﵁
أخرج له في الصحيحين ثلاثة مائة حديث
وثمانية عشر حديثا
المتفق عليها منها مائة وثمانية وستون حديثا
وانفرد البخاري بثمانين، ومسلم بسبعين
-١٥١٨ -
الحديث الأول: (من المتفق عليه):
[عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: (من سره أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ في أثره، فليصل رحمه)].
في هذا الحديث من الفقه:
* أن الرحم هي أولى الخلق بالبر؛ فإذا أبرها الإنسان فقد وضع البر في موضعه، فرجا منه أن يضع فيما وراء الرحم مثل ذلك من البر، وكان جديرا بما أخبر به رسول الله - ﷺ - من بسط الرزق وطول العمر، ولما كان هذا البار حافظا للأمانة التي كلفها من بر الرحم ناسب هذا أن يوسع له رزقه،
[ ٥ / ١٣ ]
(١٢٦/ ب)، وأن يؤتمن على كثرة ليصرفه في وجوهه، ويضعه في مواضعه.
* وقوله: (أو ينسأ في أثره) إنما زادت صلة الرحم في العمر لأنه إذا جماعة من ذوي رحمه كان حفظ أعمارهم بسببه، فكأنه قد طال عمره بطول تلك الأعمار؛ لأنه من القوم.
-١٥١٩ -
الحديث الثاني:
[عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: (اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة).
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال -يعني بالمدينة-: (بارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم)].
* قد تقدم هذا الحديث في مواضع.
[ ٥ / ١٤ ]
-١٥٢٠ -
الحديث الثالث:
[عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: (إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم)].
* قد سبق بيان هذا الحديث.
-١٥٢١ -
الحديث الرابع:
[عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا).
زاد ابن عيينة وغيره: (ولا تقاطعوا).
وفي رواية: (ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث).
وفي رواية: (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا)].
[ ٥ / ١٥ ]
* قال أبو عبيد: المدابرة: المصارمة والهجران، مأخوذ من أن يولي الرجل صاحبه دبره ويعرض عنه، وهو التقاطع، وقد سبق في مسند أبي أيوب بيان هذا الحديث.
-١٥٢٢ -
الحديث الخامس:
[عن أنس، أن النبي - ﷺ - دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: (اقتلوه)].
* كان رسول الله - ﷺ - قد بعث ابن خطل مع رجل من الأنصار في وجه من الوجوه، فقتل الأنصاري، فأهدر رسول الله - ﷺ - دم ابن خطل.
* وقد اختلف أهل العلم هل يعصم الحرم من القتل الواجب وإقامة الحد على الجاني؟ فإن قلت: إنه يعصم كان ما جرى من قتل ابن خطل خاصا
[ ٥ / ١٦ ]
بالنبي - ﷺ -. وإن قلت: إنه لا يعصم فلا كلام.
* وأما دخول رسول الله - ﷺ - وعليه المغفر، وذلك ينافي حال الحرمين، فإن العلماء اختلفوا فمن أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، هل يجب عليه دخولها بإحرام أم لا؟
وعن الشافعي قولان، وعن أحمد روايتان.
-١٥٢٣ -
الحديث السادس: (١٢٧/ أ):
[عن أنس، قال: (قدم النبي - ﷺ - المدينة وأنا ابن عشر، ومات وأنا ابن عشرين، وكن أمهاتي يحثثنني على خدمته، فدخل علينا دارنا، فحلبنا له من شاة داجن، وشيب له من بئر في الدار، فشرب رسول الله - ﷺ -، فقال له عمر وأبو بكر عن شماله: يا رسول الله، أعط أبا بكر، فأعطاه أعرابيا عن يمينه، وقال رسول الله - ﷺ -: (الأيمن؛ فالأيمن).
وفي رواية: (أنه رأى رسول الله - ﷺ - شرب لبنا، وأتى داره، فحلبت لرسول الله - ﷺ - شاة، فسقيت لرسول الله - ﷺ -، فتناول القدح فشرب، وعن يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فأعطى الأعرابي فضلته، ثم قال: (الأيمن؛ فالأيمن).
وفي حديث آخر: (أن النبي - ﷺ - أتي بلبن قد شيب بماء، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، فشرب ثم أعطى الأعرابي وقال: (الأيمن؛ فالأيمن).
وفي رواية: (أتانا رسول الله - ﷺ - في دارنا هذه، فحلبنا له شاة لنا، ثم شبته من ماء بئرنا هذه، فأعطيته، وأبو بكر عن يساره، وعمر تجاهه، وأعرابي عن يمينه، فلما فرغ قال عمر: هذا أبو بكر، فأعطى الأعرابي وقال:
[ ٥ / ١٧ ]
(الأيمنون، الأيمنون، الأيمنون).
قال أنس: فهي سنة، فهي سنة، فهي سنة)].
* في هذا الحديث دليل على جواز رواية الصبي، لقول أنس: دخل رسول الله - ﷺ - المدينة، وأنا ابن عشر سنين.
* وقوله: (وكن أمهاتي) إنما قال: (وكن) فأتى بضمير النسوة قبل ذكرهن على معنى أنه قد كان في وهمه أن يذكرهن فلذلك أتى بقوله: (كن) ويعني بأمهاته: أمه، ومن كان في معناها كالخالة، والعمة، والجدة، على أنه قد كان يدعو سائر النساء بالأم.
* وقوله: (يحثثنني على خدمته) فهذا إخبار عن دينهن، وأنهن كن من الذين بحيث تود كل واحدة منهن خدمة رسول الله - ﷺ - بنفسها لو أمكنها؛ فلما كن ممنوعات بالشرع حثثن الأبناء على خدمته.
* وفيه ما يدل على أن الصبي يذكر الشيء يتفق فيه علامة أو أمارة تذكره ذلك الأمر لقوله: (فحلبنا له من شاة داجن)، والداجن: الشاة المقيمة في المنزل.
* وفيه أيضا الندب إلى شوب اللبن بالماء، والذي أراه في هذا (١٢٧/ ب) أنه نوع من التداوي؛ فإنه شرب اللبن بالماء يخفف غلظه، ويذهب به إلى أعماق البدن لأن الماء مركب للغذاء.
* وفيه أيضا الحجة على أن صاحب اليمين أحق بالسؤر، ولما اتفق الأعرابي صاحب ذلك الحق قدمه على أبي بكر في تلك المرة، وذلك من أجل أن أبا بكر
[ ٥ / ١٨ ]
في الغالب هو صاحب اليمين عند رسول الله - ﷺ -، فهو يتناول سؤره دائما، فأراد - ﷺ - أن يعطي الأعرابي لكونه جلس في مكان أبي بكر مرة، فإن أبا بكر يسبق الناس إلى اليمين مرات كثيرة؛ فلا أرى أن الأعرابي جلس عن يمين رسول الله - ﷺ - في تلك إلا لكونه سبق إلى الجلوس عند رسول الله - ﷺ -؛ أو لأنه قد وفد من مكان بعيد أو نحو ذلك، وإلا فيمين رسول الله - ﷺ - أفضل المجالس عنده، ومن عدله - ﷺ - أنه يخص بالأفضل من مجلسه الأفضل من أصحابه، وهذا مقام أبي بكر ﵁.
-١٥٢٤ -
الحديث السابع:
[عن أنس، أنه كان ابن عشر سنين، مقدم رسول الله - ﷺ -، قال: (وكن أمهاتي يواظبنني على خدمة رسول الله - ﷺ - فخدمته عشر سنين، وتوفي رسول الله - ﷺ - وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله - ﷺ - بزينب بنت جحش: أصبح النبي - ﷺ - بها عروسا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي رهط منهم عند رسول الله - ﷺ -، فأطالوا المكث، فقام رسول الله - ﷺ - فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشي النبي - ﷺ - ومشيت، حتى جاء عتبة حجرة عائشة، ثم ظن أنهم خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب إذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبي - ﷺ - ورجعت معه، حتى إذا بلغ حجرة عائشة وظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبي - ﷺ - بيني وبينه الستر، وأنزل الحجاب).
[ ٥ / ١٩ ]
وفي رواية: (أنا أعلم الناس بالحجاب، كان أبي بن كعب يسألني عنه).
وفي رواية: (وكان تزوجها بالمدينة).
وفي رواية: (لما تزوج (١٢٨/ أ) رسول الله - ﷺ - زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، قال: (فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من كان وقعد ثلاثة نفر، ثم أنهم قاموا فأخبرت النبي - ﷺ - ثم ذكر في رجوعه، وأرخى الستر، ونزول الآية نحو ما تقدم).
وفي رواية: عن أنس قال: (ما رأيت رسول الله - ﷺ - أو لم على امرأة من نسائه، ما أولم على زينب بنت جحش، فإنه ذبح شاة).
وفي رواية: (ما أولم رسول الله - ﷺ - على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب).
قال ثابت البناني: بم أولم؟ قال: (أطعمهم خبرا ولحما حتى تركوه).
وفي رواية: (مر بنا أنس في مسجد بني رفاعة، فسمعته يقول: كان النبي - ﷺ - إذ مر بجنبات أم سليم، دخل فسلم عليها، ثم قال (كان النبي - ﷺ - عروسا بزينب، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا لرسول الله - ﷺ - هدية؟ فقلت لها: افعلي، فعمدت إلى تمر وسمن وأقط، فاتخذت حيسة في برمة، فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، فقال: (ضعها) ثم أمرني، فقال: (ادع لي رجالا سماهم، وادع لي من لقيت)، قال: ففعلت الذي أمرني، فرجعت، فإذا البيت غاص بأهله، ورأيت النبي - ﷺ - وضع يده على تلك الحيسة، وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة، يأكلون منه،
[ ٥ / ٢٠ ]
ويقول: (اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه)، حتى تصدعوا كلهم عنها، فخرج من خرج، وبقي نفر يتحدثون، ثم خرج النبي - ﷺ - نحو الحجرات، وخرجت في إثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع فدخل البيت، وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) إلى قوله: (والله لا يستحيي من الحق).
وفي رواية لمسلم: (تزوج النبي - ﷺ -، فدخل بأهله، قال: فصنعت له أمي أم سليم حيسا، فجعلته في تور، وقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله - ﷺ -، فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، قال: فذهبت به إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل، قال: (١٢٨/ ب) (ضعه)، ثم قال: (اذهب فادع لي فلانا وفلانا وفلانا، ومن لقيت). قال: فدعوت من سمى، ومن لقيت. قال: قلت لأنس: عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة.
وقال لي رسول الله - ﷺ -: (يا أنس، هات التور) قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله - ﷺ -: (ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه) قال: فأكلوا حتى شبعوا، قال: فخرجت طائفة، ودخلت طائفة، حتى أكلوا كلهم، فقال لي: (يا أنس ارفع) قال: فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت؟ قال: وجلس طوائف منهم يتحدثون
[ ٥ / ٢١ ]
في بيت رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله - ﷺ -، فخرج رسول الله - ﷺ - فسلم على نسائه، ثم رجع، فلما رأوا رسول الله - ﷺ - ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم، وجاء رسول الله - ﷺ - حتى أرخى رسول الله - ﷺ - الستر ودخل، وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي، وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله - ﷺ - حتى قرأها على الناس: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أني يؤذن لكم) إلى آخر الآية.
قال الجعد: قال أنس: (أنا أحدث الناس عهدا بهذه الآيات، وحجبن نساء رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (أنا أعلم الناس بهذه الآية، آية الحجاب، لما أهديت زينب إلى رسول الله - ﷺ - كانت معه في البيت، صنع طعاما، ودعا القوم فقعدوا يتحدثون، وقام النبي - ﷺ - فخرج، ثم رجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله ﷿: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) إلى قوله: (من وراء حجاب)، فضرب الحجاب وقام القوم.
وفي رواية قال: (بنى رسول الله - ﷺ - بزينب، فأولم بخبز ولحم، فأرسلت على الطعام داعيا، فيجئ قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجئ قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوا، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوا، قال: (ارفعوا طعامكم)، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت،
[ ٥ / ٢٢ ]
فخرج رسول الله - ﷺ -، فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: (السلام عليكم أهل البيت (١٢٩/ ب) ورحمه الله)، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك، فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي - ﷺ -، فإذا رهط ثلاثة يتحدثون في البيت، وكان النبي - ﷺ - شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أو أخبر أن القوم قد خرجوا، فرجع حتى وضع رجله على أسكفة الباب داخله، والأخرى خارجه، وألقى الستر بيني وبينه وأنزل الحجاب).
وفي رواية: (أولم رسول الله - ﷺ - حين بنى بزينب بنت جحش، فأشبع الناس خبزا ولحما، وخرج إلى حجرات أمهات المؤمنين، كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهن، ويدعو لهن، ويسلمن عليه، ويدعون له، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين، جرى بينهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان نبي الله رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أو أخبر، فرجع حتى دخل البيت؛ فأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب).
وفي رواية: (نزلت آية الحجاب في بيت زينب بنت جحش، وأطعم عليها يومئذ خبزا ولحما، وكانت تفخر على نساء النبي - ﷺ - وتقول: (إن الله أنكحني من السماء).
وفي رواية: (جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي - ﷺ - يقول: (أمسك عليك زوجك واتق الله). قال: لو كان كاتما شيئا لكتم هذه الآية.
قال: وكانت تفخر على أزواج النبي - ﷺ - تقول: (زوجكن أهاليكن
[ ٥ / ٢٣ ]
وزوجني الله من فوق سبع سموات).
وعن أنس: (﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾: نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة).
وفي رواية لمسلم: (لما انقضت عدة زينب قال رسول الله - ﷺ - لزيد: اذهب (فاذكرها علي) فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها، أن رسول الله - ﷺ - ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت لزينب: أرسلني رسول الله - ﷺ - يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن، وجاء (١٢٩/ ب) رسول الله - ﷺ - فدخل عليها بغير إذن، قال: فلقد رأيتنا أن رسول الله - ﷺ - أطعمنا الخبر واللحم حتى امتد النهار؛ فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله - ﷺ - واتبعته، فجعل يتبع حجر نسائه ويسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو غيري. قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به)].
[ ٥ / ٢٤ ]
* في هذا الحديث ما يدل على استحباب وليمة العرس.
* وفيه دليل على استحباب تخفيف الزيارة للزائر ولاسيما عقب الطعام؛ فإذا طعم الضيف انتشر.
* وفيه ما يدل أن رسول الله - ﷺ - كان حييا في التماس حقه؛ فخرج ولم يقل شيئا.
* وفيه ما يدل على أنه ينبغي لمن أراد أن يكثر من الدخول على الكبير القدر أن يكون ذا فطنة وتلمح، فإن خروج رسول الله - ﷺ - عن ضيفه، وهم في داره، كان كافيا لهم في التنبيه على الخروج، وتخلية ما بين رسول الله - ﷺ - وبين أهله.
* وفيه ما يدل على أن الصبي وإن كان قد كان له عادة في الدخول؛ فإنه إذا بلغ إلى حد المراهقة حجب فلم يدخل إلا بإذن كالكبير.
* وفيه أيضا دليل على أن العالم الكبير قد يسترشد في العلم الصبي والحدث فيما تخفي عنه مما قد اطلع الصبي عليه، لقول أنس: فكان أبي يسألني عنه.
*وفيه أن الوليمة في العرس تجوز أن تكون أقل من شاة، كما أنه يستحب أن تكون أكثر من ذلك؛ لقول أنس: ما رأيته أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، فإنه ذبح شاة.
* وفيه أيضا أنه يستحب لمن أضاف ضيفا أن يكون ما يقدمه إليهم فاضلا عن حاجاتهم إذا أمكنه ذلك لقول أنس: (أطعمهم خبزا ولحما حتى تركوه).
* كما أنه يستحب للمسلم أن لا يحقر شيئا يقدمه إلى أخيه إذا كان منتهى وسعه في وقته ذلك ولو تمرة.
* ويستحب أيضا للضيف أن لا يحقر شيئا يقدمه إليه أخوه لقوله ﷿:
[ ٥ / ٢٥ ]
(خذ العفو) فإن منه لو كان العفو الذي هو الفضل فاضلا فلو كان كثيره بمساحة قدر لم يستكف عنها.
* وفيه من الفقه أن الطعام إذا كان لا يتسع للضيف: إما لصغر إنائه (١٣٠/ أ) عن مقاعد الضيفان في دفعه، وإما لضيق المكان بهم فإنه يستدعي منهم رهطا على حسب مقدار الإناء والموضع، فإذا أكلوا خرجوا، ودخل رهط آخرون بعدهم، فينال المتأخرون بركة سؤر المتقدمين، هكذا فوجا بعد فوج، وكل منهم لدخوله وذكر اسم الله عند أول الطعام اقتداء برسول الله - ﷺ - فيما فعله في حيسة أم سليم، وإن كان ما كان في الحيسة من الآيات التي خص الله رسوله بها.
والحيس: أصله الخلط، وبه سمي الحيس الذي كانوا يخلطونه ويصنعونه وكانوا يأخذون السمن والأقط والتمر فيطحنونه.
* في هذا الحديث استحباب أن لا يأكل الإنسان إلا ما يليه، وهذا إذا كان الطعام كله شيئا واحدا كالثريد ونحوه، وأما إذا كان أنواعا مختلفة جاز له أن يمد يده إلى غير ناحيته.
* وفيه دليل على أن الوحي كان لنزوله عند تجدد الأحداث حلاوة؛ فلو قد كان نزل جملة واحدة لفات منه مثل نزول آية الحجاب.
* وفيه استحباب استقلال ما يهديه الإنسان أو يقدمه للضيف وإن كثر، مع أنه لا يحقر ما يقدمه إلى الضيف فيحرمه لقول أم سليم: (إن هذا لك منا قليل).
* وفيه أن المضيف ينبغي أن يوسع صدره، وإن كثر الضيف متوكلا على الله
[ ٥ / ٢٦ ]
في أن يبارك في القليل، ويعم باليسير، كما فعل رسول الله - ﷺ - في قوله: (وداع من لقيت) ولا يبعد أن يكون المعنى: (فإن لم تجد من عينت لك فادع من لقيت).
* وفي قوله: (كانوا زهاء ثلاثمائة) من أكبر دليل على نبوة نبينا - ﷺ - لأنه إذا أكل ثلاثمائة رجل من حيسة في تور، وصدورا شباعا، والحيسة مما يتناول الإنسان منه أكثر من غيره، وحتى يقول أنس: فما أدري أهي أكثر حين رفعت أم حين وضعت؟ فذلك أكبر دليل على معجزة رسول الله - ﷺ -؛ لأن البركة ظهرت متظاهرة.
* وفيه أن البركة إنما كانت في الغذاء بين الطعام والشراب وبذلهما أفضل (١٣٠/ ب) الجود، والشح بهما أقبح الشح؛ ولاسيما ما قد صنع، فإنما إذا ترك فسد، فإذا سمح بهما المؤمن فقد تأسى بنبيه - ﷺ - وتبع سنته، وكان ما ينال المسلمون منه مقر ضامن فضل الله لبركة تغني الناس ولا تزرأه شيئا.
* وقوله: (وزوجته مولية وجهها إلى الحائط)، وهذا لأنها استحيت من الرهط حبا من الله ﷿ في صون أهل الرجل وأسراره في بيته.
* وفيه أيضا ما يدل على إيمان عائشة ﵂ وحسن أدبها مع رسول الله - ﷺ -، لأنه حين سلم عليها قالت له: (كيف وجدت أهلك، بارك الله لك)، وإن كان قولها: (بارك الله لك) يشتمل على نوع مداعبة إلا أن الأشبه بها أنها قصدت الدعاء لرسول الله - ﷺ - بالبركة في أهله. (وأسكفة الباب): هي عتبته.
* وفيه أيضا جواز أن يفخر الرجل بنعمة ربه ﷿ لا من عند نفسه؛ لأن زينب كانت تفخر على نساء النبي - ﷺ - وتقول: (إن الله أنكحني من السماء).
[ ٥ / ٢٧ ]
* فأما قوله: (لو كان رسول الله - ﷺ - كاتما شيئا لكتم هذه الآية) يعني قوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله﴾ فالذي أراه في ذلك، وكان الشيخ محمد بن يحيى ﵀ يشير إلى بعضه، أنه لم يكن الذي كتمه رسول الله - ﷺ - في أمر زينب حتى قال لزيد لما أراد أن يطلقها: (أمسك عليك زوجك واتق الله) ما يستبق إلى خواطر الجهال من أن رسول الله - ﷺ -؛ وحاش له من ذلك، هوى بها، بل إنها كانت من الصلاح والزهد في الدنيا وإرادة ما عند الله ﷿ صالحة؛ لأن تكون زوج رسول الله - ﷺ - فكان من المتعين أن يقول لزيد: إن زوجك هذه لا تصلح إلا لي لينزل عنها زيد وتكون زوج رسول الله - ﷺ -.
فكان رسول الله - ﷺ - لما وقف عن الصدوع لهذا الحق مراعيا لقلوب الآدميين من أجل ما عساه أن يقذفه الشيطان في نفوسهم من ذلك نزل القرآن بقوله: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾ أي من هذا الأمر غير ذلك، فكان هذا من بركة تزويج زينب بالنبي - ﷺ -، وكانت فيها سنن منها: أن العرب تأنف من نكاح الحرة إذا وطئها عبد بنكاح، فبين الله ﷿، إنما أنزل في هذه القصة من نكاح النبي (١٣١/ أ) - ﷺ - لزينب إبطال ما كانت عليه العرب من ذلك فقال الله تعالى: ﴿لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا﴾.
* وفي الحديث ما يدل على أن تزويجها من فوق سبع سموات.
* وفيه ما يدل على أن زيدا لما عرف أنها من حاجة رسول الله - ﷺ - عظمت في صدره.
[ ٥ / ٢٨ ]
* وفيه أيضا أن الاستخارة لله تعالى في أقضية مستحبة، فإن زينب تقول: ما أنا بصانعة أمرا حتى أؤامر ربي، وهو دليل على ما قلناه من أنها لم تكن تصلح إلا لرسول الله - ﷺ -، فلا جرم أنها لما آمرت ربها، تولى هو ﷻ إنكاحها، ولم يفوض ذلك إلى ملك ولا غيره.
* ويستحب أن يتقدم الصلاة على الدعاء لقوله: فقامت إلى مسجدها.
* وقوله: (فدخل عليها بغير إذن) يدل على حسن ائتمار رسول الله - ﷺ - وفهمه عن ربه ﷿ حين قال له: ﴿زوجناكها﴾.
* ومعنى تخمر عجينها يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها تجعل فيه الخمير.
والثاني: تغطيه.
* وقولها: (أؤامر ربي) أي أستخيره.
-١٥٢٥ -
الحديث الثامن:
[عن أنس، قال: سقط النبي - ﷺ - عن فرس فجحش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده؛ فحضرت الصلاة فصلى بنا قاعدا، فصلينا وراءه قعودا، فلما قضى الصلاة قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين).
[ ٥ / ٢٩ ]
روى بعض الرواة: (إذا صلى قائما فصلوا قياما). زاد البخاري.
قال الحميدي: (قوله: (إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا) هو في مرضه القديم، وقد صلى في مرضه الذي مات فيه جالسا، والناس خلفه قيام لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر النبي)].
* في هذا الحديث دليل على أن للإمام إذا مرض صلى جالسا وصلى من وراءه جلوسا إذا مرض مرضا يرجى برؤه، وهذا مذهب أحمد ﵁.
* والذي أراه هو الذي ذكره الحميدي من أنهم يصلون قياما لأن العذر إنما هو للإمام خاصة، والمأمومون لا عذر لهم؛ فأشبه كما لو عاق الإمام عن تمكنه من الجلوس بين السجدتين أو غيره من أوصاف الصلاة عائق، فإن ذلك لا يسقط عن المأمومين فعله.
-١٥٢٦ -
الحديث التاسع (١٣١/ ب):
[عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فقام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن فيها أمورا عظاما، ثم قال: (من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل، فلا تسألون عن شيء إلا أخبرتكم، مادمت في مقامي هذا)؟ فأكثر الناس البكاء، وأكثر أن يقول: (سلوا)، فقام عبد الله بن
[ ٥ / ٣٠ ]
حذافة السهمي، فقال: من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة)، ثم أكثر أن يقول: (سلوني)، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، فسكت ثم قال: (عرضت على الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر).
قال ابن شهاب: (فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت قط أعق منك، آمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما يقارف أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ فقال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته).
وفي رواية: (خطب فينا رسول الله - ﷺ - خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا). قال: فغطى أصحاب رسول الله - ﷺ - وجوههم لهم خنين، فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾).
وفي رواية: (بلغ رسول الله - ﷺ - من أصحابه شيء، فخطب فقال: (عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا). قال: فما أتى على أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم أشد منه. قال: غطوا رؤوسهم، ولهم خنين- ثم ذكر قيام عمر وقوله، وقول الرجل: من أبي؟ ونزول الآية).
وفي رواية: (سألوا النبي - ﷺ - حتى أحفوه في المسألة فصعد ذات يوم المنبر، فقال: (لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم)، فجعلت أنظر يمينا وشمالا فأرى كل رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل- كان إذا لاحى
[ ٥ / ٣١ ]
يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله، من أبي؟ فقال: (أبوك حذافة). ثم أنشا عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله - ﷺ -: (ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إني صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط).
قال قتادة: يذكر هذا الحديث (١٣٢/ أ) عند هذه الآية: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾)].
* في هذا الحديث بعد ما قد مضى شرحه، منه أن غضب رسول الله - ﷺ - إنما كان لتكثيرهم الأسئلة عما لا يصلح، فظهر رسول الله - ﷺ - على المنبر ظهورا قال فيه قولا يستدل به كل عاقل على أنه لم يمسك عما كانوا يسألونه عنه إلا لمصلحتهم فحسب، وقد نطق القرآن في قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾.
* وفي هذا الحديث أيضا ما يدل على أن الله تعالى أراد أن يبرئ أم عبد الله بن حذافة من التهمة. وقولها: (قارفت)، الاقتراف هو الاكتساب، وإنما أشارت إلى الزنا.
* وفيه ما يدل على فقه عمر لأنه انتبه لما قصده رسول الله - ﷺ - فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا.
[ ٥ / ٣٢ ]
* وقوله: (فغطى أصحاب رسول الله - ﷺ - وجوههم لهم خنين)، والخنين: كالبكاء مع مشاركة في الصوت من الأنف، وهذا يدل على رقة قلوب الصحابة.
* وقوله: (كان إذا لاحى) الملاحاة المنازعة والمخاصمة.
وأحفوه في المسألة: استقصوا عليه.
-١٥٢٧ -
الحديث العاشر:
[عن أنس، قال: (لما قدم المهاجرون من مكة إلى المدينة؛ قدموا وليس بأيديهم شيء، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة، وكنت أم أنس بن مالك، وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة، وكان أخا لأنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله - ﷺ - عذاقا لها، فأعطاها رسول الله - ﷺ - أم أيمن مولاته- أم أسامة بن زيد-، فلما فرغ رسول الله - ﷺ - من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، قال: (فرد رسول الله - ﷺ - إلى أمي عذاقها، وأعطى رسول الله - ﷺ - أم أيمن مكانهن من حائطه).
وفي رواية ابن خالصة، زاد مسلم قال ابن شهاب: (وكان من شأن أم أيمن إنها أم أسامة بن زيد، أنها كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وكانت (١٣٢/ ب) من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله - ﷺ - بعدما توفي أبوه كانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله - ﷺ - فأعتقها، ثم أنكحها زيد ابن حارثة، ثم توفيت بعدما توفي رسول الله - ﷺ - بخمسة أشهر).
[ ٥ / ٣٣ ]
وفي رواية: (كان الرجل يجعل للنبي - ﷺ - النخلات من أرضه حتى افتتح قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليهم، وأن أعلي أمروتي أن أتي النبي - ﷺ - فأسأله ما كان أهله أعطوه [أو] بعضه؟ وكان نبي الله - ﷺ - قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي - ﷺ - فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فحطت الثوب في عنقي، وقالت: والله لا يعطيكهن وقد أعطانيهن. فقال النبي - ﷺ -: (يا أم أيمن، اتركيه، ولك كذا وكذا)، وتقول: كلا، والله الذي لا إله إلا هو، فجعل يقول: (كذا)، حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبا من عشرة أمثاله)].
* في هذا الحديث ما يدل على كرم الأنصار؛ وحسن جزاء المهاجرين، فإن أولئك لما جعلوا لهم نصف ثمارهم، جزاهم المهاجرون بأن يكفوهم العمل في أرضهم، فكان هذا وهذا مكتوبا للفريقين في باب الجود والسماحة؛ إذ لم ينقل أنه كان ذلك عن مشارطة متقدمة ولا عقد معاوضة.
* وفيه أيضا أن رسول الله - ﷺ - قبل منيحة أم سليم في العذاق.
* وفيه أن المنحة من النخل ليست صدقة، فإن رسول الله - ﷺ - لا يقبل الصدقة؛ وإنما هي على نحو الهدية.
* وفيه أيضا أن رسول الله - ﷺ - قبله ثم أعطاه أم أيمن ليضاعف الثواب لأم سليم. والعذاق: جمع عذق، وهي النخل.
[ ٥ / ٣٤ ]
* وفيه أيضا أن المنيحة إذا استغني عنها أعيدت إلى أصحابها لقوله: (فلما فتحت خيبر اعاد رسول الله - ﷺ - على أم سليم عذاقها).
* وفيه أيضا أن الرجل إذا أعطى فقيرا منيحة كانت عنده ثم أراد رد المنيحة إلى مالكها لاستغنائه عن قبول المنايح، عوض ذلك الفقير من غيرها، ورد المنيحة إلى أصحابها لأنها لم تكن تمليكا للأصول، واستساغ الفقير قبولها في حالة الفقر، كما فعل النبي - ﷺ - ثم لما ردها عوض أم أيمن من عنده لئلا يقطع برا قد كان بدأ به.
-١٥٢٨ -
الحديث (١٣٣/ أ) الحادي عشر:
[عن أنس، أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله - ﷺ - يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: (يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم). قال أنس: (فحدث ذلك رسول الله - ﷺ - من قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم غيرهم.
فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله - ﷺ - فقال: (ما حديث بلغني عنكم؟)، فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله - ﷺ -، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله - ﷺ -؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به). قالوا: بلى، يا رسول الله، قد رضينا، قال: (فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة؛ فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض)، قالوا: سنصبر).
[ ٥ / ٣٥ ]
وفي رواية: قال أنس: (فلم نصبر).
وفي رواية: (جمع رسول الله - ﷺ - الأنصار، فقال: (أفيكم أحد من غيركم؟)، فقالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (ابن أخت القوم منهم)، فقال: إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، فإني أردت أن أجبرهم وأتالفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله - ﷺ - إلى بيوتكم؟)، قالوا: بلى، قال: (لو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار).
وفي رواية عن أنس، قال: (لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فجمعهم، فقال: (ما الذي بلغني عنكم؟)، قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون، فقال: (أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله صلى الله (١٣٣/ ب) عليه وسلم إلى بيوتكم؟)، قالوا: بلى، فقال: (لو سلك الناس واديا أو شعبا، وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار).
وفي رواية: (لما كان يوم حنين أقبلت هوزان وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم، ومع النبي - ﷺ - يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه، حتى بقي وحده، قال: فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئا، قال: التفت عن يمينه، فقال: (يا معشر الأنصار)، قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك، قال: وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: (أنا عبد الله ورسوله)، فانهزم المشركون، وأصاب رسول الله - ﷺ - غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئا، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن
[ ٥ / ٣٦ ]
ندعى، وتعطى الغنائم غيرنا، فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة، فقال: (يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؟)، فسكتوا، فقال: (يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم؟)، فقالوا: بلى يا رسول الله، رضينا، قال: فقال: (لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا، لأخذت شعب الأنصار)، قال هشام، فقلت: يا أبا حمزة أنت شاهد ذلك؟ قال: وأنى أغيب عنه؟).
وفي رواية لمسلم عن أنس قال: (افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، قال: فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت الخيل ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير، قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد ابن الوليد، قال: فجعلت الخيل تلوي خلف ظهورنا، فلم يلبث أن انكشف خيلنا، وفرت الأعراب، ومن نعلم من الناس، قال: فنادى رسول الله - ﷺ - (يا آل المهاجرين، يا آل المهاجرين)، ثم قال: (يا للأنصار، يا للأنصار). قال أنس: هذا حديث عميه- قال: قلنا: لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله - ﷺ -، وقال: وايم الله، ما أتيناهم حتى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف، فحصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة، فنزلنا، قال: فجعل رسول الله - ﷺ - يعطي الرجل المائة) ..].
[ ٥ / ٣٧ ]
* في هذا (١٣٤/ أ) الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - حكم على الأنصار حكم الواثق بمتانة دينهم، وأن ذوي آرائهم فهموا ذلك فلم يقولوا إلا خيرا، فأما الأحداث: فإنهم قالوا ما قالوا عن غير فهم لمقصود رسول الله - ﷺ - حتى صرح لهم رسول الله - ﷺ - ما فهموا به هم وغيرهم، فأحوجوا رسول الله - ﷺ - إلى أن أظهر من السر في تكثير المؤلفة قلوبهم ما لم يكن يريد إظهاره.
* وفيه أيضا أن الكلام كان يخص الأنصار فلم يكن يقتضي أن يسمعه غير الأنصار؛ فذلك لم يدع معهم غيرهم.
* وأما قوله: (ابن أخت القوم منهم) فإنه يعني أنه منهم في النصر والترافد لا أنه يلحق بنسبهم.
* وفيه أيضا أنه عرفهم قدر نعمة الله عليهم في تميزهم دون أهل الأرض برسول الله - ﷺ -، وفي مثل هذا الموضع يحسن الاعتداد بالنعمة مخافة أن تفضي الغفلة عنها إلى نسيانها، لقوله - ﷺ -: (أما ترضون أن تذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله - ﷺ -، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به).
* وقوله: (ستجدون بعدي أثرة) أي استيثار عليكم، وقد دل هذا على أن الصبر على الأثرة من أبواب البر العظام؛ لأنه يستأثر على المسلم بما يرى أنه حقه فصبره عنه أفضل من صبره عن شيء لا يرى أن له فيه حقا.
وقول أنس: (فلم نصبر)، يعني أنه ربما يكون قد قال كلمة أو تأثر بحال فلم يستجز عند هذه الحالة أن يسكت فيكون متأنيا لما يأخذ به نفسه من الصدق فقال: فلم نصبر.
[ ٥ / ٣٨ ]
* وفيه جواز أن يجبر الحديث العهد بالكفر من مصابه بقتلاه المشركين وهذا مما كان في أول الإسلام.
* وقوله: (لسلكت شعب الأنصار) يدل على أنه - ﷺ - ضرب لهم مثلا فصدق فيه فإنه - ﷺ - لما انقلب الناس فذهبت كل طائفة إلى أرضها، انقلب - ﷺ - مع الأنصار إلى أرضهم.
* وقوله - ﷺ -: (لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار) يعني به - ﷺ - إني كنت أسلك شعب الأنصار مع ضيقه وأختاره (١٣٤/ ب) على الوادي مع سعته.
* وقوله: (وكانوا لا يكذبون) وهذا لأن المؤمن لا يعتمد الكذب في حال غضبه ولا رضاه.
والطلقاء: هم الذين من عليهم يوم الفتح.
* وفي الحديث ما يدل على شجاعة رسول الله - ﷺ -، وكونه أشجع أهل الأرض؛ لأنه بقي وحده ولا نزل عن بغلته في وقت الشدة.
* وفيه أن الأمير يدعو في صلاة الحرب قوما بعينهم؛ ليكون أقوى لشوكتهم، وأجمع لكلمتهم كدعاء رسول الله - ﷺ - الأنصار مرتين، ويستجيب للصاحب أن يركز الكلمة الدالة على قوة رجائه بانكسار عدوه لقول الأنصار لرسول الله - ﷺ -: (أبشر)، وقولهم: (ونحن معك)، أي لسنا نبشرك بالبشرى إلا ونحن معك فيها.
* وفيه أيضا دليا على أن القباب قد كانت في زمن رسول الله - ﷺ - كبارا حتى
[ ٥ / ٣٩ ]
أن منها واحدة اجتمع فيها الأنصار وهو مئون.
* وفيه أيضا أن تمحيص العسكر وتخليصه من أوباش تختلط به أولى؛ فإن طالوت ﵇ لما أراد أن يمتحن عسكره قال: ﴿إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني﴾. أراد أننا نعبر إلى أرض مصر فمن كان معه إيمان لم يتزود من الماء، وأراد بذلك أن يمتحن إيمانهم ويبلوا يقينهم فشرب أصحابه كلهم من النهر إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدة أصحاب بدر، فقال الله ﷿: ﴿فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا﴾، إلى قوله: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾، وكذلك كان يوم هوازن فإنه لم يكسر العدو إلا تلك الفئة القليلة التي ثبتت؛ وذلك أن العدو لا يحارب بعدو مثله.
* وفيه أيضا جواز أن يحاصر الإمام بلدا ثم يرحل عنه ولم يفتح.
-١٥٢٩ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أنس، قال: (إن الله ﷿ تابع الوحي على رسول الله - ﷺ - قبل
[ ٥ / ٤٠ ]
وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله - ﷺ - بعده)].
* في هذا الحديث من الفقه أن تتابع الوحي عليه كان منذرا له بالتأهب لأنه لم يكن ليقبض - ﷺ - إلا بعد إنزال الوحي كله.
* وفيه أيضا ما يدلك على أن الوحي هو هذا الذي نزل؛ وذلك أنه لما بقي من مدة (١٣٥/ أ) رسول الله - ﷺ - إلى وقت قبضه الزمن اليسير توبع الوحي وولى إنزاله ليكمل قبل وفاته - ﷺ -.
-١٥٣٠ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أنس، قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن ترتفع الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاعت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب).
وفي حديث الليث: (كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر، حتى يدخل أول وقت العصر).
وفي حديث حاتم: (أن النبي - ﷺ - كان إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء)].
* في هذا الحديث جواز الجمع بين الصلاتين بتأخير الأولى إلى وقت الثانية
[ ٥ / ٤١ ]
وقد سبق الكلام في الجمع بين الصلاتين.
-١٥٣١ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أنس قال: (كان رسول الله - ﷺ - يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعد العوالي من المدينة: على أربعة أميال أو نحوه).
وفي رواية: (يذهب الذاهب منا إلى قباء).
وفي رواية: (كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر).
وأخرجاه من حديث أبي أمامة قال: (صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم، ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر، وهذه صلاة رسول الله - ﷺ - التي كنا نصلي).
ولمسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن، أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر وداره جنب المسجد، قال: فلما دخلنا عليه وسجد قال: (أصليتم العصر؟ فقلنا: إنما انصرفنا الساعة من الظهر، قال: فصلوا العصر فقمنا فصلينا فلما انصرف قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني
[ ٥ / ٤٢ ]
شيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا).
وليس للعلاء عن أنس في الصحيح غير هذا الحديث الواحد.
ولمسلم وحده من حديث حفص بن عبد الله عن أنس بن مالك أنه قال: (صلى بنا رسول الله - ﷺ - العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، إنا نريد أن ننحر (١٣٥/ ب) جزورا لنا، ونحن نحب أن تحضرها؟ فقال: (نعم)، فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور ولم تنحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منها، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس)].
* هذا الحديث يدل على فضل تقديم صلاة العصر.
* ومعنى (حية) هو أن يكون لها حر.
* وفيه ما يدل على أن آخر وقت الظهر يلاحق أول وقت العصر لقولهم: (صلينا مع عمر الظهر ثم دخلنا على أنس فوجدناه يصلي العصر).
*وفيه أن الصلاة عند غروب الشمس نقرات لا يذكر الله فيها إلا قليلا من آيات النفاق.
* وفي قوله: (نريد أن ننحر جزورا، ونحب أن تحضرها) فيه دليل على أن يحسن بالكبير القدر أن يجبر قلب صاحبه بأن يقصده في منزله أو بأن يشهد
[ ٥ / ٤٣ ]
نحر جزوره ويجيبه إلى دعوته، ويجوز أن يكونوا أرادوا بحضوره أن يعلمهم كيف نحر الجزور.
