفقه أن الحد إذا وجب لم يجز للإمام أن يعفو عنه؛ ألا ترى إلى قول عمر: (والله لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلي من أن ألقى الله وهو في عنقي)؟
- والدقرارة في لغة العرب على نحو الشيمة أو السخيمة في المخالفة، فكان عمر ﵁ قال له لما جاءه بسوط ناقص: (أخذتك دقرارة أهلك)؛ يريد به ذلك.
* وفيه أيضًا أن عمر حين استوفى من قدامة رفق به وصبر على هجره، وأعين قدامة من قبل الله ﷿ رفقًا من الله بقدامة أيضًا لما رآه عمر في منامه وقيل له: (سالم قدامة؛ فإنه أخوك)؛ ومعنى قوله: (أخوك) أي هو مؤمن، فإن الله تعالى يقول: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، ولذلك جره عمر إلى صلحه جرًا. وهذا قد كان مما جره حرص الجارود فإن رسول الله - ﷺ - يقول: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم).
[ ١ / ١٨٤ ]
- ٦٥ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن ثعلبة بن أبي مالك أن عمر قسم مروطًا بين نساء أهل المدينة، فبقي منها (٥٨/ أ) مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله - ﷺ - التي عندك، يريدون أم كلثوم بنت علي. فقال: أم سليط أحق به، فإنها ممن بايع رسول الله ﷺ، كانت تزفر لنا القرب يوم أحد].
* فيه من الفقه أن عمر قسم ما يصلح للنساء في النساء.
* وفيه أن عمر آثر أم سليط على أم كلثوم، وما ذاك لأجل نسب أم سليط ولكن لأنها بايعت رسول الله - ﷺ -، وكانت تزفر القرب يوم أحد؛ وتزفر أي تحمل.
- ٦٦ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أسلم قال: قال عمر: أما والذي نفسي بيده، لولا أن أرك آخر الناس بيانًا ليس لهم من شيء، ما فتحت علي قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها].
* فيه من الفقه أن عمر أدى اجتهاده إلى حبس أرض العراق لأجل أواخر الناس من المسلمين، وأن لا يكونوا بيانًا أي مستوين في الغنى والفقر. وهذا يدل على
[ ١ / ١٨٥ ]
أن اجتهاد الإمام إذا أدى إلى صورة تخالف ظاهر فعل رسول الله - ﷺ - مما لم ينص رسول الله على المنع منه، فإن ذلك جائز مع كونه اجتهادًا فيما يسوغ، وذلك فيه جائز؛ ألا تسمعه يقول: (لما تركت شبرًا إلا قسمته بين الغانمين؛ كما فعل رسول الله - ﷺ - بخيبر)؟
- ٦٧ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن أسلم: أن عمر كان يسير مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره ليلا، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر، نزرت رسول الله ﷺ ثلاث مرار، كل ذلك لا يجيب. قال عمر: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن، فجئت رسول الله ﷺ فسلمت (٥٨/ أ) عليه، فقال: لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾].
* في هذا الحديث من الفقه جواز مراجعة رسول الله - ﷺ - مرارا ثلاثًا إذا لم يجب.
* وقوله: (نزرت رسول الله - ﷺ -)؛ أي أكثرت عليه في السؤال وألححت فأضجرته.
[ ١ / ١٨٦ ]
* وفيه أيضًا شدة سرور رسول الله - ﷺ - بسورة الفتح؛ وإنما سر رسول الله - ﷺ - ظهور الحق وعلو الإسلام وكون الفتح، فإن الله ﷿ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإن الله ﷾ ينصره نصرًا عزيزًا، وليس هذا النصر مقصورا على زمانه وحده بل هو إلى يوم القيامة، كلما نصر الله الحق الذي جاء به كان ذلك نصرا له.
* وقوله ﷿ (عزيزًا) أي ينصرك في كل مأزق، فمن النصر العزيز ما من الله به يوم القادسية واليروموك، والمشاهد التي شهدها المسلمون، فلم يكن فيها انتصار من وراء جدرا ولا اعتضاد بجيش ملك من الملوك ولا غير ذلك، بل كان نصرًا عزيزًا من عند الله ﷿.
- ٦٨ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أسلم قال: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة، فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي، وترك صبية صغارًا، والله ما ينضجون كراعًا، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن يأكلهم الضبع، وأنا ابنة خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول الله ﷺ، فوقف معها عمر ولم يمض، وقال: مرحبا بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاما، وجعل بينهما نفقة وثيابًا، ثم ناولها بخطامه فقال: اقتاديه، فلن يفنى هذا حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها؟ فقال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه (٥٩/ أ) وأخاها، قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحاه، وأصبحنا نستفيء سهمانهما فيه].
[ ١ / ١٨٧ ]
* فيه من الفقه جواز أن تكلم المرأة الشابة الإمام في حاجتها؛ إلا أني أستحب أن يكون ذلك في السوق ونحوه لا في خلوة.
* وفيه أيضًا أني يفصح السائل عن حاله ونسبه؛ كما سألت هذه المرأة، وأخبرت أن أباها خفاف بن إيماء الغفاري.
* وفيه أيضًا جواز أن يذكر السائل حاله على سبيل التقرير لا على سبيل الشكوى، إذ لم ينكر عليها؛ إذ لو كان ذلك شكوى لأنكره.
* وفيه أيضًا استحباب لقاء السائل بانطلاق وانشراح لقول عمر: (مرحبا بنسب قريب).
* وفيه أيضًا استحباب إغناء السائل في دفعة واحدة.
* وفيه أيضًا اعتراف عمر بما كان لأبيها وأخيها من غنائهما في محاصرة الحصن حتى قال: (فأصبحنا نستفيء سهمانهما)، أي نتخذها فيئًا.
- ٦٩ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أسلم: أن عمر بن الخطاب ﵁ استعمل مولى له يدعى هينًا على الحمى، فقال: يا هني اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة، ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه، فيقول: يا أمير المؤمنين؟
أفتاركه أنا لا أبالك؟ فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق، ويم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية،
[ ١ / ١٨٨ ]
وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله، ما حميت عليهم من بلادهم شبرًا].
* في هذا الحديث من الفقه استحباب إيصاء الإمام عامله إذا أرسله على الصدقات وإيساع حواشي الوصية.
* وفيه أيضًا التخويف من دعوة المظلوم، ومعنى المظلوم في (٥٩/ ب) الصدقة أن يخاف من الاستيفاء منه.
* وفيه من الفقه أن لا يتخصص بالكلأ والمرعى الغني دون الفقير لقوله: (أدخل رب الصريمة والغنمية، وإياي ونعم ابن عفان وابن عوف) يعني لا تجعلهما في ذلك سواء.
* وفيه أيضًا أن الإمام ينظر الأصلح والأوفر فيتوخاه، ألا تراه يقول: (فالماء والذهب أيسر من الذهب والفضة).
* وفيه أيضًا دليل على جواز أن يحمي الإمام حمى للدواب التي يحمل عليها في سبيل الله لقول عمر: (لولا الدواب التي أحمل عليها في سبيل الله ما حميت شبرًا).