-١٥٣٢ -
الحديث الخامس عشر:
[عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تنبذوا في الدباء، ولا في المزفت). وكان أبو هريرة يلحق معهما: (الحنتم والنقير)].
* وقد سبق الكلام في هذا في مواضع.
-١٥٣٣ -
الحديث السادس عشر:
[عن أنس، (أن رأى في يد رسول الله - ﷺ - خاتما من ورق يوما واحدا، ثم إن الناس اصطنعوا خواتيمهم).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فص حبشي، كان يجعل فصه مما يلي كفه).
وفي رواية: (سئل أنس: أتخذ النبي - ﷺ - خاتما؟ قال: أخر ليلة العشاء إلى شطر الليل، ثم أقبل علينا بوجهه، فكأني أنظر إلى وبيض خاتمه، وقال: (إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها).
[ ٥ / ٤٤ ]
وفي رواية: (أن نبي الله - ﷺ - كان خاتمه من فضة، وكان فصه منه).
وفي رواية: (انتظرنا الحسن، وراث علينا حتى قريبا من وقت قيامه، فجاء فقال: دعانا جيراننا هؤلاء، ثم قال: قال: نظرنا النبي - ﷺ - ذات ليلة حتى كان شطر الليل فبلغه فجاء فصلى بنا ثم خطبنا فقال: (ألا إن الناس قد صلوا ورقدوا، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة).
قال الحسن: (إن القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير).
وفي رواية: (كأني أنظر إلى وميض خاتمه ليلتئذ).
وعن أنس قال: (نظرنا رسول الله - ﷺ - ليلة حتى كان (١٣٦/ أ) قريبا من نصف الليل ثم جاء فصلى ثم أقبل علينا بوجهه فكأنما أنظر إلى وميض خاتمه في يده).
وفي رواية لمسلم: (كان خاتم النبي - ﷺ - في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى).
وفي رواية عن ثابت: (إنهم سألوا أنسا عن خاتم رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أخر رسول الله - ﷺ - العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطر الليل، ثم جاء فقال: (إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لا تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة). قال أنس: (كأني أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة، ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر).
وعن أنس، قال: (كتب النبي - ﷺ - كتابا أو أراد أن يكتب فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما، فاتخذ خاتما من فضة، ونقشه: محمد رسول الله،
[ ٥ / ٤٥ ]
كأني أنظر إلى بياضه في يده، قلت لقتادة: من قال: نقشه: محمد رسول الله، قال: أنس.
وفي رواية: (اتخذ خاتما من فضة، ونقش فيه: محمد رسول الله، وقال للناس: (إني اتخذت خاتما من فضة، ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه).
وفي رواية عن أنس، قال: (اصطنع النبي - ﷺ - خاتما، فقال: (إنا اتخذنا خاتما، ونقشنا فيه نقشا، فلا ينقش عليه أحد)، قال: فإني لأرى بريقه في خنصره).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - أراد أن يكتب إلى رهط، أو ناس من العجم، فقيل: إنهم لا يقبلون كتابا إلا عليه خاتم، فاتخذ خاتما من فضة، نقشه: محمد رسول الله، كأني بوبيص-أو بصيص- الخاتم في إصبع النبي - ﷺ - وكفه).
وفي رواية: (أن أبا بكر لما استخلف كتب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر).
ومن حديث ثمامة عن أنس قال: (كان خاتم النبي - ﷺ - في يده، وفي يد أبي بكر، وفي يد عمر بعد أبي بكر، فلما كان عثمان جلس على بئر أريس، وأخرج الخاتم يعبث به، فسقط، فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، ننزح البئر فلم نجده)].
* يعني من صفاء ورقه.
[ ٥ / ٤٦ ]
* فأما كونه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، فإنه يقتضي أنه جعل اسم الله آخر سطر ليدل بذلك على أنه إليه المنتهى في كل أمر من أمور الدنيا والآخرة، وإن كان ليس في هذا الحديث نص على الترتيب، وقد (١٣٦/ ب) تكلمنا على وقوع الخاتم في بئر أريس في موضعه.
* وفيه ما يدل على أن مما أعان الله ورسوله به على الأعداء، هو الكتب والرسائل مقدمة بين يدي الحرب والقتال.
-١٥٣٤ -
الحديث السابع عشر:
[عن أنس، (أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بهم، لما يفجأهم إلا رسول الله - ﷺ - قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف في الصلاة، ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه، ليصل الصف، وظن أن رسول الله - ﷺ - يريد أن يخرج إلى الصلاة، قال أنس: وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم، فرحا برسول الله - ﷺ -، فأشار إليهم بيده: أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر).
وفي رواية: (فكشف ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه صورة مصحف فتوفي من يومه).
[ ٥ / ٤٧ ]
وفي حديث سفيان بن عيينة: (آخر نظرة نظرها إلى رسول الله - ﷺ - كشف الستارة يوم الاثنين) وذكره نحو.
وفي رواية: (لم يخرج إلينا النبي - ﷺ - ثلاثا، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله - ﷺ - بالحجاب فرفعه، فلما وضح لنا وجه النبي - ﷺ -، ما نظرنا منظرا قط كان أعجب إلينا من وجه النبي - ﷺ - حين وضح لنا. قال: فأومأ نبي الله - ﷺ - بيده إلى أبو بكر ﵁ أن يتقدم، وأرخى نبي الله الحجاب، فلم نقدر عليه حتى مات - ﷺ -)].
* في هذا الحديث دليل على شدة حب أصحاب رسول الله - ﷺ - له.
* وفيه أن المريض قد يعامل ربه ﷿ بالحمل على نفسه بأن ينتصب أو يجلس أو يقوم ليراه أصحابه فيجبر بذلك قلوبهم، ويسر به نفوسهم.
* وفيه أيضا أن رسول الله - ﷺ - أحب أن ينظر كيف صلاة أبي بكر بهم مع غيبته - ﷺ -.
* وفيه أيضا جواز أنه لما رآهم على تلك الحالة من استواء الصفوف وصلاة الجماعة سره ذلك فضحك - ﷺ -.
* وفيه أيضا جواز تأخير الإمام عن موقفه من غير بطلان الصلاة إذا اقتضى
[ ٥ / ٤٨ ]
الحال ذلك مثل هذه الحالة التي جرت لأبي بكر ﵁، فإذا أراد ذلك تأخر ناكصاُ على عقبيه (١٣٧/ أ) كما فعل أبو بكر ﵁ ولم يلتفت.
* وقوله: (فهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم):
- فيه ما يدل على أن الصلاة يحافظ عليها، ولا يحل قطعها لشيء ما؛ فإن المسلمين كادوا يفتتنون لرؤية رسول الله - ﷺ - ولم يقطعوا الصلاة.
- وفيه ما يدل على اهتمام رسول الله - ﷺ - بالصلاة والمسلمين حتى آخر يوم من أيام حياته في الدنيا.
- وفيه أيضا استحسان التشبيه للفاضل بشيء فاضل فإن قوله: كأن وجهه ورقة مصحف أحسن من أن يشبهه بشيء له مثل في الدنيا، فإن ورقة المصحف أشرف شيء في الوجود.
* وفيه أيضا دليل على جواز اتخاذ الستر والحجاب على الباب.
* وقوله: (أشار إلى أبي بكر ﵁) فيه ثلاثة أشياء:
أحدهما: جواز الإشارة إلى المصلى.
والثاني: جواز تهيؤ المصلي أن يفهم الإشارة.
والثالث: أنه لما أشار إلى أبي بكر ﵁ بتقدمه في الصلاة كان ذلك مما يفهم منه إشارته إلى تقدمه في الخلافة.
-١٥٣٥ -
الحديث الثامن عشر:
[عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: (لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب
[ ٥ / ٤٩ ]
أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
وفي رواية شعبة: (فلا أدري أشيء ترك أم شيء كان يقوله).
وفي رواية عن أنس عن أبي: (كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿ألهاكم التكاثر﴾)].
* قد سبق الحديث والكلام عليه.
-١٥٣٦ -
الحديث التاسع عشر:
[عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: (قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن).
وفي رواية: (ما بين لابتي حوضي).
وفي رواية: (يرى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء).
وفي رواية: (أكثر من عدد نجوم السماء)].
* قد سبق الحديث والكلام عليه.
[ ٥ / ٥٠ ]
-١٥٣٧ -
الحديث العشرون:
[عن أنس، قال: لولا أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يتمنين أحدكم الموت)؛ لتمنيته).
وفي رواية: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لابد فاعلا، فليقل: اللهم أحيني مادامت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لا يجوز أن يتمنى الموت أحد من (١٣٧/ ب) أجل ضيق نزل به لأن طلبه الموت فرار من قدر الله، ويقاس على هذا أنه من تمناه من غير ضر لم يستحب له ذلك؛ لأن المؤمن إن كان على سبيل عمل صالح فإنه كل وقت في زيادة، وإن كان على غير عمل صالح فإنه يستعجل بتمني الموت ما هو شر له، فأما تمني الموت لخوف الفتنة فقد ذكر عن جماعة من الأخيار إلا إني أخاف أن يكون نفس تمنيهم الموت فتنة، وليس إلا الرضا بما يريد الله ﷿ به عبده، فإن كان الإنسان لابد متمنيا: (فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي).
[ ٥ / ٥١ ]
-١٥٣٨ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: (إن الله وكل بالرحم ملكا، يقول: أي رب نطفة؟ أي رب علقة؟ أي رب مضغة؟ فإذا أراد أن يقضي خلقا. قال الملك: أي رب ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه سبق في علم الله ﷿ لكل من الخلق ما سبق من سعادة أو شقاوة إلا أنه في علم الله ﷿، فإذا استقرت النطفة في الرحم، استطلع ملك الأرحام ذلك العلم من قبل الله ﷿ فيقول الله ﷿ فيه: الحق الذي قد سبق علمه به، فذلك الوقت الذي يعلم به الملك، فأما قبل ذلك الوقت فلم يعلمه إلا الله وحده.
* في هذا الحديث من الفقه أن ينبغي لكل مؤمن أن يعلم أن أجله قد كان في علم الله ﷿ مذكورا معينا في مدة معلومة، أظهره الله تعالى بعد ذلك إلى الملك فكتبه وأثبته، فليس يمكن أهل السموات وأهل الأرض أن يزيدوا فيه لحظة ولا ينقصوا منه لحظة، فمقتضى هذا يجب أن لا يخاف على حياته ما لم يقدر لها في علم الله ﷿ ولا يختلج في قلبه أن الله ﷿ ينقصه شيئا من
[ ٥ / ٥٢ ]
أجله الذي كتب له بحال من الحال؛ فإنه ﷻ قد تمت كلمته ومضى أمره.
وهو ﷾ كان قد سبق لعدوه إبليس منه نظرة وطول أمد وفسحة أجل إلى وقت معلوم، ثم إنه جاهر بالمعصية، وبادر بالمخالفة، وأضل من الخلق من أضل، وطمع في أن يفتن الأنبياء، وقد أوجب الله ﷿ عليه لعنته ووجه إليه غضبه، وهو مع ذلك فلا ينقصه من عمره الذي (١٣٨/ أ) كان قد قسم له لحظة فما دونها، فكيف يظن ظان أن الله سبحانه ينقص عبده من أجل كان قد قسمه له.
* وقوله: (ما رزقه): المعنى أنه كان قد سبق له في علم الله تعالى رزق معلوم بحساب محسوب، فاستعمله الملك على ما سبق شرحه، فلا يقدر أهل السموات وأهل الأرض أن ينقصوا من رزق العبد الذي سبق في علم الله حبة خردل ولا أن يضعوها فوقه، فإذا أيقن العبد بذلك أجمل في الطلب وتنكب الحرص.
* فأما السعادة والشقاوة، فإن من سبقت له السعادة فإن الله سيوفقه لعمل أهل السعادة إلا أنه لا يؤمن عليه، فإن عمله لا يؤمن عليه آفات عمله إلى وقت موته أن ينقلب حاله فيختم له بعمل الأشقياء، ويكون قد كان سبق في علم الله تعالى الذي أظهره إلى الملك أن هذا يعمل أولا بعمل أهل الخير، ثم يختم له بعمل أهل الشر حتى لا يركن أحد إلى عمل فيكون هذا ممن كتب شقيا إلا أنه نادر في الأشقياء.
ويكون السعيد قد يسر لعمل أهل السعادة إلا أنه قد يعمل الواحد منهم بعمل أهل الشقاء فأدركته الرحمة فلم يقنط من رحمة ربه وتاب إلى الله ﷿ عند آخر نفس فتختم له بالسعادة، وهذا مما يكون سابقا في العلم أنه
[ ٥ / ٥٣ ]
يجري لذلك، إلا أن هذا يكون نادرا في السعداء أيضا.
* ومفهوم الحديث التحذير من الإعجاب بالعمل، كما هو أيضا تحذير من القنوط من الرحمة.
-١٥٣٩ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أنس، قال: (ذكر رسول الله - ﷺ - الكبائر وسئل عن الكبائر، فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين وقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو شهادة الزور)].
* في هذا الحديث من الفقه أن النبي - ﷺ - ذكر الكبائر وسئل عن الكبائر، فقال: الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين وقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور؟، أو شهادة الزور)].
* في هذا الحديث من الفقه أن النبي - ﷺ - ذكر الكبائر أو سئل عنها فعد منها: الشرك بالله، الذي أراه في هذا الحديث أن الشرك بالله من حيث أنه أعظم الأشياء عنادا لله ﷾ قد لا يشرك بالله إلا من قد اضطرته الحجة إلى أن يقر بالله ثم يشرك به، فإن الجحد لله خالق المخلوقات لا يتصور من ذي لب أبدا، وإنما يشركون به سبحانه أشياء من خلقه إما تسمية لأجسام نحو الكواكب ظانين أن لها تأثيرا، والشمس والقمر، والليل والنهار؛ أو (١٣٨/ ب) معاني نحو الطبيعة والعلة، وما يسمونه كونا وفسادا، فإنهم كاذبون، فإن فاعل الأشياء ﷾، هو الذي فعلها أولا، ثم فعل فيها ما ظهر للخلق عنها كالغيث عن السحاب، والنبات عن المطر، ثم لم يترك شيئا منها إلا موصوما بوصمة الحدث، يقر جملته وإبعاضه بأنه مخلوق فلا
[ ٥ / ٥٤ ]
يمكنه ما دام موجودا أن يجحد ذلك، فكان من أشرك بالله لصريح جهله الذي ليس له به علم قد أتى فعلة شنعاء كبيرة في مقام البعد عن الله سبحانه، وتحزى به عند أهل الإيمان به، فلهذا كانت هذه الغفلة القبيحة أكبر الكبائر وأصلها.
* ثم تعبها في ذلك قتل النفس، من حيث أنه إذا أجرى الحيوان الناطق إلى قتل مثله من الحيوان الناطق، من علمه أنه يحس منه كما يحس، ويألم منه كما يألم، فاستشاط عليه استشاطة خرج فيها عن جميع الحيوان في جنسه، فكان ما أودعه الله فيه من العقل لم يزده إلا شرا، فاض فغلب ما جبل عليه الحيوان الذي لا تمييز له حتى أزهق نفسا مثل نفسه عامدا قاصدا، وأفات أخاه حياته، وأفسد بنيته التي جعلها الرب ﷾ بما فيها من الإتقان وعجيب الصنعة دليلا على وجوده سبحانه، فلما هدمها هذا الهادم، كان في معنى من قصد إلى طريق يسلك فيها إلى ملك، وفي تلك الطريق أعلام يستدل بها على سلوك تلك الطريق إلى ذلك الملك، فهدم تلك الأعلام أو علما منها فصار خائنا بتضليل.
فضاد الملك عند التوجه إلى قصده بما جمع فيه بينه الخزي المتقدم، وبين أن قطع مادة نسل ذلك القتيل الذي يجوز أن يكون نسله أمة تعبد الله ﷿ في أرضه، وتجاهد من حاده في أمره، مع علم كل عالم أن ذلك المقتول يجوز أن يودع الله لنسله من البركة والكثرة ما تكون ذريته هي ساكنة الأرض كلها مع تنقيص البركة من نسل غيره؛ فيكون من ذريته من يسكن الأرض ويعمر الدنيا إلى يوم القيامة، فإذا قتله القاتل كان بمنزلة من قتل الناس جميعا كما قال الله ﷿؛ من حيث أنه قتل من يجوز أن يكون أبا لناس كلهم، فإن الناس
[ ٥ / ٥٥ ]
كلهم بأسرهم (١٣٩/ أ) ذرية رجل واحد، وهو آدم - ﷺ -، والعرب كلهم ولد إسماعيل.
فليس قتل الإنسان للرجل الواحد قتلا لواحد؛ ولكن قتلا يجوز أن يتناول بالتقدير أهل الأرض كلهم؛ فيتضاعف الحوب والجرم بمقدار ذلك، كما أنه لو قد أحياها كان التقدير يتناول له أن يكون بهذه الطريق من أن ذلك الشخص يجوز أن يكون أبا لولد يتوالدون ويتناسلون حتى يكونوا ساكني الأرض كلها فيكون الله ﷾ كاتبا له كأنه أحيا الناس جميعا كما قال الله ﷿، وهذا فإنما ينصرف إلى من قتل نفسا لم يأذن مالكها في قتلها، فأما إذا أذن المالك في القتل يكون عبادة، إلا أن القتل في هذا الحديث لا ينصرف إلا إلى القتل المحرم لأنه ذكره بعد الشرك بالله.
* وتلاه ثم أتبعه بعقوق الوالدين، فأما عقوق الوالدين فقد تقدم تفسيره في مواضع وأشير إليه هاهنا، فأقول: إن العقوق أصل اشتقاقه من العق، وهو القطع، فلما جرى هذا الولد أوصل الخلق له بالبر الذي لم يعفا فيه عند غاية من جهدهما في حالة ضعف لهذا الولد وعجز منه، فلما قطع أوصل الخلق له فيما كان أحوج الناس إليه في وقته مع تكرر وصية الموجد سبحانه بحفظ عهدهما منه؛ كان ذلك عظيما في جنسه فظيعا في مقامه فكانت هذه الغفلة ثالثة الكبائر.
* فأما الرابعة: وهي قول الزور أو شهادة الزور أنها أكبر الكبائر، فإنها من حيث أن الحيوان الذي خلقه الله ﷾ صامتا عن النطق، فإنه ﷻ قد آمن عباده من أن يقول ذلك الحيوان عليهم ما لم يكن، وفضل الآدمي بأن جعله ناطقا ليكون نطقه بالحق ليبين عما في ضميره، ويفصح عما
[ ٥ / ٥٦ ]
في قلبه، ليكون واصفا من أمر الله ووجوب حقه وعجائب خلقه، وكلما يطلع الله ﷿ قلبه عليه، فإذا شهد بالزور قال ما لم يكن، عرض إحسان الله ﷿ إلى خلقه في إنطاقه الآدمي إلى أن يكون في غير موقع الاعترف به لأن شاهد الزور (١٣٩/ ب) يكون من بعض شهادته الشرك بالله الذي تقدم وكذلك ما بعده حتى تنتهي إلى حقوق الناس، والقول عليهم ولهم، فهو من أكبر الكبائر كما قال - ﷺ -.
* وإن من أعظم شهادة الزور ادعاء الولد فيه ﷾، ولذلك الذين قالوا: ما وصف الله سبحانه عنهم في كتابه فقال ﷿: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقر ونحن أغنياء﴾، وغير ذلك من كل ما يقشعر جلود المؤمنين إذا حكي نطقه عن قائله، فكيف بمن يقوله عن نفسه، ولذلك إذا شهد الرجل على الرجل المسلم بما لا علم له عنده منه، باهتا له فيه كاذبا عليها؛ فإنه قد جمع في ذلك بين الكذب في خبره، والخيانة في أمانته والظلم لأخيه، والإعانة على الباطل، وإطعام رجل مسلم مال رجل مسلم بغير حق، غار الحاكم الذي حكم بشهادته. فكان كل واحد من هؤلاء خصمه إلى الله تعالى، فلذلك كانت شهادة الزور رابعة هذه الخلال.
-١٥٤٠ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن أنس، (أن رجلا اطلع من بعض حجر النبي - ﷺ -، فقام إليه النبي - ﷺ - بمشقص -أو قال: بمشاقص- فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه).
وعن أنس (أن رجلا اطلع في بيت النبي - ﷺ - فسدد إليه شقصا)، زاد في مسند سهل بن سعد: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)].
[ ٥ / ٥٧ ]
* هذا الحديث قد سبق في مسند سهل بن سعد.
* والمشقص: سهم عريض النصل، ويختله: بمعنى أنه يترقب الفرصة فيه.
-١٥٤١ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أنس، قال: قال النبي - ﷺ -: (إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم).
وفي رواية لمسلم: (أن أصحاب النبي - ﷺ - قالوا للنبي - ﷺ - إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نرد عليهم؟ قال: (قولوا: وعليكم)].
* قد سبق الكلام في هذا إلا أنه قد جاء في هذا الحديث: (وعليكم) بالواو في بعض طرقه، ولا أرى معناه إلا وعليكم بما ذكرتم من السوء مع ما عليكم من الأسواء.
[ ٥ / ٥٨ ]
-١٥٤٢ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أنس (١٤٠/ أ) (أن رسول الله - ﷺ - كان يتنفس في الإناء ثلاثا).
وعن أنس قال: (كان رسول الله - ﷺ - يتنفس في الشراب ثلاثا فيقول: إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ).
قال أنس: (وأنا أتنفس في الشراب ثلاثا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن السنة إذا تنفس الإنسان في الإناء ثلاثا فإنه كما قال - ﷺ -: (فإنه أروى، وأبرأ، وأمرأ) وصدق - ﷺ -.
* فأما كونه (أروى) فإن الشديد العطش إذا التهبت معدته فإنه لا يصرف عطشه مثل أن يجرع من الماء جرعة بعد جرعة قليلا قليلا، حتى أنه ربما كفاه لديه نصف المقدار الذي يعبه عبأ.
* فأما قوله: (وأبرأ) فإنه يعني - ﷺ - أن الشديد العطش إذا جرع إنما قليلا قليلا في مرات متفرقة أقلهن ثلاث كما ذكرنا فإنه يأمن من نكايته، فكثيرا ما اشتد بقوم العطش، فلما وردوا واستوفوا شرب الماء عبا فماتوا مكانهم.
قال الرازي: لو اشتد العطش بإنسان فورد الماء بعطشه، فشرب منه
[ ٥ / ٥٩ ]
مقدار ريه دفعة، مات مكانه.
* وأما قوله: (وأمرأ) فإنه يعني به - ﷺ - أن الماء إذا شرب عبا على طعام قد أكله الآكل طفا الطعام على رأس المعدة فلم يستمر به أكله، ولو كان قد شرب في المرات المتفرقة لكان قد حصل في بدن الغذاء فأثقله فحطه إلى قعرها الذي يهضم به فكان يكون أمرأ.
-١٥٤٣ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن أنس قال: (أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم، فلغبوا، وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله - ﷺ - بوركها وفخذيها فقبله)].
* قد تقدم هذا الحديث، ومعنى (أنفجنا أرنبا) ذعرناها فعدت. ومعنى
[ ٥ / ٦٠ ]
(لغبوا): تعبوا.
* وفيه من الفقه أنه لا يجوز للرجل أن يحقر شيئا يحمله إلى من يعز عليه؛ لأن أبا طلحة أهدى لرسول الله - ﷺ - وركها وفخذيها.
* وفيه استحباب أن لا يرد الرجل الكبير القدر قليل الهدية لقبول رسول الله - ﷺ - ذلك.
-١٥٤٤ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن هشام بن زيد (١٤٠/ ب) قال: (دخلت مع جدي أنس بن مالك دار الحكم بن أيوب، فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها، فقال أنس: نهى رسول الله - ﷺ - أن تصبر البهائم)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند ابن عمر ﵁.
-١٥٤٥ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن هشام بن زيد (أن امرأة يهودية أتت النبي - ﷺ - بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها إلى النبي - ﷺ - فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك. فقال: (ما كان الله ليسلطك على ذلك أو قال: علي قالوا: ألا نقتلها؟ قال: (لا). قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - ﷺ -)].
[ ٥ / ٦١ ]
* فيه أن رسول الله - ﷺ - أكل السم فدفع الله عنه عاجل شره.
* وفيه جواز أكل المسلم من طعام اليهود.
* وفيه جواز أكل ذبائحهم.
* وأما قول أنس: ما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - ﷺ -.
اللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة المتدلية من الحنك الأعلى فهي حمراء متعلقة، والمعمول عليه هو قول رسول الله - ﷺ -: (ما كان الله ليسلطك علي) وهذا كان في غزاة خيبر.
* واسم هذه اليهودية زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم.
وقال محمد بن سعد: التثبت عندنا أن رسول الله - ﷺ - قتلها، وإنما قتلها لأنها نقضت العهد بذلك، وإن كان هو قد سلمه الله ﷿، وقد اتفق المسلمون على أنه من سب رسول الله - ﷺ - قتل فكيف بمن سمه؟!
-١٥٤٦ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن أنس، (أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها، فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي - ﷺ - وبها رمق، فقال لها: (أقتلك فلان)؟ فأشارت برأسها: أن لا، ثم سألها (الشاشة)، فقالت: نعم، وأشارت برأسها، فقتله رسول الله - ﷺ - بحجرين).
[ ٥ / ٦٢ ]
وفي حديث ابن إدريس: (فرضخ رأسه بين حجرين).
وفي رواية: (أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، فأخذ اليهودي فأقر، فأمر به رسول الله - ﷺ - أن يرض رأسه بالحجارة).
وقد قال همام: (بحجرين).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - قتل يهوديا بجارية، قتلها على أوضاح لها).
وفي رواية لمسلم: (أن رجلا من اليهود قتل جارية على حلي لها، ثم أكفاها في القليب، ورضخ رأسها (١٤١/ أ) بالحجارة، فأخذ، فأتي به رسول الله - ﷺ - فأمر أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات)].
* في هذا الحديث جواز التوصل إلى العلم بالجاني من المجني عليه إذا كان قد عجز عن النطق بأن يسمى له من يتهم به إلى أن يشير إلى قاتله، وهذا فإنما يقوي الحال فإن القتيل في بني إسرائيل لما ضرب ببعض البقرة فأحياه الله تعالى فذكر قاتله، فعرفوا القاتل، وكان نفس ذكره للقاتل هو الحجة على القاتل.
[ ٥ / ٦٣ ]
وهذه المرأة قريبة من حاله لأنها عجزت عن النطق حتى لم يبق معها أداة النطق إلا الإيماء ففوت الظن بما أشارت إليه في حالتها تلك.
* وفي الحديث أن اليهودي أقر، وبذلك لزمته الحجة.
* وقد دل الحديث على المماثلة في القصاص.
* وقوله: فقالت ثم قالت: لا، يعني أنها سئلت عن شخص بعد شخص إلى أن عين لها القاتل.
* وأما ما روي من رضخ رأسه ومن رجمه فكله قتل بالحجارة.
-١٥٤٧ -
الحديث الثلاثون:
[عن هشام بن زيد قال: سمعت أنس بن مالك يحدث أن أمه حين ولدت: (انطلقوا بالصبي إلى النبي - ﷺ - لحنكه فإذا النبي - ﷺ - في مربد يسم غنما).
قال شعبة: (وأكبر علمي أنه قال في آذانها).
وفي رواية: (كان ابن لأبي طلحة يشتكي، فخرج أبو طلحة فقبض الصبي، فلما رجع أبو طلحة، قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سليم: هو أسكن ما كان، فقربت إليه العشاء فتعشى، ثم أصاب منها، فلما فرغ، قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره، فقال: (أعرستم الليلة؟)، قال: نعم، قال: (اللهم بارك لهما)، فولدت غلاما، فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي - ﷺ -، وبعثت معه بتمرات فأخذها النبي - ﷺ - فمضغها، ثم أخذها من فيه: فجعلها في في الصبي، ثم حنكه، وسماه عبد الله).
[ ٥ / ٦٤ ]
وفي رواية: (غدوت إلى رسول الله - ﷺ - بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه، فوافيته، في يده الميسم يسم إبل الصدقة).
وفي رواية: (لما ولدت أم سليم، قالت: يا أنس، انظر إلى هذا الغلام، فلا يصيبن شيئا، حتى تغدو به إلى النبي - ﷺ - ويحنكه، فغدوت، فإذا هو في الحائط، وعليه خميصة جونية، وهم يسم الظهر (١٤١/ ب) الذي قدم به يوم الفتح).
وفي رواية للبخاري قال: (اشتكى ابن لأبي طلحة، قال: فمات وأبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئا ونحته في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح، فظن أبو طلحة أنها صادقة، قال: فبات؛ فلما أصبح اغتسل، فلما أراد أن يخرج: أعلمته أنه مات، فصلى مع النبي - ﷺ - ثم أخبر النبي - ﷺ - بما كان منهما، فقال رسول الله - ﷺ -: (لعله أن يبارك لهما في ليلتهما).
قال سفيان بن عيينة: (فقال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قد قرأ القرآن).
وفي رواية: (مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه، حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، قال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع، وأصاب منها، قالت: أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتيني حتى إذا تلطخت، ثم
[ ٥ / ٦٥ ]
أخبرتني بابني.
فانطلق حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما كان، فقال رسول الله - ﷺ -: (بارك الله لكما في ليلتكما) قال: فحملت، قال: فكان رسول الله - ﷺ - في سفر، وهي معه وكان رسول الله - ﷺ - إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، فانطلق رسول الله - ﷺ - قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يارب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله - ﷺ - إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق، فانطلقنا، وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلاما، فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى نغدو به على رسول الله - ﷺ -.
فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله - ﷺ -، قال: فصادفته معه ميسم، فلما رآني قال: (لعل أم سليم ولدت؟) قلت: نعم. قال: وضع الميسم، قال: وجئت به، فوضعته في حجره، ودعا رسول الله - ﷺ - بعجوة من عجوة المدينة، (١٤٢/ أ) فلاكها في فيه حتى ذابت، ثم قذفها في في الصبي، فجعل الصبي يتلمظها، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (انظروا إلى حب الأنصار التمر)، قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله.
وفي رواية لمسلم: (ذهبت بعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري إلى رسول الله - ﷺ - حين ولد، ورسول الله - ﷺ - حين ولد، ورسول الله - ﷺ - في عباءة يهنأ بعيرا له، فقال: هل معك تمر؟ فقلت: نعم، فناولته تمرات، فألقاهن في فيه فلاكهن، ثم فغر فا الصبي فمجه في فيه، فجعل الصبي يتلمظه، فقال النبي - ﷺ -: (حب الأنصار التمر،
[ ٥ / ٦٦ ]
وسماه عبد الله)].
* في هذا الحديث من الفقه حمل الصبي إلى الإمام أو العالم تبركا به ليحنكه اقتداء بالنبي - ﷺ -.
* وفيه أيضا أن سيمه الغنم على آذانها.
* وفيه أيضا ما يدل على حسن التوصل في تسكين القلوب المنزعجة، كما فعلت أم سليم من توصلها حتى أعلمت أبا طلحة بعد أن قضت هي أربها، فإن أرب أم سليم كان أن تجاهد نفسها حتى تكون مع بعلها، وفي دارها، وولدها ميت. فإن هذا من المقامات العجيبة ولو كانت قد أعلمت أبا طلحة من قبل أن يقضي أربها لما تم لها مرادها، ومما يدل على أن الإيمان هو ثمرة العقل.
* والثاني أن هذه أم سليم توصلت بحسن عقلها ونياتها ومجاهدتها نفسها وإعراضها عما يستحسنه أراذل الناس، وسمو همتها إلى ما يكون هو الحسن عند الله، وعند خيار المسلمين، فآثرت الأعلى حتى قاربت بمقام جمع لها من حسن الصبر، وكريم العزاء، وتجهيل الرجال الذين لا يكونون مثلها، وحسن القول التي توصلت به إلى غرضها به من التعريض العجيب الذي سلمت به من الكذب؛ فقالت ﵂ قول رضي الله ورضي رسوله - ﷺ - ورضي كل مؤمن يسمع بهذا الحديث إلى يوم القيامة.
* وفيه أن النبي - ﷺ - دعا لها بالبركة، والبركة في دعاء رسول الله - ﷺ - تنصرف إلى الدين، فإن الولد الذي ولد لهما كان عالما قارئا؛ لهذا قال الأنصاري: (
[ ٥ / ٦٧ ]
فرأيت تسعة من الأولاد كلهم قد قرأ القرآن).
* والخميصة الجونية: كساء أسود معلم، فإذا لم يكن معلما فليس بخميصة.
* وقوله: لا يطرقها (١٤٢/ ب) طروقا. الطروق: إتيان المنازل ليلا.
والعجوة: نوع من التمر.
والتلمظ: إدارة اللسان في ذوق ما يؤكل، كالاستطابة له.
* وفيه أيضا أن رسول الله - ﷺ - شهد له بتصديق نسبه يقول: انظروا حب الأنصار التمر، لأن التمر أكثر أكل الأنصار.
* وقوله: (في عباءة) دليل على جواز لبس العباء.
* وفيه أن الكبير القدر لا ينبغي له أن يتكبر لأن رسول الله - ﷺ - كان يهنأ بعيرا له، والهناء ضرب من القطران يتداوى به الإبل من الجرب: وفغر فاه: بمعنى فتحه.
-١٥٤٨ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن أنس، قال: (جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله - ﷺ - ومعها صبي لها يكلمها رسول الله - ﷺ - وقال: (والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إلى- مرتين).
وفي رواية: (ثلاث مرات)].
[ ٥ / ٦٨ ]
* في هذا الحديث دليل على فضيلة الأنصار.
* وقوله: (إنكم أحب الناس إلى) أي بعد المهاجرين لأن الناس إنما ينصرف إلى البعداء والمهاجرون قومه، فلو أراد قومه لقال: أحب قومي، فلما قال: الناس؛ علم أنه أراد غير قومه.
-١٥٤٩ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن أنس، أنه قال: (كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبا طلحة، وأبي ابن كعب شرابا من فضيخ زهو وتمر، فأتاهم آت، فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم إلى هذه الجرة فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسرت).
وفي رواية: (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله - ﷺ - مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فأهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله ﷿: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾.
وفي رواية: (سألوا أنس بن مالك عن الفضيخ، فقال: ما كانت لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، إني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب
[ ٥ / ٦٩ ]
ورجلا من أصحاب رسول الله - ﷺ - في بيتنا، إذ جاء رجل، فقال: هل بلغكم الخبر؟ قالوا: لا، قال: فإن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس، أرق هذه القلال، قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل).
(١٤٣/ أ) وفي رواية: (كنت أسقي عمومتي من فضيخ لهم، وأنا أصغرهم سنا، فجاء رجل فقال: إنما حرمت الخمر، فقالوا: ألقها يا أنس، فكفأتها.
قال: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بسر ورطب).
وفي رواية: (أني لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء، من مزادة فيها خليط بسر وتمر، فدخل داخل، فقال: حدث خبر، نزل تحريم الخمر، فأكفأناها يومئذ).
وفي رواية للبخاري: (حرمت علينا الخمر حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر).
وفي رواية: (أن الخمر حرمت، والخمر يومئذ البسر والتمر).
وفي رواية: (لقد أنزل الله هذه الآية التي حرم فيها الخمر، وما بالمدينة شراب إلا من تمر)].
[ ٥ / ٧٠ ]
* في هذا الحديث ما يدل على إيمان القوم بحسن مسارعتهم إلى امتثال أمر الشرع.
* وفيه ما يدل على قبول خبر الواحد.
* وفيه دليل على جواز كسر الأواني التي فيها الخمر إلا أن هذا الحديث يتضمن أن أبا طلحة أمر بكسر آنية غير الإنسان فليس له أن يكسرها بل يريق ما فيها، ويتركها لصاحبها، وينبهه على غسلها ليمكنه الانتفاع بها.
والفضيخ: هو البسر يفضخ أي يشدخ ويترك في وعاء حتى ينبذ.
والقلال: جمع قلة، وهي الآنية التي كانوا يشربون فيها.
* وفيه أيضا أن ما كان من الفضيخ أو التمر يسمى خمرا لأنه لما حرمت الخمر أرادوا الفضيخ.
* وفيه دليل على أن الخمر لا يجوز استصلاحها بالعلاج لتصير خلا، إذ لو جاز لما أضاعوها.
-١٥٥٠ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن أنس (أن جدته مليكة دعت رسول الله - ﷺ - لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: (قوموا فأصلي لكم)، قال أنس بن مالك: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله - ﷺ -، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من وراءنا، فصلى رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم انصرف).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - صلى به وبأمه- أو خالته- قال: فأقامني
[ ٥ / ٧١ ]
عن يمينه، (١٤٣/ ب)، وأقام المرأة خلفنا).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس خلقا، فربما يحضر الصلاة وهو في بيتنا، قال: فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس، ثم ينضح، ثم يؤم رسول الله - ﷺ -، ونقوم خلفه، فيصلي بنا، قال: وكان بساطهم من جريد النخل)].
* في هذا الحديث بيان موقف الصبي مع الإمام.
* وفيه بيان أن موقف المرأة خلف الصف.
* ومعنى يكنس: ينفض لنزول ترابه، ثم ينضح أي يرش عليه الماء ليلين ولو نضح قبل كنسه لصار الماء والتراب طينا فوسخ ثياب المصلي.
-١٥٥١ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن أنس، قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأتي رسول الله - ﷺ - بوضوء، فوضع رسول الله - ﷺ -
[ ٥ / ٧٢ ]
في ذلك الإناء يده، وأمر الناس أن يتوضؤوا، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس، حتى توضؤوا من عند آخرهم).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - دعا بماء، فأتي بقدح رحراح، فجعل القوم يتوضؤون، فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من أصابعه).
وفي رواية: (حضرت الصلاة، فقام من كان قريب الدار إلى أهله، وبقي قوم، فأتي رسول الله - ﷺ - بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغر المخضب عن أن ينبسط فيه كفه، فتوضأ القوم كلهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ثمانين وزيادة).
وفي رواية: (خرج النبي - ﷺ - في بعض مخارجه، ومعه ناس من أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجدوا ما يتوضؤون به، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء بسير، فأخذه النبي - ﷺ - فتوضأ، ثم مد أصابعه الأربع على القدح، ثم قال: (قوموا توضؤوا)، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، وكانوا سبعين أو نحوه).
وفي رواية: (عن أنس قال: أتي النبي - ﷺ - بإناء وهو بالزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم).
قال قتادة: (قلت لأنس: كم كنتم؟ (١٤٤/ أ) قال: ثلثمئة، أو زهاء ثلثمئة).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - وأصحابه بالزوراء. قال: والزوراء بالمدينة
[ ٥ / ٧٣ ]
عند السوق والمسجد في ماء ثمة- دعا بقدح فيه ماء، فوضع كفه فيه فجعل ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه، قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء ثلثمئة).
* قد سبق شرح هذا الحديث.
والقدح الرحراح: الواسع، المخضب: شبه المركن وقد ذكرنا مقداره.
فقال: لم يكن يتبسط يد رسول الله - ﷺ - فيه، فظاهر الأمر أنه نحو من صاع، والوضوء للرجل فعلى المعهود مد، فإذا كانوا ثمانين كان ثمانين مدا أو إن كانوا ثلثمائة كان ثلثمائة مدا، وإنما العددان كانا في حالين، ولم يتنبه الراوي، وهو على ما قدرا أنه يكون أربعة أمداد، فإذا بلغ إلى ثمانين في حالة وإلى ثلثمائة في حالة أخرى، فإن هذا إيجاد من الله ﷿ للماء في تلك الحال، وهو أبلغ من إيجاده من الصخر وأعجب.
[ ٥ / ٧٤ ]
-١٥٥٢ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن أنس، قال: قال أبو طلحة لأم سليم: (قد سمعت صوت رسول الله - ﷺ - ضعيفا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخذت خمارا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله - ﷺ -، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله - ﷺ - جالسا في المسجد، ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (أرسلك أبو طلحة)؟ فقلت: نعم، فقال: (الطعام)؟ فقلت: نعم، فقال رسول الله - ﷺ - لمن معه: (قوموا)، قال: فانطلقوا، وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله - ﷺ - بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم.
قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله - ﷺ -، فأقبل رسول الله - ﷺ - معه، حتى دخلا، فقال رسول (١٤٤/ ب) الله - ﷺ -: (هلمي ما عندك يا أم سليم)، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله - ﷺ - ففت، وعصرت عليه أم سليم عكة لها، فآدمته، ثم قال فيه رسول الله - ﷺ - ما شاء الله أن يقول، ثم قال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: (ائذن لعشرة)، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلا- أو ثمانون).
وفي رواية: (أن أم سليم عمدت إلى مد شعير جشته، وجعلته معه خطيفة، عصرت عليه عكة لها، ثم بعثتني إلى النبي - ﷺ -، فأتيته وهو في
[ ٥ / ٧٥ ]
أصحابه، فدعوته، فقال: (ومن معي؟) فجئت فقلت له: يقول ومن معي، فخرج إليه أبو طلحة، فقال لرسول الله - ﷺ -: إنما هو شيء صنعته لك أم سليم، فدخل فجيء به، وقال: (أدخل علي عشرة)، حتى عد على أربعين، ثم أكل النبي - ﷺ -، فجعلت أنظر: هل نقص منها شيء؟).
وفي رواية لمسلم: (بعثتني أبو طلحة إلى رسول الله - ﷺ - لأدعوه، وقد جعل طعاما، قال: فأقبلت ورسول الله - ﷺ - مع الناس، فنظر إلي، فقلت: أجب أبا طلحة، فقال الناس: قوموا، فقال: أبو طلحة: يا رسول الله، إنما صنعت لك شيئا، قال: فمسها رسول الله - ﷺ -، ودعا فيها بالبركة، ثم قال: (أدخل على نفرا من أصحابي عشرة)، وقال: (كلوا)، وأخرج لهم شيئا من بين أصابعه، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، فما زال يدخل عشرة، ويخرج عشرة، حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع، ثم هيأها، فإذا هي مثلها حين أكلوا منها).
وفي رواية: (ثم أخذ ما بقي، فجمعه ثم دعا فيه بالبركة، قال: فعاد كما كان، فقال: دونكم هذا).
وفي رواية: (أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع للنبي - ﷺ - طعاما لنفسه خاصة، ثم أرسلتني إليه، وقال فيه: فوضع النبي - ﷺ - يده، وسمى عليه، وقال: (ائذن لعشرة)، فأذن لهم، فدخلوا، فقال: كلوا وسموا الله تعالى، فأكلوا حتى فعل ذلك ثمانين رجلا، ثم أكل النبي - ﷺ - بعد ذلك وأهل البيت، وتركوا سؤرا) (١٤٥/ أ).
وفي رواية: (فقام أبو طلحة على الباب، حتى أتى رسول الله - ﷺ - فقال:
[ ٥ / ٧٦ ]
يا رسول الله إنما كان شيئا يسيرا، فقال: هلمه فإن الله سيجعل فيه البركة).
وفي رواية: (ثم أكل رسول الله - ﷺ -، وأكل أهل البيت، ثم أفضلوا ما بلغوا جيرانهم).
وفي رواية: (رأى أبو طلحة رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في المسجد يتقلب ظهرًا لبطن، فظنه جائعًا. وذكر نحوه).
وفي رواية عن أنس، قال: (جئت رسول الله - ﷺ - يومًا، فوجدته جالسًا مع أصحابه وقد عصب بطنه بعصابة- قال أسامة بن زيد: وأنا أشك: على حجر- قال: فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله - ﷺ - بطنه؟ فقالوا: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة- وهو زوج أم سليم بنت ملحان- فقلت: يا أبتاه، قد رأيت رسول الله - ﷺ - قد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كسر من خبز وتمرات، فإن جاء رسول الله - ﷺ - وحده أشبعناه، وإن جاءنا آخر معه قل عنهم)].
* في هذا الحديث أن المؤمن ينبغي له أن يكون متفقدًا لأحوال المؤمن، إذا
[ ٥ / ٧٧ ]
كان صاحبه، ولا يحوجه أن يطلب نعمة مما يحتاج إليه من طعام أو شراب فإن أبا طلحة لما رأى أثر الجوع في وجه النبي - ﷺ - أعلم أم سليم بذلك فصنعت الطعام.
* وفيه أن أم سليم أرسلت إليه بما أرسلت من ذلك مع أنس، وأن رسول الله - ﷺ - سأله عما أرسلت به، فلما أخبره به وأبى رسول الله - ﷺ - إلا إطعام الجماعة في بيت أبي طلحة أهيأ لما كان يريده من إدخال عشرة عشرة، فيأكلون حتى إذا شبعوا خرجوا، ودخل غيرهم، وهذا لم يكن يتهيأ لرسول الله - ﷺ - حيث كان لأنه إنما ثرد الزاد بعينه الذي كان مع أنس.
* وفيه دليل (١٤٥/ ب) على استحباب تطيب الزاد للضيف لقول رسول الله - ﷺ -: (عندك ما تأدمينه؟ فآتت بعكة سمن فجعلته عليه، والعكة: الزق.
* وفيه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - لما جاء إلى بيت أبي طلحة جاء بالناس معه، ولم يستأذن أبا طلحة في ذلك، لأنه إنما أطعمهم القدر الذي أرسل به إليه بعينه، وذلك القدر قد كان جعل لحكمة.
* وفيه أيضًا ما يدل على إيمان أم سليم وثبات عقلها حين قال لها أبو طلحة: جاء رسول الله - ﷺ -، وجاء الناس معه. فعلمت أن رسول الله - ﷺ - لم يكن ليأتي على ذلك الوجه إلا لحكمة وسر، فقالت: الله ورسوله أعلم.
* وفيه أن السنة في إطعام الضيف إذا كثروا عن مقدار المكان أو الإناء أن يدخل قوم بعد قوم، الذي جرى من ذلك كان من آية الله ﷿ لنبيه.
[ ٥ / ٧٨ ]
* وفيه أن مقدار ما أطعم الناس منه كان مدًا من شعير، وقد ذكر أنه أكل منه سبعون أو ثمانون. والظاهر أن كل شخص منهم يأكل المد.
* والحيس: هو الدق، والخطيفة: أن يؤخذ لبن ثم يدر عليه الدقيق، ثم يطبخ فيلعقه الناس، ويختطفونه بسرعة.
والعكة: زق السمن، والسؤر: البقية، يقال: أسار في الإناء، أي أبقى.
-١٥٥٣ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن أنس، قال: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بئر (حاء) وكانت مستقبلة المسجد، فكان رسول الله - ﷺ - يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾. فقام أبو طلحة إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن الله تعالى يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ وإن أحب مالي إلى بئر حاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ﷿، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (بخ، ذلك مال رابح، وقد (١٤٦/ أ) سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين)، فقال: أبو طلحة: أفعل، يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).
وفي رواية: (ربح أو رابح).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - قال لأبي طلحة: اجعلها لفقراء أقاربك،
[ ٥ / ٧٩ ]
فجعلها لحسان وأبي بن كعب).
وفي رواية: (قال أنس: فجعلها لحسان وأبي بن كعب وكانا أقرب إليه مني، وكانت قرابة حسان وأبي من أبي طلحة واسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان إلى حرام، وهو الأب الثالث).
وفي رواية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة- لا أعلمه إلا عن أنس- قال: (لما نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ جاء أبو طلحة، ثم ذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: فهي إلى الله ﷿، وإلى رسوله، أرجو بره وذخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: بخ يا أبا طلحة، ذاك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين. فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أبي وحسان، قال: فباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: لا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ قال: وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية).
وفي رواية لمسلم: (لما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قال أبو طلحة: أي ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك أني قد جعلت أرضي ببئر حاء لله تعالى، فقال: اجعلها في قرابتك- قال: فجعلها في حسان ابن ثابت وأبي بن كعب)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الأضداد يبين ببعضها بعض، فإذا أراد الإنسان
[ ٥ / ٨٠ ]
فجعلها لحسان وأبي بن كعب).
وفي رواية: (قال أنس: فجعلها لحسان وأبي بن كعب وكانا أقرب إليه مني، وكانت قرابة حسان وأبي من أبي طلحة واسمه: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار، وحسان بن ثابت بن المنذر بن حرام يجتمعان إلى حرام، وهو الأب الثالث).
وفي رواية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة- لا أعلمه إلا عن أنس- قال: (لما نزلت: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ جاء أبو طلحة، ثم ذكر نحو ما تقدم إلى أن قال: فهي إلى الله ﷿، وإلى رسوله، أرجو بره وذخره، فضعها أي رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: بخ يا أبا طلحة، ذاك مال رابح، قبلناه منك، ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين. فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أبي وحسان، قال: فباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: لا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟ قال: وكانت تلك الحديقة في موضع قصر بني جديلة الذي بناه معاوية).
وفي رواية لمسلم: (لما نزلت هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ قال أبو طلحة: أي ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك أني قد جعلت أرضي ببئر حاء لله تعالى، فقال: اجعلها في قرابتك- قال: فجعلها في حسان ابن ثابت وأبي بن كعب)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الأضداد يبين ببعضها بعض، فإذا أراد الإنسان
[ ٥ / ٨١ ]
البر كان معيار ذل: إخراجه ما يحب لقوله الله تعالى: ﴿لن تنالوا البر﴾ فذكر البر (بالألف واللام) المستغرق للجنس أو المعهود، وهذا من جوده فلو أنه ﷿ قال: (لن تنالوا برًا حتى تنفقوا كل ما يحبون، ولكن لما قال سبحانه: ﴿لن تنالوا (١٤٦/ ب) البر﴾، بان أنه أراد البر المعهود، والمستغرق للجنس حتى ينفقوا مما يحبون، أي شيئًا مما يحبون يعني شيئًا ما، تخفيفًا وتيسيرًا من الجهتين.
وإنما كان لهذا الإنفاق مزية لأن المنفق آثر الله تعالى فيه على هواه، وأبو طلحة وإخراجه بئر (حاء) في سبيل الله فإنه أنفقها نفقة دارة، ورد تعيين مصرفها إلى رسول الله - ﷺ -، فاختار له - ﷺ - أحسن المصارف لأنه - ﷺ - أراد أن يجمع له بين الصلة والصدقة، فقال: (اجعلها في الأقارب) ليكون متصدقًا وواصلًا رحمه.
* وقوله: (فكان رسول الله - ﷺ - يدخلها ويشرب من ماء فيها) يدل على جواز دخول الإنسان بستان الصديق وإن لم يأذن.
[ ٥ / ٨٢ ]
* وقوله: (ويشرب من ماء فيها طيب) يدل على أن رسول الله - ﷺ - اختار شرب الماء الطيب على غيره، وذلك أن الماء القراح أوفق المياه للأبدان.
* وقوله: (ذلك مال رابح) أي مربوح فيه، كما يقال ليل قائم ونهار صائم، أي ليل يقام فيه ونهار يصام فيه، ولما عين له - ﷺ - الأقارب خص به أقربهم حتى أن أنسأ وهو ابن امرأته لم يسهمه شيئًا.
* وقوله: (قبلناه منك) هذا لأنه نبي الله ﷿ فقبله عن الله تعالى.
وقوله: (ورددناها عليك) أي رددنا هؤلاء به فجعلناها في الأقربين فجمع له فيها بين ثواب الصدقة وثواب صلة الرحم وثواب الولاية عليها.
* فأما بيع حسان لها فإنه يجوز أن يكون أبو طلحة قد أعطاها على وجه الهبة، فكان للموهوب له أن يبيعها.
-١٥٥٤ -
الحديث السابع الثلاثون:
[عن أنس، قال: (كنت أمشي مع رسول الله - ﷺ - وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأردكه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة. قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي - ﷺ - وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء).
وفي رواية: (جبذه إليه جبذة رجع نبي الله في بحر الأعرابي).
وفي رواية: (فجاذبه حتى انشق البرد حتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله صلى الله (١٤٧/ أ) عليه وسلم)].
[ ٥ / ٨٣ ]
* في هذا الحديث ما يدل على حلم النبي - ﷺ - وتعليمه السؤدد من أراده، وأنه صبر على سوء أدب هذا الأعرابي ونحوه، ولم يجازه - ﷺ - إلا بأن ضحك؛ وإنما ضحك سرورا بحلمه من جهل الأعرابي، وتوفيق الله إياه - ﷺ - لذلك، ولأن الأعرابي كان طالب رفد والكريم لا يجازي الخشن القول في الطلب بمثله؛ فيكون دالا على أنه قد كان منتظرًا ذلة السائل فيحتج بها في دفعه، فإذا صبر على خشونة السائل كان ذلك كرمًا فوق الكرم.
* ولأنه أيضًا يخلص فيه البذل لله ﷿، فإنه لو لطف له السائل وتملقه فأعطاه صار العطاء مشوبًا بحظ النفس، ولم يتم الخلوص لله ﷿ كما يتم وإعطاء مثل هذا المسيء أدبه، ولهذا قال - ﷺ -: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح)، ولعله تبسم لما رأى من أمارة الإخلاص في العطاء، وإن كان - ﷺ - لا يفعل إلا بالإخلاص لكنه قدوة لغيره فيكون سروره كيف وقع في أفعاله ما يكون مقتدى لغيره.
[ ٥ / ٨٤ ]
-١٥٥٥ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن أنس، (أن خياطا دعا رسول الله - ﷺ - لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت مع رسول الله - ﷺ - إلى ذلك الطعام، فقرب إلى رسول الله - ﷺ - خبزا من شعير ومرقًا فيه دباء وقديد، قال أنس: فرأيت رسول الله - ﷺ - يتتبع الدباء من حوالي الصحفة، فلم أزل أحب الدباء من يومئذ).
وفي رواية: (دخلت مع رسول الله - ﷺ - على غلام خياط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد، وعليه دباء، قال: وأقبل على عمله- يعني: الغلام- قال: فجعل النبي - ﷺ - يتتبع الدباء، قال أنس: فجعلت أتتبعه وأضعه بين يديه، قال: ومازالت بعد أحب الدباء).
وفي رواية لمسلم: (دعا رسول الله - ﷺ - رجل، فانطلقت معه، فجيء بمرقة فيها دباء، فجعل رسول الله - ﷺ - يأكل من ذلك الدباء، ويعجبه، قال: فلما رأيت ذلك، جعلت ألقيه إليه، ولا أطعمه، قال أنس: فما زلت بعد يعجبني الدباء).
وفي رواية عن أنس (١٤٧/ ب) (فما صنع لي طعام بعد أقدر أن يصنع فيه دباء إلا صنع)].
[ ٥ / ٨٥ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن من المستحسن إجابة العظيم القدر دعوة الفقير من الناس.
* وفيه استحباب أكل الدباء، وذلك لأنه أخف الأطعمة على المعدة، وهو كاسر للصفراء لمصادته إياها، وهو من أصلح الأطعمة لأهل الحجاز ليبسها وحرارتها، فإنه بارد رطب، وهذا يدل على أن رسول الله - ﷺ - لم يكن ليميل إلى طعام وغيره إلا لمعنى راجع إليه ومصلحة ومنفعة أودعها الله فيه.
* وفيه أيضًا أن الأجير المشترك الذي لا يعقد مع الاجراء عقودًا على يوم معلوم ولكن على عمل معين، فإن ذلك جائز لأن رسول الله - ﷺ - أكل من طعام الخياط، وهو أجير مشترك، وعلى أن الخياطة سبب يتمكن من كمال ستر العورة ففضلت لذلك.
*وفيه أن أنسا كان يتعلم من مقام رسول الله - ﷺ - وفعاله لقوله: (فما صنع لي طعام أقدر أن يصنع فيه دباء إلا صنع).
-١٥٥٦ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن أنس قال: (دعا رسول الله - ﷺ - على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا يدعو على رعل وذكوان ولحيان وعصية، عصت الله ورسوله. قال أنس: أنزل الله ﷿ في الذين قتلوا بئر معونة قرآنًا قرأناه، حتى نسخ بعد: أن بلغوا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه).
[ ٥ / ٨٦ ]
وفي رواية: (بعث النبي - ﷺ - أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - بعث خاله- أخًا لأم سليم- واسمه: حرام في سبعين راكبًا).
وفي رواية: (فلما قدموا قال لهم خالي: أتقدمكم، فإن آمنوني حتى أبلغهم عن رسول الله - ﷺ -، وإلا كنتم مني قريبًا، فتقدم فآمنوه، فبينما هو يحدثهم عن رسول الله - ﷺ - إذ أومؤوا إلى رجل منهم، فطعنه فأنفذه، فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة، ثم مالوا على بقية أصحابه، فقتلوهم إلا رجلًا أعرج صعد الجبل، قال همام: وأراه آخر معه، فأخبر جبريل النبي - ﷺ - أنهم قد لقوا ربهم، فرضي عنهم وأرضاهم، قال: فكنا نقرأ: (أن بلغوا قومنا (١٤٨/ أ) أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا)، ثم نسخ بعد، فدعا عليهم أربعين صباحًا على رعل وذكوان وبني لحيان، وبني عصية، الذين عصوا الله ورسوله).
وفي رواية للبخاري: (لما طعن حرام بن ملحان- وكان خاله- يوم بئر معونة، قال: بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب الكعبة).
وفي رواية عن أنس قال: (بعث النبي - ﷺ - سبعين رجلًا لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيان من سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي - ﷺ -، فقتلوهم، فدعا النبي - ﷺ - عليهم شهرًا في صلاة الغداة، وذلك
[ ٥ / ٨٧ ]
بدء القنوت، وما كنا نقنت. قال عبد العزيز: فسأل رجل أنسا عن القنوت بعد الركوع أو بعد فراغ القراءة؟ فقال: لا بل عند فراغ القراءة).
وفي رواية عن أنس قال: (قنت النبي - ﷺ - شهرًا بعد الركوع، يدعو على أحياء من العرب).
وفي رواية عن أنس: (أن رعلًا وذكوان وبني لحيان استمدوا رسول الله - ﷺ - على عدوهم، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم: القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم، وغدروا بهم، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فقنت شهرًا يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنًا، ثم إن ذلك رفع: (بلغوا قومنا) وذكره).
وأخرجا من حديث محمد بن سيرين قال: (قلت لأنس: هل قنت رسول الله - ﷺ - في صلاة؟ قال: نعم، بعد الركوع يسيرًا).
وفي رواية عن أنس قال: (قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا بعد الركوع في صلاة الصبح، يدعو على رعلٍ وذكوان، ويقول: عصية عصت الله ورسوله).
وفي رواية لمسلم: (أن رسول الله - ﷺ - قنت شهرًا بعد الركوع في صلاة الفجر يدعو على بني عصية).
وفي رواية عن عاصم بن سليمان عن أنس قال: (سألته عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ قال: قبل الركوع، قلت: فإن ناسًا يزعمون أن
[ ٥ / ٨٨ ]
رسول الله - ﷺ - قنت بعد الركوع، قال: (١٤٨/ ب) إنما قنت رسول الله - ﷺ - شهرًا، يدعو على أناس قتلوا أناسًا من أصحابه يقال لهم: القراء، زهاء سبعين رجلًا).
وفي رواية: (وكان بينهم وبين النبي - ﷺ - عهد).
وفي رواية ابن عيينة: (أصيبوا يوم بئر معونة).
وفي رواية: (بعث رسول الله - ﷺ - سرية يقال لهم: القراء، فأصيبوا، فما رأيت النبي - ﷺ - وجد على شيء ما وجد عليهم، فقنت شهرًا في صلاة الفجر يدعو، ويقول: إن عصية، عصت الله ورسوله).
وأخرج البخاري من حديث أبي قلابة عن أنس قال: (كان القنوت في المغرب والفجر).
ولمسلم: (أن رسول الله - ﷺ - قنت شهرًا يدعو يلعن رعلًا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله).
ولمسلم عن أن أنس قال: (جاء أناس إلى النبي - ﷺ -، فقالوا: إن أبعث معنا رجالًا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء، فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة والفقراء، فبعثهم النبي - ﷺ - إليهم، فعرضوا لهم، فقتلوهم قبل أني يبلغوا المكان، فقالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك، فرضينا عنك، ورضيت عنا، قال: وأتى رجل حرامًا- خال أنس- من خلفه فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزت ورب الكعبة، فقال
[ ٥ / ٨٩ ]
رسول الله - ﷺ - لأصحابه: إن إخوانكم قد قتلوا، وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا: أنا قد لقيناك، فرضيت عنا، ورضينا عنك)].
* في هذا الحديث دليل على استحباب الدعاء وتكريره وإظهاره؛ لأنه دال على يقين العبد المسلم بربه، ودال على أن العبد المؤمن إذا انتظر النصر على عدوه من الله سبحانه، ودال على أن ما كان يراه الجاهلية من الأنفة من الدعاء ويرونه ذلًا مما قد كانوا مخطئين فيه ليكون إذا أجيب الدعاء مما يحتج رسول الله - ﷺ - على منكري الحق به، وإنما شدد رسول الله - ﷺ - الدعاء على أهل بئر معونة لأنهم (١٤٩/ أ) جمعوا بين الكفر بالله والغدر بمن آمن إليهم، وبين اللؤم في قتل رجل واحد يذكر لهم الله ﷿ ويدعو إليه.
* وأما قول حرام بن ملحان حين طعن: (فزت ورب الكعبة) فإنه كلام يدل على أن قائله قد كان حريصًا على الشهادة؛ فلما قضيت له تحقق الفوز بها فقال: فزت، وقوله: ورب الكعبة: يمين نشأت عن إيمان منه، بأن الشهادة في سبيل الله فوز، وعلى أن الدعاء إلى الله ﷾ هو من أقوى الأدلة على وجوده ﷻ لقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب
[ ٥ / ٩٠ ]
دعوة الداع إذا دعان﴾، وقوله: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾.
* وكان يقول الشيخ محمد بن يحيى ﵀: لا أدل على وجود موجود أعظم من أن يدعا فيجيب، وقد كنت جرى لي مرة في زمن الإمام المقتفي ﵁ أنه لما تطاول علينا أصحاب مسعود بن محمد المسمى سلطانًا، وأساؤا الأدب، وفجروا بأقوالهم، وخف جماعة ممن يتظاهر بالفقه يومئذ بمدرسة الحسن بن محمد بن إسحاق، وبلغ ذلك منهم كل مبلغ، فكاتبني وكاتبته في ذلك أن نعمل الفكرة في محاربة مسعود حينئذ ومجاهرته، ثم إني أنكرت بعد ذلك، ورأيت أنه ليس بصواب مجاهرته لقوة شوكته وكثرة عتاده، وقلة ما عندنا من أمور ذلك وعدده، واتفق بكورة إليه في يوم الجمعة فدخلت إليه ﵁، وهو قد ظهرت الموجدة عليه كل الظهور، وبلغ منه الغيظ كل مبلغ، وكأنه يستطعمني الرأي، فقلت: إنه أني فكرت ثم إني رأيت أن لا وجه في هذا الأمر إلا اللجأ إلى الله تعالى وصدق
[ ٥ / ٩١ ]
الاعتماد عليه، فبادر ﵁ إلى تصديقي في ذلك. وقال: ليس إلا هذا.
ثم خرجت من بين يديه من معين على ذلك، فجئت الجامع، وصليت الجمعة ثم إني كتبت إليه مطالعة بعد صلاة الجمعة أذكر له فيها أن تلك العزيمة التي وقع الاتفاق عليها، ينبغي أن يرتب لها ترتيب يعرف لها، وقد دعا رسول الله - ﷺ - على رعل وذكوان شهرًا، وينبغي أن ندعو نحن شهرًا على هذا الإنسان، وأنا منذ ليلتي هذه المقبلة لا أخل بذلك في كل ليلة، وكان قولي هذا في يوم جمعة ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى من سنة سبع وأربعين (١٤٩/ ب).
ثم عرضت المطالعة مختومة، فعاد إلى جوابها مختومًا أيضًا، يشير إلى ذكر الدعاء إشارة خفيفة، احترز فيها من أن يصرح بذكر ذلك مراقبة لأولئك الظلمة، ثم أنني لازمت الدعاء في كل ليلة وقت السحر شهرًا فلم أخل بزمان كنت أجلس وادعو الله ﷾، وكان يوم تسع وعشرين من جمادى الآخرة من السنة المذكورة تتمة الشهر موت مسعود بن محمد على سريره ولم يزد عن الشهر يومًا ولا نقص عنه يومًا.
ثم إن الله ﷾ نصرنا على أثر ذلك؛ بأن أجاب الدعاء، وأزال يده عن العراق ويد أتباعه وأصحابه، وأورثنا أرضهم وديارهم، وكنت فيما أدعوا به في بعض الليالي أن يسرع الله بخبره إلى قبل أن يعلم صاحبه المقيم ببغداد المعروف (بالبلالي)، وهو الذي كان يتولى كبر القول من أصحابه،
[ ٥ / ٩٢ ]
فلما مات مسعود خرج ودفن قصادنا من بلده همذان، فساروا السير العتيد حتى وصلوا إلى (خانقين) في خمسة أيام، فأتوا إلى شيخنا فقالوا له: إنا قد جئنا في كيت وكيت، فأقم لنا شخصًا مستريحًا يأخذ الكتب ويحملها إلى (شهرابان)، فأقام لهم من حملها إلى شهرابان، فسار قاصده من خانقين إلى شهرابان طول ليله، فأصبحت الكتب بشهرابان.
ثم إن الذي وصل إلى شهرابان، أتى إلى شحنتها، وقال له: خذ هذه الكتب ففيها كيت وكيت، وأسرع فركب شحنة شهرابان فرسًا وجنب أخرى، وأسرع حتى قتل أحد الفرسين ونجا على الآخر، فوصل إلينا الخبر بعد العصر يوم السادس من همذان، وكان ذلك من آيات الله سبحانه وإجابة الدعاء، وقد أورث الخليفة المقتفي ﵁ في طول تلك الليلة مرارا في أن ائت ذلك البلالي فأتى ذلك علي، فلما كان في غد تلك الليلة وقت الظهر وصل ذلك الخبر إلى البلالي، فكان الخبر عندنا في سادس رجب من سنة سبع وأربعين، فتبارك الله رب العالمين مجيب دعاء الداعين.
[ ٥ / ٩٣ ]
* وقد دل هذا الحديث على أن القنوت عند فراغ القراءة، وإنما كان القنوت في الدعاء على أولئك.
وقول أنس: (قنت شهرًا) فالظاهر أنه أراد في هذه المدة التي دعا فيها على هؤلاء. والذي أرى في هذا أنه متى حدث للمسلمين (١٥٠/ أ) ما يقتضي مثل هذا جاز أن يفعلوا مثل ما فعل النبي - ﷺ - من القنوت في الصبح، ويدعو لأنه لم يأت عنه - ﷺ - أنه منع من ذلك، ولا أنه خض ذلك بأولئك القوم بأعيانهم.
* وقد دل الحديث على أن الفقر غير مانع من عبادة الله ﷿، بل ربما كان معينًا عليها، فإن هؤلاء كانوا يحتطبون بالنهار، ويقرؤون بالليل.
* وفي الحديث جواز أن يجد المؤمن على فقدان أخيه المؤمن استيحاشًا لفقده، وإن كان المفقود من أهل الجنة، ولاسيما إذا كان قد اغتيل فقتل به خداعًا وغاب عنه ناصره، ولم يحضر الفتك به وليه؛ إذ لو حضره لقد كان يبلي في الانتصار له فيشفي بذلك صدره.
* وقوله: (وكانوا يأتون بالماء فيضعونه في المسجد) فيه حث للفقير إذا وفقه الله أن يثابر على اصطناع المعروف كما يثابر عليه الغني، فإن هؤلاء كانوا يحتطبون ويبيعونه ويتصدقون بثمنه على أهل الصفة، وكانوا يتصدقون بنقل الماء إلى مسجد رسول الله - ﷺ - ليشرب منه المسلمون، وكانوا من الذين لا يجدون إلا جهدهم.
* وفيه أيضًا دليل على أن أهل الحق قد ينال منهم المبطلون، ولا يكون ذلك دالًا على فساد ما عليه أهل الحق، بل كرامة لهم وشقاء لأهل الباطل، فإن هؤلاء حين بعثهم رسول الله - ﷺ - فأصيبوا كلهم كان ذلك فتنة للكافرين، ثم إن
[ ٥ / ٩٤ ]
الله ﷿ أظهر دينه، وأعلا كلمته، ولم يضر ذلك الحق شيئًا، وإن القوم لما لقوا من فضل الله من ثواب الشهادة، ما لم يفتقر فيه شيء إلى زيادة إلا أنهم تمنوا لو قد علم رسول الله - ﷺ - بما أكرمهم الله به ليكون ذلك داعيًا إلى طيب نفسه - ﷺ - من أجلهم، وإلى رغبة إخوانهم من المسلمين في مثل حالهم، فقالوا في الجنة ما قالوا، فتولى الله ﷿ إبلاغ نبيه - ﷺ - عنهم، وكفى بذلك شرفًا.
-١٥٥٧ -
الحديث الأربعون:
[عن أنس (أن رسول الله - ﷺ - كان لا يطرق أهله ليلًا وكان يأتيهم غدوة أو عشية)].
* في هذا الحديث أن الكامل في أحواله يحترز من النقائص؛ ليكون ذلك مما يقتدى به (١٥٠/ ب) فيه، فإن رسول الله - ﷺ - على طهارة أهله ونفسه بأمانة أزواجه، كان لا يطرقهن ليلًا حتى يقتدي به غيره فلا يطرق أحد أهله ليلًا؛ فجأة من أجل أنه ربما يكون من ذلك ما يكره.
*وأيضًا فإن المرأة إذا كان زوجها مسافرًا قد لا تهتم بنفسها كما يكون حاضرًا من الطيب وغسل الثوب وغير ذلك؛ فلو قد أتى الإنسان أهله وهي على ذلك الشعث والتفل لم يكن بعيدًا من أن يبقى في نفسه مرارة ذلك
[ ٥ / ٩٥ ]
الاجتماع دهرًا، فإذا شعرن بقدوم بعولتهن افتقدن أنفسهن، وغسلن أثوابهن، وتطيبن، وكان اجتماع بعولتهن بهن أدعى للألفة وأعمر لمواطن المحبة.
-١٥٥٨ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن أنس، قال: (كان النبي - ﷺ - لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليم، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك فقال: (إني أرحمها، قتل أخوها معي)].
* قد ذكر العلماء أنه كان بين النبي - ﷺ - وبين أم سليم نسب من الرضاعة؛ ثم قد كان يدخل إليها لدينها وصلاحها.
* وقوله: (قتل أخوها معي) يعني به أخاها حرامًا، وهو الذي تقدم ذكره في الحديث الذي قبل هذا.
- وقوله: (معي) فيه وجهان: أحدهما: أنه قتل وهو باق على الكون معي لم يتردد ولم يتلوم في الكون معي على شريعتي وديني حتى قتل.
والثاني: أنه قتل في نصرتي، وهذا حرام كان قد كان قدر أن يسمى حرامًا لينطوي في ذلك معنى هو أن ما جرى من قتله حرام فكانت حاله تستشف وهو حي لمكان أنه سيقتل مظلومًا.
[ ٥ / ٩٦ ]
-١٥٥٩ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن أنس، قال: (أصابت الناس سنة على عهد رسول الله - ﷺ -، فبينما النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت السحاب يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد غد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: (اللهم حوالينا ولا (١٥١/ أ) علينا)؛ فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولم يأت أحد من ناحية إلا حدث بالجود).
وفي رواية: (أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - ﷺ - قائمًا، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثتنا، اللهم أغثنا)، قال أنس: ولا والله، ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار. قال: فطلعت من ورائه سحابه مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتًا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبله قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطع
[ ٥ / ٩٧ ]
السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه، ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر). قال: فانقطعت، وخرجنا نمشي في الشمس.
قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول الله، قحط المطر، وأحمرت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، فقال: (اللهم اسقنا) مرتين .. وايم الله، ما نري في السماء من قزعة من سحاب، فنشأت سحابة فأمطرت، ونزل عن المنبر فصلى بنا، فلما انصرف، لم يزل المطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام رسول الله - ﷺ - يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله يحبسها عنا، فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا) وتكشطت (١٥١/ ب) المدينة، فجعلت تمطر حولها، ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل).
وأخرجه البخاري تعليقًا وفيه: (رفع النبي - ﷺ - يديه حتى رأيت بياض إبطيه).
وفي رواية: (عن أنس بينما رسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، ومازلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة)، قال: فقام ذلك الرجل- أو غيره- فقال: يا رسول الله، ادع الله يصرفه عنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (اللهم حوالينا ولا علينا)، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينًا وشمالًا،
[ ٥ / ٩٨ ]
يمطرون ولا يمطر أهل المدينة).
وفي رواية: (بينما النبي - ﷺ - يخطب يوم الجمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول الله، هلك الكراع، هلك الشاء، فادع الله أن يسقينا، فمد يديه فدعا).
وفي رواية: (فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى).
وفي رواية: (فألف الله السحاب وملأتنا، حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن تأتي أهله)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله سبحانه جعل الدلالة على صدق رسول الله - ﷺ - أن أحاج الخلق بانقطاع المطر ودوام الجدب إلى أن ضرعوا إلى النبي - ﷺ - في الاستسقاء، فكان من كمال دلالته الجدب الذي عقبه هذا الخصب، فصار
[ ٥ / ٩٩ ]
ذلك كله بمجموعه آية على نبوته، فاستدل من هذا على أن الله في كل أقضيته أسرارا يفهمها العلماء من عباده.
فأما كونه لما طلب منه الاستسقاء بادر إلى الطلب ولم يتوقف، لأنه فهم - ﷺ - أن ما يقدم من جنس المطر كان لإثارة للهمم لهذا السؤال، فلما فزع الطالبون إلى نبي الله - ﷺ - يطلبون منه الغوث، لم ير أن يؤخر ذلك حينئذ لحظة؛ فطلب الخير من أهله.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المسجد لم يكن ذا سقف أو قد كان من جريد يمنع الشمس ولا يمنع المطر لقوله: (فرأيت أثر الماء في جبهته وأنفه).
* وفيه دليل على أنه كان ذلك في وقت لم يكن في السماء قزعة من غيم، وأن الله تعالى أوجده في ذلك الوقت، ثم استمر مستهلًا ذلك اليوم وما يليه وما بعده (١٥٢/ أ) إلى الجمعة الأخرى حتى خيف من زيادته، وأنه قام ذلك الرجل خائفًا من تهدم البنيان وتعطل السبل فطلب كشفه.
* وفيه دليل أن رسول الله - ﷺ - ومع استجازته دعا الله في كف الأذى من زيادة المطر، فإنه أحسن القول، بأن طلب سلام المدينة التي فيها الجدران الجائز عليها أن يتهدم، والسقوف الممكن فيها أن تهبط، وطلب من الله تعالى أن يعدل به إلى بطون الأودية ومنابت الشجر مما لا يضر فيه الإكثار من الغيث، فكان ذلك أيضًا جمعًا بين ما أنعم الله به لعموم الناس وبين إجابة سؤال الرسول - ﷺ - لأهل المدينة من أجل جدرانهم وطرقهم.
* وفيه أيضًا ما يدل على رفع اليدين إلى السماء في السؤال، وأنه لم
[ ٥ / ١٠٠ ]
يضعهما حتى كان السحاب، فيدل على استحباب رفع اليدين إلى السماء في السؤال في الاستسقاء.
* وفيه ما يدل على أن الله ﷾ أذن للسحاب أن تأتمر لرسول الله - ﷺ - لقوله: فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن المدينة صارت في مثل الجوبة أي ما عليها مصحي، وهذا السؤال عم الخلق لقوله: (فلم يأت أحد من ناحية إلا حدث بالجود).
* وفيه أيضًا أنه يستحب تكرار الدعاء ثلاثة لقوله: (اللهم أغثنا) ثلاثًا.
والجود: المطر الكثير، والآكام: جمع أكمة، والظراب: دون الجبال، واحدها ظرب، وتكشطت المدينة: أي انكشفت.
* وقوله: (فما كدنا نصل إلى منازلنا) لم يرد أن المطر لم ينزل حتى وصلنا منازلنا إنما أراد أنه لشدة المطر وكثرته لم نكد نصل إلى منازلنا، ويدل على ذلك قوله: حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله.
* وقوله: (هلك الكراع)، والكراع: هو اسم واقع على جملة الخيل وغيرها من ذوات الحافر.
* وقوله: (كأنه الملاء) وهو جمع ملاءة، وهي الرداء.
[ ٥ / ١٠١ ]
-١٥٦٠ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن أنس قال: (كنت عند النبي - ﷺ - فجاء رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبحت حدا فأقمه علي، ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي - ﷺ - (١٥٢/ب) فلما قضى النبي - ﷺ - الصلاة، قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله إني أصبحت حدا، فأقم في كتاب الله، قال: (أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك-أو حدك -)].
* في هذا الحديث دلالة على أن الصلاة تكفر كبار الذنوب، فإن الرجل قال: (أصبحت حدا) فلما صلى جعل النبي - ﷺ - الصلاة مكفرة عنه ذلك الحد، وإنما فعل رسول الله - ﷺ - ذلك من أجل أن الرجل لم يقر بذلك الحد، ولا عينه، ولم يفصح بأمر يلزمه شيئا في الحكم، فكانت الصلاة مكفرة، ورأى رسول الله - ﷺ - أن إقراره به والتماسه منه إقامة الحد عليه يعد ندما صريحا، قد هدم ذنبه الذي أتى به، فلما لم يعينه ولم يثبت عليه حد معين اكتفى رسول الله - ﷺ - له بالصلاة مكفرة.
[ ٥ / ١٠٢ ]
-١٥٦١ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين، يحرسونها، فينزل السبخة، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق).
وفي رواية: (فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه)، قال: (ويخرج إليه كل منافق ومنافقة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الله تعالى حمى البلدين من أن يسلط عليها الدجال، وأن المدينة خاصة ترجف بأهلها فيخرج منها كل كافر ومنافق، وذلك لأنهما في معنى قلب الأرض ولسانها، فإن اللسان من المدينة لأن لسان الشرع إنما نطق مفصحا بالمدينة، وقلب الإسلام بمكة لأن بها بيت الله فكما أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، فلذلك ليس في الأرض بت إلا الكعبة، فكأنه يسلط الدجال على جثث الأرض كلها ويستثنى منها قلبها ولسانها، فيكون على نحو ما سلط إبليس على أيوب واستثنى منه قلبه ولسانه.
* والنقب: الطريق في الجبل، والجمع: نقاب.
* والرجفة: حركة كالنازلة.
[ ٥ / ١٠٣ ]
* والرواق: كالفسطاط على عماد واحد في وسطه، والجمع أروقة.
-١٥٦٢ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن أنس (أن رسول الله - ﷺ - رأى أعرابيا يبول (١٥٣/أ) في المسجد، فقال: دعوه، حتى إذا فرغ دعا بماء فصبه عليه).
وفي رواية: (بينما نحن في المسجد مع رسول الله - ﷺ -، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب النبي - ﷺ -: مه مه، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تزرموه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - ﷺ - دعاه، فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة، وقراءة القرآن)، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، قال: وأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فسنه عليه).
وفي رواية عن أنس: (أن أعرابيا قام إلى ناحية في المسجد، فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله - ﷺ -: (دعوه، فلما فرغ أمر رسول الله - ﷺ - بذنوب، فصب على بوله).
وفي رواية: (فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي - ﷺ -، فلما قضى بوله أمر بذنوب من ماء، فأهريق عليه)].
[ ٥ / ١٠٤ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن المنكر لا ينبغي أن يستجف المنكر، بل يثبت ثباتا تتمكن معه من استئصاله فإن استجفاف المنكر قد يراه المسلم غضبا لله ﷿ فيسرع فيه إسراعا نزل به فيه عجلته، والصواب التثبت فإن رسول الله - ﷺ - لما رأى الأعرابي قد بال في المسجد، وإنما حمله على ذلك جهله، وقد كان من الناس من ربما ينهره فيزرمه إزراما ربما آل إلى تلف نفسه، فرأى النبي - ﷺ - أن يمهل حتى إذا فرغ من ذلك، كفى أن يصب عليه ذنوبا أو ذنوبين من ماء، ثم نهاه بعد ذلك نهيا يتمكن من إفهامه الحق منه، فيجمع - ﷺ - في ذلك بين طهارة المسجد، وحفظ الآدمي، وتعليم الحاضرين، إذ لو لطمه لاطم لم يبعد أن يجيبه بمثل فعله بجهله، ويتصل الشر، وأن يقوم بنجاسته فينجس منه غير المخرج، ولا يؤمن أن يتعدى ذلك إلى غيره، وأن يقول المنكر أو المنكر عليه كلمة مثل أن يلعنه المنكر عليه أو يسبه أو يقول هو كلمة في جواب الإنكار، وكل كلمة من ذلك لو كانت أعظم من بوله.