- ٧٠ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن عمر: أن رجلًا على عهد رسول الله ﷺ كان اسمه عبد الله، يلقب حمارًا، وكان يضحك على رسول الله ﷺ، وكان رسول الله - ﷺ - قد جلده في الشرب، فأتى به يومًا، فأمر به فجلد، فقال
[ ١ / ١٨٩ ]
رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ: لا تلعنوه، فوالله ما علمت: إنه يحب الله ورسوله].
* في هذا الحديث من الفقه أنه قد يلقب الإنسان بلقب فيغلب عليه فيصير علمًا له، فإذا ذكر باسمه لم يعرف حتى يؤتى باللقب؛ إلا أنه يكره.
* وفيه أيضًا دليل على جواز استجلاب الضحك؛ إذ لو كان ذلك حرامًا لنهاه رسول الله - ﷺ - عنه، ويقوي هذا الحديث الذي تقدم تفسيره في اعتزال النبي - ﷺ - نساءه، فإن عمر استجلب ضحك رسول الله - ﷺ - بما حدثه به.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن الإنسان بمقارفة الذنب لا يخرج من الإيمان، لقول النبي - ﷺ - ناهيًا اللاعن من أجل كثرة ما أتى حمار في شرب الخمر: (فوالله ما علمت: إنه يحب الله ورسوله). (وما) هاهنا بمعنى (الذي).
- ٧١ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن عمر قال: (قام رسول (٦٠/ أ) الله ﷺ فينا مقامًا فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - بلغ وأدى ما أرسل به، وأوضح للناس الأمور، منذ بدأ الخلق إلى قيام الساعة ووصول الناس إلى منازلهم من الجنة والنار، وإنما دخل ذلك من قبل الحفظ والنسيان.
[ ١ / ١٩٠ ]
- ٧٢ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن عمر قال: (كان أهل الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، فخالفهم النبي ﷺ، فأفاض قبل طلوع الشمس)].
* فيه من الفقه أن رسول الله - ﷺ - لما رأى الجاهلية على مسيرتهم التي كانت يجعلون فيها إشراق ثبير هو المستدعي للإفاضة، وأن ذلك تعلق منهم بمخلوق يؤدي إلى شرك، وقد كان من سجود الكفار للشمس ما كان، أفاض كما أمره الله تعالى بالإفاضة قبل طلوع الشمس في وقت يخلص فيه العمل لله من شبهة وقت يكون لعباد الشمس فيه إقبال على الشمس؛ فتمحض العمل لله ﷿.
- ٧٣ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن أبي الأسود قال: (أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، والناس يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر، فمروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال عمر: وجبت، قال: ومروا بأخرى فأثنوا عليها، فقال: وجبت، ثم مروا بثالثة فأثنى على صاحبها شر، فقال: وجبت.
قال أبو الأسود: فقلت يا أمير المؤمنين، ما وجبت؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ: (أيما مسلم شهد له أربعة نفر بخير أدخله
[ ١ / ١٩١ ]
الله الجنة، قال: فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان)، قال: ثم لم نسأله عن الواحد].
* في هذا الحديث من الفقه أن المسلمين إذا شهدوا بالخير، فقد بدأوا في إثبات الحق لأن المسلمين حينئذ في زمان رسول الله - ﷺ - لم يكونوا يستجيزون الثناء إلا على (٦٠/ ب) أهل ذلك، كما لم يكونوا يستجيزون الطعن إلا على أهل ذلك.
* والأربعة من الشهود هم الغاية في البينات ثم قوله: (واثنان) هي الطبعة الدنيا في البينة.
- ٧٤ -
الحديث الثلاثون:
[عن قيس بن أبي حازم قال: كان عطاء البدريين: (خمسة آلاف، خمسة آلاف)، وقال عمر: لأفضلنهم على من بعدهم)].
* في هذا الحديث من الفقه تفضيل أهل بدر على غيرهم. وفي تفضيلهم في العطاء مع كونهم أهل زهد في الدنيا وتفان عن الأموال معنيان:
أحدهما، أنهم أهل أمن على ما يكون في أيديهم فلا يستجف لهم حصاة ولا يدخرون من فوق كفاف.
والثاني، أنهم بعرضة أن يخرجوه صدقة وفي سبيل البر عن كثب فيصير بإخراجهم له فيما يخرجونه فيه مضاعفًا إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ١٩٢ ]
- ٧٥ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن عمر: إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، والله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة].
* في هذا الحديث من الفقه أن العمل على الظواهر، والله تعالى يتولى السرائر، فمن أظهر خيرًا فأمنه المسلم فلا جناح على الآمن، كما أن من أظهر شرًا فحذره المسلم فلا جناح على الحاذر. وكذلك يكون الآمن لو أظهر كل منهما ضد ذلك، فكانت الحال محمولة على ما أظهر دون ما أسر.
- ٧٦ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن نافع أن عمر كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابن عمر: ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين الأولين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ قال: إنما هاجر به أوباه، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه].
* في هذا الحديث ما يدل على ورع عمر ﵁ (٦١/ أ) وشدة محاسبته
[ ١ / ١٩٣ ]
لنفسه في أمر الله ﷿، فإنه نظر في ذلك إلى من هاجر بنفسه فإن له فضلا على من هاجر مع أبيه من حيث إنه قد كانت لهجرة أبيه مماسة أو حصة في هجرته فقد قدرها بسهم من ثمانية، فإن كان المفروض من عين فأراه أنه لما رأى إعوازه في تمام الهجرة لشيء من حاله في تقدمه قاسه بما لو أعوزه شيء من جوارحه كيد، أو رجل، أو عين فإن قيمة ذلك خمسمائة.
- ٧٧ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[أن عمر أذن لأزواج النبي ﷺ في آخر حجة حجها، يعني: من الحج، وبعث معهن عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان)].
* في هذا الحديث من الفقه إذن عمر لأزواج النبي - ﷺ - في الحج، وإنقاذه في صحبتهم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وهما الصالحان الكريمان، وإن كان أزواج النبي - ﷺ - أمهات للمؤمنين كلهم.
- ٧٨ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن صفية بنت أبي عبيد أن عبدًا من رقيق الإمارة وقع على وليدة من الخمس، فاستكرهها حتى افتضها، فجلده عمر الحد ونفاه، ولم يجلد الوليدة من أجل أنه استكرهها].
* فيه من الفقه سقوط الحد عن المستكرهة ووجوبه على المكره.
[ ١ / ١٩٤ ]
من أفراد مسلم
- ٧٩ -
الحديث الأول:
[عن عمر أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، قال: فقلت: يا رسول الله لو اشتريتها ليوم الجمعة والوفود إذا قدموا عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: (إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة) قال: فأتى رسول الله - ﷺ - بعدها حلل، فكساني حلة؛ فقلت يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: إني لم أكسكها لتلبسها، إنما كسوتكها لتكسوها (للنساء) أو لتبيعها)].
* في هذا الحديث نم الفقه جواز أن يعطي الإمام الثوب الحرير للرجل لا على أن يلبسه ولكن على أن ينتفع بثمنه.
والسيراء: جنس من الحرير.
- ٨٠ -
الحديث الثاني:
[(٦١/ ب) عن عمر أنه سأل النبي ﷺ: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: (نعم، إذا توضأ)].
[ ١ / ١٩٥ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن وضوء الجنب تخفيف من حدثه، وإذا نام وقد أماط عنه الأذى كان آمنًا في تقلبه أن ينال بيده شيئًا من الأذى، ويكون في منامه متعرضًا للرؤيا في خفة الحدث.
* وليكون أيضًا إن كان ممن له زوجتان فأراد أن يطأ زوجته الأخرى كان فرجه طاهرًا، فلا يلقي في فرج المرأة بنجاسة؛ إلا أن الغسل أولى، ولو اقتصر على غسل فرجه من غير وضوء جاز، ولو رقد من غير أن يمس ماء كان ذلك مباحًا
[ ١ / ١٩٦ ]
إلا أنه يفوته الأفضل والأحوط على مقتضى ما تقدم ذكرنا له من الدرجات في الغسل والوضوء.
- ٨١ -
الحديث الثالث:
[عن عمر أنه قال: (أصبت أرضًا؛ لم أصب مالا أحب إلي ولا أنفس عندي منها، فقال ﷺ: (إن شئت (حبست أصلها) وتصدقت بها)، فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب؛ في الفقراء، وذوي القربى، والرقاب، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على وليها أن يأكل بالمعروف، غير متمول مالا، ويطعم].
* فيه من الفقه جواز إحباس الأرض، وإدرار التصدق لغلتها.
* وفيه أيضًا ما يدل على فقه عمر ورغبته في إصابة رضى الله ﷿؛ أنه لما أصاب مالا لم يصب مالا أحب إليه منه بادر إلى إخراجه في سبيل الله لينال البر الذي شرطه الله ﷿ في الإنفاق مما يحب العبد، فقال: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾.
* وفيه أيضًا جواز أن يأكل والي الوقف منه إذا شرط ذلك واقفه؛ كما شرط عمر؛ ما لم يتمول، وكان أكله بالمعروف.
- ٨٢ -
الحديث الرابع: (حديث الإيمان)
[قال يحيى بن يعمر: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني،
[ ١ / ١٩٧ ]
فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين، أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه (٦٢/ أ) عما يقول هؤلاء في القدر؟ فوافق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكرت من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ (ذات يوم) إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى أتى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام! قال رسول الله - ﷺ -: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه.
قال: فأخبرني عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، قال: صدقت.
قال: أخبرني عن الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك)، قال: فأخبرني عن الساعة! قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).
قال: فأخبرني عن أمارتها! قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).
[ ١ / ١٩٨ ]
قال: ثم انطلق، فلبثت مليًا، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
زاد البرقاني: (٦٢/ ب) فيه عن عمر عن النبي - ﷺ - قال: التقى آدم وموسى فقال موسى: أنت آدم الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم. قال: فوجدته قدره لي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم. قال: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى].
* في هذا الحديث من الفقه أن من الناس من يقرأ القرآن ويتقفر العلم إلا أنه إذا كان ذا خلل في عقيدته أو ذاهبًا في بدعة في الدين فإنه لا يصعد له عمل، وإن نفقتهم غير مقبولة، والذي منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم سواء عقائدهم؛ لأن العقائد هي الأس، ولا يرفع بناء ليس أسه على تقوى من الله ورضوان.
وفي قوله: (تقوى من الله ورضوان)، دليل على أن التقوى رهن على أن تقبل فيضم إليها الرضوان.
* وفيه أيضًا من الفقه أن كل قائل (إن الأمر أنف وأن لا قدر)، أي لم يسبق قدر الله وعلمه؛ فإنه ضال.
* وفيه أيضًا أنه ينبغي للعالم أن يبسط السائل ويدينه ليتمكن من السؤال غير هائب ولا متقبض؛ ألا تراه يقول: (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه).
* وفيه أيضًا أن من توفيق السائل إذا سأل في ملأ أن يسأل عن مسألة تعمه وتعم الحاضرين، كما سأل جبريل فقال: ما الإسلام؟ فلما أخبره بأركانه قال:
[ ١ / ١٩٩ ]
صدقت، وقد كان ذلك من الله ﷾ في تثبيت قلوب المسلمين حتى استنفذ المسائل وإلا فتصديقه لرسول الله - ﷺ - بعد سؤاله إياه دليل واضح في أنه لم يسأله عن جهل وإنما سأله ليعلم.
* وفي هذا أيضًا من الفقه أن من طرق التعليم أن يسأل العالم من مسألة وهو يعرفها ليجاب عنها بمشهد غيره فيتعلم تلك المسألة من لم يعلمها.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الإيمان درجة ومقام في الإسلام، وأنه لا يوصف بالألف واللام اللتين للتعريف إلا أن يكون إيمانًا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر (٦٣/ أ) والقدر كله خيره وشره.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الإسلام والإيمان إذا حصل لعبد اقتضيا درجة الإحسان، وهو استشعار قرب الله تعالى من عبده وأن يعبده كأنه يراه، وإن لم يقو على تلك الرتبة فليعبده، معتقدًا أن الله تعالى يراه.
* وفيه أيضًا جواز أن يسأل الإنسان العالم عما يعلم أنه لا يعلمه ليرد عليه جوابًا يسكت الناس عن التعرض للسؤال عن ذلك، لقوله: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).
* وفيه أيضًا أن أشراط الساعة إذا علمها الإنسان كانت مما يزيد حذره.
والذي أراه في حكمة الله ﷿ في إخفاء علم الساعة أنها مقام إنصاف لكل مظلوم، وارتجاع لكل مغصوب، وإيتاء كل ذي فضل فضله، وإيصال كل ذي حق حقه، ولقاء كل مشوق لمن يشتاقه، فهي من حيث اقتضاء وعد الله وعدله كالمخوف هجومها صباح مساء من حيث حكمة الله في خلقه، وإنها هي الواحدة القاضية ليس بعدها غيرها، وإن الخلائق محبوس أولهم ليلحق آخرهم، وإن
[ ١ / ٢٠٠ ]
عظمة الله ﷾، وما أوسع في خلقه علمها لابد أن تكون وتوجد، فإنه لابد من كون ذلك ووجوده؛ ليتكامل الخلائق، ليجتمع الآخرون بالأولين، ويشمل الحشر من عدد الخلائق لما لا يتعرض فكر مخلوق للطمع في حصره إظهارًا لملك الله ﷿ وقوة سلطانه بحيث إن حال يوم القيامة في العظمة يكون كل لحظة منه مضاهية كل عظمة كانت في الدنيا، ويثبت من عظمة الرب ﷾ في قلوب خلقه إذا شاهدوا يوم القيامة، ورأوا إحياء الموتى والتقاء الأولين والآخرين، وأحيي كل عظم رفات، وكل دابة، وكل ذي جناح، وأخبر الله ﷿ كل واحد من خلقه بكل حركة تحركها وسكنة سكنها (٦٣/ ب) في مدة حياته، وأنه ﷾ لم يعزب عن علمه مثقال ذرة، ولا عن قدرته صغيرة ولا كبيرة، وقامت سوق الحق وجيء بالنبيين والشهداء وأشرقت الأرض بنور ربها، ورأى المؤمنون انتصار حزب الحق يومئذ، وبان صدق ما آمنوا به في دنياهم وخسر هنالك الكافرون، وخزي المبطلون، وفاز المتقون فذلك يقتضي زيادة التوقع. وأمة محمد - ﷺ - قد انتهى إليهم الأمر واستتب الشرع ولم يبق إلا العمل به، ولقد كان من أحسن ما حافظت به القلوب على عبادة الله تعالى، وأن لا يطول عليها الانتظار إخفاء وقت علم الساعة، فكل وقت لا يؤمن أن تقوم فيه الساعة، وكل زمان بين يديها فقد أعطيناه للعمل، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد﴾، وأي يوم يوم القيامة؟
* وقوله: (أن تلد الأمة ربتها) يعني بها أن يكثر في الملوك التسري لكثرة الفتوح.