* وهذا الحديث أصل في هذا الباب.
ومعنى تزرموه: (١٥٣/ب) أي لا تقطعوا عليه بوله.
قال أبو عبيد: الإزرام هو القطع. وقوله: فسنه عليه: أي فرقه عليه، الذنوب: هو الدلو العظيمة.
* وقد دل هذا الحديث على أن النجاسة إذا كانت على الأرض فغمرت بالماء
[ ٥ / ١٠٥ ]
استهلكت فطهر المكان، ولولا أنه يطهر لم يأمن بذلك؛ لأنه كان يكثر التنجيس.
-١٥٦٣ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن أنس، قال: (صليت مع رسول الله - ﷺ - الظهر بالمدينة أربعًا؛ وصليت معه العصر بذي الحليفة ركعتين).
وفي رواية: (صلى النبي - ﷺ - بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين، ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به: أهل).
وفي رواية: (بات بها حتى أصبح).
وفي رواية: (وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا)].
* هذا الحديث يدل على أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر مقيمًا، ثم سافر ولذلك قصر العصر.
* وفيه من الفقه أن الإهلال بالحج أو بالعمرة يكون عند ركوب المحرم راحلته؛ فذلك أنه أبعد للصوت، وأظهر للحال، وأحسن في الإعلان بذكر
[ ٥ / ١٠٦ ]
الله ﷿، وأدعى إلى أن يذكر به من لم يذكر حتى يتبعه فيه.
-١٥٦٤ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: (خير دور الأنصار: بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير)].
* قد مضى هذا الحديث.
-١٥٦٥ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن أنس قال: (ما صليت وراء إمام أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي - ﷺ -).
وفي رواية: (وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتتن أمه).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يوجز الصلاة ويكلمها).
[ ٥ / ١٠٧ ]
وفي رواية: (كان من أخف الناس صلاة في تمام).
وفي رواية: (إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - يسمع بكاء الصبي وهو في الصلاة، فيقرأ بالسورة الخفيفة أو (١٥٤/أ) بالسورة القصيرة).
وفي رواية: (ما صليت خلف أحد أوجز صلاة ولا أتم من رسول الله - ﷺ -، وكانت صلاته متقاربة، وصلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مد في صلاة الصبح)].
* هذا الحديث قد تقدم وسبق الكلام عليه.
-١٥٦٦ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أنس قال: (ليلة أسري برسول الله - ﷺ - من مسجد الكعبة: أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك
[ ٥ / ١٠٨ ]
الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته، حتى فرع من صدره وجوفه، وغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب، محشو إيمانًا وحكمة فحشى به صدره ولغاديده، يعني عروق حلقه ثم أطبقه.
ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قالوا: أو قد بعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، يستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فرد عليه آدم ﵇، وقال: مرحبًا وأهلًا يا بني، نعم الابن أنت.
فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذا النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده، فإذا هو مسك أذفر قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة مثل ما قالت الأولى: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا وأهلًا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له (١٥٤/ب) مثل ما قالت الأولى والثانية.
ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى الخامسة،
[ ٥ / ١٠٩ ]
فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، ثم إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة -لم أحفظ اسمه-وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله تعالى، فقال موسى: رب، لم أظن أن ترفع علي أحدًا.
ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه أحد، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه: خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي - ﷺ - إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا رب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا). فوضع عنه عشر صلوات.
ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتسبه موسى عند الخمس فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من ذلك فضعفوا وتركوه، فأمتك أضعف أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي - ﷺ - إلى جبريل يشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: (يا رب إن أمتي ضعفاء، أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا).
[ ٥ / ١١٠ ]
فقال الجبار: يا محمد، قال: (لبيك وسعديك)، قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك.
فرجع إلى موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: (خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها)، فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك، فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا، فقال رسول الله - ﷺ -: (يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه) (١٥٥/أ) قال: فاهبط باسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - قال: أتيت بالبراق-وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل-يضع حافره عند منتهى طرفه. قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، قال جبريل: اخترت الفطرة.
وقال: ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه: قال: قد بعث إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن
[ ٥ / ١١١ ]
مريم، ويحيى بن زكريا ﵉، فرحبا ودعوا لي بخير.
ثم عرج إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، قال: فرحب بي، ودعا لي بخير.
ثم عرج إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير. قال الله تعالى: ﴿ورفعناه مكانًا عليًا﴾.
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى، فرحب بي ودعا لي بخير.
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث (١٥٥/ب) إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه.
[ ٥ / ١١٢ ]
ثم ذهب إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي، تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى، فعرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.
قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسًا، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.
قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى، حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله - ﷺ - فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه).
وفي رواية قال رسول الله - ﷺ -: (أتيت، فانطلقوا بي إلى زمزم فشرح عن صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم أنزلت).
زاد البرقاني: (ثم أنزلت طست من ذهب ممتلئة إيمانًا وحكمة، فحشي بها صدري، ثم عرج بي الملك إلى السماء الدنيا، فاستفتح الملك فقال: من
[ ٥ / ١١٣ ]
ذا؟ فقال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، ففتح فإذا آدم، فقال: مرحبًا بك من ولد، مرحبًا بك من رسول.
ثم عرج إلى السماء الثانية، فاستفتح، فقال: من هذا؟ قال: جبريل. ومن معك؟ قال: محمد، وقد بعث؟ قال: نعم، قال: ففتح، فإذا عيسى ويحيى، فقالا: مرحبا بك من رسول.
ثم عرج بي الملك إلى السماء الثالثة، ثم استفتح فقال: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: ففتح لنا (١٥٦/أ) فإذا يوسف، فقال: مرحبًا بك من أه، مرحبًا بك من رسول.
ثم عرج بي إلى السماء الرابعة، ثم استفتح فقال: من ذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم. قال: فإذا إدريس في الرابعة، فقال: مرحبًا بك من أخ، ومرحبًا بك من رسول.
قال: ثم عرج بي إلى السماء الخامسة، ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم، قال: ففتح فإذا هارون فقال: مرحبًا بك من أخ، مرحبًا بك من رسول.
ثم عرج بي إلى السماء السادسة ثم استفتح، فقال: من ذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم، ففتح فإذا موسى، فقال: مرحبًا بك من أخ، ومرحبًا بك من رسول.
قال: ثم عرج إلى السماء السابعة، ثم استفتح فقال: من ذا؟ قال: جبريل. قال: ومن معك؟ قال: محمد. قال: وقد بعث؟ قال: نعم، ففتح
[ ٥ / ١١٤ ]
فإذا إبراهيم، فقال: مرحبًا بك من ولد. ومرحبًا بك من رسول.
قال: فانتهيت إلى بناء فقلت للملك: من هذا؟ فقال: هذا بناء بناه الله للملائكة، يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك يقدسون الله ويسبحونه لا يعودون فيه، قال: ثم انتهيت إلى السدرة، وأنا أعرف أنها سدرة أعرف ورقها وثمرها، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشيها، تحولت حتى ما يستطيع أحد نعتها.
قال: وفرض علي خمسون صلاة، فأتيت موسى فقال: بكم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة. قال: إن أمتك لا تطيق هذا، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجعت إلى ربي فوضع عني عشرًا، قال: فما زلت بين ربي ﷿ وموسى، حتى جعلها خمس صلوات، فأتيت على موسى فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، قال: لا، بل أسلم لربي فنوديت أني قد كملت فريضتي، وخففت عن عبادي، فكل صلاة عشر صلوات)].
* قد سبق ذكر المعراج، ما قد سبق في مسند أبي ذر وغيره.
* وهذا الحديث من كلام أنس حاكيًا حال المعراج، وقد صرح أنه كان منامًا، فلعله رآه رسول الله - ﷺ - قبل معراجه. وقد دل على هذا قول أنس: (قبل أن
[ ٥ / ١١٥ ]
يوحى إليه) فكأنه رآه قبل النبوة وإنما كان معراجه يقظة (١٥٦/ب) إلا أن منام رسول الله - ﷺ - وحي.
وهذا فهو في أسلوب ما رواه أبو ذر من أمر إخراج يقظة فإنه ذكر فيه شق صدره، وغسله من ماء زمزم في طست من ذهب، وركوبه البراق، ورقيه إلى السماء، ولقاء الأنبياء، فيجوز أن يكون هذا قد رآه منامًا - ﷺ - بين يدي اليقظة مقدمة لها، وتأنيسًا بها فكانت يقظته، وفق رؤياه، فإن كان في إحدى الحالين زيادة نطق فلعله من راو حفظ ما لم يحفظه غيره.
* وذكر هاهنا عيسى ويحيى ابني الخالة، وذكر يوسف أنه أعطي شطر الحسن. والذي أرى أن كل الحسن ما شمل الخلق والخلق في المعنى والصورة فلما كان يوسف ﵇ قد ملك أحد قسمي الحين وهو الصورة كان ذلك شطر الحسن، والذي أراه أنه جمع لمحمد - ﷺ - الحالان في الخلق والخُلق، المعنى والصورة، فأعطي الحسن كله، فلذلك أروى قوله في حسن يوسف: أعطي شطر الحسن).
* وفي بعض طرق هذا الحديث أن موسى في السماء السابعة، وفي باقي طرقه أنه في السادسة، وأن إبراهيم ﵇ في السابعة، والحكمة في ترديد النبي - ﷺ - إلى ربه إشارة موسى ﵇، فإنه إذا قلنا أن موسى كان في السماء السابعة فهو يكون أول الأنبياء لقاءً له عند عوده، فما كان ليترك موسى ﵇ هذه النصيحة لمحمد - ﷺ - وأمته تجوزه وهو يعلمها حتى يؤديها إلى رسول الله - ﷺ -.
وقبول رسول الله - ﷺ - من موسى ﵊ لأنه - ﷺ - عرف
[ ٥ / ١١٦ ]
نصح موسى وإشفاقه على أمته، وإذا قلنا إن موسى في السماء السادسة، وإن فوقه إبراهيم ﵇ فيكون عبور رسول الله - ﷺ - على إبراهيم ﵇ فلا أراه إلا لأن إبراهيم مقام الخلة ووالد رسول الله - ﷺ -، وقد قال الله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي)، ولأن إبراهيم في مقام الخلة وقد سبق قولنا: إنها تفضي إلى اتحاد الإرادة فلا يكون في مناسبة الخلة الإشارة إلى مراجعة الله تعالى في أمر يأمر به، ويكون هذا القول من موسى ﵇ هو الذي (١٥٧/أ) يناسب حاله.
* فأما قوله: (ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه أحد إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى)، وإنها المنتهى في كل شيء، لأن النطق ورد بالإطلاق فتحتمل أن يكون انصرافه إلى كل شيء، ينتهي إليه يديه حتى الكبر من المخلوقات فإن الله تعالى يقول: ﴿عندها جنة المأوى﴾، فأضاف جنة المأوى على سعتها وعظمها إليها. وهذا المعنى مما يذكره شيخنا محمد بن يحيى.
* وقوله: (ثم علا به) فلا أظنه يعني إلا أن الله تعالى علا به.
* وقوله: (ودنا الجبار فتدلى) بالفاء فإنها تقتضي العطف بلا مهلة في كلام العرب. وهذا يدلك على أنه ﷻ رب العزة في دنوه إلى رسوله غير مشابه لتدلي الأجسام، وأما دنو الله سبحانه إلى عبده فهو معروف في لغة العرب، وكذلك التدلي فهو من الأعلى إلى الأدنى في التقريب غير خاف معناه، ولا يحمل شيء من ذلك على صفة الخالق لا حقيقة ولا مجازًا.
ومما يدل على أدب موسى أنه لم يسأل ﵇ ماذا أوحى إليك ربك
[ ٥ / ١١٧ ]
على الإطلاق، فكان يكون في ذلك وحاشا موسى ﵇ سوء أدب، ولكنه سأله عما يعلم أن مقتضاه الانكشاف، وأنه ليس مما يخفى فإنه يفرض على الأمة كلها.
* وفي هذا من الفقه أن الله ﷾ علم أن موسى ﵇ سيسأل محمدًا - ﷺ - عما فرض عليه ربه، وأنه سيتردد محمد - ﷺ - فيما بينهما، فيضع الله عن أمة محمد - ﷺ - خمسًا وأربعين صلاة في العدد وتكملة في التضعيف ليجعل ذلك سببًا قويًا في تأنيس موسى ﵇ إلى محمد - ﷺ -، لئلا يظن ظان أن موسى ﵇ يغش على رسول الله - ﷺ - بتجاوزه مقامة.
* وقول موسى: (رب لم أظن أن ترفع علي أحدًا) فهذا يجوز أن يكون قاله اعتذارًا من سؤاله الرؤيا قبل محمد - ﷺ -، لأنه سأل الرؤيا ظانًا منه أنه لا يرفع عليه أحدًا، فلما رأى محمدًا قد رفع عليه اعتذر عن سؤاله ذلك، وهذه النصيحة من موسى ﵇ تدل على زوال المنافسة فيما بينهما، وما كان موسى ﵇ إلا ليحب ما أحب الله تعالى من رفع محمد - ﷺ - عليه، وما أحبه الله تعالى فهو إلى موسى أحب مما يحب.
* فأما استشارة النبي صلى الله (١٥٧/ب) عليه وسلم لجبريل ﵇ فيما ذكره موسى له؛ فإنه مما يدل على كمال أدب رسول الله - ﷺ - حيث لم يسرع العود إلى ربه مراجعًا في إسقاط فرضة فرضها على أمته حتى ينظر ما عند جبريل ﵇ في ذلك، فلما رأى من جبريل ﵇ سهولة ذلك عنده، رجع - ﷺ -، وكان ذلك كله بتيسير من الله تعالى وتقدير، حتى كمل المثوبة، وخفف العبادة، وساق إلى موسى ﵇ المحمدة، وزاد موسى ومحمد ﵉ كل واحد منهما ودًا لصاحبه، وإلى جبريل
[ ٥ / ١١٨ ]
حسن المساعدة. وكل من أولئك فإن رسول الله - ﷺ - اعتد لهما بذلك.
* وقوله: (به إلى الجبار تعالى وهو مكانه) فيجوز أن يكون أن جبريل مكانه ورسول الله - ﷺ - علا بمفرده، وقال لديه ما قال في ذلك من الكلام، وتأخر على قدر حفظ الراوي.
* وفيه أيضًا من السر أن الله تعالى كان قادرًا في أول مرة أن يضع عن محمد - ﷺ - الخمس والأربعين ولا يردده، ولكن أراد الله ﷿ تدريب محمد - ﷺ - في المراجعة بالسؤال والطلب لأجل أمته، فالرحمة الحقيقية هي من الرب تعالى لعباده، وإنما هو ﷻ يرتبها في الوسائط حفظًا لما بينه وبين خلقه من ستور الهيبة، وإلا فهو سبحانه خلق محمدًا رحمة للعالمين من رحمته بهم، فكيف تتطاول رحمة مخلوق إلى بلوغ رحمة خالق للرحمة ﷾، وقد افتتح كتابه ﷻ بأن قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾. فهي تبشرة لكل ناطق بها أنه لا يرى بعدها إلى الخير، ولما كان من قضاء الله تعالى وقدره أن يجعلها خمسًا بخمسين، أوقع في قلب رسول الله - ﷺ - الحياء من رجوعه مرة أخرى، فإنه سبحانه سبق في فضله تضعيف هذه الخمس ليكون سعر الحسنات كلها، فكان تسمية رسول الله - ﷺ - للنزول بعد أن ثبت ذلك له في سعر الحسنات لأمته أولى.
* أما البراق: فقد سبق الكلام عليها.
[ ٥ / ١١٩ ]
فأما الحكمة في أنه عرج به من بيت المقدس، ولم يعرج به من مكة، ومكة أفضل من بيت المقدس؛ فالذي أراه في ذلك أنه لو عرج به من مكة لفاتته مشاهدة بيت المقدس، ولما كان يقوم الحجة على قريش بصفة النبي - ﷺ -؛ كما ثبتت حجته عليهم (١٥٨/أ) حين وصف لهم بيت المقدس والنظر إليه، فلما عرج به من بيت المقدس اجتمع له الحالان، وليكون أيضًا خطاه إلى قصد ربه سعيًا وعروجًا.
* وإنما ذكر ابني الخالة في هذا الحديث عيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام، وكونهما في مقام واحد وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو ذر فهو من رواية أنس عنه أيضًا، ولم يذكر فيه يحيى ﵇ إلا أنه قد كان يحيى صديق عيسى ﵉ لقوله ﷿: ﴿مصدقًا بكلمة من الله﴾ والكلمة هي عيسى.
* وقوله في البيت المعمور، وإن إبراهيم مسندًا ظهره إليه، وأنه يدخله كل يوم سبعون ألفًا لا يعودون إليه، فلا أرى في ذلك إلا إعلام النبي - ﷺ - بكثرة جنود الله تعالى، وتضاعف عدد ملائكته حتى أن هذا البيت المعمور في كل يوم يدخله سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، فانظر ما قد مضى من الدنيا من الأيام، وهو على ما قد مضى من ألوف السنين كل سنة ثلثمائة وستون يومًا، وهكذا إلى يوم القيامة في كل يوم سبعون ألف ملك ولم تفرغ النوبة حتى تنتهي إلى الأول.
* وأما إسناد إبراهيم ظهره إليه، فالذي أراد في ذلك أنه لم يبق بعد الموت عبادة ولا تكليف ولا توجه إلى قبله بل أسند ظهره إلى البيت لأن الدار
[ ٥ / ١٢٠ ]
الآخرة، دار راحة.
* وقوله ﷿: ﴿ومن هم بحسنة﴾ إلى آخر الكلام في ذلك فقد تقدم الكلام عليه.
* وأما قول النبي - ﷺ - في سدرة المنتهى في بعض طرق هذا الحديث: (ثم انتهيت إلى السدرة، وأنا أعرف أنها سدرة، أعرف ثمرها وورقها؛ فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت حتى ما يستطيع أحد نعتها)، فقد سبق قولنا لما تكلمنا عن سدرة المنتهى.
* وأما قول النبي - ﷺ - في هذا النطق: (أعرف أنها سدرة، أعرف ثمرها، وورقها)، أي إني أعرف ورقها ورق السدر، ثم ذكر أنها تحولت إلى ما لا يستطيع أحد نعته إلى أن الذي أرى في ذلك أن تخصيص شجرة المنتهى بأن جعلها سدرة؛ لأن السدر شجر العرب، فلما كان آخر الأنبياء نبي العرب فهي منتهى الأنبياء وأمته منتهى الأمم، وهي مقام مناجاته كان ذلك سابقًا في علم الله تعالى، (١٥٨/ب) جعل ﷾ الشجرة التي يناجيه عندها ﷾ عربية.
فإن شجرة موسى ﵇ على ما ذكر شجرة عوسجة. والشجرة التي تبايع المسلمون تحتها سمرة، وهذه الشجرة فهي سدرة، فهي عربية قد كان يستشف منها علماء الملائكة أنها مقام مناجاة للنبي العربي.
[ ٥ / ١٢١ ]
* والنحر: أول الصدر، وهو موضع القلادة.
* واللغاديد: لحمات في اللهوات، واحدها لغدود.
-١٥٦٧ -
الحديث الخمسون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)].
* هذا الحديث قد مضى في مسند أبي موسى بزيادة، وأشير إليه فيما تقدم من تفسيره.
* فأما قوله ﵇ لعائشة: (فضلك على سائر النساء) يدل على تصريحه بفضلها على سائر النساء، ثم أتبع ذلك بأن ضرب له قياسا بتثنيه ودليلا يستند إليه، وهو قوله: (كفضل الثريد على سائر الطعام)، قد تقدم ذكرنا له أنه يكون من عدة وجوه.
[ ٥ / ١٢٢ ]
-١٥٦٨ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أنس، قال: (دخل رسول الله - ﷺ - على أم حرام بنت ملحان، قال بعض الرواة: وهي خالة أنس، فاتكأ عندها ثم ضحك، فقالت: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: (ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأسرة)، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (اللهم اجعلها منهم) ثم عاد فضحك، فقالت له مثل ذلك، أو مم ذلك؟ فقال لها مثل ذلك، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: (إنك من الأولين، ولست من الآخرين).
قال أنس: فتزوجت عبادة بن الصامت، فركبت مع بنت قرظة، فلما قفلت ركبت دابتها، فوقصت بها، فسقطت عنها فماتت)].
* كانت أم حرام من رسول الله - ﷺ - بمحرم، ولهذا جعل رسول الله - ﷺ - رأسه في حجرها.
* وفي هذا الحديث أن من وقص عن دابته كان شهيدا كالمقتول بالسيف.
[ ٥ / ١٢٣ ]
* وفيه أن لله تعالى استجاب دعاء رسول الله - ﷺ - في حقها.
* وفيه جواز تمني الشهادة ولا يكون ذلك تمنيا للموت، فإن تمني الموت بتنقيص العسكر الإسلام، وتمني الشهادة إعزاز للإسلام.
* وفيه ما يدل على فضيلة معاوية ﵁ وصحة إمارته، وأنه من (١٥٩/أ) الغزاة في سبيل الله، وأن الغزاة الذين كانوا تحت يده كانوا كالملوك على الأسرة.
-١٥٦٩ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أنس عن رسول الله - ﷺ - قال: (يتبع الميت ثلاث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله)].
* معنى هذا الحديث أنه يتبع الميت ثلاث صور من صور الأحوال فيما أرى، ومعناها أن الإنسان إذا مات تبعه في زوال الحال أهله وقد ينصرف هذا إلى الزوجة. وقد تكون هي وغيرها، فإن موسى ﵇ لم يكن معه إلا ابنة شعيب ﴿فقال لأهله امكثوا﴾.
وإنما الذي رأيت في قوله موسى ﵇ لأهله ﴿امكثوا﴾ أنه خاطبها بخطاب الجماعة ولم يقل امكثي ليكون ذكر الجمع أقرب إلى الخفر؛ لأنه لو
[ ٥ / ١٢٤ ]
قال: امكثي لتعينت للسامع، وخرجت من شياع الجمع إلى انفراد الوحدة.
* وكذلك المال فإنه ينتقل بموته إلى الوارث، والعمل ينتقل عن استمراره إلى الانقطاع.
* وقوله: (فرجع عنه) الذي أرى فيه أنه من رجوع الخذلان، كما يقال رجع فلان عن فلان أي خذله، فالمعنى أنه خذله أهله وماله ولا يخذله عمله.
-١٥٧٠ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أنس أنه وصف النبي - ﷺ - فقال: (كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض ولا آدم، ليس بجعد قطط، ولا سبط رجل، أنزل عليه، وهو ابن أربعين، فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأي ستين، وليس في رأسه - ﷺ - ولحيته عشرون شعرة بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعره - ﷺ -، فإذا هو أحمر، فسألت؟ فقيل: احمر من الطيب).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله - ﷺ - ضخم القدمين، حسن الوجه، لم أر بعده مثله - ﷺ -).
وفي رواية: (وكان شعر النبي - ﷺ - رجلا، لا جعدا ولا سبطا).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - ضخم الرأس والقدمين، لم أر قبله ولا بعده مثله، وكان سبط الكفين).
[ ٥ / ١٢٥ ]
وفي رواية (١٥٩/ب): (كان النبي - ﷺ - شثن الكفين والقدمين).
وفي رواية عن أنس أو جابر قال: (كان النبي - ﷺ - ضخم الكفين والقدمين، لم أر بعده شبيها له).
وفي رواية عن أنس: (ما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف النبي - ﷺ -، ولا شممت ريحا قط ولا عرقا أطيب من ريح أو عرق رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية لمسلم: (كان رسول الله - ﷺ - أزهر اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسست ديباجة ولا حريرة ألين من كف رسول الله - ﷺ -، ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي - ﷺ -).
وفي رواية: (ما شممت عبيرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله - ﷺ -، ولا مسست شيئا قط ديباجا ولا حريرا ألين مسا من رسول الله - ﷺ -)].
* قد سبق شرح صفات النبي - ﷺ -.
* وقوله: (كان ربعة) أي ليس هو بالطويل ولا بالقصير.
* وقوله: (أزهر اللون) أي هو نير اللون.
[ ٥ / ١٢٦ ]
والآدم: الأسمر، والجعد القطط: الجعودة في الشعر انثناء وانقباضه، والقطط الذي قد زادت جعودته، والسبط: هو السهل المسترسل، وشثن الكفين: غليظهما.
والعرف: الطيب، والعنبر: أخلاط من الطيب تجمع.
* أما حسن وجهه - ﷺ - فإنه يدل على أن الخير يكثر في كل صبيح الوجه.
* وقد دل الحديث على أن رسول الله - ﷺ - كان كثير الطيب حتى احمر شعره على أن الله تعالى خلقه طيبا - ﷺ - وإنما استعمل الطيب للتشريع.
-١٥٧١ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي طلحة: (التمس بنا غلاما من غلمانكم يخدمني) عند خروجه إلى خيبر، فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله - ﷺ - كلما نزل، فكنت أسمعه يكثر أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال) فلم أزل أخدمه حتى ابتلينا من خيبر، وأقبل بصفية بنت حيي قد حازها، فكنت أراه نحوي وأراه يحوي وراءه بعباءة أو بكساء (١٦٠/أ)، ثم يردفها وراءه حتى إذ كنا بالصهباء، صنع حيسا في نطع، ثم أرسلني فدعوت رجالا فأكلوا، وكان ذلك بناءه بها، ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال: (هذا جبل يحبنا ونحبه) فلما أشرف على المدينة، فقال: (اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم
[ ٥ / ١٢٧ ]
وصاعهم).
وفي رواية: (أن أنسا قال: قدم رسول الله - ﷺ - خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن، ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب، وقد قتل زوجها، وكانت عروسا، فاصطفاها رسول الله - ﷺ - لنفسه، فخرج بها حتى بلغ سد الروحاء، فحلت، فبنى بها، ثم صنع حيسا في نطع صغير، ثم قال رسول الله - ﷺ -: (آذن من حولك)، فكانت تلك وليمة رسول الله - ﷺ - على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، قال: فرأيت رسول الله - ﷺ - يحوي لها وراءه بعباءة، صم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته، فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - يقول: اللهم أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات).
وفي رواية: (وأرذل العمر).
وفي رواية: (قلت لأنس: أحرم رسول الله - ﷺ - المدينة؟ قال: نعم ما بين كذا إلى كذا، فمن أحدث فيها حديثا، ثم قال لي: هذه شديدة من أحدث فيها حدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا).
وفي رواية: (سألت أنسا أحرم رسول الله - ﷺ - المدينة؟ قال: نعم هي حرام لا يختلى خلالها، فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
وفي رواية: (عن أنس أن رسول الله - ﷺ - صلى الصبح بغلس، ثم ركب، فقال: (الله أكبر، خربت خيبر، إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)،
[ ٥ / ١٢٨ ]
فخرجوا يسعون في السكك، يقولون: محمد والخميس.
قال (١٦٠/ب): والخميس: الجيش-فظهر رسول الله - ﷺ - عليهم، فقتل المقاتلة، وسبى الذراري، صارت صفية لدحية الكلبي، وصارت لرسول الله - ﷺ - ثم تزوجها، وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد، أنت سألت أنسا ما مهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم).
وفي رواية: (فحرك ثابت رأيه تصديقا له).
وفي رواية: (سبى النبي - ﷺ - صفية، فأعتقها وتزوجها).
وفي رواية: (أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، قال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: نفسها، فأعتقها).
وفي رواية: (أن صفية كانت في السبي، فصارت إلى دحية، ثم صارت إلى النبي - ﷺ -).
وفي رواية: (أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - غزا خيبر، قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النبي - ﷺ - وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله - ﷺ - في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخد نبي الله - ﷺ -، وانحسر الإزار عن فخد نبي الله، فإني لأرى بياض فخد النبي - ﷺ -).
وفي رواية: (حسر رسول الله - ﷺ - الإزار عن فخده، حتى إني أنظر إلى بياض فخد النبي - ﷺ -، فلما دخل القرية، قال: (الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين) قالها ثلاث مرات-قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد، والله.
قال عبد العزيز: وقال بعض أصحابنا: والخميس قال: وأصبناها
[ ٥ / ١٢٩ ]
عنوة، وجمع السبي، فجاءه دحية، فقال: يا رسول الله، أعطني جارية من السبي، فقال: (اذهب فخذ جارية)، فأخذ صفية بنت حيي، سيد قريظة والنضير؟ ما تصلح إلا لك، قال: (ادعوه بها)، فجاء بها، فلما نظر إليها - ﷺ - قال: (خذ جارية من السبي غيرها)، فأعتقها وتزوجها، فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها.
حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي - ﷺ - عروسا، فقال: (من كان عنده شيء فليجئ (١٦٢/أ) به) وبسط نطعا، فجعل الرجل يجيء بالأقط، وجعل الرجل يجيء بالتمر، وجعل الرجل يجيء بالسمن، فحاسوا حيسا فكانت وليمة رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - أتى خيبر ليلا، وكان إذا أتى قوما بليل لم يغر حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم؛ فلما رأوه قالوا: محمد والخميس. فقال النبي - ﷺ -: خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - أقام على صفية بنت حيي بطريق خيبر ثلاثة أيام حتى أعرس بها، وكانت فيمن ضرب عليها الحجاب).
وفي رواية: (فأصبنا من لحوم الحمر، فنادى منادي رسول الله - ﷺ - إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس).
ومنهم من قال عنه: إنها رجس أو نجس، وإن المنادي كان أبا طلحة.
وفي رواية: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فأكفئت
[ ٥ / ١٣٠ ]
القدور وإنها تفور باللحم).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - أقام بين خيبر والمدينة ثلاث ليال فبنى بصفية، فدعوت المسلمين إلى وليمته - ﷺ -، وما كان فيها من خبز ولا لحم قط، وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت فألقى عليها التمر والأقط والسمن فقال المسلمون: إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه. فقالوا: إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه، فلما ارتحل وطأها خلفه ومد الحجاب.
وف رواية: (لما أتى رسول الله - ﷺ - خيبر قال: إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
وفي رواية: (كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر، وقدمي تمس قدم النبي - ﷺ - قال: فأتينا حين بزغت الشمس، وقد أخرجوا مواشيهم، وخرجوا بفؤوسهم ومكاتلهم، ومرورهم، فقالوا: هذا محمد والخميس، قال: وقال رسول الله - ﷺ - (خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين)، قال: وهزمهم الله، ووقعت في سهم دحية جارية جميلة، فاشتراها رسول الله - ﷺ - بسبعة أرؤس، ثم دفعها (١٦١/ب) إلى أم سليم تصنعها وتهيئها، (قال: وأحسبه قال) وتعتد في بيتها، وهي صفية بنت حيي، قال: فجعل رسول الله - ﷺ - وليمتها التمر والأقط والسمن فحصت الأرض أفاحيص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، وجيء بالأقط والسمن، فشبع الناس قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها، أم اتخذها أم ولد؟ قالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت على عجز البعير، فعرفوا أنه قد تزوجها، فلما دنوا من المدينة دفع رسول الله - ﷺ - ودفعنا، قال:
[ ٥ / ١٣١ ]
فعثرت الناقة العضباء، وندر رسول الله - ﷺ - وندرت، فقام فسترها، وقد أشرفت النساء، فقلن: أبعد الله اليهودية، قال: قلت: يا أبا حمزة، أوقع برسول الله؟ قال: إي والله لقد وقع.
قال أنس: (وشهدت وليمة زينب، فأشبع الناس خبزا ولحما، وكان يبعثني فأدعو الناس، فلما فرغ قام وتبعته، فتخلف رجلان استأنس بهما الحديث، لما يخرجا، فجعل يمر على نسائه، فيسلم على كل واحدة منهن: (سلام عليكم، كيف أنتم يا أهل البيت)؟ فيقولون: بخير يا رسول الله، كيف وحدت أهلك؟ فيقول: (بخير)، فلما فرع رجع، ورجعت معه، فلما بلغ الباب إذا هو بالرجلين قد استأنس بهما الحديث، فلما رأياه قد رجع قاما فخرجا، فوالله ما أدري: أنا أخبرته، أم أنزل عليه الوحي بأنهما قد خرجا؟، فرجع ورجعت معه، فلما وضع رجله في أسكفة الباب أرخى الحجاب بيني وبينه، وأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾
[الأحزاب: ٥٣]
وفي رواية: (صارت صفية لدحية في مقسمه، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله - ﷺ -، ويقولون: ما رأينا في السبي مثلها، قال: فبعث إلى دحية، فأعطاه بها ما أراد، ثم دفعها إلى أمي، فقال: (أصلحيها)، ثم خرج رسول الله - ﷺ - من خيبر، حتى إذا جعلها في ظهره نزل، ثم ضرب عليها القبة، فلما أصبح قال: (من كان عنده فضل زاد فليأتنا به)، قال: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر، وفضل السويق، حتى جعلوا من ذلك سوادا حيسا، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس، ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء.
قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله - ﷺ - عليها، قال
[ ٥ / ١٣٢ ]
(١٦٢/أ): فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها، فرفعنا مطينا، ورفع رسول الله - ﷺ - مطيته، قال: وصفية خلفه قد أردفها، قال: فعثرت مطية رسول الله - ﷺ -، فصرع وصرعت، قال: فليس أحد من الناس إلا ينظر إليه ولا إليها، حتى قام رسول الله - ﷺ - فسترها قال: فأتيناه فقال: (لم نضر). قال: فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه، يتراءينها ويشمتن بصرعتها).
وفي رواية للبخاري: (كنا مع النبي مقفله من عسفان، ورسول الله - ﷺ - على راحلته، وقد أردف صفية بنت حيي، فعثرت ناقته، فصرعا جميعا، فاقتحم ألو طلحة، فقال: يا رسول الله، جعلني الله فداءك، هل أصابك شيء؟ قال: لا، ولكن عليك بالمرأة، فقلب أبو طلحة ثوبا على وجهه وقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة، وأصلح لهما مركبهما فركبا، واكتنفنا رسول الله - ﷺ -، فلما أشرفنا على المدينة قال النبي - ﷺ -: (آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون). قال: فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة)].
[ ٥ / ١٣٣ ]
* قد تقدم شرح هذا الحديث متفرقا في مواضع.
* وفيه جواز الاستخدام لقوله: (التمس لي غلاما يخدمني).
* وقوله: كانت صفية تضع رجلها على ركبته، وإنما كان ذلك لأنه كان يرى أن مثل هذا لا يتولاه من أهله سواه، لأن وضع الرجل على ركبة الرجل يكون طريقا إلى الإحساس ببدن المرأة من خفتها، وذلك مما يستحب ستره.
* وقوله: (خربت خيبر)، كلام موقن بالنصر.
* وقوله: (وجعل عتقها صداقها) فيه دليل على جواز أن يعتق الرجل أمته ويجعل عتقها صداقها؛ وذلك لا يتنافى؛ لأن العتق عبادة والنكاح عبادة.
* وقوله: (أرى بياض فخد النبي - ﷺ -): إنما رأى ذلك لا عن قصد؛ لأنه لا يحل له أن يقصد رؤية ذلك، وإنما ذكر مخبرا عن نفسه بما اتفق له.
* وفي الحديث دليل على أن للإمام أن يأمر لبعض الغزاة بجارية (١٦٢/ب) غير معينة؛ إلا أنه إذا أخذ خير الجواري، كان للإمام أن يعترض عليه، لأنه قال له: خذ جارية، على لفظ النكرة فلم ينصرف إلى خير الجواري.
* وفيه أيضا أنه يجوز للإمام إذا اتفق له مثل ذلك أن يقيم بالناس أياما لأجل غرضه.
[ ٥ / ١٣٤ ]
* وفيه ما يدل على أنه إنما كان يحجب الزوجات لا ملك اليمين.
* وقوله: (فيجوز أن يباع البعير) بالأبعرة.
* وقوله: (وتعتد في بيتها) دليل على أنه لم يطأها حتى قضت عدتها.
* وأما عثور الناقة فإن الله تعالى قدر ذلك ليظهر له، يحفظه في حالة العثور كما يحفظه في حالة السلامة. فإذا جرى مثل ذلك من هذه العثرة فلا يجوز أن يرتاع متطيرا بذلك كما يفعل الجهال.
* وأنا قوله: (اصطفاها) فالمعنى انه أخذها صفيا، والصفي سهم رسول الله - ﷺ - من المغنم، وكان إذا غنم الجيش غنيمة أخذ له من رأس المال قبل أن يقسم ما يختاره.
* والحيس: أخلاط من تمر وأقط وسمن، وقد سبق ذكره.
* وقول النساء: (أبعد الله اليهودية) وقد جاء في الحديث أن جواري رسول الله - ﷺ - شمتن بصرعتها، فأما نساؤه فقد نزهن الله عن ذلك، ومما يدل على تمس حفاظ رسول الله - ﷺ - ولطفه أنه قال لأبي طلحة عليك بالمرأة ومما يدل على تأتي أبي طلحة وحسن أدبه أنه جعل على وجهه ثوبا لئلا ينظر إلى المرأة.
-١٥٧٢ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن محمد بن أبي بكر بن عوف، قال: (سألت أنس بن مالك، ونحن غاديان من منى إلى عرفات عن التلبية: كيف أنتم تصنعون مع النبي - ﷺ -؟ قال: مان يلبي الملبي فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه).
وفي رواية: (قلت لأنس-غداة عرفة-: ما تقول في التلبية هذا اليوم؟
[ ٥ / ١٣٥ ]
قال: سرت هذا المسير مع النبي - ﷺ - وأصحابه، فمنا المكبر، ومنا المهلل، فلا يعيب أحدنا على صاحبه)].
* السنة (١٦٣/أ) في هذا المقام التلبية، وأن لا تقطع حتى ترمي أول حصاة من جمرة العقبة يوم النحر.
* وقول أنس يحتمل أن من كبر كان يدخل التكبير في خلال التلبية.
-١٥٧٣ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن معبد بن هلال، قال: (انطلقنا إلى أنس بن مالك، وتشفعنا بثابت، فانتهينا إليه، وهو يصلي الضحى، فاستأذن لنا ثابت، فدخلنا عليه؛ فجلس ثابتا معه على سريره، فقال له: يا أبا حمزة، إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة، فقال: حدثنا محمد - ﷺ - قال: (إذ كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم ﵇، فيقولون له: تشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيؤتى موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فيأتوني فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستاذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه،
[ ٥ / ١٣٦ ]
فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها الله، ثم أخر ساجدا، فيقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل: يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول: انطلق، فمن كان في قلبه حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا فيقول لي: يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه حبة خردل من إيمان فأخرجه مناه، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي أحمد بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك. وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل).
هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده فلما كنا بظهر الجبان، قلنا: لو ملنا إلى الحسن، فسلمنا عليه، وهو مستخف في دار أبي خليفة؟ قال: فدخلنا (١٦٣/ب) عليه، فسلمنا عليه، فقلنا: يا أبا سعيد، جئنا من عند أخيك أبي حمزة، فلم نسمع بمثل حديث حدثناه في الشفاعة، فقال: هيه، فحدثتناه الحديث، فقال: هيه، قلنا: ما زادنا؟ قال: قد حدثنا هو منذ عشرين، وهو يومئذ جميع، ولقد ترك شيئا ما أدري: أنسي الشيخ، أم كره أن يحدثكم فتتكلوا؟ قلنا له: حدثنا، فضحك فقال: خلق الإنسان من عجل، ما ذكرت لكم هذا إل وأنا أريد أن أحدثكموه.
قال: (ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: يا رب، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال:
[ ٥ / ١٣٧ ]
فليس ذلك-أو قال: ليس ذلك إليك-ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله) قال: فأشهد على الحسن أنه حدثنا به أنه سمع أنس بن مالك أراه قال: قبل عشرين وهو يومئذ جميع).