* وقوله: (أن ترى الحفاة العراة يتطاولون في البنيان) فالمعنى أن الدنيا تفتح عليهم، وهذا من أمارات نبوة محمد - ﷺ - حيث أخبر بفتح الدنيا على أمته؛
[ ١ / ٢٠١ ]
وصدق - ﷺ - فيما أخبرنا به من ظهور العرب وملكهم.
* وأما حديث موسى وآدم فله موضع سيأتي إن شاء الله تعالى.
[أي في الأجزاء القادمة من كتاب (الإفصاح)].
- ٨٣ -
الحديث الخامس:
[عن عمر قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي ﷺ فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد فقال النبي ﷺ: (كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءه)، ثم قال رسول الله - ﷺ -: (يا ابن الخطاب، اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون). قال: فخرجت (٦٤/ أ) فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون].
* في هذا الحديث من الفقه أن الغلول يجانب الإيمان، ويكذب دعوى من يدعي أن الإيمان يكون مع الغلول لأن الغال يكون خائنًا خيانة لم يجاهر فيها سوى الله ﷿، فلو كان مؤمنًا به لم يكن ليخفي من الناس ما يجاهر الله ﷿ به، فاستدل رسول الله - ﷺ - أن من يخرج إلى الجهاد في سبيل الله مخاطر بنفسه معرضًا لها للشهادة ثم يغل شمله أو غير شملة فإن غلوله ذلك مكذب لما ادعاه من إيمانه؛ ولذلك قال: (إني رأيته في النار في بردة غلها)، ولذلك أمر عمر فنادى: (إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون).
- ٨٤ -
الحديث السادس:
[عن سماك عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان
[ ١ / ٢٠٢ ]
يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض؟! فما زال يهتف بربه مادًا يديه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه فأخذ من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷾: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾، فأمده الله بالملائكة.
قال سماك: فحدثني ابن عباس فقال: (بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق (٦٤/ ب) وجهه؛ كضربة السوط، فاخضر ذلك اجمع، فجاء الأنصاري، فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين).
قال ابن عباس: (فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر: ما تريان في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام.
فقال: رسول الله ﷺ: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا، فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل، وتمكني من فلان- نسيبًا
[ ١ / ٢٠٣ ]
لعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها؛ فهي رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد جئت، فإذا برسول الله - ﷺ - وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت يا رسول الله، أخبرني: من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبائكما، فقال رسول الله - ﷺ -: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة- لشجرة قريبة من نبي الله - ﷺ - وأنزل الله سبحانه: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ .. إلى قوله: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا﴾، فأحل الله الغنيمة لهم].
* في هذا الحديث من الفقه أن آداب الدعاء استقبال القبلة ورفع اليدين في الدعاء.
* فأما قول رسول الله - ﷺ - (اللهم أنجز لي ما وعدتني) قال ابن جرير الطبري، معناه أنه وعده بوعد غير محين في وقت معلوم، فطلب من الله تعالى أن ينجز له الوعد في هذا المقام (٦٥/ أ).
قال ابن هبيرة الوزير: ولا أرى الجواب ما ذكره؛ لأن رسول الله - ﷺ - سبق الوحي إليه بأنه المنصور في غزوة بدر بقوله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾. (وإذ) هي اسم معلق بالماضي من الزمان؛ وقول الله
[ ١ / ٢٠٤ ]
تعالى لرسوله: ﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله﴾، وهذا كله بصريح نطقه يدل على أنه كان نزوله قبل وقعة بدر، فكيف يظن برسول الله - ﷺ - أنه يرتاب أو يشك فيما وعده الله به من النصر يوم بدر بعد نزول هذه الآية، وقد بعث معه نجدة هي خمسة آلاف ملك، وواحد منهم بأمر الله يكفي جيوش الأرض كلها، فلم يدع رسول الله - ﷺ - بما دعا إلا وهو على يقين من أنه هو المنصور في ذلك اليوم؛ وإنما كان دعاؤه ﵊ لفائدة سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى. [أي فيما يلي أدناه بهذه الصفحة].
وأما حكمة الله ﷿ في عدد الملائكة؛ مع كونه سبحانه قد كان قادرًا على أن يهزم المشركين بكلمته التامة، وهي قوله: (كن)، لكن في ذلك من الحكمة إشهاد رسول الله - ﷺ - على نفسه، وتوكيده الحجة على قوله إن معه خمسة آلاف ملك حتى رهن في النفوس وأثبت في القلوب كلها أنه إن غلب- ومعاذ الله- في هذه المرة فليس بنبي ولا يكون له بعد ذلك كلمة أبدًا، وذلك كله من قبل الوقعة.
* وفيه منه على الملائكة بتشريفهم بالجهاد يوم بدر.
* وأما ما دعا به رسول الله - ﷺ - من قوله: (أنجز لي ما وعدتني) ففي الحديث أنه كان يهتف (٦٥/ ب) بربه، ومعنى يهتف: يدعو دعاء رافعًا به صوته؛ وذلك أنه - ﷺ - أراد أن يجدد ذكر أن وعده الله بحيث يسمع المسلمين فيكونون شهودًا له؛ بأنه قال لله ﷿: (أنجز لي ما وعدتني)؛ فيكون تصديقًا لما أخبرهم به من وعد الله ﷿ بالنصر، حتى إذا نصره الله ﷿ ثبت عنده الكل أنه هو الذي وعده أولا، وهو الذي أنجز له الموعد الأول ثانيًا، فيكون على شبيه
[ ١ / ٢٠٥ ]
الكتاب إذا ثبت من ديوان الحكم ثم سجل به.
* فأما قول رسول الله - ﷺ -: (إن تهلك هذه العصابة، لا تعبد في الأرض؟!)، فإنه بلغني عن علي بن عقيل كلام خفت عليه منه، وخفت من الله ﷿ أن لا أبين فساد قوله فيه، وهو أنه قال كلامًا انتهى فيه إلى أن قال: (هذه زلة من عالم)، فنظرت فإذا علي بن عقيل المسكين هو العالم الزال، قد زل لكونه لم يفهم المقصود وكان كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته: من الفهم السقيم
وإنما أتي من كونه لم ير رسول الله - ﷺ - من غزارة العلم ومعرفته باللسان العربي بحيث كان، فإن رسول الله - ﷺ - قال: (أنا أفصح العرب)، وذلك أن (إن الخفيفة) تأتي في كلام العرب بمعنى (ما) النافية، كقوله ﷿: ﴿إن يريدون إلا فرارا﴾ ومعناه: ما يريدون. وقوله: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ أي ما من أمة إلا خلا فيها نذير، واستعمال (إن) بمعنى (ما) في كلام العرب لا يحصى كثرته إلا الله تعالى.