وفي رواية (عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يجمع الله الناس يوم القيامة، فيهتمون لذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، حتى يريحنا من مكاننا هذا؟ قال: فيأتون آدم، فيقولون أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
قال: فيأتون نوحا، فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله، وأعطاه التوراة.
قال: فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدا، عبدا قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال: قال رسول الله - ﷺ -: (فيأتونني، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله (١٦٤/أ)، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني،
[ ٥ / ١٣٨ ]
ثم يقال لي: ارفع رأسك يا محمد، قل يسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدا، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة-قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة-فأقول: يا رب، ما بقى في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود).
وأخرجه البخاري تعليقا وفيه: (يحبس المؤمنون يوم القيامة وفي آخره ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن إي وجب عليه الخلود-ثم تلا هذه الآية: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾).
قال: (وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم - ﷺ -).
زاد في حديث هشام فقال النبي - ﷺ -: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن ذرة).
وفي رواية شعبة: (ذرة)، قال يزيد: صحف فيها أبو بسطام، وفي رواية: (ذرة من إيمان، مكان خير).
وفي رواية: (فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه).
وفي رواية: (إذا كان يوم القيامة شفعت، فقلت: يا رب، أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة، فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنة من كان في قلبه أدنى شيء، قال أنس: كأني أنظر إلى أصابع رسول الله - ﷺ -).
[ ٥ / ١٣٩ ]
* قد مضى الكلام في ذكر الشفاعة.
* فأما قوله - ﷺ -: (فأقوم بين يدي ربي فأحمده بتحميد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها). فالذي أراه فيه أن الله سبحانه يعلم من المحامد وحسن الأسولة بحسب ما يعلم أنه ﷻ يقتضي (١٦٤/ب) زيادة المسئول فيه؛ لأنه لما كانت المسألة يومئذ في الخلق أجمعين، وما يسكن غضب الرب ﷻ ويستدعي اللطف الذي يلحق الأعداء بالأولياء، علم ﷻ لذلك المقام حمدا يناسبه وسؤالا يلائمه، فلا يعلمه رسول الله - ﷺ - في الدنيا، ولا يقدر عليه ليعلم الناس أنه هو ﷻ الذي يثير سؤال السائلين لينعم، فتجمع في كل نعمة من نعمه يوصلها إلى عباده، وبين محمدة يسوقها إلى حبيبه محمد - ﷺ - في ذلك الموقف، وعلى هذا فإن إحسانه موجود هكذا أبدا.
* وفي هذا الحديث ما ينبغي لمن سمعه أن يشتد خوفه، فإن آدم صلوات الله وسلامه عليه ونوحا وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام كل منهم على شرف مقامه ومنزلته، واستمرار الإحسان منه، وندور الهفوة التي غفرت لهم، على كون كل منها لم يكن إل في طريق الجد في أمر الله تعالى، وإنهم كانوا على ذلك في يوم القيامة كل منهم ينسى كل حسنة كانت منه، ويذكر سيئة الواحدة، فما الظن لغيرهم في ذلك اليوم ممن مضى جل عمره وغالب دهره في السيئات وفظيع الزلات، وهو لا يذكر عند تقلبه إلا أنه ممن يشفع ويخاطب حتى مع كون أولئك قالوا ذلك في الدار الآخرة.
[ ٥ / ١٤٠ ]
وقد علم كل منهم أن أعماله ختمت بالسعادة، ونجا من دار الفتنة، وإن من عداهم غير مأمون عليه، ولا هو على يقين من أمره، بل إن قدر له في عمره أو في عامه أو شهره فعلة صالحة ذكرها خاصة؛ ونسي باقي العمر والعام والشهر، وما كان فيه من الخطيئات، فأما كون الحبة والشعيرة من الإيمان في القلب، فقد تقدم قولنا في ذلك.
* وأما قوله: (أدنى أدنى أدنى) ثلاثا مكررا، فإنه أنما يستعمل ذلك فيما لا يوجد له اسم في القلة، فإن الذرة لها اسم، وعشر معشار الذرة لها اسم فهذا أدنى أدنى أدنى، وذلك فيما أراه لقد سكت واحد في عمره كله عن كلمة سيئة لأجل الله أو قال في عمره كله كلمة حسنة لأجل الله أو نظر لأجل الله سبحانه نظرة أو خطا خطوة، فإن قوله: أدنى أدنى أدنى يكون أول من ذلك فإنه يخرج من النار.
* وفيه أيضا أن محمدا - ﷺ - من حسن أدبه لم يقل يا رب أخرج من النار من قال: (١٦٥/أ) لا إله إلا الله محمدا رسول الله؛ بل قال: من قال لا إله إلا الله، فكان إخلال النبي - ﷺ - بذلك من حسن الأدب، ومن زيادة الفقه والعلم؛ لأنه من قال: لا إله إلا الله لزمه بأن يعترف بأن محمدا - ﷺ - لو لم يكن أمره من عند الله ﷾ لم يتم، فإنه من قال: لا أله إلا الله، فقد اعترف أنه ليس في الوجود قادر على ما يشاء، قاهر لكل أحد إلا الله، فمن ظن أن محمدا - ﷺ - افترى على الله وتم له ذلك؛ فقد نقص قول لا إله إلا الله من حيث أنه جعل إلها مع الله سبحانه يفعل في الأرض ما لا يريده الله سبحانه.
* وفي هذا الحديث جواز تشفع القوم إلى الرجل الكريم في طلب العلم.
[ ٥ / ١٤١ ]
* وفيه جواز إكرام الرجل زيادة عن رفقائه، لقوله: فأجلس ثابتا معه على سريره.
* وفيه جواز الاستخفاء مما يخاف لقوله: (وكان الحسن مستخفيا في دار أبي خليفة).
* وقوله: (ليس ذلك لك)، وإنما لم يذكر مع هذه الكلمة محمد رسول الله - ﷺ - لأنه يترتب منها ذكر الرسول - ﷺ - من جهة أن من اعترف أن لا إله إلا الله فإنه لم يعترف إلا بدليل، والدليل قد أثبت جواز بعثة الرسل، ودل على صحة نبوة محمد - ﷺ -، فإنه أظهر الحق وغلب الخلق، وأذل جبابرة الأرض، وشرع الشرع، ونسخ الشرائع الأول، ووعد بما ظهر صدقه، ولم يقابله إلا من أظهره الله تعالى عليه، واستخلف الله أمته في الأرض كما وعده؛ فدل هذا على أنه رسول حق يلزم الإقرار به، على أن الذي يعني بالدين يقولون لا إله إلا الله خالصا لأن الله تعالى أخبرنا فقال: ﴿وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾.
* وقوله: (ليس ذلك لك) أي قد ثبت أنك ما تريد ذاك لنفسك، ولك في الشفاعة منهم حظ ترجع إليك، ولذلك معنى ليس إلك أي ليس يصل إليك من هذا الأمر شيء معناه ليس لك حظ في فعل، وإنما تفعل الأشياء لنا لا لك، وكنت قد خطر لي هذا فنظرت فإذا قوم من المفسرين ذكروا ذلك.
* وأما المقام المحمود فسمي بذلك لأنه لا ينفصل عنه أحد إلا ومحمده - ﷺ -.
[ ٥ / ١٤٢ ]
* وقوله: (في داره) الهاء (١٦٥/ب) هاء إضافة ملك، ولتخصيصها بذلك تشريف كما قال ﷿: ﴿ناقة الله﴾.
-١٥٧٤ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم النحر: (من كان ذبح قبل الصلاة فليعد، فقام رجل قال: يا رسول الله، هذا يوم يشتهى فيه اللحم. وذكر هنة من جيرانه-يعني فقراء وحاجة-وأنه ذبح قبل الصلاة وكان رسول الله - ﷺ - صدقه قال: وعندي جذعة هي أحب إلي من شاتي لحم، أفأذبحها، فرخص له، فقال: لا أدرى أبلغت رخصته من سواه أم لا؟ قال: وانكفأ رسول الله - ﷺ - إلى كبشين فذبحهما، فقام الناس إلى غنيمه فتوزعوها أو قال: فتجزعوها).
وفي رواية: (ضحى النبي - ﷺ - بكبشين أملحين، فرأيته واضعا قدمه على صفاحهما، يسمي ويكبر، فذبحهما بيده).
وفي رواية: (أقرنين، ويضع رجله على صفحتهما، ويذبحهما بيده).
وفي رواية: يقول: (بسم الله، والله أكبر).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين).
وفي رواية: (أنكفأ إلى كبشين أملحين أقرنين، فذبحهما بيده)].
[ ٥ / ١٤٣ ]
* في هذا الحديث من الفقه استحباب أن يذبح الرجل نسيكته بيده، وفي ذلك إيمان بالله ﷿ ومخالفة للكفر الذي لا يرون ذبح الحيوان، وإظهار الشجاعة في ذبح ما أباح الله ذبحه، فإنه من ترك الذبح جبنا عنه فهو جائر ذليل، ومن تركه تابعا رأي الكفار الذين لا يرون إفساد الصورة فهو كافر.
* فيستحب للمسلم أن يذبح نسيكته بيده إلا أنه إذا استناب في ذبحها غيره جاز؛ إذ لم يكن عن جبن أو سوء عقيدة، ومن أحسن النسيكة: الكبشان الأقرنان الأملحان، والأملح: هو الأبيض، وهو الذي لا يتوارى فيه عيب، الأقرن ينتصف في مرعاه. والسنة أن يضع قدمه على صفحة عنق الكبش، فإنه أمكن له ولئلا يضطرب برأسه فيرشش الدم على الذابح.
* وقوله: (فتجزعوها) أي اقتسموها، حصصا وأصله من الجزع، وهو القطع.
-١٥٧٥ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أنس قال: (نهينا أن يبيع حاضر لباد).
[ ٥ / ١٤٤ ]
وفي رواية: (وإن كان أخاه لأبيه وأمه)].
* قد مضى هذا الحديث.
-١٥٧٦ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أنس أن رسول (١٦٦/أ) الله - ﷺ -: (أنه لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ من شعره).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم أتى منزله بمنى، وتحر، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار إلى جانبه الأيمن، ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس).
وفي رواية: (أنه قال للحلاق: ها، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر، فخلعه، ثم أعطاه أم سليم).
وفي رواية: (فبدأ بالشق الأيمن، فوزعه: الشعرة، والشعرتين بين الناس، ثم قال: بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة).
وفي رواية: (أنه رمى جمرة العقبة، ثم انصرف إلى البدن فنحرها،
[ ٥ / ١٤٥ ]
والحجام جالس، وقال بيده يمين رأسه فحلق شقه الأيمن فقسمه بين من يليه، ثم قال: احلق الشق الآخر، فقال: أين أبو طلحة؟ فأعطاه إياه).
وفي رواية: (أنه لما رمى الجمرة، ونحر نسكه وحلق، ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: احلق، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، قال: أقسمه بين الناس)].
* لما قسم رسول الله - ﷺ - الشعر بين أصحابه، بدأ بتفريق الشعرة والشعرتين استظهارا للتفريق لئلا يبقى في الصحابة من يعوزه فشمل التفريق الناس، فلما بقى نصف رأسه - ﷺ - أعطاه أبا طلحة حيث كان هو الباقي، والنطق الأخير من الحديث يدل على أنه أكرم أبا طلحة بتوفير نصيبه ثم أعطاه النصف الآخر، فأكرمه بأن أمره بتفريقه بين الناس،
* وفيه أيضا أنه بدأ برمي جمرة العقبة ثم نحر وحلق.
* وفيه من الفقه أنه يبدأ في الحلق بالأيمن من جانبي الرأس.
-١٥٧٧ -
الحديث الستون:
[عن محمد بن سيرين، قال: (سألت أنسا: أخضب النبي - ﷺ -؟ فقال: لم يبلغ الشيب إلا قليلا).
[ ٥ / ١٤٦ ]
وفي رواية: (وقد خضب أبو بكر وعمر بالحنا والكتم).
وفي رواية: (سئل أنس عن خضاب النبي - ﷺ - فقال: لو شئت أن أعد شمطات كن في رأسه فعلت (١٦٦/ب)، قال: ولم يخضب).
وفي رواية: (وقد اختضب بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتا).
وفي رواية: (أنه توفي - ﷺ -، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء).
وفي رواية عن قتادة: (قال سألت أنسا هل خضب رسول الله - ﷺ -؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنما كان شيئا يسيرا في صدغيه).
وفي رواية عن أنس، قال: (يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ومن لحيته. قال: ولم يخضب رسول الله - ﷺ -، إنما كان البياض في عنفقته، وفي الصدغين، وفي الرأس نبذ).
وفي رواية: (أنه سئل عن شيب النبي - ﷺ -؟ قال: ما شانه الله ببيضاء)].
* في هذا الحديث استحباب الخضاب بالحناء والكتم؛ لأن أبا بكر وعمر فعلا ذلك، وكلام أنس يدل على أن رسول الله - ﷺ - لم يبلغ من الشيب إلى الحد الذي يختضب فيه، وإنما خضب أبو بكر وعمر بالحناء لغير الشيب لأجل
[ ٥ / ١٤٧ ]
لقاء الحروب، فإن الشيوخ يستضعفون في الحرب، وإنما نهى عن التغيير بالسواد لأن فيه تغريرًا للنساء في النكاح.
* وفي هذا الحديث من الفقه كراهته نتف الشعرة البيضاء من الرأس واللحية؛ لأن الشيب نور للمسلم؛ ولأنه إذا نتف شيبة تعرض لأن يغر عن سنه.
* فأما قوله: (ما شانه الله ببيضاء) مع قوله: (لم يكن في رأسه عشرون شعرة بيضاء)؛ فهذا غير مناف لأن المعنى أن تلك الشعرات البيض لم يشنه شيء منها.
-١٥٧٨ -
الحديث الحادي والستون:
[عن أنس بن سيرين، قال: استقبلنا أنسًا حين قدم من الشام، فلقيناه بعين التمر، فرأيته يصلي على حمار، ووجهه من ذلك الجانب -يعني عن يسار القبلة-فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة، فقال: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله لم أفعله)]
* قد تقدم الكلام على هذا في مسند ابن عمر، وأن الصلاة النافلة يجوز إلى غير القبلة في السفر.
[ ٥ / ١٤٨ ]
-١٥٧٩ -
الحديث الثاني والستون:
[عن حفصة بنت سيرين قالت: قال لي أنس بن مالك بم مات يحيى بن أبي عمرة؟ قلت: بالطاعون، فقال: قال رسول الله - ﷺ -: (الطاعون شهادة لكل مسلم)].
* وفي هذا الحديث من الفقه أن الموت (١٦٧/أ) بالطاعون شهادة لمن مات به؛ ذلك لأنه إذا كان الوباء وكثر الموت، وجد الشيطان أبوابًا يدخل منها على قلب الآدمي، ويوسوس في صدور الناس وأن هذا من فساد الهواء أو الماء أو غير ذلك موهمًا أن موتهم من تلك العلة لا عن قدر سابق وآجال محسوبة معلومة، فيستزل القلوب إلا من عصم الله؛ فمن ثبت إيمانه حينئذ؛ وأيقن أنه لا يموت في الطاعون إلا من سبق القدر أنه يموت بالطاعون، وأنه لا ينقص ذلك من عمر سبق بمقداره القدر ثم مات؛ مات شهيدًا كما أخبر رسول الله - ﷺ -.
-١٥٨٠ -
الحديث الثالث والستون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه ما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه
[ ٥ / ١٤٩ ]
إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر -بعد أن أنقذه الله منه-كما يكره أن يقذف في النار).
وعند مسلم: (ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان).
وفي رواية: (ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهوديًا أو نصرانيًا)].
* هذه الخصال الثلاث المذكورة في هذا الحديث مرتبة على الترتيب الصحيح المستقيم؛ لأنه بدأ أولًا بحب الله تعالى، وحب رسوله - ﷺ - وأن يكون الله ورسوله أحب إلى الإنسان مما سواهما، ولفظه يعم ما يعقل وما لا يعقل، فيشمل الآدميين بمن يدخل فيهم من الأهل والولد والحميم وغير ذلك.
* ثم نزل من هذه الطبقة إلى الطبقة المماثلة وهو أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وذلك أنه لما كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كان من شرط هذا أن لا يحب المؤمن أحدًا يرى أنه بغيض إلى الله وإلى رسوله، بل يكون من شرط حب العبد ربه سبحانه وحبه نبيه - ﷺ - أن لا يحب المرء إلا لله وهذا النطق في قوله المرء يشمل الذكور من الآدميين.
فإذا أردت أن يسمى به أنثى قلت: المرأة، فأضفت إليه علامة التأنيث فيكون هذا النطق (١٦٧/ب) مشيرًا إلى أن لا يحب الرجل ولدًا ولا صاحبًا
[ ٥ / ١٥٠ ]
ولا صديقًا ولا منعمًا ولا محسنًا إلا لله ﷾، فإن جعلنا هذا النطق كافيًا بجنسه المذكر عن كشف المؤنث فهو كذلك، وإن أخرجنا ذكر التأنيث منه، فإن لطف الله تعالى غير مستبعد فيه أن يكون أنطق رسول الله - ﷺ - بهذا الكلام وهو قوله: (المرء مع من أحب)، المرء مختص بالمذكر رفقًا لعباده لعلمه بما لا ينضبط فيه نفوس الآدميين لهم من حيث الميل إلى النساء كما روي عنه - ﷺ - من قوله (هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك).
* فأما حب الرجل الرجل المنعم عليه؛ أو ذا الخلة الحسنة، أو المحسن إليه لله سبحانه، فلأن أصل النعم منه سبحانه، وهو خالق الخلة الحسنة ﷻ، فهذا كاف في مقامه.
* ثم أتبع ذلك بما هو من أوصاف الإنسان، وهو أن يود أن يلقى في النار ولا يرد إلى الكفر، فالمعنى فيه ظاهر، وذلك أن المؤمن إذا ألقي في النار، نار هذه الدنيا وهو مؤمن كان كالخائض بها إلى الجنة فلا يباليها، لأنه يعلم أن خوض النار إلى الجنة ربما استطابه خائضه من حيث أن يتيقن أن كل ما قطع خطوة قرب إلى الجنة مرحلة، ولو قد كان عوده إلى الكفر لكان ذلك مؤديًا إلى نار لا
[ ٥ / ١٥١ ]
خلاص منها أبدًا.
* فهذه آيات المؤمن وعلاماته التي يعرف بها، وهي جامعة لحب الله وحب رسوله - ﷺ -، وحب المؤمنين، وحب الإيمان على الكفر، فهذا الحديث جامع لأوصاف الحب.
-١٥٨١ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن لكل أمة أمينًا، وإن أميننا، أيتها الأمة، أبو عبيدة بن الجراح).
وفي رواية: (أن أهل اليمن قدموا على رسول الله - ﷺ -، فقالوا: ابعث معنا رجلًا يعلمنا السنة والإسلام، فأخذ بيد أبي عبيدة بن الجراح فقال: هذا أمين هذه الأمة)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لم يقل أمينكم، وإنما قال أميننا فتحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد نفسه، ويكون لفظ الجمع للتعظيم.
والثاني: أن يكون أراد نفسه ومن معه - ﷺ - (١٦٨/أ) ثم قال: أيتها الأمة
[ ٥ / ١٥٢ ]
فيكون الخطاب للأمة إلى يوم القيامة إخبارًا لهم بأمانة هذا الرجل.
-١٥٨٢ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أنس قال: (لما كثر الناس، ذكروا أنه يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، فأمر بلال أن يشفع الآذان، ويوتر الإقامة).
وفي رواية: (يوتر الإقامة إلا الإقامة)].
* هذا الحديث قد سبق.
* وقوله: (إلا الإقامة) يريد قوله قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة وهو يدل على أن الأفضل في الإقامة الإفراد، وهو مذهب الخلفاء الأربعة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃. كان يقام لهم مرة مرة، وعليه جمهور العلماء.
-١٥٨٣ -
الحديث السادس والستون:
[عن أنس قال: (كان رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، وغلام أسود يقال
[ ٥ / ١٥٣ ]
له: أنجشة يحدو، فقال له رسول الله - ﷺ -: (ويحك يا أنجشة، رويدك سوقك بالقوارير).
قال أبو قلابة: يعني النساء).
وفي رواية: (كان للنبي - ﷺ - حاد يقال له: أنجشة، وكان حسن الصوت فقال له النبي - ﷺ -: رويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير).
قال قتادة: يعني ضعفة النساء).
وفي رواية: (كانت أم سليم في الثقل، وأنجشة غلام النبي - ﷺ - يسوق بهن، فقال له النبي - ﷺ -: (يا أنجش، رويدك سوقك بالقوارير).
قال أبو قلاية: تكلم رسول الله - ﷺ - بكلمة لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه).
وفي رواية: (ارفق يا أنجشة، ويحك بالقوارير).
وفي رواية: (كانت أم سليم مع نساء النبي - ﷺ - وهو يسوق بهن سواق، فقال نبي الله - ﷺ -: يا أنجشة، رويدك سوقك بالقوارير)].
* في هذا الحديث من الفقه جواز الحداء.
* وفيه أنه إذا أراد الحداء الحث بجهد الإبل، فإنه يشار إلى الحادي بالرفق.
[ ٥ / ١٥٤ ]
* وقوله: (سوقك بالقوارير) يعني بالنساء يشير بذلك إلى أنه ينبغي أن يكون السير على قدر سير الأضعف (١٦٨/ب)، وأضعف الرفاق النساء؛ فإن كن حاملات، فينبغي أن يزيد في الرفق بهن، وإنما سماهن قوارير؛ لأن الحمل يستقر في بطن المرأة.
* وقول أبي قلابة: (لو تكلم بها بعضكم لعبتموها عليه) أي لجهلكم بلغة العرب، لأن هذه اللفظة من أحسن ما عبر بها عن النساء لقوله تعالى: ﴿ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ ولا أشرف من الآدمي فشرف مقره على مقدار شرفه.
-١٥٨٤ -
الحديث السابع والستون:
[عن أنس قال: (من السنة إذا تزوج البكر على الثيب: أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب: أقام عندها ثلاث ثم قسم).
قال أبو قلابة: ولو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي - ﷺ -.
وفي رواية سفيان: (إن خالدًا قال هذا القول المنسوب إلى أبي قلابة)].
* في هذا الحديث ما يدل على التفاوت بين البكر والثيب، وذلك لأن البكر تحتاج إلى مداراة فزيد لها في الأيام لذلك، ولم يحتسب به عليها. والثيب فقد كانت بكرًا مرة، فهي غير محتاجة إلى المداراة كما تحتاج إليها البكر.
[ ٥ / ١٥٥ ]
-١٥٨٥ -
الحديث الثامن والستون:
[عن أبي قلابة، أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال لهم: ما تقولون في القسامة؟ فقالوا: نقول في القسامة القود بها الحق، وقد أقادت الخلفاء.
فقال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس، فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهداء على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى، ولم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا، قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه قد سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا.
قلت: فوالله ما قتل رسول الله - ﷺ - أحدًا قط إلا في ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله، وارتد عن الإسلام.
فقال القوم: أو ليس قد حدث أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قطع في السرق وسمر الأعين، ونبذهم في الشمس؟
قلت: أنا أحدثكم حديث أنس، حدثني أنس: أن نفرًا من عقل ثمانية، قدموا على رسول الله - ﷺ - (١٦٩/أ) فقال: (ألا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبون من أبوالها وألبانها). قالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها، فصحوا، فقتلوا راعي رسول الله - ﷺ -، وأطردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فأرسل في آثارهم، فأدركوا، فجيء بهم، فقطعت أيديهم وسمر أعينهم، ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا.
[ ٥ / ١٥٦ ]
قلت: وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء، ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا وسرقوا. فقال عنبسة بن سعد: والله إن سمعت كاليوم قط، قلت: أترد على حديثي يا عنبسة؟ قال: لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه، والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهركم.
قلت: وقد كان في هذا سنة من رسول الله - ﷺ -، دخل عليه نفر من الأنصار فتحدثوا عنده، فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل، فخرجوا بعده، فإذا هم بصاحبهم يتشخط في الدم، فرجعوا إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله، صاحبنا كان يتحدث معنا، فخرج بين أيدينا، فإذا نحن به يتشخط في الدم، فخرج رسول الله - ﷺ - فقال: (من تظنون -أو من ترون-قتله) قالوا: نرى أن اليهود قتلته، فأرسل إلى اليهود فدعاهم، فقال: (آنتم قتلتم هذا؟) قالوا: لا، قال: (أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه)، قالوا: ما يبالون أن يقتلونا أجمعين، ثم ينتفلون، قال: (أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم) قالوا: ما كنا لنحلف، فوداه من عنده.
قلت: وقد كنت هذيل قد خلعوا خليعًا لهم في الجاهلية، فطرق أهل بيت بالبطحاء فانتبه رجل منهم، فحذفه بالسيف فقتله، فجاءت هذيل، وأخذوا اليماني فرفعوه إلى عمر بالموسم، وقالوا: قتل صاحبنا، فقال: إنهم قد خلعوه، فقال: يقسم خمسون من هذيل ما خلعوه، قال: فأقسم تسعة وأربعون رجلًا، وقدم رجل منهم من الشام، فسألوه أن يقسم، فافتدى يمينه منهم بألف درهم. فأدخلوا (١٦٩/ب) مكانه رجلًا آخر، فدفعه إلى أخي المقتول، فقرنت يده بيده، قال: فانطلقا والخمسون الذين أقسموا، حتى إذا
[ ٥ / ١٥٧ ]
كانوا بنخلة، أخذتهم السماء، فدخلوا في غار في الجبل، فانهجم الغار على الخمسين الذين أقسموا فماتوا جميعًا، وأفلت القرينان، واتبعهما حجر فكسر رجل أخي المقتول، فعاش حولًا ثم مات.
قلت: وقد كان عبد الملك بن مروان أقاد رجلًا بالقسامة، ثم ندم بعد ما صنع، فأمر بالخمسين الذين أقسموا، فمحوا من الديوان وسيرهم إلى الشام).
وفي رواية: (أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا على النبي - ﷺ -، وتكلموا بالإسلام فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع، ولم نكن أهل ريف، واستوخموا بالمدينة، فأمر لهم النبي - ﷺ - بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي - ﷺ -، واستاقوا الذود، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم).
وفي رواية: (أن ناسًا من عرينة اجتووا المدينة، فرخص لهم رسول الله - ﷺ - أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأرسل رسول الله - ﷺ -، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة يعضون بالحجارة).
وفي رواية البخاري: (أن ناسًا كان بهم سقم فقالوا: يا رسول الله، آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة، فأنزلهم الحرة في ذود له فقال: (اشربوا من ألبانها)، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله - ﷺ -، واستاقوا ذوده،
[ ٥ / ١٥٨ ]
فبعث في آثارهم، وقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، فرأيت الرجل منهم (١٧٠/أ) يكدم الأرض بلسانه حتى يموت.
قال سلام: فبلغني أن الحجاج قال لأنس: حدثني بأشد عقوبة عاقب بها النبي - ﷺ -، فحدثه بهذا، فبلغ الحسن فقال: وددت أنه لم يحدثه).
وفي رواية: (كان قد وقع بالمدينة المروم، وهو البرسام، وكان عندنا شباب من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم، وبعث قائفًا يقتضي آثارهم).
وفي رواية عن أنس قال: (إنما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء)].
[ ٥ / ١٥٩ ]
* قد سبق ذكر القسامة.
* وأما العرنيون: فإنهم غدروا برسول الله - ﷺ -، وارتدوا عن الإسلام، وذهبوا بإبله، فجمعوا بين الكفر والغدر والغصب، فلذلك قطع أيديهم في جزاء السرقة، وسمر أعينهم قصاصًا لأنهم سمروا أعين الرعاء؛ لئلا يدلوا على صوبهم؛ الذي ذهبوا فيه، وقتلهم في جواب شركهم بالله.
* وقوله: (استوخموا المدينة) أي لم توافقهم. وفي لفظ (اجتووا) قال أبو عبيد: يقال اجتويت البلاد إذ كرهتها، وإذ كانت موافقة لك في بدنك، واستويلتها إذا لم توافقك في بدنك وإن كنت محبًا لها. واللقاح: الإبل
[ ٥ / ١٦٠ ]
ذوات الدر.
* وقوله: (وأطردوا الإبل) يقال: طرده السلطان وأطرده إذا أخرجه عن مستقره.
* وقوله: (سمل أعينهم) قال أبو عبيد: والسمل أن تفقأ العين بحديدة محماة أو بغير ذلك، وقد يكون السمل بغير ذلك مثل الشوك وغيره.
قال الخطابي: وسمر لغة في سمل، والراء واللام قريبتا المخرج، وقد يكون السمر من المسمار، يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت بالنار.
* وقوله: (أترضون نفل خمسين) أي أيمانهم بالبراءة من قتله.
* وقوله: (قد خلعوا) أي انتفوا منه. والريف: الخصب. والذود من الإبل: هو من الثلاثة إلى العشرة. والكدم: العض بأدنى الفم.
* وفيه من الفقه ما يدل على أن التداوي جائز.
* وفيه دليل على أن الرجل إذا استوخم أرضًا له الخروج عنها.
* وفيه دليل على جواز التداوي بأبوال الإبل على ما فيه من الخلاف في نجاسته أو طهارته.
* وفيه ما يدل على (١٧٠/ب) عظم شأن اليمين الفاجرة، وأن الله تعالى أحل بهم من المثلات ما يعتبر به كل معتبر.
[ ٥ / ١٦١ ]
-١٥٨٦ -
الحديث التاسع والستون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الحب المحمود بالشرع لا بالطبع، وأنه لا ينبغي لمؤمن أن يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله تعالى. فعلى هذا لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يكون رسول الله - ﷺ - أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين.
* ثم ينزل المؤمن من الصحابة والأخيار على ذلك، فإن الحب في الله والبغض في الله، أوثق عرى الإيمان، فأما من يحب ولده فإن ذلك مما قد جبل عليه الله البشر، من حيث أن الله سبحانه جعله سببًا لرعاية النسب وإلا فلو آفاق الوالد لمعنى الولد وإنه خلف منه يسلبه ماله وداره ومكانه لكان من أبغض الأشياء إليه؛ ولكن الله تعالى جبل الخلق على الغفلة على هذا حتى ربى الأطفال في حجور آبائهم؛ فإن عرض للمؤمن الحب الطبعي اعتراضًا يؤثر عنده في الحب الشرعي فمتعين عليه أن يجاهده ويدفعه.
-١٥٨٧ -
الحديث السبعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما
[ ٥ / ١٦٢ ]
يحب لنفسه).
وفي رواية لمسلم: (لأخيه أو قال: لجاره-ما يحب لنفسه).
وفي رواية لهما: (والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره -أو لأخيه-ما يحب لنفسه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فينبغي له أن يحب له ما يحب لنفسه من حيث أنهما نفس واحدة، ومصداقه الحديث السابق: (المؤمنون كالجسد الواحد)، ومن أفحش الأحوال أن يرى في موطن ضانًا على أخيه بأعمال الخير، إذا لم يوفق هو لها كما جرى لابني آدم، فإنه قتله من أجل أن تقبل الله قربانه، فإنه قال له: ﴿لأقتلنك﴾ فلم يجبه المؤمن إلا أن أخبره بالعلة التي رد قربانه هو لأجلها ما هي؟ وهي وقوله: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ أي فلو اتقيت الله لتقبل منك قربانك، ثم قال له: ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني (١٧١/أ) ما أنا ببساط يدي إليك لأقتلك﴾.
يعني إن بسطت يدك لم أبسط يدي ليثبت عندك أني من المتقين دونك، فإنك لم تقتلني إلا من أجل أن الله قبل قرباني. وعلى هذا خرج قوله: ﴿إني
[ ٥ / ١٦٣ ]
أريد أن تبوء بإثمي وإثمك﴾ ليظهر للناس إلى يوم القيامة أن الله سبحانه لم يرد قربانك إلا لعلمه فيك أنك مستحق للرد عليك، وقد رضيت أن أقتل أنا في إقامة عذر القدر في أنه لم يقبل قربانك لكونك أهلا للرد.
-١٥٨٨ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن أنس، قال: (ألا أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، لا يحدثكم أحد بعدي سمعته منه، أن من أشراط الساعة: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويشرب الخمر، ويذهب الرجال ويبقى النساء حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد).
وفي رواية: (ويقل الرجال ويكثر النساء)].
* في هذا الحديث من الفقه أن قدر الله تعالى قد سبق أن يكون خراب الأرض عقيب كثرة الفساد فيها، وأنه إذا رفع العلم ووضع الجهل، ومعنى رفع العلم هو إطراح العمل به وهجرانه، وأن توضع قوانين الجهل في أمكنة العلم، فيكون العمل بها لا به، والتحكيم لها لا له، وأن تشرب الخمور ويكثر
[ ٥ / ١٦٤ ]
الزنا فتختلط الأنساب، وتضيع الحقوق، وتكون الأحوال والأمور صادرة عن آراء النساء، فيقل الرجال في الرجال أن يقل الرجال الذين يستحقون تسمية الرجال، قال الشاعر:
وإنما رجل الدنيا وواحدها من لا يعول في الدنيا على رجل
فإذا قل الرجال وكثر النساء فترحمن فذلك حين خرب الأرض
* وأشراط الساعة: علاماتها.
-١٥٨٩ -
الحديث الثاني والسبعون:
[عن أنس، قال: قال النبي - ﷺ -: (إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه).
وفي رواية: (أو تحت رجله، ولكن عن شماله تحت قدمه).
وفي رواية للبخاري: (أن النبي - ﷺ - رأي (١٧١/ب) نخامة في القبلة، فشق عليه ذلك، حتى رئي في وجهه، فقام فحكه بيده، فقال: إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما يناجي ربه، فإن ربه بينه وبين القبلة، فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه. ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه، ورد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا).
وفي رواية: (بزق النبي - ﷺ - في ثوبه).
وفي رواية: (أن أحدكم إذا صلى يناجي ربه، فلا يتفلن عن يمينه؛ ولكن تحت قدمه اليسرى).
[ ٥ / ١٦٥ ]
وفي رواية: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه كالكلب، وإذا بزق فلا يبزقن بين يديه، ولا عن يمينه؛ فإنه يناجي ربه)].
* قد سبق الكلام في هذا الحديث، وفيه ما يدل على طهارة البزاق لأنه رد بعض الثوب على بعض وفركه حتى لا يبقى له جرم.
* وفيه من الفقه أن السجود إنما هو مقام تذلل وحرمة فإذا اعتمد الإنسان فيه على الأرض، وبسط ذراعيه فقد أراح ذراعيه من نصب الانتصاب.
-١٥٩٠ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن أنس، قال قال النبي - ﷺ -: (البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)].
* قد ذكر هذا آنفًا، وإنما قال كفارتها دفنها، فإن الكفارات عن الخطايا
[ ٥ / ١٦٦ ]
بحسبها، فإن هذا الذي يبصق في المسجد إذا تدارك ما فعل إما أن يكون فعله ناسيًا فلما ذكر عظم ذلك عنده أو أن يكون فعله مع الذكر فهو خطأ يكفي في كفارته دفنه.
-١٥٩١ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن أنس، قال: قال النبي - ﷺ -: (سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة).
وفي رواية: (أتموا الصفوف، فإني أراكم خلف ظهري) ومنهم من قال فيه: (أقيموا الصفوف).
وفي رواية: (أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله - ﷺ - بوجهه، فقال: (أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري).
قال أنس: (وكان الرجل يلزق منكبه بمنكب، وقدمه بقدمه)].
* أما تسوية الصفوف فقد سبق الكلام فيها.
[ ٥ / ١٦٧ ]
* وقوله: (أراكم من وراء ظهري) خصيصة خص بها النبي - ﷺ -.
-١٥٩٢ -
الحديث الخامس والسبعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: (أقيموا الركع والسجود، فوالله إني لأراكم من بعدي -وربما قال: من بعد ظهري إذا ركعتم (١٧٢/أ) وسجدتم).
وفي رواية: (أتموا الركوع والسجود، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري، إذا ما ركعتم وإذا ما سجدتم).
وفي رواية لمسلم: (أتموا الركوع والسجود).
وفي رواية: (أقيموا الركوع والسجود فإني أراكم)].
* قد سبق هذا الحديث في الذي قبله.
-١٥٩٣ -
الحديث السادس والسبعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسطن
[ ٥ / ١٦٨ ]
أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)].
* هذا بعض الحديث الثاني والسبعين، وقد سبق قبل ثلاثة أحاديث.
-١٥٩٤ -
الحديث السابع والسبعون:
[عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة على وزن نواة من ذهب؛ وأن النبي - ﷺ - قال: (أولم ولو بشاة).
وفي رواية: (قدم عبد الرحمن بن عوف، فآخى النبي - ﷺ - بينه وبين سعد ابن الربيع الأنصاري، وعند الأنصاري امرأتان، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فأتى السوق، فربح شيئًا من أقط، أو شيئًا من سمن، فرآه النبي - ﷺ - بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال: مهيم، يا عبد الرحمن؟ فقال: تزوجت أنصارية، قال: فما سقت؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال: (أولم ولو بشاة).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - رأى عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، قال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله، إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب، قال: فبارك الله لك أولم ولو بشاة)].
[ ٥ / ١٦٩ ]
* هذا الحديث قد تقدم في مسند عبد الرحمن بن عوف.
* وقد ذكر أبو عبيد: إن النواة في الوزن خمسة دراهم.
وقال الخطابي: هو اسم معروف لمقدار معلوم، قال: ويشبه أن تكون النواة ووزن خمسة دراهم ذهبًا كان أو فضة.
والوليمة: الإطعام عند العرس.
* وقوله: (يناصفه أهله وماله) أي يأخذ نصف ذلك.
والوضر: لطخ من خلوق أو طيب له لون؛ وذلك من فعل العروس إذا بنى بأهله، وقد يكون الوضر من الصفرة والحمرة والطيب والزهومة، وقوله: (مهيم): قال أبو عبيد: هي كلمة يمانية، ومعناها ما أمرك، وما الذي
[ ٥ / ١٧٠ ]
أرى بك؟
-١٥٩٥ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن أنس، (أن النبي - ﷺ - (١٧٢/ب) رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير، لحكه بهما).
وفي رواية: (أن عبد الرحمن والزبير شكوا إلى رسول الله - ﷺ - القمل، فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما).
وفي رواية: (أنهما شكيا إلى رسول الله - ﷺ - القمل، فرخص لهما في الحرير فرأيته عليهما في غزاة).
وفي رواية: (رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في القمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما أو وجه كان بهما)].
* إنما حرم الحرير لأجل الخيلاء والزينة، وهو لبس النسوان، فإذا عرض للرجل مرض كالحكة صار يلبسه تداويًا، فذهب المعنى الذي حرم لأجله، وكذلك في القتال، فإنه يشغل الإنسان تلك الحال عن النظر إلى نفسه، ولكونه أقوى الثياب حرمًا في الحرب، فهو أدفع للأذى.
[ ٥ / ١٧١ ]
* وفي هذا الحديث ما يبيح التداوي.
-١٥٩٦ -
الحديث التاسع والسبعون:
[عن أنس أن النبي - ﷺ - أتي بلحم تصدق به على بريرة، فقال: (هو عليها صدقة، وهو لنا هدية).
وفي رواية: (أهدت بريرة إلى رسول الله - ﷺ - لحمًا تصدق به عليها، فقال: (هو لها صدقة، ولنا هدية)].
* هذا حديث بريرة سيأتي مشروحًا في مسند عائشة ﵂.
-١٥٩٧ -
الحديث الثمانون:
[عن أنس، (أن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر ﵄، كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين).
وفي رواية: (صليت مع أبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم).
[ ٥ / ١٧٢ ]
وفي رواية لمسلم: (أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك).
وفي رواية لمسلم: (صليت خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃؛ فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا آخرها)].
* قوله: (كانوا يفتتحون بالحمد لله) أي بهذه السورة.
* وقوله: (فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) فهذه حجة من لا يرى الجهر بها. ويحتمل أن يكون ذلك قصد به أنس أنهم كانوا إذا قرأوا من أثناء السورة، ولم يقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم.
وأما الرواية التي انفرد بها مسلم فهي حجة لمن يرى الجهر بها أيضًا، وقيل: إن ذلك كان كتابًا من قتادة إلى الأوزاعي (١٧٣/أ) من غير مشابهة.
-١٥٩٨ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن انس، قال: (كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي - ﷺ - فرسًا من أبي طلحة، يقال له: المندوب، فركب، فلما رجع، قال: (ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرًا).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ -: أحسن الناس وجهًا، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس
[ ٥ / ١٧٣ ]
قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله - ﷺ -، وقد سبقهم إلى الصوت).
وفي رواية: (وقد استبرأ الخبر، وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف، وهو يقول: (ما تراعوا) فقال: وجدناه بحرًا-أو أنه لبحر) قال: (وكان فرسًا يبطأ).
وفي رواية: (استقبلهم النبي - ﷺ - على فرس عري، ما عليه سرج، في عنقه سيف).
وفي رواية: (أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي - ﷺ - فرسًا لأبي طلحة كان يقطف -أو كان فيه قطاف-فلما رجع قال: وجدنا فرسكم هذا بحرًا، وكان بعد لا يجارى).
وفي رواية: (فزع الناس، فركب رسول الله - ﷺ - فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فقال: لم تراعوا، إنه لبحر، فما سبق بعد ذلك اليوم)].
[ ٥ / ١٧٤ ]
* في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله - ﷺ - كان أشجع الناس، كما كان أجود الناس؛ مثل ما كان أحسن الناس، فيجمع الله تعالى له المحاسن في الخلق والخلق.
* فأما خروجه بنفسه عند فزع أهل المدينة وإسراعه حتى ركب فرس أبي طلحة، فإنني أرى فيه أنه - ﷺ - أراد بذلك أن يشعرهم أن الحال في مثل هذه على مثال النفير، فلا يحبس أحد نفسه على إخراج رجل، ولا استصحاب خيمة، ولا إسراج فرس، لأنه ركب الفرس معروريًا.
ومثل هذا الفزع إنما يكون في الغارات، وإذا مكث الإنسان في الغارة نال المغير ما يبغيه، فأراد رسول الله - ﷺ - أن يشعر المسلمين إلى يوم القيامة أن تدبير مثل هذا الحال هذا التدبير، وهو أن يركب كل إنسان من مكانه، وإن لم يكن الفرس مسرجًا ركبه معروريًا.
* وعلى أن الله تعالى جعل معارف الخيل قائمة لفرسانها مقام (١٧٣/ب) لجمها، بل أوكد فهي يستمسك بها الفارس عند اقتضاء الحال زيادة الإسراع ولو لم يكن بدأ بالخروج لظن ظان في مثل هذه الحال هذا التدبير، وهو أن يركب كل إنسان من مكانه تمييز لقومه دون قوم فأشعر بما صنع أن هذا تدبير مثل هذه الحال، ومن إبانة الدلالة على صدق نبوته إسراع الفرس وسبقه وقد كان يبطأ.
* وقوله: (وجدناه بحرًا) وصف للفرس بسرعة الجري، وإنما أسرع العود إلى الناس، ليعلمهم أنه ليس ثم روع فيسكنوا.
[ ٥ / ١٧٥ ]
-١٥٩٩ -
الحديث الثاني والثمانون:
[عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا؛ وله على الأرض من شيء، إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة).
وفي رواية: (لما يرى من فضل الشهادة)].
* في هذا الحديث من الفقه، أن الشهيد قد بلغ من فضل الله تعالى إلى أن تقطعت الأماني فلم يبق لأمنية تمناها بشر عنده منفذة، لذلك لما كرر عليه السؤال، وقيل: لابد أن يسأل لم تبق له أمنية فعدل إلى أن يرجع إلى الدنيا فيستشهد ليشكر بذلك بعض ما عنده من النعم؛ وذلك أن الشهيد رأى من كرامة الله تعالى ما لا قبل له بشكره، ثم ذكر حينئذ قتله في سبيل الله فوجد لذة وروحًا؛ لأنه اتخذ تسليم نفسه للقتل في سبيل الله عند الله تعالى يدًا، فرفعت هذه الحالة رأس خجلة من قلة الشكر، فلم يجد غير طلب الإعادة؛ فلما رأى الله ﷿ أنه إنما يطلب شيئًا لأجل الله لا لأجله لم يجبه إليه، ورده ردًا لطيفًا: بأن قال: سبق مني أنهم إليها لا يرجعون.
* وفي هذا الحديث من الفائدة أن الله تعالى أعلمنا أن الشهداء أعطوا حتى لم يبق لواحد منهم في الوجود أمنية لها منفذ.
[ ٥ / ١٧٦ ]
-١٦٠٠ -
الحديث الثالث والثمانون:
[عن أنس (أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس سيكثرون ويقلون، فاقلبوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم).
وفي رواية: (مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس رسول الله - ﷺ - منا، فدخل على النبي - ﷺ -، فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي - ﷺ - وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: (١٧٤/أ) فصعد النبي - ﷺ - على المنبر-ولم يصعده بعد ذلك اليوم-فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم)].
* الكرش: الجماعة من الناس، فكأنه - ﷺ - قال: الأنصار جماعتي الذين أثق فيهم، وأعتمد عليهم في أموري.
* وهذا دليل على فضيلة الأنصار.
* وفيه إشارة إلى أنهم ليس لهم في الخلافة شيء، لأنه أوصى بهم لا إليهم.
* وقوله: (وعيبتي) أي موضع سري؛ لأن الإنسان يضع في عيبته خير متاعه.
[ ٥ / ١٧٧ ]
-١٦٠١ -
الحديث الرابع والثمانون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة).
ومنهم من قال: (فأصلح الأنصار والمهاجرة).
ومنهم من قال: (فأكرم الأنصار والمهاجرة).
وفي رواية: (عن أنس، قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى الخندق، فإذا المهاجرين والأنصار يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وفي رواية: (كانت الأنصار يوم الخندق، تقول:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
فأجابهم النبي - ﷺ -:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة
وفي رواية: (جعل المهاجرون يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب على متونهم، وهم يقولون:
[ ٥ / ١٧٨ ]
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
قال، يقول النبي - ﷺ -:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فبارك في الأنصار والمهاجرة
قال: فيؤتون بملء كف من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منكرة)].
* قال أبو عبيد: الإهالة: كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به خاصة مثل الزيت والألية المذابة، والسنخة: المتغيرة. والبشع: الكريه الطعم.
* والمراد أنهم كانوا يأكلون على الجوع ما (١٧٤/ب) حضر لموضع الأعواز، فإذا لم يعوز فلا ينبغي أكل السنخ من الأدهان لأنه يقارب السموم، وإن بم يقتل فإنه يؤذي لاسيما إذا أفرد فأما إذا كان مع طعام غيره قرب أمره.
[ ٥ / ١٧٩ ]
* وما فيه من استشهاد النبي - ﷺ - من الشعر، تقدم تفسيره.
-١٦٠٢ -
الحديث الخامس والثمانون:
[عن أنس قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله - ﷺ - أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد-يعني: ابن ثابت، قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: بعض عمومتي).
وفي رواية: (مات النبي - ﷺ - ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه).
وفي رواية: (مات أبو زيد، ولم يترك عقبا، وكان بدريا)].
* لم يختلف الرواة في أن الذين جمعوا القرآن في حياة الرسول - ﷺ - أربعة رجال، وهي غاية الشهادة، وقد ألحق قوم بهم غيرهم، والصحيح هذا.
-١٦٠٣ -
الحديث السادس والثمانون:
[عن أنس، قال: قال النبي - ﷺ - لأبي: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لم
[ ٥ / ١٨٠ ]
يكن الذين كفروا﴾ قال: وسماني. قال: نعم، فبكى).
وفي رواية: (أنه لم يسم سورة، وقال: الله سماني لك؟ قال: لله سماك لي؟ قال: فجعل أبي يبكي).
وفي رواية للبخاري: (أن النبي - ﷺ - قال لأبي بن كعب: (إن الله أمرني أن أقرئك القرآن، قال: الله سماني لك؟ قال: نعم، قال: وقد ذكرت عند رب العالمين؟ قال: نعم، فذرفت عيناه)].
* في هذا الحديث ما يدل على أنه لا يجوز أن يتكبر كبير أن يقرأ على صغير، ولأن سماع القرآن عبادة؛ كما في القراءة له، ويجوز أن يكون مراد الله ﷿ من قراءة النبي - ﷺ - على أبي أن يعلمه كيف يقرأ؛ ولهذا جاء في نطق له: قرأ عليه.
وفي رواية: (أن أبيا قرأ على النبي - ﷺ -). وقد ذكر-هناك-فإن أبيا استعظم عظيما، وهو أنه فهم من هذه الحال أن الله ﷾ أمر رسوله - ﷺ - أن يقرأ على أبي، وذلك فيه من تخصيص أبي بأن يقرأ عليه رسول الله - ﷺ - دون غيره من الصحابة، وهذا فإنه إذا كان ليعلمه كيف يقرأ أبي على رسول الله - ﷺ - فإنه من جهة التصوير في (١٧٥/أ) التعليم بالغ في التشريف
[ ٥ / ١٨١ ]
من حيث أنه قد رأى حال أبي مكتفية في تعلم الدراسة والتجويد التي منها: الإثبات، والحذف، والحركة، والسكون، والروم، والإشمام، والتحقيق، والتسهيل، والإمالة، والإدغام، والمد، واللين، والترقيق، والتفخيم، والإظهار، والإخفاء، وجميع وجوه القراءات فإنها أربعة عشر تجري مجاري التصريف-أنه يقنعه من تعلم ذلك كله أن يقرأ ذلك عليه رسول الله - ﷺ - فيتعلم ذلك مرة واحدة.
-١٦٠٤ -
الحديث السابع والثمانون:
[عن أنس، قال: (انشق القمر فرقتين).
وفي رواية: (سأل أهل مكة أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر)].
* قد سبق ذكر انشقاق القمر في مسند ابن مسعد وغيره.
-١٦٠٥ -
الحديث الثامن والثمانون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: (لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل،
[ ٥ / ١٨٢ ]
قال: وما الفأل؟ قال: كلمة طيبة).
وفي رواية: (ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة).
وفي رواية: (الكلمة الحسنة، الكلمة الطيبة)].
* لا يجوز أن يقول قائل: أعداني مرض فلان، ولا يجوز التطير وكل ذلك تخيلات فاسدة.
* وأما الفأل فقد فسره أن الكلمة الطيبة يسمعها المسلم فيستدل بها على ما يسره، والمعنى في ذلك أن الشرع نهى عن الطيرة والتشاؤم، واستحب التفاؤل لأن الفأل حسن ظن بالله تعالى، والطيرة سوء ظن به ﷿. قال الله تعالى مخبرا عن نبيه صالح ﵇ أنه قال: ﴿لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة﴾ فأجابوه: ﴿قالوا اطيرنا بك﴾، وكل أمارة دلتك على خير من عند الله فاقبلها فإنه أهل كل خير، وكل أمارة أوهمك الشيطان أنها تدل على خلاف الجميل من ربك ﷾ فلا تركن إليها، فإنه لا يحل لمؤمن أن يسيء الظن بربه ﷿.
[ ٥ / ١٨٣ ]
-١٦٠٦ -
الحديث التاسع والثمانون:
[عن أنس، قال: قالت أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له فيهما أعطيته).
وفي رواية: (دخل النبي - ﷺ - على أم سليم، فأتته بتمر وسمن، فقال: أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، ثم قام إلى ناحية البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم وأهل بيتها، فقالت أم سليم: (١٧٥/ب) يا رسول الله، إن لي خويصة، قال: ما هي؟ قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخره ولا دنيا إلا دعا به: اللهم ارزقه مالا، وولدا، وبارك له) فإني لمن أكثر الأنصار مالا، وحدثتني ابنتي أمينه: أنه دفن لصلبي إلى مقدم الحجاج البصرة: بضع وعشرون ومئة).
وفي رواية: (أن أم سليم قالت: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع الله له).
وفي رواية: (دخل النبي - ﷺ - علينا، وما هو إلا أنا، وأمي، وأم حرام خالتي، فقال: قوموا، فلأصلي لكم، في غير وقت صلاة، فصلى بنا-فقال رجل لثابت: أين جعل أنسا منه؟ قال: جعله على يمينه ثم دعا لنا أهل البيت بكل خير من خير الدنيا والآخرة، فقالت أمي: يا رسول الله، خويدمك، ادع الله له، قال: فدعا بكل خير، وكان في آخر ما دعا لي أن قال: (اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه).
[ ٥ / ١٨٤ ]
وفي رواية: (جاءت بي أمي-أم سليم-إلى رسول الله - ﷺ - قد أزرتني بنصف خمارها وردتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله، هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له، فقال: (اللهم أكثر ماله وولده. قال: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المئة اليوم).
وفي رواية: (مر رسول الله - ﷺ -، فسمعت أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أنيس، فدعا لي رسول الله - ﷺ - بثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة)].
* في هذا الحديث من الفقه جواز الدعاء لشخص معين، كما سألت أم سليم أن يدعو لولدها أنيس.
* وفيه ما يدل على كثرة المال والولد ليس بمكروه على الإطلاق؛ ولكنه قد يكون سبيل خير وبركة وفلاح، فإن رسول الله - ﷺ - لم يكن يدعو لأنس إلا لما فيه الخير لدينه، ولاسيما قد بلغ ولده على ما يزيد على مئة مسلم، فهؤلاء يدخل الوالد بواحد منهم الجنة.
* وفيه دليل على أن أنسا من المغفور لهم لأنه قال: أرجو الثالثة في الآخرة،
[ ٥ / ١٨٥ ]
وما كان رسول الله - ﷺ - ليخيب.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - دعا لأنس بما رآه هو - ﷺ - ولم يكله إلى اختيار غيره، فإنه لم يأت عن أن سليم أنها التمست الدعاء لولدها لولد ولا بمال، ولكن فوضت ذلك إلى اختيار رسول الله - ﷺ -، فدعا له رسول الله - ﷺ - (١٧٦/أ) بدعوات فيها ذلك، فكان من بركة دعاء رسول الله - ﷺ - أنه لم يضره المال والولد.
* وفيه أيضا جواز أن يصلي النافلة في جماعة.
وقولها: خويصة أي حاجة تخصني.
-١٦٠٧ -
الحديث التسعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين، يعني إصبعيه).
وفي رواية: (قال قتادة في قصصه: كفضل إحداهما على الأخرى، فلا أدري أذكره عن أنس، أو قاله قتادة).
وفي رواية: (بعثت أنا والساعة كهذا، وقرن شعبة بين إصبعيه: المسبحة والوسطى، يحكيه).
وفي رواية: (وضم السبابة والوسطى)].
[ ٥ / ١٨٦ ]
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه.
-١٦٠٨ -
الحديث الحادي والتسعون:
[عن أنس، (أن النبي - ﷺ - ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريد نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر؛ فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر)].
* أما الكلام في الحدود فقد سبق، وأما الضرب بالجريد والنعال فإنه كان في أول الإسلام على وجه التأنيب والتوبيخ، ثم استقرت الحدود بالسياط.
[ ٥ / ١٨٧ ]
-١٦٠٩ -
الحديث الثاني والتسعون:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يهرم ابن آدم وتشيب فيه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر).
وفي حديث هشام: (يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال، وطول العمر)].
* إنما يشيب مع الآدمي هاتان الخصلتان لطول صحبته إياهما، وكثرة أنسه بهما، فكلما طال صحبتهما عسر الخلاص من حبهما، فيكون معنى قوله: تشبت أي تقوى فكأنه لما كبر هو ضعف، وكلما زادت صحبتهما له قويا.
-١٦١٠ -
الحديث الثالث والتسعون:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ﷿ ليس بأعور، مكتوب بين عينيه (ك ف ر».
وفي رواية: (الدجال مكتوب بين عينيه (ك ف ر) أي كافر).
وفي رواية: (الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه (كافر) ثم
[ ٥ / ١٨٨ ]
تهجاها (ك ف ر) يقرؤه كل مسلم)].
* قد سبق الكلام في هذا الحديث وذكر الدجال (١٧٦/ب)، وقد تقدم قولنا في على وجه الدجال بأنه كافر، وأنه يجوز أن يكون من الكتابة التي تقرأ بالحروف، وأنه يجوز أن يكون المعنى أن حاله من كفره بالله سبحانه، وعظيم أمره فيه يعرفه كل من يستقرأ أحواله أنه: كافر.
* وفي هجاء رسول الله - ﷺ - كافر بقول (ك ف ر) وأسقط الألف هاهنا قارئ في ذلك أنه لو كان المتهجي في ذلك بإثبات الألف لكان يدل على أنه كافر أي في المستقبل، لأن كافر اسم فاعل؛ وذلك يخص الاستقبال في الغالب، فلما أسقط الألف بقى كفر، فدل على أنه حكم - ﷺ - بكفره.
-١٦١١ -
الحديث الرابع والتسعون:
[عن أنس، أن نبي الله - ﷺ - كان يقول: (يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك).
وفي رواية: (يقول الله ﷿ لأهون أهل النار عذابا: لو كانت لك الدنيا وما فيها، أكنت مفتديا؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون
[ ٥ / ١٨٩ ]
من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك فأبيت إلا الشرك)].
* هذا الحديث يدل ويتضمن زيادة توبيخ الكافر، وتضعيف حسرته، فليحذر المؤمن من أن يرتكب ما يوجب حسرة، وذلك لأن الإيمان لا ضرر على المؤمن فيه؛ فإنه آمن العاجل والآجل قال الله تعالى: ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله﴾ فلما أشرك هذا العبد المشرك بربه مستعجلا بذلك الشر وعداوة المؤمنين، ومتأجلا شر الوعيد في غير ما بينة ولا متابعة هدى، كان خاسرا نفسه خسرانا؛ لما انكشف له في صورته كان يود أن لو كانت الدنيا كلها له لافتداه بها، وقد كان في الدنيا يمكنه أن يسلم من ذلك كله باختيار الأجود، وما تدعو إليه ضرورة العقل من تحصيل الأمن كما قال تعال: ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن﴾.
وقد شرحنا هذا مستقصى في حديث عياض بن حمار ﵁،
[ ٥ / ١٩٠ ]
إلا أن هذا على ما تدعو إلية ضرورة العقل فإنه يؤمن من سيوف المسلمين في الدنيا، ومن عذاب الله تعالى في الآخرة إذا كان إيمانا في إسلام، فأما إن كان إسلاما فقط بمعنى الاستسلام؛ فإنه يحتمي به من سيوف المسلمين في الدنيا (١٧٧/أ) ويكون غير محمي من عذاب الله في الآخرة إلا أن يتيقن صدق المرسلين فحينئذ تتم له السعادتان، وليس في ذلك خفاء على من أراد الله هدايته.
-١٦١٢ -
الحديث الخامس والتسعون:
[عن أنس (كان أحب الثياب إلى رسول الله - ﷺ - أن يلبسها الحبرة).
وفي رواية همام: قلنا لأنس: (أي اللباس كان أحب إلى رسول الله - ﷺ - أو أعجب لرسول الله - ﷺ -؟ قال: الحبرة)].
* الحبرة: ما كان من البرود مخططا موشيا.
وإنما كان رسول الله - ﷺ - يلبس ما قدر له فأخبر أنس لكثرة ما رآه يلبس ذلك أنه كان يحبه.
[ ٥ / ١٩١ ]
* والذي أراه أن كان يحبه - ﷺ - لقوة هذا الجنس من الثياب، وصبره على الاستعمال؛ ولكونه أيضا ليس بالغاية في البياض، فيؤثر فيه القليل من الدنس، ويحتاج إلى معاناة في غسله، فمفهوم هذا الكلام أن رسول الله - ﷺ - كان يعجبه من الثياب ما ينافي أثواب المترفين.
-١٦١٣ -
الحديث السادس والتسعون:
[عن أنس، (أن النبي - ﷺ - ومعاذ رديفه على الرحل، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، ثلاثا قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، صدقا من قلبه، إلا حرمه على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما).
وفي رواية: (عن أنس قال: ذكر لي أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ: من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، قال: ألا أبشر الناس؟ قال: أخاف أن يتكلوا)].
* هذا الحديث قد تقدم في مسند معاذ، وتكلمنا عليه هنالك.
[ ٥ / ١٩٢ ]
-١٦١٤ -
الحديث السابع والتسعون:
[عن أنس، قال: (كان النبي - ﷺ - لا يرفع يديه في شيء من دعائه، إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه).
وفي رواية لمسلم: (رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء)].
* هذا الحديث (١٧٧/ب) يدل على أن رفع اليدين في الدعاء مستحب،
[ ٥ / ١٩٣ ]
ورفع اليدين مناسب لذل الطالب ولإظهار فاقته وحاجته.
-١٦١٥ -
الحديث الثامن والتسعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى وذهب عنه أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم،-وفي رواية: خفق نعالهم-إذا انصرفوا، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي - ﷺ -: (فيراهما جميعا. قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره-ثم نرجع إلى حديث أنس: وأما الكافر-أو المنافق-وفي رواية: وأما المنافق والكافر-فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين).
وفي رواية قال قتادة: (وذكر لنا: أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا، ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون)].
* في هذا الحديث دليل على وجوب الإيمان بمنكر ونكير، وأنهما ينزلان إلى كل عبد في قبره، وهو أول بلوى الآخرة.
[ ٥ / ١٩٤ ]
* وفيه ما يدل على أن من كان إيمانه تقليدا، وأنه كان يقول كلمة الحق كما يقول الناس من غير تيقن بها، فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة.
* وقوله: (لا تليت) قال ابن السكيت: بعضهم يقول: فلا تليت ترويحا للكلام، وقال ابن قتيبة: هو غلط، قال يونس البصري: إنما هو فلا أتليت يدعو عليه أن يبلى إبله، أي لا يكون لها أولاد تتلوها أي تتبعها، قال: وقال غيره: ولا أتليت على وزن اعتليت من قولك: ما ألوت هذا ولا استطعته.
* قوله: (يسمع قرع نعالهم) أي إذا بعدوا عنه، لأنه قد نهي عن لبس النعال بين القبور.
* وقوله: (ومن يليه) يعني من الأموات، إذا لو سمع ذلك الأحياء لم يبق للإيمان بالغيب معنى.
قوله: (وتملأ عليه خضرا) الخضر: كل شيء ناعم غض طري.
-١٦١٦ -
الحديث التاسع والتسعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العرش-وفي رواية: رب العزة-فيها قدمه (١٧٨/أ)، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل، حتى ينشئ الله فيها خلقا، فيسكنهم فضل الجنة).
[ ٥ / ١٩٥ ]
وفي رواية: (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العزة قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض).
وفي رواية لمسلم: (يبقى في الجنة ما شاء الله أن يبقى، ثم ينشئ الله لها خلقا مما يشاء)].
* قد سبق هذا الحديث، وتكلمنا عليه وعلى أمثاله، وبينا أن الأصوب إمرار هذه الأحاديث كما جاءت من غير تمثيل ولا تشبيه ولا مساكنة خيال، إلا أن هذا الحديث يدل على أن الله ﷾ يسلط النار في الآخرة تسليطا لولا أنه سبحانه ينزعها هو ﷻ، لأكلت جميع الوجود من السموات والأرض والجن والإنس وسائر الجميع.
-١٦١٧ -
الحديث المائة:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، فلا كفارة لها إلا ذلك).
وفي رواية: (قال نبي الله - ﷺ -: (من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها
[ ٥ / ١٩٦ ]
أن يصليها إذا ذكرها، فإن الله ﷿ يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ (سورة طه: الآية ١٤»].
* قد سبق هذا الحديث في مواضع.
-١٦١٨ -
الحديث الأول بعد المائة:
[عن أنس (أن رسول الله - ﷺ - اعتمر أربع عمر، كلها في ذي القعدة، إلا التي مع حجته، عمرة من الحديبية-أو زمن الحديبية-في ذي القعدة، وعمرة في العالم المقبل في ذي القعدة، وعمرة في حجته).
وفي رواية عن قتادة قال: (سألت أنسا، كم حج النبي - ﷺ -؟ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر)].
* هذا الحديث يدل على استحباب الاعتمار في ذي القعدة، ليتبع المعتمر
[ ٥ / ١٩٧ ]
عمرته بالحج في الشهر التالي.
-١٦١٩ -
الحديث الثاني بعد المائة:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - كان يضرب شعره منكبيه).
وفي رواية عن قتادة قال: سألت أنسا، كيف كان شعر رسول الله - ﷺ -؟ قال: (كان شعرا رجلا، ليس بالجعد ولا بالسبط، بين أذنيه وعاتقه - ﷺ -).
وفي رواية لمسلم: (كان شعر (١٧٨/ب) رسول الله - ﷺ - إلى أنصاف أذنيه)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر وبينا أن السنة ترك الشعر أن حلقه جائز، وإنما المكروه أن يحلق بعضه ويترك بعضه.
-١٦٢٠ -
الحديث الثالث بعد المائة:
[عن أنس قال: قال رسول لله - ﷺ -: (لله أفرح بتوبة أحدكم، من رجل
[ ٥ / ١٩٨ ]
سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة).
وفي رواية: (لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلت منه وعليها طعامه وشرابه فآيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظليها-قد أيس من راحلته-فبينما هو كذلك، إذا هي بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي أنا ربك، فأخطأ من شدة الفرح)].
* قد يبق هذا الحديث في مسند ابن مسعود وغيره.
* وقوله: (أيس)، كذا وقع في الرواية والصواب فأيس، وهذا يدل على أن الفرح قد يستزل صاحبه حتى يقول غير ما في قلبه إلا أنه يعذر للعلم بأن حاله تلك مغيرة عملهم.
* وهذا قد تقدم ما ذكرنا فيه من أنه إذا نظر منه صيغة الحديث فإنه لا يمكن أن يحمل إلا على ما ذكره رسول الله - ﷺ - من التمثيل إلا أنه مقام عظيم، وكل من فاء إلى طاعة الله سبحانه-بعد مروق منها-فإنه يأتي ذلك من فرح ربه سبحانه بعوده إلى طاعته إلى المبلغ الذي يمثل الإنسان نفسه له لو لم يكن له في الوجود عبد غيره؛ كما أن المضل راحلته لم يكن له في مقامه في حالته تلك سوى راحلته تلك، وأنه قد كان بإباقه على ربه قد أشعر ظن إبليس بتصديقه له، فكان ذلك في مقام فلح إبليس حيث: ﴿قال أرأيتك هذا الذي كرمت على﴾
[ ٥ / ١٩٩ ]
فصار هذا الآبق شمتا إبليس بآدم الذي خلقه الله سبحانه بيده، وأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، فكان حال كل مؤمن في وفد إباق من يأنف من ذرية آدم عن طاعة ربهم سبحانه بمرى من العدو الذي قد أخبر الله ﷿ فإن النظرة له إلى يوم القيامة سبقت فيعود حالهم في مثل الفرية والمصيبة للمؤمنين كلهم؛ فإذا رجع كان (١٧٩/أ) في المعنى، وتلك الضالة الذي يفرح المؤمنون كلهم بعودها إليهم ووجدانهم لها؛ فلذلك الذي يفرح الله ﷿ به.
-١٦٢١ -
الحديث الرابع بعد المائة:
[عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله، يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة).
قال قتادة: بلى، وعزة ربنا)].
* في هذا الحديث دليل على أن العالم يتوصل إلى تفهيم المتعلم بالنزول من رتبة فصاحته إلى مقدار فهم السائل المتعلم، فإن هذا الجواب من رسول الله - ﷺ - تضمن إقامة دليل على أن من استبعد الحشر على الوجه؛ فإما أن يكون قد حضر عند رسول الله - ﷺ - من الأعراب من استبعد الحشر على الوجه؛ فسأل عنه،
[ ٥ / ٢٠٠ ]
فقال النبي - ﷺ - كذلك جوابا عنه، وأن رسول الله - ﷺ - أن هذا الحديث سينقل عنه إلى يوم القيامة، وقد سمعه من يقف على الحشر، ويستبعد الأمر فيه، فأودع رسول الله - ﷺ - الحديث الدواء للمرض الذي جوز حدوثه في قلوب سامعيه، وذلك أنه قل: (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)، وذلك أن مشي الإنسان على رجليه إذا نظر الإنسان فيه، وفكر في القدرة في مطاويه سلم لفاعلها ﷻ نفاد القدرة على كل شيء على الإطلاق.
-١٦٢٢ -
الحديث الخامس بعد المائة:
[عن أنس قال: (أهدي لرسول الله - ﷺ - جبة من سندس-وكان ينهي عن الحرير-فعجب الناس منها، فقال: (والذي نفس محمد بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا).
وفي رواية: (أن أكيدر ردومة أهدى)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه، ولم يختلف المفسرون أن السندس
[ ٥ / ٢٠١ ]
هو رقيق الديباج.
-١٦٢٣ -
الحديث السادس بعد المائة:
[عن أنس قال: قال النبي - ﷺ - (١٧٩/ب): (ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل من طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى يحتسب للعبد أعمال البر مضاعفة وبما ينتهي إليه، وكل ما يبلغ من مبالغها، فإن من غرس شجرة كان له ثواب كل من أكل منها، واستظل بظلها، أو اهتدى في الطريق بها أو غير ذلك، فكذلك إذا زرع زرعا.
* وفيه أيضا أنه إن أكل من ذلك آدمي حسب بذلك صدقة؛ وكذلك إن أكل منه طائر أو بهيمة؛ لأن الكل خلق الله تعالى، وقد اعتدوا من شيء قد كان للآدمي فيه نية صالحة فربح هو في ذلك.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
* قوله: (يهادى بين اثنين)، أي يمشي معتمدا عليهما لضعفه، وهذا الرجل قد كان نذر أن يمشي، ولم يرد في هذا الحديث مشيه إلى أمد معلوم كالكعبة ونحوها، بل نذر أن يمشي فلما رآه قد مشى ما ينطق عليه اسم المشي أمره بالركوب لخلوصه من نذره بموجب كلامه، وأنه قد خرج منه.
-١٦٢٦ -
الحديث التاسع بعد المائة:
[عن أنس، قال: (واصل رسول الله - ﷺ - في آخر شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: (لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا، يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي-أو قال: لست مثلكم-إني أظل يطعمني ربي ويسقيني).
وفي رواية: (لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كأحد منكم، إني أطعم أسقى-أو: أني أبيت أطعم وأسقى).
وفي رواية عن أنس قال: (كان رسول الله - ﷺ - يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء رجل فقام أيضا، حتى كنا رهطا، فلما أحس النبي - ﷺ - أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رحله يصلي صلاة لا يصليها عندنا، قال: فقلنا له حين أصبحنا: أفطنت لنا الليلة؟ قال: فقال نعم، ذلك الذي حملني (١٨٠/أ) على الذي صنعت، قال: فأخذ يواصل رسول الله - ﷺ -، وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون،
[ ٥ / ٢٠٣ ]
فقال النبي - ﷺ -: (ما بال رجال يواصلون، إنكم لستم مثلي، أما والله لو تمادى لي الشهر لواصلت وصالا، يدع المتعمقون تعمقهم)].
* هذا الحديث قد سبق، والتعمق: طلب عمق الشيء بمكان ما لا يلزم.
-١٦٢٧ -
الحديث العاشر بعد المائة:
[عن ثابت، قال: (مر أنس على صبيان فسلم عليهم، وقال: كان النبي - ﷺ - يفعله)].
* في هذا الحديث دليل على استحباب تسليم الرجل على الصبيان إذا مر عليهم، وإذا سلم عليهم قال: سلام عليكم يا صبيان. والمراد من التسليم عليهم أنه لا يحقر الصبي ربما خرج عالما أو عابدا، وكأن المسلم رأى بعين إيمانه منتهى أحدهم، ثم إن ذلك يكون سببا لتعلم الصبي ذلك، فكأنه أودع تلم السنة من يغلب على ظنه أنهم أطول منه عمرا.
-١٦٢٨ -
الحديث الحادي عشر بعد المائة:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف
[ ٥ / ٢٠٤ ]
به)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند ابن مسعود وغيره
-١٦٢٩ -
الحديث الثاني عشر بعد المائة:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (الصبر عند الصدمة الأولى).
وفي رواية: (أنه ﵊ أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: اتق الله واصبري، فقالت: وما تبالي لمصيبتي، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله - ﷺ -، فأخذها مثل الموت، فأتت به، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عن أول صدمة-أو عند الصدمة الأولى-).
وفي رواية: (إليك عني، فإنك لم تصب مصيبتي، ولم تعرفه، وأنه قال لما جاءته وقالت: لم أعرفك، قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى)].
[ ٥ / ٢٠٥ ]
* قال يحيى بن محمد رحمه الله تعالى: الصدمة الأولى هي فجاءة المصيبة، ومعنى الكلام أن الصبر الذي هو صبر حقيقة عند الصدمة الأولى؛ لأن مرور الزمان يهون المصاب، وإنما القوة في مقاومة البلاء في مبدئه.
-١٦٣٠ -
الحديث الثالث عشر بعد المائة:
[عن أنس قال: (إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت (١٨٠/ب) رسول الله - ﷺ - يصلي بنا، قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما، حتى يقول القائل (قد نسي، وإذا رفع رأسه في السجدة مكث قلت حتى يقول القائل: قد نسي).
وفي رواية: (إذا رفع رأسه بين السجدتين).
وفي رواية عن ثابت، قال: (كان أنس ينعت لنا صلاة رسول الله - ﷺ -، فكان يصلي، فإذا رفع رأسه من الركوع قام حتى نقول: قد نسي)].
* في هذا الحديث دليل على إتمام الركوع والسجود وتطويل التسبيح.
-١٦٣١ -
الحديث الرابع عشر بعد المائة:
[عن أنس، قال: (مر على النبي - ﷺ - فأثنوا عليها خيرا، فقال:
(وجبت). ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا، أو قال: غير ذلك، فقال:
[ ٥ / ٢٠٦ ]
(وجبت). فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا وجبت ولهذا وجبت؟ قال: (شهادة القوم، المؤمنون شهداء الله في الأرض).
وفي رواية. (مروا بجنازة فأئنوا عليها خيرًا، فذكره نحوه. وفيه قال عمر ﵁: ما وجبت؟ قال: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض).
وفي رواية لمسلم: (مر بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال نبي الله - ﷺ -: وجبت، وجبت، وجبت. ومر بجنازة فأثني عليها شرًا فقلت: وجبت، وجبت، وجبت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له [النار]، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض)].
* هذه كرامة كرم بها المؤمنين، وهي قبول شهادتهم، وهذا لأنهم كانوا: أمناء، علماء، فهماء، فأما كونهم أمناء فإن الأمين لا يشهد لأحد بخير حتى يتحقق أنه على خير، وكذلك لا يشهد على أحد بالسوء حتى يتيقن أنه قد كان ذا سوء.
* وأما كونهم علماء، فأنهم كانوا يفرقون بين الخير والشر، فلا يلتبس عليهم الباطل بالحق، ويعرفون السنة وأهلها، ويعرفون الخير والعاملين به، وكانت شهادتهم معبرة.
* وأما كونهم فهماء، فأنهم كانوا أولي فهم واطلاع، يذوقون طعم الإيمان من المؤمن، ويذوقون طعم النفاق (١٨١/أ) من المنافق، فإن للإيمان أرجًا
[ ٥ / ٢٠٧ ]
وعرفًا على نحو المسك، وللنفاق والكفر ثقلًا ودفرًا يفهمه كل ذي لب، فكانت شهادتهم على هؤلاء وهؤلاء عن أمانة وعلم فلذلك قال: (وجبت، وجبت، وجبت) فوجبت من حيث الأمانة، ووجبت من حيث العلم، ووجبت من حيث الفهم، فكل واحدة واجبة في فيها.
-١٦٣٢ -
الحديث الخامس عشر بعد المائة:
[عن أنس (أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن الساعة؟ فقال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي - ﷺ -: (أنت مع من أحببت)، قال أنس: فأنا أحب النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن أكون معهم، بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم).
وفي رواية: (ما أعددت لها من كبير أحمد عليه نفسي).
وفي رواية: (متى الساعة؟ قال له: ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت).
وفي رواية عن أنس قال: (بينما أنا ورسول الله - ﷺ - خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ فكأن الرجل استكان ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت له كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله قال: (أنت مع من أحببت).
[ ٥ / ٢٠٨ ]
وفي رواية: (أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك، وما أعددت لها، قال: ما أعددت إلا أني أحب الله ورسوله، قال: (إنك مع من أحببت)، قال: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا، فمر غلام للمغيرة، وكان من أقراني، فقال: (إن أخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة).
وفي رواية لمسلم: (أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: متى تقوم الساعة وعنده غلام من الأنصار، يقال له: محمد، فقال رسول الله - ﷺ -: إن يعش هذا الغلام، فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم (١٨١/ب) الساعة).
وفي رواية: (أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -، قال: متى الساعة؟ قال: فسكت رسول الله - ﷺ - هنيهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة، فقال: إن عمر هذا، لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذ)].
* في هذا الحديث من الفقه أن من أحب قومًا كان معهم، ومعنى ذلك أنه أحبهم على الإيمان لعملهم بالحق فصار ذلك من محبي الحق وحزبه، فكان به بمحبة الحق درجة الذين يؤثرون نصر الحق وظهوره، فألحقه الله تعالى بفضله بأهل الحق.
* وأما قوله: (إن يعش هذا الغلام أو يؤخر أو يعمر) فإن هذه الزيادة انفرد بها قتادة، ومعبد بن هلال الغزي، ولم يوافقهما عليها جميع من يروي هذا
[ ٥ / ٢٠٩ ]
الحديث، ومذهب أهل العراق في الزيادة إذا رويت في حديث من ترك الاعتداد بها معروف، إلا أن وجه هذه الزيادة عندي أن أقول ﵊ لما ذكر له السائل متى الساعة؟ رده إلى الاشتغال بما ينفعه، فقال له: ما أعددت لها؟ فلما قال: حب الله ورسوله، قال له: المرء مع من أحب.
* ثم إن رسول الله - ﷺ - لما رأى من كلام ذلك السائل ما يدل على أنه كان قد استبعد قيام الساعة ضرب له مثلًا على نهاية الحسن، وهو أنه قال له: إن أخر هذا الغلام أو إن يعش أو يعمر -كله بلفظ الاستقبال-لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، يعني به - ﷺ - أن جواز التعمير على الأرض غير ممتنع خلافًا للذين يزعمون من أهل الطبائع أن الآدمي ينتهي إلى عمر معلوم لا يتجاوزه، وهو عندهم مائة وعشرون سنة، وقد أكذبهم الله تعالى في قوله: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا﴾، فأجاب رسول الله - ﷺ - في هذه مسألة عنها وعن مسألة أخرى فقال: (إن عمر هذا الغلام لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة)، وأراد - ﷺ - بذلك أيضًا أن يعلم أمته أن الموت هو حكم، حكم الله به على خلقه، وليس هو فسادًا كما يزعمه الطبائعية.
[ ٥ / ٢١٠ ]
والمعنى أن الله قادر أن (١٨٢/أ) يمد عمر هذا الغلام إلى قيام الساعة فما هذا الاستبعاد لما يكون بمقدار عمر واحد، ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
دع النفس تأخذ وسعها قبل بينها فمقترن جاران دارهما عمر
فكان هذا الجواب مزيلًا عن قلب السائل ما استبعده من أمر القيامة وردًا على الطبائعيين الذين لا يجوزون على الآدمي أن يعيش أكثر من مائة وعشرين سنة، على أن الظاهر في الحديث أنه قد اختلف على راويه.
* وقد بينا أنه قد تفرد به من روى أصل الحديث أثبت منه وإلا فرسول الله - ﷺ - قد بلغ ما أنزل عليه إلى الناس، وشهد عليه به المسلمون من أنه صرح لسائله عن الساعة بأن قال: ﴿إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾، وقال: ﴿عنده علم الساعة﴾.