ومعناه عندي- والله أعلم- أن قوله (إن تهلك هذه العصابة) معناه: ما تهلك هذه العصابة؛ لأنه قد علم بوعود الله تعالى أن النصر له، وأنهم هم الغالبون، وأن إحدى الطائفتين لهم، ولم يبق في قلب رسول الله - ﷺ - شك أنه هو الغالب في ذلك اليوم، فكيف يقول: (إن تهلك هذه العصابة)، ويعني في هذا اليوم؟ وإنما معناه: ما تهلك هذه العصابة (٦٦/ أ) في هذا اليوم، وإنما استعمل في هذا
[ ١ / ٢٠٦ ]
الموضع (إن) مكان (ما) لئلا يصرح بذكر (ما) فيسمعها المسلمون كلهم فيعرفون في ذلك اليوم أن النصر لهم؛ فلا يبقى في قلب أحد منهم خوف للموت فينقص من أجورهم، ولا تكون شهادته كاملة لو استشهد، فاستعمل (إن) في مكان (ما) ليعرفها أولو الألباب منهم.
* وقوله: (لا تعبد في الأرض؟!) على معنى الاستفهام الواقع في باب التعجب، ولا تكون الدال ساكنة، ونبين هذا بضر مثال، وهو أن نرى ما لا يعرف وأحق الناس به جالس فنقول: لا نعطي هذا المستحق من هذا شيئًا، وهذا لأن الكفر كان قد شمل الأرض ولم يكن فيها من يعبد الله غير تلك العصابة، فمعنى قوله: (إن تهلك هذه العصابة): أي ما تهلك هذه العصابة؛ ألا تعبد في أرضك؟! وقد قال ابن جرير في هذا: إن معناه أن هلاك تلك العصابة بطؤ للدين لأنه أعلم أن هلاكهم بطؤ له.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الصاحب إذا رأى مصحوبه مشغولا بالدعاء، وقد سقط رداؤه أن يرد رداءه عليه، وعلى أن الرداء من شيمة العرب لبسه، وهو ثوب مطروح فوق المقيص غير متصل بالثياب، ولا أرى العرب اتخذته إلا عدة لإجابة منادي الجود عند مشاهدة البائس والفقير بسرعة، فقد كان رسول الله - ﷺ - ألقى رداءه على كعب بن زهير، وأرسل إزاره إلى ابنته فقال (لنسوة): (أشعرنها إياه)، وألقى رداءه لجرير بن عبد الله ليجلس عليه؛ ومن عادة
[ ١ / ٢٠٧ ]
العرب إلقاء الرداء بسرعة، كما قال الشاعر:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه سوى أنه قد نيل عن ماجد محض
وهذا لأن جزيرة العرب تعز فيها الكسوة فيقع ذلك في وقته موقعًا يعرف به الجود.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن أبا بكر ﵁ فهم ما ناشد به رسول الله - ﷺ - ربه بقوله: (يا نبي الله (٦٦/ ب) كفاك مناشدتك ربك) مشيرًا إلى سر رسول الله - ﷺ - في إبداله (إن) مكان (ما) في قوله: (إن تهلك هذه العصابة)، وإشارته إلى قوله: (لا تعبد في الأرض؟!)، معناه الأنفة ممن لا يريد أن يعبد الله في الأرض من المشركين.
وقوله (كذاك): (ذاك) لا يستعمل إلا للغائب غيبة يسيرة؛ لأن الحاضر يقال له: (ذا)، والبعيد أو الغائب أو من تقدم ذكره يقال له (ذلك) باللام، والغائب غيبة يسيرة يقال له (ذاك)، فقوله: (كفاك مناشدتك ربك)، ثم قال له: (فإنه سينجز لك ما وعدك)، وربما ظن من لا علم له بلسان العرب أن هذا القول من أبي بكر كالإنكار لقول رسول الله - ﷺ -؛ وليس كذلك، وإنما معناه ما تقدم من الإشارة إلى سر رسول الله - ﷺ -.
* وفي هذا الحديث نزول الملائكة، وأنهم قاتلوا مع المسلمين، وأن ضربة أحدهم أثرت في وجه المضروب حتى اخضر، وإنما أراد الله سبحانه ببقاء أثر ضربة هذا الملك أن يعلم أن الباقين وإن لم تكن قد ظهرت آثار ضرباتهم، فإنهم ضربوا فوق الأعناق، وضربوا كل بنان.
[ ١ / ٢٠٨ ]
* وقوله: (إنه من مدد السماء الثالثة)، إنما كان ذلك لأن القوم أمدوا بالملائكة من جميع السموات، وكأن الملائكة تشاحوا في النصرة لهم، فأنزل الله من كل سماء ملائكة، فكان ذلك الملك من السماء الثالثة.
* وفيه من الفقه شدة عمر في ذات الله تعالى، وأنه كان رأى أن قتل أئمة الكفر وصناديدهم في أول الأمر أحزم، وبقوة الإيمان أعلن، فإن وضع السيف ورفع الصوت من القليل في الجم الكثير مشعر أن القليل واثق وغير جانح إلى السلم، ولا مبال بما يكون من قتله الأعداء. وما رآه أبو بكر ﵁ من الفداء فهو الذي أدى إليه حينئذ احتقاده لا رفقًا بالكفار ولا إشفاقًا عليهم وإنما رأى أن قوة (٦٧/ أ) الإسلام بأخذ ما يؤخذ من أموالهم، وأنه لا يفوت قتل من لا يؤمن منهم بعد أخذ ماله، فكان كل من القولين خارجًا مخرجه، فنزل القرآن بالإشارة في إهلاك المشركين مع إمضاء ما جرى ليعمل بالقولين في إمضاء رأي أبي بكر وتصويب رأي عمر.
* وفيه أيضًا أن المنعم عليه إذا سر فاعترض له في وقت مسرته بعض ما ينافي السرور لم يملك عينه، فإن أرب رسول الله - ﷺ - وأبي بكر كان متابعة لإصابة رضى الله ﷿ في كل ذلك، فلما كان من الأمر في قبول الفداء ما كان، ثم إن الله ﷿ أمضاه فلم يكن الرجوع عنه إلى القتل، فكان البكاء كيف لم يسبق القتل.
* وفيه أيضًا أن البكاء قد يهيج البكاء، وأن التباكي جائز أيضًا من مثل عمر وكل مخلص، فإنه إنما يبكي بالإخلاص لله وإن تباكى، فقد روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما أشاء أن أبكي إلا بكيت).
* وفي الحديث ذكر الهوى، والهوى إذا ذكر مطلقا من غير تقييد كره ذكره، وأما إذا قيد؛ كقوله في هذا الحديث: (فهوي رسول الله - ﷺ - ما قال)؛ جاز، لأنه لو قال: (فهوي رسول الله - ﷺ -) ولم يقل ما قال كان مكروهًا، لن ابن عباس لما قال له رجل: (الحمد لله أن وافق هوانا هواكم)، قال ابن عباس: (هذه
[ ١ / ٢٠٩ ]
الأهواء لا تأتي بشيء من الخير).