وقال - ﷺ - لجبريل لما سأله-: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، فكيف يجوز لعاقل أن يظن أن رسول الله - ﷺ - بعد ما ثبت عنه هذه الأقوال أن يقدر ذلك بعمر واحد، إذ لو كان كذلك كان قد أحاط بعلمها، وحاش لله من هذا القول، وقد أنكر ما أنكرناه: أبو بكر بن إبراهيم الإسماعيلي في كتابه
[ ٥ / ٢١١ ]
(المخرج على الصحيح) ثم تأول الحديث، وكذلك أبو محمد علي بن أحمد ابن حزم الأندلسي الفقيه في كتابه الذي صنفه: (في تبديل اليهود والنصارى ما بأيديهم) ونص على أن قتادة ومعبد بن هلال غلطا فيه، وكان إنكاري له قبل أن أرى ما ذكره هذان الشيخان؛ فلما رأيت ما ذكراه حمدت الله تعالى إذ وافق إنكارهما ما أنكرته.
-١٦٣٣ -
الحديث السادس عشر بعد المائة:
[عن أنس، قال: (خدمت النبي - ﷺ - عشر سنين، والله ما قال لي أفٍ قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا، وهلا فعلت كذا؟).
وفي رواية: (أنه لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن أنسًا غلام كيس، فليخدمك، قال: فخدمته (١٨٢/ب) في السفر والحضر، والله ما قال لي
[ ٥ / ٢١٢ ]
لشيء صنعته: لم صنعت هذا، ولا شيء لم أصنعه: لم لم تصنع هذا هكذا؟).
وفي رواية: (قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ليس له خادم، فأخذ أبو طلحة بيدي، فانطلق بي إلى رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (خدمت رسول الله - ﷺ - تسع سنين، فما أعمله قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب علي شيئًا قط).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - من أحسن الناس خلقًا، فأرسلني يومًا لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله - ﷺ - فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله - ﷺ - قد قبض على قفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أنيس، ذهبت حيث أمرتك؟ قال: قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله، قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا؟)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - كان كما يرضي الخادم لحسن الأدب في خدمة سيده، كذلك يعلم السادة كيف يستخدمون أتباعهم فإن أنسًا قال: فخدمته عشر سنين فلم يقل لي أف قط، ولا قال: لم فعلت هذا؟ وذلك
[ ٥ / ٢١٣ ]
يدل على توفيق أنس، وعلى تجاوز رسول الله - ﷺ -، فهو تعليم لمن أراد أن يستخدم خادمًا إلا أنه إذا ساء الخادم فمباح مقابلته على إساءته بحسب ذلك من غير أن ينتهي به إلى حد، وليكن قاصدًا في مقابلته تعليمه ولئلا يعود إلى مثل ذلك الذنب.
* وليحذر من مقابلة عبيده أو خادميه على أثر معصية أو بغضب موجده، فإنه في ذلك الوقت لا يصلح له تدبير نفسه فربما تقابل مقابلة يندم عليها في تأني الحال، أو يكون القصد فيها غير وجه الله ﷿، وليكن ذلك مما يعامل به ربه ﷿ في تقويم عوج الخادم والرفق به، كما أنه قد يعامل الله ﷿ في أخذه اتباعه وعبيده بالجد في الأمور، وأن لا يهملهم، ومما يدل على حكمة رسول الله - ﷺ - أنه وكأنه قال له حين قبض على عنقه من ورائه وما أتركك إلا عن قدرة عليك؟
* وقوله: والله لا أذهب لم يقصد (١٨٣/أ) عقد اليمين، فلا تجب عليه كفارة، لأنه قال: وفي نفسي أن أذهب.
-١٦٣٤ -
الحديث السابع عشر بعد المائة:
[عن أنس (أنه سئل عن أجر الحجام؟ فقال: احتجتم رسول الله - ﷺ -، حجمه أبو طيبة، وأعصاه صاعين من طعام، وكلم مواليه فخففوا عنه، وقال: (إن أمثل ما تداويتم به الحجامة، والقسط البحري)، وقال: (لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة، وعليكم بالقسط).
وفي رواية: (دعا رسول الله - ﷺ - غلامًا حجامًا، فأمر له بصاع أو
[ ٥ / ٢١٤ ]
صاعين، أو مدًا أو مدين، وكلم فيه فخفف من ضريبته).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يحتجم، ولم يكن يظلم أحدًا أجره)].
* قد سبق في مسند ابن عباس ذكر الحجامة، وأن أبا طيبة حجم رسول الله - ﷺ -.
* وقوله: (لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة)، العذرة وجع الحلق، وسيأتي هذا مشروحًا في مسند أم قيس إن شاء الله تعالى.
-١٦٣٥ -
الحديث الثامن عشر بعد المائة:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -: (أنه نهى عن بيع التمر حتى تزهو. فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر، وتصفر. قال: أرأيت لو منع الله الثمرة. فيم تستحل مال أخيك؟.
وفي رواية: (إن لم يثمرها الله تعالى، فيم تستحل ما أخيك؟)].
[ ٥ / ٢١٥ ]
* وقد سبق في مسند ابن عمر بيان هذا الحديث.
* وقد دل هذا الحديث على أن ما تهلكه الجوائح فهو من مال البائع.
-١٦٣٦ -
الحديث التاسع عشر بعد المائة:
[عن أنس قال: (كنا نسافر مع رسول الله - ﷺ -، لم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم).
وفي رواية عن حميد قال: (خرجت فصمت، فقالوا: أعد، فقلت: إن أنسًا أخبرني أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يسافرون، فلا يعيب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلقيت ابن أبي مليكة، فأخبرني عن عائشة مثله).
وفي رواية: (كنا مع رسول الله - ﷺ - في السفر: فمنا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حار أكثرنا ظلًا صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب (١٨٣/ب) فقال رسول الله - ﷺ -: ذهب المفطرون اليوم بالأجر)].
[ ٥ / ٢١٦ ]
* قد سبق هذا الحديث وتفسيره.
-١٦٣٧ -
الحديث العشرون بعد المائة:
[عن أنس قال: نادى رجل رجلا بالبقيع، يا أبا القاسم فالتفت إليه رسول الله - ﷺ -، فقل: يا رسول الله، إني لم أعنك، وإنما دعوت فلانا، فقال رسول الله - ﷺ -: (تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي)].
* في هذا الحديث ما يدل على النهي أن يجمع الإنسان بين كنية رسول الله - ﷺ - واسمه؛ وذلك شديد في زمن رسول الله - ﷺ -، وكذلك كنيته في زمنه، وعلى أنه ينبغي أن يكرم كل متسم باسم رسول الله - ﷺ - ولا يسمي الإنسان ولده محمدا، أو لا يكتني بأبي القاسم ثم يسبه، ولكن ليمتنع عن ذلك مهما استطاع.
[ ٥ / ٢١٧ ]
-١٦٣٨ -
الحديث الحادي والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (قيل للنبي - ﷺ - لو أتيت عبد الله بن أبي؟ فانطلق إليه النبي - ﷺ -، وركب حمارا، وانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي - ﷺ - قال: إليك عني، لقد آذاني حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله - ﷺ - أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ (سورة الحجرات: الآية ٩»].
* في هذا الحديث جواز أن يعود الإمام الرجل الذي لا ترضى ناحيته.
* وفيه جواز ركوب الحمار؛ لأن رسول الله - ﷺ - ركبه.
* وفيه جواز أن يركب الإمام والمسلمون يمشون معه.
* وفيه أيضا استحسان حضور الجواب من المؤمن، إذا كان صاحب الحق فيه كرم وحياء يمنعه من إجابة السفيه، فأن المؤمن يجيب عنه كما قال الأنصاري لابن أبي: لحمار رسول الله - ﷺ - أطيب ريحا منك، ولم ينكر عليه رسول الله - ﷺ - ذلك ولا أحد ممن سمعه.
[ ٥ / ٢١٨ ]
* وفيه أن الرجل الصالح قد يلتبس عليه الأمر فيغضب للباطل كما جرى في هذا الحديث الذي غضب (١٨٤/أ) لابن أبي.
* فأما قوله: (ونزلت فيهم هذه الآية) فأن المعول عليه أنها عامة في كل طائفة تبغي، فإنه يباح قتالها حتى تفيء إلى الحق.
* وقد مضى فيما تقدم شرح هذا المعنى وأغنى عن الإعادة.
-١٦٣٩ -
الحديث الثاني والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم بدر: (من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟ قال: فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: فأخذ بلحيته، فقال: أنت أبو جهل؟ في كتاب البخاري من حديث ابن علية: أنت يا أبا جهل؟ قال سليمان: هكذا قالها أنس: أنت أبا جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ أو قال: قتله قومه).
وفي رواية: (ولو غير أكار قتلني؟)].
* الأكار: الزراع.
* فأما قوله: (أنت أبا جهل)، فإن وجهه أنت يا أبا جهل كأنه يناديه،
[ ٥ / ٢١٩ ]
وحذف حرف النداء فهذا وجه مستقيم في النحو، وهو الأولى.
-١٦٤٠ -
الحديث الثالث والعشرون بعد المائة:
[عن أنس قال: (عطس رجلان عند النبي - ﷺ -، فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني فقال: (إن هذا حمد الله، وإنك لم تحمد الله)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند أبي موسى.
[ ٥ / ٢٢٠ ]
-١٦٤١ -
الحديث الرابع والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (أسر النبي - ﷺ - سرًا، فما أخبرت به أحدًا بعده، ولقد سألتني عنه أم سليم، فما أخبرتها به).
وفي رواية لمسلم: (أتى علي رسول الله - ﷺ - وأنا ألعب مع الغلمان، قال: فسلم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله - ﷺ - لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرن بسر رسول الله - ﷺ - أحدًا.
قال أنس: والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت)].
* في هذا الحديث ما يدل على حسن عهد أنس وحفظه للسر إلا أن هذا السر فيما أراه لم يكن كتمانه إلا ليكون أثقل في ميزان إخلاصه إذ لا يجوز على رسول الله - ﷺ - أن يكون من أعماله ما يكتمه إلا لذلك، وإنه قد كان (١٨٤/ب) راجعًا إلى شيء في بعض أصحابه في سبيل خير أو صدقة مما لم يكن الصواب ظهوره.
-١٦٤٢ -
الحديث الخامس والعشرون بعد المائة:
[عن أنس أن النبي - ﷺ -، قال: (لكل نبي دعوة دعاها لأمته، وإني
[ ٥ / ٢٢١ ]
اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
وفي رواية: (أن نبي الله - ﷺ -، قال: (لكل نبي دعوة).
وفي رواية: (أنا أول الناس يشفه في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا).
وفي رواية: (وأنا أول من يقرع الجنة).
وفي رواية: (أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيًا ما يصدقه من أمته إلا رجل واحد)].
* قوله: (إن لكل نبي دعوة لأمته) أي لعموم الأمة: إنا بالنصر أو بإعطائهم بلدًا من البلاد أو نحو ذلك. فلما كفى الله أمة محمد بأن وعدهم بالنصر بقوله تعالى: ﴿ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم﴾، فاختيار رسول الله - ﷺ - دعوته لهم إلى يوم القيامة أحوج ما كانوا إليها، وهي الشفاعة.
* وقوله: (أنا أول شفيع في الجنة) أي في دخول الجنة.
* ومن فضائله - ﷺ - أنه كان أخيرًا في البعث، فإنه أول داخل إلى الجنة.
* وقوله: (من الأنبياء من لا يصدقه إلا واحد) في ذلك أسوة لكل من يدعو الناس إلى الحق فيعرضون عنه ويهجرونه؛ فلا ينبغي أن يستدل بذلك على أنه ليس بحق، فإن رسول الله - ﷺ - قد صرح بأن النبي من الأنبياء كان يبعثه الله
[ ٥ / ٢٢٢ ]
فيذهب عمره في الدعاء إلى الله تعالى فلا يتبعه إلا الرجل الواحد.
* وفيه أيضًا من الفقه أن من هدى الله على يديه رجلًا واحدًا فلا ينبغي أن يحقره ولا يستقله، وليعلم أن النبي الكريم قد كان يذهب أكثر عمره في هداية رجل واحد.
-١٦٤٣ -
الحديث السادس والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (كنا نصلي مع رسول الله - ﷺ - في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فيسجد عليه)].
* في هذا الحديث دليل على جواز السجود على بعض الثياب.
-١٦٤٤ -
الحديث السابع والعشرون بعد المائة:
[عن بكر عن أنس، قال: (سمعت النبي - ﷺ - يلبي بالحج والعمرة (١٨٥/أ) جميعًا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر، فقال أنس: ما تعدونا إلا صبيانًا، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لبيك عمرة وحجًا).
وفي رواية لمسلم: (سمعت رسول الله - ﷺ -: أهل بهما جميعًا: لبيك
[ ٥ / ٢٢٣ ]
عمرة وحجًا، لبيك عمرة وحجًا).
وفي رواية: (لبيك بعمرة وحج)].
* قد مضى هذا الحديث والكلام عليه في مسند علي ﵁.
-١٦٤٥ -
الحديث الثامن والعشرون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (أقيمت الصلاة ورجل يناجي النبي - ﷺ - فما زال يناجيه حتى نام أصحابه، ثم قام فصلى).
وفي حديث عبد الوارث: (فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم).
وفي رواية: (فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه فصلى بهم).
وفي رواية للبخاري من حديث حميد، قال: (سألت ثابتًا عن الرجل يكلم الرجل بعد ما تقام الصلاة، فحدثني عن أنس قال: أقيمت الصلاة، فعرض للنبي - ﷺ - رجل، فحبسه بعدما أقيمت).
وفي رواية: (أقيمت الصلاة والنبي - ﷺ - نجي رجل فذكره).
وفي رواية: (كان أصحاب رسول الله - ﷺ - ينامون؛ ثم يصلون ولا يتوضؤون. قال: قلت: سمعته من أنس قال: إي والله).
[ ٥ / ٢٢٤ ]
وفي رواية: (أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي - ﷺ - يناجيه، حتى نام القوم، أو بعض القوم، ثم صلوا)].
* في هذا الحديث دليل على أنه إذا أقيمت الصلاة فعرض مهم جاز للإمام أن يقف لاستماع ذلك.
* وفيه أن النائم وهو جالس لا ينتقض وضوؤه.
-١٦٤٦ -
الحديث التاسع والعشرون بعد المائة:
[عن عبد العزيز قال: قيل لأنس: ما سمعت من النبي - ﷺ - في الثوم. قال: (من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا)].
* قد سبق هذا الحديث.
-١٦٤٧ -
الحديث الثلاثون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (لما كان يوم أحد: انهزم الناس عن النبي - ﷺ -، وأبو
[ ٥ / ٢٢٥ ]
طلحة بين يدي النبي - ﷺ - مجوب به عليه بجحفة، وكان أبو طلحة رجلًا راميًا، شديد النزع، لقد كسر يومئذ قوسين، أو ثلاثة، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل، فيقول: انثرها لأبي طلحة.
قال: ويشرف النبي - ﷺ - ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله، (١٨٥/ب) بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة وأم سلمة لمشمرتان، أرى خدم سوقهما تنقلان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان، فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة: إما مرتين، أو ثلاثًا).
وفي رواية: (كان أبو طلحة يتترس مع النبي - ﷺ - بترس واحد، وكان أبو طلحة حسن الرمي، فكان إذا رمى يشرف النبي - ﷺ - فينظر إلى موضع نبله)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - ثبت يوم أحد حين ولى من ولى ثم عفى الله عنهم، وأن أبا طلحة ثبت مع رسول الله - ﷺ - يفديه بنفسه، وكان يرى من فقهه أنه لو لم يجد له من الوقاية إلا نحره لفداه به.
[ ٥ / ٢٢٦ ]
* وفيه أيضًا أنه كان مع دينه هذا باسلًا راميًا، شديد النزع، وهكذا ينبغي أن يكون المجاهد: إن كان راميًا كان شديد النزع، وإن كان سايفًا كان شديد الضربة، وإن كان رامحًا كان شديد الطعنة وسديدها. ومع ذلك فإن أبا طلحة أشفق على النبي - ﷺ - حتى قال: لا تشرف، والمعنى لا تشرف من وراء الجحفة، وكان رسول الله - ﷺ - يبصر مواقع نبل أبي طلحة ليعلم ما أصاب من سهامه.
* وفيه دليل على أن الإمام إذا رأى راميًا باسلًا شديد النزع، ورأى مع غيره نبلًا وليس بمنزلته، أمره أن ينثرها له.
* وفيه أن الإمام يعد من السلاح ما يمكنه فإنه لو لم يكن لأبي طلحة عوض لقوسه لبقي بغير قس: ألم تسمع في هذا الحديث أنه كسر قوسين أو ثلاث، وأما وقوع السيف من يده فلأجل النعاس الذي اعتراهم.
* وفيه أيضًا ما يدل على أن أبا بكر قوام إذا الأمر اشتد أو الحرب، كان سادة القوم خادمهم ألا ترى إلى خروج عائشة ﵂ وهي حبيبة رسول الله - ﷺ - حين اشتد الأمر قبضت الحذر، وخرجت برزة في سبيل الله تحمل القربة حتى تفرغ في أفواه المجاهدين، ثم تعود فتملأها.
* الحجفة: ترس صغير، والجعبة: خريطة النشاب من جلود.
* والسوق: جمع ساق، والخدم: جمع خدمة وهي الخلخال.
[ ٥ / ٢٢٧ ]
-١٦٤٨ -
الحديث الحادي والثلاثون بعد المائة: (١٨٦/أ)
[عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: (ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي، اختلجوا دوني، فلأقولن: أي رب، أصيحابي، أصيحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
وفي رواية لمسلم: (بينما رسول الله - ﷺ - ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا، قلنا: ما أضحك يا رسول الله؟ قال: نزلت علي آنفا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إنا أعطيناك الكوثر (١) فصل لربك وانحر (٢) إن شانئك هو الأبتر﴾ ثم قال: تدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك).
وفي رواية قال: (فهو نهر وعدنيه ربي في الجنة عليه حوضي ولم يذكر آنيته عدد النجوم)].
* قد سبق هذا الحديث في مواضع أقربها أوائل مسند أنس.
* واختلجوا بمعنى اقتطعوا.
[ ٥ / ٢٢٨ ]
-١٦٤٩ -
الحديث الثاني والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا دعا أحدكم فليعزم في المسألة، ولا يقولن: اللهم، إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له).
وفي رواية: (إذا دعوتم الله ﷿ فاعزموا في الدعاء)].
* في هذا الحديث أن الداعي ينبغي أن يعزم في السؤال ولا يردد؛ فإن التردد في المسألة نذير التردد في الإيمان، فإن الله تعالى كما قال رسوله - ﷺ - لا يكره ولا يغيض ما عنده سبحانه.
* ومعنى قوله ﵇: لا مكره له، فإنه يعني به - ﷺ - أنه لم يكن ما وعد به ﷻ من قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ عن سبيل إكراه لكنه عن فضل منه ولا يغيض، وجود لا يقلع، فإذا قال العبد في دعائه: إن شئت يا رب، فإنه كلام من لم يفهم أن الله سبحانه استدعى سؤال كل طالب بقوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾، فهو قد شاء وسبق استدعاؤه الطلب من الطالبين والسؤال من السائلين حتى أنه ﷾ قد جعل إجابته الداعين باب معرفة معروفة منه؛ فإنه ﷾ يجيب الدعاء حتى أنه قد يجيب
[ ٥ / ٢٢٩ ]
الكافر إقامة للحجة عليه، وليكون المؤمن عظيم (١٨٦/ب) الوثوق بإجابة دعائه إذا رأى الطلب من الله سبحانه لا يكدى بأحد.
-١٦٥٠ -
الحديث الثالث والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).
وفي رواية: (وسكنوا ولا تنفروا)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند أبي موسى.
* والمراد التسهيل والتيسير، فإن قوله - ﷺ -: (يسروا) في إطلاق وتعميم، يتناول كل شيء يقبل التعسير، فلم يقصر ذلك على تيسير شيء بعينه، كما أنه لم يقصر النهي عن التعسير في شيء بعينه، فكل شيء يكون فيه الأمر بين أمرين فإن الأحسن بمن يريد توخي أوامر رسول الله - ﷺ - أن يختار أيسرهما على أعسرهما.
* وهذا فإني أراه على ما فيه من هذا التعميم فإنه يفهم منه أنه أمر لكل امرئ
[ ٥ / ٢٣٠ ]
وكبير وسيد لقوله: (يسروا) أي أمروا بالتيسير، ولا تعسروا أي لا تأخذوا بالمأمورين في التعسير، وأن من أولي الأمر: العلماء، وأنهم من أول من امتثل أمر رسول الله - ﷺ - في تيسيرهم على المتعلمين بأقوالهم وأحوالهم، فإن ذلك مما يسهل العلم والعمل على عباد الله، ومما يحبب إليهم دوام صحبته، ألا ترى إلى قوله: (وبشروا ولا تنفروا).
* وفي الرواية الأخرى: (وسكنوا ولا تنفروا) يعني به - ﷺ - بشروا معاملي الله بقبض الأرباح ومضاعفة الحسنات، وبشروا المعرضين بحسن القبول لكل آيب منهم، وبشروا المجدين بقرب أمد الراحة، وبشروا المنفقين بحسن الخلف في المقرين معًا، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾، وقوله تعالى فهو يخلفه ثم لم يتبع هذه بأن قال في الدنيا دون الآخرة والآخرة دون الدنيا بل أطلق فتناول الدنيا والآخرة.
* وأما من روى (سكنوا) فمعناه سكنوا المنزعجين عند مقارفتهم شيئًا من الزلل، فإن نفس انزعاجهم له بشر، ولذلك سكنوا الخائفين فإنه لا خوف على مؤمن بالله، وسكنوا الفتن مهما استطعتم فلا توقظوا منها نائمًا، ولا تنفروا منها كامنًا، حتى إن من ذلك أن لو تلاحا رجلان فقصد منكم إصلاح ما بينهما فينبغي أن لا ينطق بكلمة حتى يراها مسكنة للنفرة.
* فأما قوله صلى الله عليه (١٨٧/أ) وسلم: لا تنفروا؛ فإن التنفير أن تحكي للناس العزائم دون الرخص بقصد تحريج كلما ذكر.
وذكر عن رجل صالح كانت له أحوال فلا يخرج منها إلا الأشد الأحمر، وكذلك ما عساه يتبعه القصاص من حكايات وردت شاذة كالإسرائيليات
[ ٥ / ٢٣١ ]
وغيرها من تعذيب النفوس وتكليفها المشاق والشديد من الأحوال، والغلو هو ترك المباحات ما تنفر الخلق عن عبادة الله، ويبغض إليهم طاعته، فإن ادعى منهم واحد أنه سلك ذلك وتمشى له فأحسن أحواله أنه ترك الأفضل.
* وجمع هذا الكلام كله: أن الحق هو الشرع المشروع؛ فكل من غلا فيه فهو بمنزلة من قصر عنه.
-١٦٥١ -
الحديث الرابع والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان النبي - ﷺ - يصلي في مرابض الغنم، ثم سمعته بعد يقول: كان يصلي في مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - قدم المدينة، فنزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ من بني النجار، فجاؤوا متقلدين سيوفهم، قال: فكأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأ من بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر بالمسجد، قال: فأرسل إلى بني النجار فجاءوا. فقال: (يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا)، قالوا: لا والله، ما نطلب ثمنه إلا إلى الله.
قال أنس: فكان فيه نخل، وقبور المشركين، وخرب، فأمر رسول الله - ﷺ -: بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، قال: فصفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضادتيه حجارة، قال: فكانوا يرتجزون ورسول الله - ﷺ -
[ ٥ / ٢٣٢ ]
معهم وهم يقولون:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
وفي رواية: جعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون، والنبي - ﷺ - معهم وهو يقول:
اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة)].
* قد سبق الكلام في هذا الحديث.
* وقوله: (ثامنوني بحائطكم) هو كناية عن بيعه وتقدير ثمنه.
-١٦٥٢ -
الحديث الخامس والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (كان (١٨٧/ب) رسول الله - ﷺ - أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير -قال: أحسبه قال: فطيمًا-قال: وكان إذا جاء رسول الله - ﷺ - فرآه قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير، نغر كان يلعب به).
وفي رواية: (فربما حضرت الصلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي
[ ٥ / ٢٣٣ ]
تحته فيكنس وينضح، ثم يقوم ونقوم خلفه فيصلي بنا)].
* في هذا الحديث ما يدل أنه كان - ﷺ - رحمة لصغيرهم وكبيرهم، وكان لكل الخلق منه راحة وله به سرور، وأنه كان ينزل عن رتبته العليا في الفصاحة والمكانة إلى مناطقة الصبي والطفل ليوجده روحًا فيسر بذلك قلوب الأطفال وقلوب آباء الأطفال بإباحته لهم ذلك فيقتدون به في ملاطفتهم صبيانهم، وليخرج أيضًا بذلك من حيز الجبارين والمتكبرين.
* وفيه دليل على أن ذلك مشروع في كل من له صبي فيستحب أن يلاطفه.
* وفيه جواز الكنية للصغير الذي لم يولد لمثله ويكون ذلك على وجه التفاؤل أنه سيولد له.
-١٦٥٣ -
الحديث السادس والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (البركة في نواصي الخيل).
وفي رواية: (معقود في نواصيها الخير)].
[ ٥ / ٢٣٤ ]
* وهذا الحديث أيضًا قد مضى شرحه، وأشير إليه هاهنا، فأقول إن الخير والخيل إلا ما بين الراء واللام، وأقرب المخارج من الراء اللام والنون، ولم يأت في القرآن لام إلا ومعها ميم أو راء، فالخيل الخير، والخير الخيل، وأي خير أفضل وأعظم مما كانت توصله عباد الله سبحانه المؤمنين إليه من الشهادة في سبيله، وكانت وصلة إلى خير لا ينقطع أبدًا.
-١٦٥٤ -
الحديث السابع والثلاثون بعد المائة:
[عن أنس قال: (خرجنا مع النبي - ﷺ - من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة فقلت: أقمتم بها شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا).
وفي رواية: (أقمنا مع النبي - ﷺ - عشرة نقصر الصلاة)].
* قد سبق الكلام في قصر الصلاة في مواضع.
-١٦٥٥ -
الحديث الثامن والثلاثون بعد المائة:
[عن عاصم بن سليمان قال: قلت لأنس: أكنتم تكرهون السعي بين
[ ٥ / ٢٣٥ ]
الصفا والمروة؟ قال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية، حتى أنزل الله ﷿: (١٨٨/أ): ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾.
وفي رواية: (كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله، وذكر الآية)].
* وهذا الحديث قد مضى أيضًا.
-١٦٥٦ -
الحديث التاسع والثلاثون بعد المائة:
[عن عاصم، قال: (قلت لأنس: أبلغك أن النبي - ﷺ - قال: لا حلف في
[ ٥ / ٢٣٦ ]
الإسلام؟ قال: قد حالف النبي - ﷺ - الأنصار في داري)].
* حالف بمعنى آخى، وإنما سماهم أنس محالفة لأن معناها معنى المؤاخاة، يقال: فلان خلف فلان وحليفه إذا لازمه، فكأنها من الملازمة، فعلى هذا يخرج كلام أنس. والأصل المنع من ذلك كما قال - ﷺ -: (لا حلف في الإسلام).
قال الشيخ محمد بن يحيى ﵀ قال: المحالفة حرام، لأنه إن كان يتحالفان على حق، فلأن الله تعالى أمرهما به، فلأن يأتيانه امتثالًا لأمر الله تعالى خيرًا لهم من إتيانه من أجل أنهما كانا تحالفا عليه، وإن كانا يتحالفان على فعل باطل فذلك لأجل الوفاء به، ولا عقده إلا أنه جهل جاهل حلف ثم حنث كان عليه كفارة يمين.
* ولقد كنت مرة جالسًا في الترب الشريفة على ساكنها السلام في زيارة، فقسمت فينا ربعة، فكان الجزء الذي في يدي فيه سورة النور، فقرأته حتى أتيت على قوله سبحانه: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة﴾ فأثار الله سبحانه همي لتدبر هذه الآية فقلت: وما
[ ٥ / ٢٣٧ ]
الحكمة في قوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة﴾ فشرعت في تدبر ذلك.
ثم رأيت أنه إن استمررت على التدبر طال على الآخرين انتظاري، فرأيت أن أقرأ معهم، ثم أتدبر هذه الآية فيما بعد، فأتممت القراءة معهم، ثم ختمت الختمة، وخرجنا فركبت وجئنا ففي طريقي تدبرت هذه الآية فوجدت فيها ما أنا ذاكره؛ وهو أني كنت عرفت أن سيبويه، قال: إن قوله: ﴿طاعة معروفة﴾ مبتدأ وخبره محذوف، وإن (١٨٨/ب) الفراء قال: هو خبر ومبتدأ محذوف، لأن المرفوع إذا انفرد جاز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف وجاز أن يكون خبرًا والمبتدأ محذوف.
فشرعت في تدبير معنى ذلك على رأي سيبويه، وهو أن جعلها مبتدأ والخبر محذوف، وتقديره طاعة معروفة أمثل، فنخرج من ذلك أنه لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم لما أمرهم رسول الله - ﷺ - بالخروج إلى قتال العدو فحلفوا فإنهم يخرجون فقال ﷿: ﴿لا تقسموا﴾، فرأيت أن في ذلك من
[ ٥ / ٢٣٨ ]
الحكمة أنكم إذا أقسمتم ثم خرجتم كان خروجكم وفاءً بالأيمان لا انقيادًا لموجب الإيمان، وإذا لم تقسموا ثم خرجتم كان ذلك دليل أمارة إيمانكم ومغنى عن تقديم إيمانكم هذا وجه.
ثم رأيت فيه وجهًا آخر، وهو أنه إذا أقسمتم لرسول الله - ﷺ - مع علمكم أن الله سبحانه يطلعه على الغيب فيكم، وأنكم إن كنتم مؤمنين فإن الله تعالى يعلم ذلك أيضًا، فإذا أقسمتم على ما لا يستند إلى الأيمان فقد أشعرتم بأنكم لم تؤمنوا بأن الله يعلم ما في الصدور، فكيف يحلف العبد لربه أني مؤمن بك؛ فإن الله ﷾ يقول: ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا﴾، وقوله سبحانه: ﴿إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا﴾ يعني أنه سبحانه أن الأواب هو الرجاع الذي يرجع إلى التوبة بعد الذنب، ثم يتكرر ذلك منه، ولذلك قيل له: أواب أي رجاع.
فإذا كان سبحانه للأوابين غفورًا، فكيف بالصالحين، ولم يقل فإنه كان للصالحين غفورًا، وفي هذا زيادة فائدة، وهو أن الغفر في حال الأوابين أوقع منه في حال الصالحين، فإن الله سبحانه إذا شهد لقوم بالصلاح فإن حالهم يقتضي رفع المنازل والدرجات على أن فيها إشارة إلى أن كل صالح غير آمن من حال يصدر عنه تتبعها الأوبة فيلحقها المغفرة فسبحان المتكلم بهذا القرآن. والغفر: هو الستر للهفوة والزلة، فهذا وجه.
[ ٥ / ٢٣٩ ]
ثم (١٨٩/أ) رأيت فيها وجهًا ثالثًا، وهو أن قول الله ﷿: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا﴾ يعني ﷻ أن نفس إقسامكم يشعر بسوء ظنكم في ظننا فيكم، ويفصح عن قلة وثوقكم به توثقنا بكم، إذ لو لم تروا أننا نراكم بعين المتهمين لما أقسمتم على البراءة من التهمة فلا تقسموا. ثم رأيت أبا الطيب قد أخذ هذا المعنى فنظمه في قوله:
عقبى اليمين على عقبى الوفى ندم ماذا يزيدك في إقدامك القسم
وفي اليمين على ما أنت واعده ما دل أنك في الميعاد متهم
فنظرت فإذا هذه الوجوه الثلاثة تخرج على قول سيبويه أن يكون الخبر محذوفًا، وهو قولنا أمثل وأحق.
-١٦٥٧ -
الحديث الأربعون بعد المائة:
[عن أنس قال: (قدم علي ﵁ على النبي - ﷺ - من اليمن، فقال رسول الله - ﷺ -: (بما أهللت يا علي؟ فقال: أهللت بإهلال كإهلال النبي - ﷺ - فقال: لولا أن معي الهدي لأحللت)].
[ ٥ / ٢٤٠ ]
* قد سبق بيان هذا الحديث في مسند أبي موسى ﵁.
-١٦٥٨ -
الحديث الحادي والأربعون بعد المائة:
[عن أبي مسلمة، قال: (سألت أنس بن مالك: أكان النبي - ﷺ - يصلي في نعليه؟ قال: نعم)].
* في هذا الحديث جواز أن يصلي الرجل في نعليه إذا كانتا طاهرتين.
-١٦٥٩ -
الحديث الثاني والأربعون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان النبي - ﷺ - إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام منا، معنا إداوة من ماء -يعني: يستنجي به).
[ ٥ / ٢٤١ ]
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - يدخل الخلال، فأحمل أنا وغلام إداوة من ماء، وعنزة، يستنجي بالماء).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - دخل حائطًا، وتبعه غلام ومعه ميضأة، وهو أصغرنا، فوضعها عند سدرة، فقضى رسول الله - ﷺ - حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء)].
* أما حمل صاحبه الماء فإنه يحمله إلى موضع الاستنجاء، وأما حمل العنزة (١٨٩/ب) معه فلئلا يخل بحمل السلاح.
-١٦٦٠ -
الحديث الثالث والأربعون بعد المائة:
[عن أنس، قال: قال أبو جهل: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجرة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم)، فنزلت: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (٣٣) وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ إلى آخر الآية].
[ ٥ / ٢٤٢ ]
* في هذا الحديث من الدليل على أن الله ينطق الكافر والفاسق بما يأخذه به. وقوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ المعنى إنما امتنع العذاب عنهم بمكة لكونك فيهم.
* وقوله: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ أي لو استغفروا لما عذبوا.
* وقوله: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾ فكانوا يظنون أن هذه عبادة عند البيت.
والمكاء: التصفير، والتصدية: التصفيق.
فأخبر الله ﷿ بذلك منذرًا لكل من يظن أن التصفيق يكون عبادة وهذا التصفيق والشبابة لا يحل لمؤمن من أن يسمي ذلك عبادة وأنه الباطل، ولم يكتف متخذه أن يستعمل الباطل حتى جر إليه طائفة من أهل الحق فيلبسها لباس الباطل ليكون بذلك خارجًا عن حد إغواء المعتدين إلى إغواء أهل الدين.
-١٦٦١ -
الحديث الرابع والأربعون بعد المائة:
[عن أنس، أن النبي - ﷺ - وجد تمرة فقال: (لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها).
[ ٥ / ٢٤٣ ]
ومنهم من قال: (إن رسول الله - ﷺ - مر بتمرة في الطريق، فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)].
* في هذا الحديث أن الشيء قد يجوز أن يكون مما لا يصلح فيترك احتياطًا كرجل يؤتى بماء لوضوءه من دار مجهولة، وإن سأل عن طهارته أمن بذلك أن يقال له بعد إن الإناء الذي أعطيناك منه كانت فيه نجاسة فيقدم الاحتراز خوفًا من مثل هذا إلا أن هذا إذا فعله الإنسان فهو الأولى، وإن لم يفعله فلا بأس عليه، فإن الأصول تستصحب، ومتى يطلع الإنسان على ما يخالف ذلك الأصل استدرك، وإن لم يطلع عليه استصحب الحال.
-١٦٦٢ -
الحديث الخامس والأربعون بعد المائة:
[عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت أنس بن مالك، قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله - ﷺ -، أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنى. قلت: فأين صلى العصر يوم النفر؟ قال: بالأبطح. ثم قال: أفعل كما يفعل أمراؤك؟).
وفي رواية (١٩٠/أ) (خرجت إلى منى يوم التروية، فلقين أنسًا ذاهبًا على حمار، فقلت: أين صلى النبي - ﷺ - الظهر هذا اليوم؟ قال: انظر، حيث
[ ٥ / ٢٤٤ ]
يصلي أمراؤك)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه إلا أني أشير إليه، وأقول إنه يدل على اتباع الأئمة والتمسك بالجماعة والتحذير من الفرقة.
-١٦٦٣ -
الحديث السادس والأربعون بعد المائة:
[عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: (آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار)].
وفي رواية: (آية المنافق بغض الأنصار، وآية المؤمن حب الأنصار)].
* فيه من الفقه أن الأنصار هم الذين اتخذوا البيضاء عند كل مسلم بما فعلوا مع رسول الله - ﷺ -؛ لأنهم آووا ونصروا وآثروا، فكل مؤمن يعتقد عنده لهم يدًا وصنيعة بإحسانهم إلى رسول الله - ﷺ - والمؤمنين، وكل كافر يكون عدوًا لله وعدوًا للإسلام يبغض ما فعله الأنصار ويشنأهم على ذلك إلا أنه لم يقدر لظهور كلمة الحق وعلو الإسلام أن يظهر بغض رسول الله - ﷺ - بل يسر ذلك ويظهر بغض من آواه ونصره، فلذلك كان حب الأنصار آية الإيمان وبغض الأنصار آية النفاق.
* الآية: العلامة والأمارة.
[ ٥ / ٢٤٥ ]
-١٦٦٤ -
الحديث السابع والأربعون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان النبي - ﷺ - يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - يغتسل بخمس مكاكيك، ويتوضأ بمكوك).
وفي رواية ابن مهدي: (بخمس مكاكي)].
* المراد من هذا الحديث أنه يستحب للمتوضئ أن لا ينقص عن ذلك المقدار، فإن زاد أو نقص مع الإسباغ جاز له ذلك، إلا أن الإسراف في الماء مكروه منهي عنه؛ لأن الذي يفرط فيه من الماء وإن قل، يجوز أن يكون فوت نفس قد أشرفت على الموت، فيكون إذا منحه الرجل أخاه المسلم لم يكن في الميزان على مقدار جرعة من ماء، ولكنه يكون في مقدار الموازنة أنه لو قد سقاه ظمآن قد قارب التلف، فإن الله ﷾ يكتب له إحياء نفس يكون في التضعيف من حيث إنها يتأتى منها أن يكون أصلًا لأمة أو للناس جميعًا، فيكون الاعتداد له بإحياء نفس هي أصل لأمة أو للناس جميعًا يتناسلون ويعبدون الله إلى يوم القيامة (١٩٠/ب)، فهذا يكون من بركة حسن التقدير في الوضوء.
[ ٥ / ٢٤٦ ]
-١٦٦٥ -
الحديث الثامن الأربعون بعد المائة:
[عن أنس قال: كان رجل نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران، فكان يكتب للنبي - ﷺ -، فعاد نصرانيًا، فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله، فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا، فألقوا، فحفروا له فأعمقوا، فأصبحوا وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا، فألقوه، فحفروا له وأعمقوا في الأرض ما استطاعوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فعلموا أنه ليس من الناس، فألقوه).
وفي رواية لمسلم قال: (كان منا رجل من بني النجار، وقد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتب لرسول الله - ﷺ -، فانطلق هاربًا حتى لحق بأهل الكتاب. قال: فرفعوه، قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصهم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له، فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثم عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهه، فتركوه منبوذًا)].
* في هذا الحديث ذكر آية من آيات الله ﷿ وهي أن هذا الرجل لما كذب على رسول الله - ﷺ -، وادعى خلاف ما كان يمليه عليه، وكانت دعواه على السر
[ ٥ / ٢٤٧ ]
الذي لولا استدناء رسول الله - ﷺ - له لم يقدر على تلك الدعوى، فأظهر الله تعالى فيه تلك الآية وهي لفظ الأرض له. وذلك أنه لما أظهر سر رسول الله - ﷺ - كان عقوبته من جنس ذنبه كما قدمناه فأظهرت الأرض من سوأته ما توار به من كل أحد.
-١٦٦٦ -
الحديث التاسع والأربعون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان النبي - ﷺ - يقول: اللهم، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار).
وفي رواية: (كان أكثر دعاء النبي - ﷺ -: اللهم، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار).
وفي رواية عن عبد العزيز: أنه سأل أنسًا: (أي دعوة كان يدعو بها رسول الله - ﷺ - أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها يقول: اللهم، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار).
قال: (١٩١/أ) وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه)].