* وقول رسول الله - ﷺ -: (عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) يعني قرب، فلولا أن اله تعالى أمضى ما رأوه من أخذ الفداء لوقع العذاب بهم لكنه لم يصبهم لإمضاء الله تعالى ما رأوه.
* وقوله ﷿: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالا طيبًا﴾ (وذكل) صير المتناول من الفداء طيبًا.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن الرحمة للمخلوق من المخلوق في وقت اقتضاء الجرم (٦٧/ ب) الغلظة في الله ﷿ مخاطرة مع الله سبحانه، وإن كانت الرحمة مندوبًا إليها إلا في ذلك المقام؛ كما قال رسول الله - ﷺ - في المتبخترين بين الصفين: (إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع).
- ٨٥ -
الحديث السابع:
[عن عمر قال: كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، فأطلع الله نبيه ﷺ على ذلك، فبعث عليًا والزبير في أثر الكتاب فأدركا المرأة على بعير، فاستخرجاه من قرونها، فأتيا به رسول الله - ﷺ -، فأرسل إلى حاطب، فقال: يا حاطب، أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: فما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله، أما والله إني لناصح لله ولرسوله، ولكني كنت غريبا في أهل مكة، وكان أهلي بين ظهرانيهم، وخشيت عليهم، فكتب كتابا لا يضر الله ورسوله شيئًا، وعسى أن يكون منفعة لأهلي، قال عمر: فاخترطت سيفي ثم قلت يا رسول الله، أمكني من حاطب- فإنه قد كفر- فأضرب عنقه. فقال رسول الله - ﷺ -: يا بن الخطاب،
[ ١ / ٢١٠ ]
ما يدريك؟ لعل الله قد اطلع على هذه العصابة من أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم].
* في هذا الحديث من الفقه أن العبد الصالح الولي لله ﷿ المشهود له بالجنة قد يقارف الذنب ولا يخرجه ذلك من إيمانه، وأن المستحب أن يرفق به ليفيء إلى الحق، وأن عمر لما اخترط سيفه لقتل حاطب قال له رسول الله - ﷺ -: (يا بن الخطاب، وما يدريك؟ لعل الله اطلع على أهل بدر )؛ وماذا كان يكون بين أهل بدر وغيرهم لو أنهم كانوا إذا قارفوا ذنبًا لم يغفر لهم عنه، وإنما شرفهم تبين في ذلك؟
* وفيه أن المؤمن يستحب له إذا أخطأ واستبان له الخطأ، أن لا يتبع خطأه بأن يجحده ويناكر عليه بل يعترف بذلك، ولا يجمع بين معصيتين: في الخطأ (٦٨/ أ) والجحد، كما أن يتعين على كل مخطئ إذا تيقن خطأه في شيء أن يقلع عنه حالة تيقنه ذلك، فإن الله ﷿ يغفر له خطأه إذا رجع إلى الصواب إن شاء الله تعالى.
* وفيه من الفقه جواز التشدد في استخراج الحق؛ فإن عليا والزبير قالا لها: (لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب)، ولعمر الله ما كانت تجرد إلا وتبدو عورتها، إلا أنه لما كان المهم من أمر رسول الله - ﷺ - لا يتوصل إلى المأمور به إلا بكشف عورتها قالا ذلك؛ فلما رأت هي الجد منها أخرجت الكتاب من عقاصها.
[ ١ / ٢١١ ]
- ٨٦ -
الحديث الثامن:
[عن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: من نام عن حزبه من الليل، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل)].
* في هذا الحديث من الفقه أن ما بين الفجر والظهر يعطى حكم الليل، من أجل أن العرب تقول من بعد الصبح إلى الظهر: أين كنت الليلة؟ ويقولون: فعلنا الليلة، فإذا زالت الشمس قالوا: أين كنت البارحة؟
وقد بنى على هذا أبو حنيفة فقال: إذا نوى صوم الفرض قبل الزواج صح صومه، كأنه نوى في آخر الليل.
وقوله: (من نام عن حزبه من الليل)، من لطف الله بعبده أنه إذا استمر في الأمور في الغالب فبدر منه ما يخالف تلك الحال الغالبة عليه سومح؛ فإن الله تعالى قد فسح لهذا النائم في الاستدراك ولم ينقصه من ميزان أجر ذلك الوقت الشريف شيئًا.
* وفيه من الفقه الحض على قضاء الفوائت من النوافل على سبيل التدارك؛ لئلا يعتاد إسقاط النوافل عند فواتها؛ فإن استدامة العمل عمل فوق العمل.
- ٨٧ -
الحديث التاسع:
[عن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لأخرجن اليهود والنصارى من
[ ١ / ٢١٢ ]
جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما)].
* في هذا الحديث من الفقه أن إجلاء اليهود ما قد تقدم ذكره، إلا أنه الحجة لما فعله عمر من إجلائهم في الحديث المتقدم الذي فيه فدع يد عبد الله بن عمر.
وإنما خص جزيرة العرب دون ما في الأرض؛ لأن بيت الله ﷿ يقصد من سائر الأرض فيها، وفيها المسجدان: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله - ﷺ -، وفيها قبره - ﷺ - وفيها الحجاج والمعتمرون، وقد لا يؤمن على فرطهم وشذاذهم قلة أمانة أهل الكتاب، وعلى هذا وضع الغيار؛ لئلا يغتر المسلم بواحد منهم فيظنه مسلمًا فيصحب اثنين منهم في طريق فلا يأمن أن يحدث به حدث سوء.
- ٨٨ -
الحديث العاشر:
[عن عمر: أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ فقال: (ارجع فأحسن وضوءك)، قال: فرجع فتوضأ ثم صلى].
* في هذا الحديث من الفقه الحث على إسباغ الضوء، ويحتج به في وجوب الموالاة في الوضوء، وأن لا يفرق فيه بين عضو وعضو حتى يجف الأول، لأنه قد قال: (فرجع فتوضأ)، وإن كان النبي - ﷺ - لم يأمره بإعادة الوضوء ولكنه أمره بإحسانه إلا أنه فهم من النبي - ﷺ - الإعادة.
[ ١ / ٢١٣ ]
- ٨٩ -
الحديث الحادي عشر:
[عن جابر أن عمر قال في الضب: إن رسول الله ﷺ لم يحرمه، وإن عمر قال: إن الله ينفع به غير واحد، وإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي طعمته.
وفي رواية أبي سعيد الخدري: أن عمر قال: إنما عافه رسول الله - ﷺ -].
* فيه من الفقه أن أكل الضب ليس بحرام.
* وفيه أن النفوس الشريفة قد تعاف بعض ما يتناوله غيرها، وأن ذلك لا ينسب إلى ترف ولا إلى كبر.
* وفيه أيضًا من الفقه أن الرجل إذا عافت نفسه شيئًا استحب له أن لا يأكله، لقوله ﵇ في حديث آخر: (أجدني (٦٩/ أ) أعافه) فجعل علة الامتناع أنه يعافه.
[ ١ / ٢١٤ ]
- ٩٠ -
الحديث الثاني عشر:
[قال أبو نضرة: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث: تمتعنا مع رسول الله - ﷺ -، فلما قام عمر قال: إن الله تعالى يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله، وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة.
وفي رواية: أن عمر قال فيه: فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم].
* في هذا الحديث دليل على تحريم المتعة، وأن ما رخص رسول الله - ﷺ - فيه منها منسوخ بنهي النبي - ﷺ -، وعلى هذا وقع الإجماع إلا من الشيعة؛ ولا أرى الاعتداد بخلافهم.
- ٩١ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أنس قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلا حديد البصر، فرأيته، وليس أحد يزعم أنه يراه غيري، فجلت أقول
[ ١ / ٢١٥ ]
لعمر: أما تراه؟ فجعل لا يراه. قال: يقول عمر: سأراه وأنا مستلق على فراشي، ثم أنشأ يحدثنا عن أهل بدر قال: إن رسول الله - ﷺ - كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس؛ يقول: (هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان إن شاء الله؛ قال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حدها رسول الله ﷺ. قال: فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله - ﷺ - حتى انتهى إليهم فقال: (يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا)، فقال عمر: يا رسول الله، كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علي شيئًا)].
* فيه من الفقه أن الهلال إذا رآه واحد (٦٩/ ب) كفى في أول الشهر إذا كان عدلا؛ ألا ترى إلى عمر ﵁ لما كرر له القول أن انظر قال: إني سأراه وأنا مستلق على فراشي.
* وفيه أيضًا جواز اتخاذ الفراش.
* وفيه دليل على نبوة محمد - ﷺ - لإخباره بمصارع المشركين الذين قتلوا في يوم بدر من قبل ذلك، وعلمه بمصر كل واحد وبقعته من الأرض. وهذا مما يدل أيضًا على ما ذهبت إليه في تأويل قوله - ﷺ -: (أنجز لي ما وعدتني). وقوله: (إن تهلك هذه العصابة .. لا تعبد في الأرض؟!).
* وفيه من الفقه أن الموتى يسمعون كلام الأحياء؛ ولكن لا يقدرون على الإجابة.
[ ١ / ٢١٦ ]
- ٩٢ -
الحديث الرابع عشر:
[عن النعمان بن بشير قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا. فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي، ما يجد دقلا يملأ به بطنه].
* فيه من الفقه ما يستدل به على شدة عيش رسول الله - ﷺ -.
* وفيه أيضًا جواز ملء البطن من الطعام.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - لم يمتنع من ذلك إلا إعوازًا ولم يكن يقصد التجوع.
- ٩٣ -
الحديث الخامس عشر:
[عن أبي الطفيل أن نافع بن الحرث لقى عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، فقال: ومن ابن أبزى؟ فقال: مولى من موالينا، فقال: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فقال عمر: أما إن نبيكم - ﷺ - قد قال: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين].
[ ١ / ٢١٧ ]
* فيه من الفقه جواز أن يولى المولى على الأحرار إذا كان ممن قرأ القرآن وعرف الفرائض.
* وفيه من الفقه أن القرآن كما يرفع الله ﷿ بحفظه والعمل به أقوامًا فكذلك يخفض به آخرين أضاعوه ولم يعملوا به بما أمروا به فيه.
- ٩٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن عقبة بن عامر الجهني قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي أرعاها، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله (٧٠/ أ) - ﷺ - قائما يحدث الناس، وأدركت من قوله: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة)؛ فقلت: ما أجود هذا؟ فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب، فقال: إني رأيتك فجئت آنفًا؛ قال: ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ الوضوء (أو فيسبغ الوضوء) ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيهما شاء)].
* في هذا الحديث من الفقه: إسباغ الوضوء، والكمال فيه ثلاث مرار في كل عضو ما عدا الرأس فإن فيه الخلاف.
والإسباغ في اللغة: أن يشتمل العضو الغسل ويستوعبه، والثوب السابغ: الفاضل عن مقدار طول صاحبه. وقوله: ﴿وأسبغ عليكم نعمه﴾ أي عمكم بها.
[ ١ / ٢١٨ ]
* وفيه أيضًا من الفقه أن الصلاة التي يقبل عليها العبد بوجهه وقلبه إذا صح له منها ركعتان فصاعدًا وجبت له الجنة، وإنما يوفق لذلك من لا يؤدي شيئًا من أركان الصلاة إلا وهو مفكر فيما يقوله منه، إذ ليس جزء من أجزاء الصلاة إلا وقد عين له ذكر من الأذكار بحسبه؛ حتى إنه إذا خر ساجدًا فيستحب له أن يمد الألف من اسم الله، ليكون بمقدار زمن هويه حتى يكون عند الأرض فيقول: (أكبر)، فيأخذ في التسبيح؛ لئلا يخلو جزء من أجزائه صلاته من ذكر يشغله به.
وينبغي للمسلم أن يكرر اعتماد هذا على نفسه، وإن غفل في بعض صلاته عاد إلى التفهم بقي، فإنه إذا فكر في نفسه ومثل روحه كأنه يشاهد صورة قلبه وهو بين يدي الله ﷿، وهو يرى صورة قلبه يلتفت يمينًا وشمالا بين يدي الله ﷿ استحيى وخجل من ذلك؛ لاسيما وقلبه إلى أشياء غير لازمة ولا مهمة، وقد يكون منها أشياء يقبح أن تخطر بقلب المؤمن في (٧٠/ ب) ذلك المقام، وعلى هذا فإن رحمة الله سبحانه اتسعت في الاحتساب لعبده بالصلاة التي هي صورة الصلاة.
وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة، فمن وفقه الله للطبقة العليا دائمًا فناهيك به، وإلا فليجتهد في أن تخلص له الفرائض على ذلك الوجه، فإن لم ينل ذلك فلا أقل من أن لا ينزل عن مقدار الركعتين اللتين قدرهما رسول الله - ﷺ - وأوجب عليهما الجنة، ومع ذلك فالفقهاء مجمعون على أن من خطر في قلبه وهو يصلي في فرض أو نفل خاطر من أمور الدنيا: المعاش أو غيره؛ فإن صلاته مجزئة عنه.
* وفيه من الفقه: أن الاستحباب للعبد أنه كلما جدد وضوءًا لصلاته فكذلك يجدد الشهادتين لله ﷿ بأنه: لا إله إلا هو؛ ولرسوله لصدقه في رسالته؛ احترازًا من غفلة قد كانت طرقت عليه أمرًا، أو شكًا أو ريبة أو غير ذلك مما يبطل
[ ١ / ٢١٩ ]
الصلاة. فإذا جدد الشهادة كان مجددًا لإسلامه قبل دخوله في الصلاة، فتصح صلاته ظاهرًا وباطنًا بيقين.
* وفيه من الفقه أن أبواب الجنة ثمانية يدخل من أيها شاء؛ أي أن كل باب منها له أهل، فإن باب الصدقة يدخل منه المتصدقون، وباب الجهاد يدخل منه المجاهدون، والريان يدخل من الصائمون؛ فبين رسول الله - ﷺ - أن تلك الأعمال فرو على هذا الأصل من إقامة الشهادتين؛ فإذا أتى بهما كان مخيرًا في الفروع من أي أبواب الجنة شاء أن يدخل؛ من باب الصدقة أو من باب الجهاد أو غير ذلك.
- ٥٩ -
الحديث السابع عشر:
[عن يعلي بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ فقد أمن الناس! فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ (٧١/ أ) عن ذلك فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته)].
* في هذا الحديث من الفقه أن القصر في الصلاة في السفر عزيمة وليس برخصة؛ لأنه قال: (صدقة تصدق الله بها) فلا ينبغي أن ترد صدقة الله عليه، وللفقهاء في ذلك خلاف.
- ٩٦ -
الحديث الثامن عشر:
[عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل إلى قرية، على رأس
[ ١ / ٢٢٠ ]
سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر بن الخطاب يصل بذي الحليفة ركعتين، فقلت له. فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله - ﷺ - يفعل].
* في هذا الحديث من الفقه ما يؤكد ما مضى من قصر الصلاة في السفر، وأنه الثابت من فعل رسول الله - ﷺ - هو وأصحابه﵃- بعده.
- ٩٧ -
الحديث التاسع عشر:
[عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: إذا قال المؤذن: (الله أكبر، الله أكبر). فقال أحدكم: (الله أكبر، الله أكبر)؛ قم قال: (أشهد أن لا إله إلا الله)، فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله)؛ ثم قال: (أشهد أن محمدًا رسول الله)، قال: (أشهد أن محمدًا رسول الله)؛ ثم قال: (حي على الصلاة)، قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ ثم قال: (حي على الفلاح)، قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ ثم قال: (الله أكبر الله أكبر)، قال: (الله أكبر الله أكبر)؛ ثم قال: (لا إله إلا الله)، قال: (لا إله إلا الله) من قبله، دخل الجنة)].
* في هذا الحديث من الفقه: الحض على تكرار لفظ الشهادة والتهليل؛ فإن المؤذن إذا قل معلنًا به فإن من مقاصده فيه إعلام الناس بدخول وقت الصلاة
[ ١ / ٢٢١ ]
وليتأهبوا لها.
* وفيه أيضا تذكيرهم بما عساهم أن يكونوا غفلوا عنه من الشهادتين.
* وفيه أيضًا الإشعار بأن أمر الله تعالى قد أمكن إعلامه وإظهاره من غير خوف ولا مبالاة بأحمد بحمد الله ومنه، فإذا قال من يسمع المؤذن مثل ما يقول فقد شاركه في الثواب بحسب قصده، فإذا قال: حي على الصلاة، حي على الفلاح لم يحسن من غير (٧١/ ب) المؤذن أن يرفع صوته كما يعمل المؤذن؛ لأنه هو المدعو، فإذا قال مثل قوله فمن يدعو؟ لأن المراد أن يجيب الداعي فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: إني مجيب لهذا الدعاء الكريم والنداء الشريف إلى عبادة ربي، ولا حول لي في ذلك ولا قوة إلا بتوفيق ربي ﷾؛ احترازًا من نوابض العجب وخطرات الجهل، وأن يكون في ذلك كله يفهم قلبه ما ينطق به لسانه فيدخل الجنة كما قال رسول الله - ﷺ -، ويكفي منها أن لا يكون قلبه مخالفًا للسانه أو غافلًا عما ينطق به، فلله الحمد على ما أنعم به على عباده المسلمين.
- ٩٨ -
الحديث العشرون:
[عن عمر قال: قسم رسول الله - ﷺ - قسمًا، فقلت: يا رسول الله، والله لغير هؤلاء كان أحق به منهم، قال: (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني، فلست بباخل)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - وقى عرضه بعطائه خوفًا من أن يكذب عليه؛ لأنه قال: (أو يبخلوني، ولست بباخل).
[ ١ / ٢٢٢ ]
* وفي هذا الحديث إباحة أن يقي الرجل عرضه ممن يستجيز أن يكذب عليه بماله، فإن الله تعالى يكتبه له صدقة، لقوله - ﷺ -: (ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة). وقوله: (خيروني بين أن يسألوني بالفحش- يعني الفحش من القول- أو يبخلوني)، ورسول الله - ﷺ - ليس ببخيل.
- ٩٩ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب، إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم؛ قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم؛ قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ فقال: نعم؛ قال: لك والدة؟ قال: نعم. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس (٧٢/ أ) بن عامر مع أمداد أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)، فاستغفر لي، فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي، قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافق عمر، فسأله عن أويس؟ قال: تركته رث البيت قليل المتاع، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد من أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه، إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل) فأتى أويسًا فقال: استغفر لي، فقال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح، فاستغفر لي؛ قال: أتيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له، ففطن الناس له، فانطلق على وجهه؛ قال أسير: وكسوته بردة.
[ ١ / ٢٢٣ ]
فكان كلما رآه إنسان قال: من أين لك هذه البردة؟].
* في هذا الحديث دليل على بركة الصالحين، وأن العبد المؤمن قد يبلغ إلى أن يتبرك به عمر، ويسأله الاستغفار، فيكون من فقه هذا أن يتبع الأخيار وإن كانوا في الأطمار الرثة، وأن يتطلبوا وإن كانوا لا ذكر لهم في المحافل رجاء بركتهم.
* وفيه أيضًا أن أويسًا على كرم حاله أصابه البرص، وأن ذلك مما أصابه الله به ووفقه أن يسأل الله تعالى إبراءه منه، وأنه أبرأه منه إلا موضع درهم منه، يذكر به نعمته عليه، إذ من عادة الآدمي نسيان النعم إلا من وفقه الله.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن من جملة وسائل أويس بره بوالدته، وأنها كانت من (٧٢/ ب) العلامات التي عرفه بها عمر.
* وفيه أيضًا أن أويسًا لما استغفر لعمر خلى سبيله وتركه وشأنه، ولعله قد آنس منه علمًا يكفيه في معاملته ربه.
* وفيه أيضًا من الفقه أنه كان يسأل عنه بعد ذلك من يأتي من العراق تعرفًا لخبره، وتعهدًا لأحواله لأنه كان صديقًا له في الله ﷿؛ إذ مرادهما واحد ومطلوبهما سواء.
* وفيه أيضًا من الفقه جواز حب الخمول لمن يصلح في ذلك لأنه لما انتشر خبره بالكوفة خرج عنها إلى حيث لا يعرف.
* وفيه أيضًا أنه بلغ به الزهد إلى الحال التي استنكر عليه فيها وجود بردة لبسها؛ ومع ذلك كله فلا خلاف أن عمر أفضل منه ومن أمثاله، ولكن هذه الطريقة من
[ ١ / ٢٢٤ ]
المرابطة على عبادة الله باب من أبواب العبادات، وقد كان أويس ﵀ أصلا فيها، فكم ممن اقتدى به في زمانه وبعد موته ﵀، ورضي عنه، وهذا إنما يباح لمن عرف من العلم قدر ما فرض الله سبحانه عليه.
[ ١ / ٢٢٥ ]
٣