[ ٥ / ٢٤٨ ]
* في هذا الحديث من الفقه هو أن هذه الكلمات جامعة لخير الدنيا والآخرة، لأنه إذا طلب في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة فقد طلب الحسنين في الدنيا والآخرة، وحسنة صفة لموصوف محذوف وفي حذفه فوائد: وهي أن كل مطلوب من النعمة والقربة والحياة والعافية والنصرة والبركة والكفاية والإصابة وغير ذلك -يجوز أن يكون في الموصوف، فلما حذف الموصوف وذكر الصفة جاز أن ينصرف ذلك إلى ذلك كله.
* وقوله: (آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة) دعاء عارف أن أقل قليل من آلاء الله ﷿ في الدنيا والآخرة لا يقوم له العبد، فمن طلب أن يؤتيه الله ﷿ في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة فقد طلب أن ينقله من عافية إلى عافية، ويقلبه من نعمة إلى نعمة، فلم يبق في ذلك ما يخاف على هذا العبد إلا ما عساه أن يتوجه إليه من عقوبة على خطاياه، ولما كان من الجائز أن ينال حسنة الآخرة بعد مسيس شيء من عذاب النار، فقال بعد السؤالين: وقنا عذاب النار، فتم له الدعاء وشمله الاحتياط.
-١٦٦٧ -
الحديث الخمسون بعد المائة:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لن يبرح الناس يسألون، حتى يقولوا: هذا الله خلق كل شيء، فمن خلق الله).
في رواية لمسلم: (أن رسول الله - ﷺ - قال: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله)].
[ ٥ / ٢٤٩ ]
* في هذا الحديث من الفقه كراهية تخريج المسائل المتناقضة وتشكيك المقالات المتنافية، وأنها إنما تعترض في قلب كل شاك يرتاب فيقول القائل: من خلق الله بعد أن ثبت أنه لا أمارة للحدث فيه تعالى، كلام مختل، لأن قوله: ﴿الله خالق كل شيء﴾ إقرار بأنه أحدث الأشياء وتسليم أنه لا تسلط للحدث عليه، فإذا عاد وقال: (فمن خلق الله) ناقض قوله بقوله.
(١٩١/ب) * وفي هذا الحديث من فضل الله سبحانه وحكمته على ما في قلوب المؤمنين لتجرع نطقه من مرارته أن أنطق الله ﷻ به رسوله - ﷺ - ليكون عند الأمة شيئًا من مثل الداء العضال، استحالة إذا عرض تناقضه، وليعلموا أن الشيطان ينتهي في إغواء الخلق وإلقاء الوساوس الخبيثة في قلوبهم إلى هذا الحد، ولو لم يذكر رسول الله - ﷺ - هذا، حتى يطرح الشيطان مثله في قلب من القلوب لم يكن مقدمًا على أن يفضح عما قذفه الشيطان في ضميره منه، فكان يموت العبد بدائه، ويفضي بغصته، ويبقى على كفره.
-١٦٦٨ -
الحديث الحادي والخمسون بعد المائة:
[عن أنس (أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنه، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنه. فقال: اركبها -ثلاثًا).
[ ٥ / ٢٥٠ ]
وفي رواية: (فقال في الثالثة أو الرابعة: اركبها، ويلك! أو-ويحك!).
وفي رواية عن أنس قال: (أمر رسول الله - ﷺ - برجل يسوق بدنة فقال: (إنها بدنة. فقال: اركبها -مرتين أو ثلاثًا).
وفي رواية: (مر على النبي - ﷺ - ببدنة -أو هدية-فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة -أو هدية-قال: وإن)].
* قد دل الحديث على جواز ركوب البدنة من الهدي.
* وفي أيضًا دليل على أن الأعرابي لما أمره رسول الله - ﷺ - بالركوب فقال: إنها بدنة. فقال له: اركبها، وقوله: (وإن)، يعني وإن كانت بدنة، فإنه قد كان له أن يركبها في وقته فلما راجع رسول الله - ﷺ - ثانية وثالثة أغلظ له، بأن قال: (ويلك-أو: ويحك) في جواب جهله، وعلى هذا فإنه إذا كان المخاطب بليدًا ولا يفهم إلا بالزجر والقول الخشن، فإنه يستعمل معه مثل هذا.
-١٦٦٩ -
الحديث الثاني والخمسون بعد المائة:
[عن أنس قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ -، يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي - ﷺ -،
[ ٥ / ٢٥١ ]
وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟
قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا.
وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله - ﷺ - فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني (١٩٢/أ) أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)].
* في هذا الحديث من الفقه أن معنى العبادة امتثال أمر المعبود، ومن ذلك فضل الصلاة وقت الأمر بفعلها، وتركها وقت الأمر بتركها، وكذلك سائر العبادات، وقد جاءت شريعة رسول الله - ﷺ - بعبادات كثيرة من صوم، وصلاة، وحج، وجهاد، وإنفاق، وابتغاء ولد يخلف أباه في عبادة ربه وبره، وقراءة، وتعلم وتعليم إلى غير ذلك، فمتى مد العابد الزمان في عبادة واحدة أضر بباقي العبادات فبحسب ما يزيد في شيء ينقص من غيره وذلك لا يصلح.
* وأما قوله - ﷺ -: (إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له) فإنه قاله جوابًا للقائلين، إنا لسنا كرسول الله - ﷺ - لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فأعملهم أنه لم يزده ذلك إلا خشية من الله وانفا له؛ لئلا يظنوا أنه خفف عبادة ربه اتكالًا
[ ٥ / ٢٥٢ ]
على أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولم يكن كذلك بل الذي فعله هو الغاية القصوى في الجمع بين العبادات كلها وعمارة الأرض بأسرها، ولا يكون الإنسان قادرًا على اتباع أمر رسول الله - ﷺ - في عمارة الطرق بأسرها حتى يكون وفق الشرع فيرى النكاح عبادة والنظر عبادة إلى غيرهما من الأحوال التي يقوى على عمارة جميع الطرق.
-١٦٧٠ -
الحديث الثالث والخمسون بعد المائة:
[عن أنس (أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا، فعرضوا الأرش، فأبوا، فأتوا رسول الله - ﷺ -، وأبوا القصاص، فأمر رسول الله - ﷺ - بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله - ﷺ -: (يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله - ﷺ -: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره).
(١٩٢/ب) وعن أنس (أن أخت الربيع أم حارثة: جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبي - ﷺ -، فقال: القصاص، القصاص، فقالت أم الربيع: يا رسول الله: أيقتص من فلانة؟ والله لا يقتص منها، فقال النبي - ﷺ -: سبحان الله، يا أم الربيع، القصاص كتاب الله، فذكره، وفيه: إنهم قبلوا الدية فقال رسول الله - ﷺ -: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)].
[ ٥ / ٢٥٣ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن السن بالسن.
* وفيه أن العبد الصالح قد تعتريه الغيرة فيقول: ما ليس له قوله، نحو قول أنس بن النضر، وقول أمه.
* وفيه أيضًا أن العبد الصالح والأمة الصالحة إذا وثقا من الله ﷿ يوفق عودهما فأقسما عليه ثقة بكرمه سبحانه مع العلم بأنه يقدر على تيسير ما استضعب على غيره فإن إيمانهما يشفع لهما، فإنني لا أرى أنسًا ﵁ قال ما قال، وحلف عليه حين تسدد الخصوم ولم يبق في الأمر مطمع من جهة الخلق، فاعتمد على الله ﷿ وحلف على أنه لا تكسر سن الربيع، فأبر الله يمينه وأوقع في قلوب الخصوم العفو، ومثل هذا القسم المذكور لا يصلح لغير أنس أن يتسوغ إليه، ولا سيما إن كان المقسم في مقام مدل فيدعو بشيء لا يصلح مما يستعجل به الشر من إهلاك شخص ونحو ذلك، فمن قمين أن يكذبه الله تعالى فيما تألى عليه به، فأما من رجاء رحمة الله فطمع لعصاة عباده في غفرانه فآمل لخطائي خلقه عفوه فلا لوم عليه.
-١٦٧١ -
الحديث الرابع والخمسون بعد المائة:
[عن أنس قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا
[ ٥ / ٢٥٤ ]
رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه-وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، فقال سعد: فما استطعت برسول الله - ﷺ - ما صنع، قال أنس: فوجدناه (١٩٣/أ) به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى -أو نظن-أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ الآية).
وفي رواية لمسلم: (قال أنس: عمي سميت به، لم يشهد مع رسول الله - ﷺ - بدرًا، فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله - ﷺ - غبت عنه، ولئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله - ﷺ - ليرين الله ما أصنع! قال: وهاب أن يقول غيرها، فقال: فشهد مع رسول الله - ﷺ - يوم أحد، قال: فاستقبل سعد بن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو، أين؟ ثم قال: واهًا لريح الجنة، أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة ورمية وطعنة، ثم ذكر نحو ما تقدم)].
[ ٥ / ٢٥٥ ]
* في هذا الحديث من ذكر بلاء أنس بن النضر وعلو مقامه في جهاد الأعداء ما تبين ما ذكرناه في الحديث الذي قبله من استيهاله إبرار قسمه، وأنه لما غاب عن بدر، وهي أول المشاهد استدرك أي استدراك بفعلته هذه حتى قال سعد بن معاذ -الذي اهتز العرض عند موته-الذي قال: إني ما استطعت ما صنع، وحتى توجد فيه بضع وثمانون بين رمية وضربة وطعنة.
* وفيه أيضًا أن الله ﷾ قد يبلغ من لطفه بعبده المؤمن إلى أن يرزقه الله زيادة الحرص على الخير بأن يفوته من شيء من الخير قد كان أدركه غيره، فإن أنس بن النضر حين فاتته بدر أزاد حرصه حتى بات الناس في يوم أحد فاستدرك ما فاته وجعل حسن بلائه مقتدى لكل من أراد أن يستدرك فائتًا من أمره أن يفعل كفعله.
* وفيه أيضًا مما يدل على إيمانه أنه قال: ليرين الله، ولم يقل ليرين غيره، فدل قوله هذا على لباب إخلاصه، وأنه لم يرد أن يرى ما فعله غير الله ﷿ ولا جرم أن الله ﷾ أظهر بركة إخلاصه عليه.
* وفيه أيضًا أنه لما انكشف من المسلمين من انكشف انحيازًا (١٩٣/ب) إلى فيئهم لم يقنع بأن يأخذ بالرخصة بل رجع عن صف المنكشفين من المسلمين مستقبلًا صف المشركين بمفرده فقاتل حتى قتل في موطن وأي موطن.
[ ٥ / ٢٥٦ ]
-١٦٧٢ -
الحديث الخامس والخمسون بعد المائة:
[عن انس عن النبي - ﷺ - قال: (لغدوة في سبيل الله، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه.
-١٦٧٣ -
الحديث السادس والخمسون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان رسول الله - ﷺ - يفطر من الشهر، حتى نظن أنه لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن لا يفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا قائمًا إلا رأيته).
وفي رواية: (سألت أنسًا عن صيام رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ما كنت أحب أن أراه من الشهر صائمًا إلا رأيته، ولا مفطرًا إلا رأيته، ولا من الليل قائمًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته، ولا مسست خزة ولا حرير ألين من كف
[ ٥ / ٢٥٧ ]
رسول الله - ﷺ -، ولا شممت مسكة ولا عبيرة أطيب من رائحة رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (كان يصوم حتى يقال: قد صام، ويفطر حتى يقال: قد أفطر أفطر)].
* قد سبق ذكر هذا الحديث في مواضع.
-١٦٧٤ -
الحديث السابع والخمسون بعد المائة:
[عن أنس قال: قال النبي - ﷺ -: (تسحروا؛ فإن في السحور بركة)].
* قد سبق هذا الحديث في مواطن وشرحناه مستوفيًا.
-١٦٧٥ -
الحديث الثامن والخمسون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلال، قال: (اللهم إني أعوذ
[ ٥ / ٢٥٨ ]
بك من الخبث والخبائث).
وفي رواية: (إذا أراد أن يدخل الخلاء).
وفي رواية: (إذا دخل الكنيف).
وفي رواية: (أعوذ بك من الخبث والخبائث)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - استعاذ بالله لما دخل الخلاء؛ لأنه مقام كشف العورة وانقطاع عن ذكر الله ﷿، المحصن من شياطين الجن والأنس، وحالة استيحاش من العبد لذكر ربه إلى حين عوده.
قال أبو عبيد: الخبث: الشر، والخبائث الشياطين.
-١٦٧٦ -
الحديث التاسع والخمسون بعد المائة:
[عن النبي - ﷺ - قال: (من لبس الحرير في الدنيا (١٩٤/أ)، فلن يلبسه في الآخرة).
[ ٥ / ٢٥٩ ]
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه.
-١٦٧٧ -
الحديث الستون بعد المائة:
[عن أنس قال: أبصر النبي - ﷺ - نساءً وصبيانًا مقبلين من عرس، فقام فقال: (اللهم أنتم من أحب الناس إلي).
وفي رواية: (رأي صبيانًا ونساءً مقبلين من عرس فقام - ﷺ - فقال: (اللهم إنهم من أحب الناس إلي، اللهم إنهم من أحب الناس إلي، اللهم إنهم من أحب الناس إلي. يعني الأنصار)].
* قد سبق هذا الحديث، وهو مشتمل على فضيلة الأنصار، وتكريره لذلك ثلاثًا، فهو تأكيد إلا أنه مع كونه يعلم أن الله تعالى يعلم منه مثل ما أخبر به، فإن الذي أرى فيه أن قوله ذلك - ﷺ - جهرًا غير سر فإنما أراد أن يعلم الخلق أنه قد أشهد الله على ما أخبر به من ذلك.
[ ٥ / ٢٦٠ ]
-١٦٧٨ -
الحديث الحادي والستون بعد المائة:
[عن أنس قال: (نهى النبي - ﷺ - أن يتزعفر الرجل)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الزعفران هو من طيب النساء؛ وليس من طيب الرجال، فعلى هذا أرى أن لا يتطيب الرجل بطيب فيه زعفران.
والتزعفر: هو استعمال الزعفران.
-١٦٧٩ -
الحديث الثاني والستون بعد المائة:
[عن أنس قال: (كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - يبتدرون السواري حتى يخرج رسول الله - ﷺ - وهم كذلك يصلون ركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء).
وفي رواية: (لم يكن بينهما إلا قليل).
وفي رواية: (كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها).
وفي رواية عن المختار بن فلفل، قال: (سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد رسول الله - ﷺ - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب
[ ٥ / ٢٦١ ]
فقلت له: أكان رسول الله - ﷺ - صلاهما قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا)] (١٩٤/ب).
* قد سبق الكلام على هذا الحديث وبينا أنه إذا غربت الشمس جاز التنفل، وإنما ترك ذلك لضيق وقت المغرب.
-١٦٨٠ -
الحديث الثالث والستون بعد المائة:
[عن أنس: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ [الفتح: ١] قال: هو الحديبية، فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، فما لنا. فأنزل الله ﷿: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات﴾ [الفتح: ٥].
قال شعبة: فقدمت الكوفة، فحدثت بهذا كله عن قتادة، ثم رجعت فذكرت له، فقال: أما ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾، فعن أنس، أما (هنيئًا
[ ٥ / ٢٦٢ ]
مريئًا) فعن عكرمة.
وفي رواية: (لما نزلت: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا (١) ليغفر لك الله﴾ إلى قوله: ﴿فوزًا عظيمًا﴾ مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحر الهدي بالحديبية. قال رسول الله - ﷺ -: (لقد أنزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا)].
* وفي هذا الحديث أن سورة الفتح نزلت مبشرة رسول الله - ﷺ - بالفتح من قبل كونه.
* وفيه أيضًا أن الله تعالى بشر المؤمنين بما وعدهم به في الجنة.
* وفيه أيضًا جواز أن يهنأ الرجل بنعم الله ويقال له: هنيئًا.
* وفيه أيضًا دليل على جواز تلفيق الراوي الحديث إذا سمعه من رجلين أو ثلاث ليتضح معناه.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
-١٦٨١ -
الحديث الرابع والستون بعد المائة:
[عن أنس (أن النبي - ﷺ - افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه، فوجده جالسًا في بيته منكسًا رأيه، فقال: ما شأنك؟ قال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي - ﷺ - فقد حبط عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي - ﷺ -، فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى بن أنس: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة).
وفي رواية: (لما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآية [الحجرات: ٢]، جلس ثابت في بيته، وقال: أنا من أهل النار، (١٩٥/أ) واحتبس عن النبي - ﷺ -، فسأل النبي - ﷺ - سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له شكوى، قال: فأتاه سعد، فذكر له قول النبي - ﷺ -، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، وقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله - ﷺ -، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: بل هو من أهل الجنة).
وفي رواية: (كان ثابت بن قيس بن شماس خطيب الأنصار، فلما نزلت هذه الآية. وذكر الحديث.
وفي رواية: (فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة)].
[ ٥ / ٢٦٤ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن الرجل الصالح قد يشتد خوفه من صغائره أضعاف ما يكون من غير الرجل الصالح عند فعله الكبائر.
* وفيه أيضًا دليل على استحباب السؤال عن الصاحب إذا انقطع.
* وفيه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - لما رأى شدة خوفه بلغ منه إلى الانقطاع عن رسول الله - ﷺ - أظهر له ما أخفاه عن غيره من بشراه بالجنة، وعلى ذلك أن رسول الله - ﷺ - بشره بالجنة في جواب شدة خوفه من رفع صوته على النبي - ﷺ - ثم لم يفسح له فيه.
-١٦٨٢ -
الحديث الخامس والستون بعد المائة:
[عن أنس (أن أم سليم كانت تبسط للنبي - ﷺ - نطعًا، فيقيل عندها على ذلك النطع، فإذا قام النبي - ﷺ - أخذت من عرقه وشعره، فجمعته في سك، قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السك، قال: فجعل في حنوطه).
وفي رواية: (كان النبي - ﷺ - يدخل ويبيت عند أم سليم، فينام على فراشها، وليست فيه، قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتيت، فقيل لها: هذا النبي - ﷺ - نائم في بيتك على فراشك! قال: فجاءت وقد عرق، واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها، فجعلت تنشف ذلك العرق، فتعصره في قواريرها، ففزع النبي - ﷺ -، فقال: ماذا تصنعين يا أم
[ ٥ / ٢٦٥ ]
سليم؟ فقالت: يا رسول الله، نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبت).
وفي رواية لمسلم: (دخل علينا النبي - ﷺ -، فقال عندنا، فعرق وجاءت أمي بقارورة (٢٩٥/ب)، فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبي - ﷺ - فقال: يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو أطيب الطيب)].
* قد سبق أن أم سليم كانت ذا محرم من رسول الله - ﷺ -، ويقال أن ذلك من الرضاعة.
* وفيه جواز أخذ عرق رسول الله - ﷺ - من غير استئذانه لعلمها أن النبي - ﷺ - لا يمنع ذلك.
* وفيه أيضًا أن القيلولة سنة لقوله: (يقال عندها).
* وفيه أيضًا جواز النوم على النطع لقوله: (كان يدخل فينام على نطع لنا).
* وفيه أيضًا أنها كانت تلتقط شعرات رسول الله - ﷺ -.
* وفيه أيضًا جواز أن يجعل من عرق النبي - ﷺ - وشعره مع الميت لقوله: (فأوصى أنس أن يجعل في حنوطه).
* وفيه أيضًا جواز النوم على فراش الغير بغير إذن منه؛ إن كان يعلم أن ذلك يسرح ويفرح به.
* وقوله: (ففزع رسول الله - ﷺ -) أحسب معناه فانتبه بانزعاج.
[ ٥ / ٢٦٦ ]
-١٦٨٣ -
الحديث السادس والستون بعد المائة:
[عن أنس قال: (دخلنا مع رسول الله - ﷺ - على أبي سيف-القين-وكان ظئرًا لإبراهيم، فأخذ رسول الله - ﷺ - إبراهيم، فقبله وشمه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك، وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله - ﷺ - تذرفان، فقال عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ قال: (يا ابن عوف، إنها رحمة، ثم أتبعها بأخرى، فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون).
وفي رواية لمسلم: قال رسول الله - ﷺ -: (ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم، ثم دفعه إلى أم سيف-امرأة قين، يقال له: أبو سيف-فانطلق يأتيه فاتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف-وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخانًا-فأسرعت المشي بين يدي رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله - ﷺ -، فأمسك، فدعا النبي - ﷺ - بالصبي، فضمه إليه، وقال: ما شاء الله تعالى أن يقول، فقال أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه-بين يدي رسول الله - ﷺ - فدمعت عينا رسول الله - ﷺ - (١٩٦/أ) فقال: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إل ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون)].
[ ٥ / ٢٦٧ ]
* في هذا الحديث من الفقه جواز البكاء على الميت من غير نياحة.
* وفيه أيضًا استحباب رحمة الأطفال.
* الظئر: هي الحاضن والقين: هو الحديد.
* وفيه جواز أن يسمى المولود ليلة ولادته لقوله: (ولد لي غلام فسميته باسم أبي إبراهيم).
* ويستحب للرجل أن يسمى ولده باسم أبيه إذا كان قد مات أبوه.
-١٦٨٤ -
الحديث السابع والستون بعد المائة:
[عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: (الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).
وفي رواية عن أنس: (من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)].
* في هذا الحديث دليل على أن الرؤيا الصالحة بشرى من الله دون الرؤيا السيئة.
[ ٥ / ٢٦٨ ]
* فأما قوله: (ستة وأربعين) فقد ذكر العلماء فيها أنه أقام بمكة ثلاث عشرة وبالمدينة عشرا، وأنه كان بها ستة أشهر يوحى إليه في المنام، هي جزء من ستة وأربعين على ما بينا في مسند عبادة بن الصامت.
-١٦٨٥ -
الحديث الثامن والستون بعد المائة:
[عن أنس، قال: (بنما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد، إذ دخل رجل على جمل، ثم أناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي - ﷺ -
[ ٥ / ٢٦٩ ]
متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له: ابن عبد المطلب؟ فقال له النبي - ﷺ -: (قد أجبتك). فقال له الرجل: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: (سل عما بدا لك). فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: (اللهم نعم). قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: (اللهم نعم)، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: (اللهم نعم) قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي - ﷺ -: (اللهم نعم)، فقال (١٩٦/ب) الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد ابن بكر).
وفي رواية لمسلم: (نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: (صدق)، قال: فمن خلق السماء؟ قال: (الله)، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: (الله)، قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: (الله)، قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمر بهذا؟ قال: (نعم). قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: (صدق)، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال:
[ ٥ / ٢٧٠ ]
(نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا؟ قال: (صدق). قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك هذا؟ قال: (نعم)، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: (صدق). قال: ثم ولى، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي - ﷺ -: (إن صدق ليدخلن الجنة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن هذا السائل وهو ضمام لما ثبت عنده الحق بطريق سكن إليها قلبه، وحصل له الإيمان رضي رسول الله - ﷺ - بذلك منه إيمانًا، وشهد له بدخول الجنة إن صدق، وهذا الاشتراط للصدق إنما هو في الأعمال التي ذكر له يؤديها على أنه قد كلم رسول الله - ﷺ - بكلام عالم بخالق الخلق، عارف بقدر فخامة اليمين به ﷾ عند من يؤمن به.
* وفي هذا الحديث أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يجلسون معه، ولا يقوم واحد منهم على رأسه كما يفعل الأعاجم في غير حاجة، إلا أنه إن كان قيام القائمة لحاجة أو لتنفيذ في أمر أو ليستعان به فله حكم آخر.
* وفيه أيضًا جواز الاتكاء بين القوم الجلوس.
* وقول النبي - ﷺ - له: (قد أجبتك)، فإنه لما لم يدعه بالنبوة لم يجبه بالجواب المرضي، ولهذا جاء في حديث آخر أن رجلًا قال: يا محمد، فأجابه بأن قال:
[ ٥ / ٢٧١ ]
(هاؤم).
-١٦٨٦ -
الحديث الأول من أفراد البخاري:
(١٩٧/أ) [عن الزهري، قال: (دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت).
وفي رواية: (ما أعرف شيئًا مما كان على عهد رسول الله - ﷺ - قبل الصلاة، قال: أليس قد صنعتم ما صنعتم فيها).
وفي رواية: (أنه قدم للمدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ عهد رسول الله - ﷺ -؟ قال: ما أنكرت شيئًا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف)]. الإشارة من أنس إلى مثل ما كان يفعل الحجاج من تأخير الصلاة.
* وقد سبق هذا في مسند أبي الدرداء شرح هذا المعنى.
[ ٥ / ٢٧٢ ]
-١٦٨٧ -
الحديث الثاني:
[عن أنس، قال: (لم يكن أحد أشبه بالنبي - ﷺ - من الحسن بن علي ﵉).
وفي رواية عن ابن سيرين قال: (أتي عبد الله بن زياد برأس الحسين ﵁، فجعل في طست فجعل ينكت، وقال في حسنه شيئًا، فقال أنس: كان أشبههم برسول الله - ﷺ - وكان مخضوبًا بالوسمة)].
* قد سبق الكلام في أنه كان الحسن يشبه رسول الله - ﷺ - في مسند أبي بكر ﵁.
* وقوله (في حسنه شيئًا) المعنى أنه مدحه بالحسن، وينكت: يقرع شيئًا يؤثر.
* فأما القول فيما جرى على الحسين بن علي ﵁ فإن قولنا فيه ما قال الربيع بن خثيم: فإنه لما قيل له: قد قتل الحسين ﵇؟! قال: اللهم، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، ونحن غير راضين بما جرى إلا أن إظهار النكير في هذا الأمر يوجب ما يستحقه، إلا من بعد فوته وذهاب زمانه وموت فاعله
[ ٥ / ٢٧٣ ]
لا يثير إلا ما يتعلق به جهال هذا الزمان ويجدونه سلمًا إلى سب غير الجاني وتعميم الكل بالأقوال التي ليست بجائزة؛ فكان الإمساك عن ذلك اتباعًا للعلماء، وذلك هو الحق.
-١٦٨٨ -
الحديث الثالث:
[عن أنس أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله - ﷺ -، فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، (١٩٧/ب) فقال: (لا تدعون منه درهمًا)].
* هذا الفداء إنما كان عن العباس حين أسر يوم بدر.
* وقول الأنصار ذلك أرادوا به التقرب إلى رسول الله - ﷺ - وإكرام العباس.
* وقولهم: (ابن أختنا) لأن هاشمًا كان قد تزوج امرأة من بني النجار، يقال يها: سلمى، فولدت له عبد المطلب. فلذلك قالوا: ابن أختنا.
* وقوله: (لا تدعون) بالنون فإنه إخبار يتضمن الحث على الترك؛ فكأنه قال: ما تدعون، ويجوز أن يكون الراوي قد لحن بإثبات النون فيكون نهيًا لهم عن أن يدعوه، وقد كان جرى من قبول الفداء منهم ما قد جرى.
* وفيه من حسن الأدب أنهم قالوا: (ابن أختنا) ولم يقولوا: (عمك) لتكون
[ ٥ / ٢٧٤ ]
المنة بالترك عليهم لا عليه.
-١٦٨٩ -
الحديث الرابع:
[عن أنس، (أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله - ﷺ - برد حرير سيراء)].
* قد سبق شرح هذا في مسند ابن عمر.
-١٦٩٠ -
الحديث الخامس:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إن كان ظالمًا: كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره).
وفي رواية: (كيف ننصره ظالمًا؟ قال: تأخذ فوق يده)].
* هذا الحديث قد سبق وتقدم الكلام عليه.
[ ٥ / ٢٧٥ ]
-١٦٩١ -
الحديث السادس:
[عن أنس، (قال: كان النبي - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل التمرات).
وفي رواية: (يأكلهن وترًا)].
* هذا الحديث يدل على استحباب الفطر قبل الصلاة وبخلاف الأضحى لأنه قد كان صائمًا فأمر أن يفطر بخلاف الأضحى، وذلك أن الناس يعتادون الصوم في رمضان فإذا أصبحوا تفرغوا من الأكل والعادة، فأكل - ﷺ - لتغير العادات.
* وفيه ما يدل على استحباب التمر عند الفطر، وقد تقدم اختيار الوتر؛ لكونه يذكر بالوتر، الوتر سبحانه.
-١٦٩٢ -
الحديث السابع:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -: (أنه كان إذا تكلم بكلمة: أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم سلم عليهم سلم (١٩٨/أ) عليهم ثلاثًا)].
[ ٥ / ٢٧٦ ]
* أما إعادته الكلمة فذلك يدل على أنه كلام محق غير مغالط ولا من يخاف أن يؤخذ عليه ما يقول ولا أن ينقض عليه قول.
* وأما التسليم ثلاثًا فلتكثير البركة؛ أو يسمع من لم يسمع فيرد السلام فتجب له الرحمة.
-١٦٩٣ -
الحديث الثامن:
[عن أنس، قال: (يرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾)].
* هذا الحديث طرف من حديث تقدم في مسند أنس أيضًا، وقد سبق الكلام عليه هنالك.
-١٦٩٤ -
الحديث التاسع:
[عن ثمامة، قال: (حج أنس على رحل، ولم يكن شحيحًا، وحدث أن النبي - ﷺ - حج على رحل وكانت زاملته)].
[ ٥ / ٢٧٧ ]
* هنا يدل على أن الحج على الرحل أفضل من الحج على المحمل.
* وقوله: (لم يكن شحيحًا) يدل على أن مقصوده اتباع السنة.
-١٦٩٥ -
الحديث العاشر:
[عن أنس، (أن قيس بن سعد بن عبادة: كان يكون بين يدي النبي - ﷺ -، بمنزلة صاحب الشرط من الأمير)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن ما قلنا من أمر صاحب الشرطة في الاثني عشر الذين تقدم ذكرهم.
-١٦٩٦ -
الحديث الحادي عشر:
[عن ثمامة قال: (كان أنس لا يرد الطيب، قال: وزعم أنس: أن النبي - ﷺ -
[ ٥ / ٢٧٨ ]
كان لا يرد الطيب)].
* ويدل على قبول الهدية، وقد كان النبي - ﷺ - لا يرد الطيب خاصة وإنما غير فربما رده.
-١٦٩٧ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أنس قال: قال النبي - ﷺ -: (إنكم ستلقون بعدي أثره، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض).
وفي رواية: (دعا النبي - ﷺ - للأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا: لا، إلا أن يقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها). فقال: (أما لا، فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم أثرة بعدي)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - أراد إيثار الأنصار بإقطاع البحرين حكمًا منه على المهاجرين، لأن المهاجرين منه وأهله فلما فهمت الأنصار أن رسول الله - ﷺ - أراد ذلك (١٩٨/ب) إيثارًا لهم، وجزاء بإحسانهم بما آثروا به
[ ٥ / ٢٧٩ ]
من أموالهم حتى نزل فيهم: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾؛ قالوا: لا، أي ما نريد أن يقطع لنا وحدنا، فيكون جزاء عن أعمالنا، ولكن إن سويت بيننا وبين المهاجرين أخذنا، فتكون تلك القسمة عامة للمسلمين فقال رسول الله - ﷺ -: (أما لا) أي إذا لم تريدوا إيثاري لكم فاصبروا ليكون إعطاؤكم ما لا يفنى.
-١٦٩٨ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أنس، قال: (مر يهودي برسول الله - ﷺ - فقال: السام عليكم. فقال رسول الله - ﷺ -: وعليك، أتدرون بما يقول؟ قال: السام عليك. قالوا: يا رسول الله ألا تقتله، قال: لا، إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: وعليكم)].
* هذا الحديث قد مضى والكلام عليه.
-١٦٩٩ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - كان يجمع بين هاتين الصلاتين في السفر
[ ٥ / ٢٨٠ ]
يعني المغرب والعشاء)].
* قد سبق الكلام في الجمع في السفر وغيره.
-١٧٠٠ -
الحديث الخامس عشر:
[عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: (خط النبي - ﷺ - خطوطًا فقال: هذا الأمل، وهذا أجله، فبينما هو كذلك إذا جاء الخط الأقرب)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند عبد الله بن مسعود بتمام نطقه.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - نقل التصوير عن الفهم إلى ما تدركه الأبصار ليكون تمثيله - ﷺ - أدعى إلى تعليم السامعين في سرعة ليدرك ذلك من سمعه بسمعه وبصره.
* فأما قوله - ﷺ - حين خط الخطوط: (هذا الأمل)، ثم قال: (وهذا أجله)، ثم جعل الأمل أبعد عنه، والأجل أقرب إليه، فإنه يعني - ﷺ - أنه لا يزال كل قريب الأجل بعيد الأمل، وأن أجله أدنى إليه، وأمله أبعد عنه، وأن يكون الأجل قاطعًا بين الإنسان وبين أمله. وهذه الهاء فهي راجعة إلى ما استقر في
[ ٥ / ٢٨١ ]
النفوس، فإنه لا يكون الأمل إلا للآدمي، فقال رسول الله - ﷺ - (١٩٩/أ): (وهذا أجله) يعني الآدمي، والضمائر فهي تعود على شاهد وغائب، ثم ينقسم عود الضمائر في الغالب على وجوه: منها ما تقرر في النفوس وهو هذا. ومنه قول الله ﷿: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ يعني القرآن.
* وفي هذا الحديث من التنبيه على أن الأجل مقسوم معلوم لا يتجاوزه متجاوز.
* وفيه أيضًا دليل على أنه لا يعلمه أحد إلا الله ﷾، وأنه غيب عن الآدميين، ولذلك تجاوزته الآمال وبعدته الأطماع.
* وفيه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - لما أطلق القول في أن الآجال تقصم عرى الآمال أشار بذلك إلى مصالح كثيرة منها: أن لا يجمع الإنسان ما لا يأكله، ولا يعد من العتاد لعمر لا يبلغه، ولا يرجأ أعماله من الخير بالتسويف إلى أجل لا يصل إليه، ولا يدافع بالإنابة انتظارًا لأمد ينتهي إليه، ولئلا يستبطأ أحد نزول الموت به نائيا ذلك على ما يلاحظه من أمل بعيد، فإن الأجل أقرب إليه منه.
ل٥ وعلى أن هذا الحديث هو أصل من أصول الحق المبدي عورة الدنيا؛ فإن مدارها على طول الأمل، وهو الذي يثمر التسويف بأعمال الخير والصبر على أعمال الشر.
[ ٥ / ٢٨٢ ]
-١٧٠١ -
الحديث السادس عشر:
[عن أنس قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن: المحاقلة، والمخاضرة، والملامسة، والمنابذة)].
* قد سبق الكلام في تفسير هذه الألفاظ سوى المخاضرة وهي اشتراء الثمار وهي مخضرة، لم يبد صلاحها.
-١٧٠٢ -
الحديث السابع عشر:
[عن أنس عن رسول الله - ﷺ -، قال: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، ثم صبر، عوضته منهما الجنة) يريد: عينيه)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن العينين أحب أعضاء الإنسان إليه، فإن الإنسان يقول لواحد إذا أراد أن يخبره بغاية المحبة فإنه يقول له: أنت
[ ٥ / ٢٨٣ ]
عندي كعيني، وذلك أن العين (١٩٩/ب) تشهد عنده بوجود الأحداث في خلق السموات والأرض فيكون طريقًا إلى إيمانه بخالق السموات والأرض، ثم إنها تسافر به إلى المكان البعيد، وهو جالس فإذا أخذ الله ﷿ عيني عبده لحكمة اقتضاها أمره، مما قد أظهرنا نحن على بعضها، فإنه قد ألهج الذين تذهب أبصارهم بقراءة القرآن وتلقينه الناس.
* وقد جاء الحديث الذي تقدم: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فلما أذهب عنهم أحب الأعضاء إليهم، عاضهم الله ﷿ بأن شغلهم بأحب الأشياء وأشرفها من تلاوة كتابه، ثم جعل ﷾ في الجنة عوضًا لهم عما فقدوه، ولا يبعد أن يكونوا من أول الناظرين إلى الله تعالى.
-١٧٠٣ -
الحديث الثامن عشر:
[عن محمد بن سيرين، قال: (قلت لعبيدة: عندنا من شعر النبي - ﷺ -، أصبناه من قبل أنس، أو من قبل أهل أنس. قال: لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها)].
* هذا الحديث يدل على قوة إيمان القوم في التبرك بالنبي - ﷺ -، فإن كلًا منهم كان إذا حصل له شيء من شعر النبي - ﷺ - تحصن به وتبرك به.
[ ٥ / ٢٨٤ ]
-١٧٠٤ -
الحديث التاسع عشر:
[عن أنس، قال: (قال رجل من الأنصار، وكان ضخمًا، للنبي - ﷺ -: إني لا أستطيع الصلاة معك، فصنع النبي - ﷺ - طعامًا، فدعاه إلى بيته، ونضح له طرف حصير بماء، فصلى عليه ركعتين، فقال فلان بن فلان بن الجارود لأنس: أكان النبي - ﷺ - يصلي الضحى؟ قال: ما رأيته صلى غير ذلك اليوم).
وفي رواية: (زار أهل بيت من الأنصار، فطعم عندهم طعامًا فلما أراد أن يخرج أمر بمكان من البيت فنضح له على بساط فصلى عليه ودعا لهم)].
* قد سبق بيان هذا الحديث وشرحنا له.
* والكلام في صلاة الضحى، وفيه صلاة النافلة في البيت.
-١٧٠٥ -
الحديث العشرون:
[عن أبي قلابة، عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (إذا نعس في الصلاة فلينم، حتى يعلم ما يقرأ)].
[ ٥ / ٢٨٥ ]
* في هذا الحديث من الفقه أنه لا ينبغي للإنسان أن يقرأ حتى يعلم ما يقرأ؛ لأن المراد من القراءة تدبرها؛ فإذا غلب النوم حال بين التالي وبين المقصود.
-١٧٠٦ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (إذا وضع العشاء وأقيمت (٢٠٠/أ) الصلاة، فابدؤوا بالعشاء)].
* قد تقدم هذا الحديث والكلام عليه، وأشير إليه فأقول: إن رسول الله - ﷺ - لما أمر حين اتفق عرض العشاء وإقامة الصلاة، أن يبدأ بالعشاء ويؤخر الصلاة؛ فإن ذلك من قوله منبهه للمصلين أن يكونوا متفرغي القلوب لفهم أذكار الصلاة وتدبرها وإيفائها حسن الأدب، وأن لا يطلع الله ﷿ على قلب مصل فيراه متطلعًا إلى انقضائها عجلًا فيها، فلذلك ما أمر به - ﷺ - من تقديم العشاء على الصلاة ليدخل في الصلاة وهو فارغ القلب من التطلع.
* وفيه أيضًا دليل على خلاف ما يزعمه المتعمقون من أنهم إذا كانوا على شدة الجوع كانوا أصفى أذهانًا كما يزعمون؛ فإنه لم يكن رسول الله - ﷺ - يختار للمصلي تقديم ما يكدر صفاء فهمه قبل دخوله إلى صلاته.
* وفيه أيضًا دليل على أن الضعف في الآدميين شائع، وينبغي له أن يعرف ضعف نفسه فيداريها مداراة الضعفاء لتبلغه المحل.
[ ٥ / ٢٨٦ ]
-١٧٠٧ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أنس (أن أبا طلحة وأنس بن النضر كوياه، وكواه أبو طلحة بيده).
وفي رواية: (أذن رسول الله - ﷺ - لأهل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة والأذن، قال أنس: كويت ذات الجنب ورسول الله - ﷺ - حي، وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني)].
* قد سبق الكلام في الكي وفي الرقية في مسند عمران بن حصين وغيره.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
-١٧٠٨ -
الحديث الثالث والعشرون: [عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (المدينة يأتيها الدجال، فيجد الملائكة يحرسونها، فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى)].
* قد سبق ذكر فضيلة المدينة وامتناع هذه الأشياء منها.
-١٧٠٩ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (رفعت لي السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: فالنيل (٢٠٠/ب) والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة، وأتيت بثلاثة أقداح: قدح فيه لبن، وقدح فيه
[ ٥ / ٢٨٨ ]
عسل، وقدح فيه خمر، فأخذت الذي فيه اللبن فقيل لي: أصبت الفطرة)].
* هذا بعض حديث المعراج، وقد سبق الكلام عليه في مسند مالك بن صعصعة.
-١٧١٠ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - يرويه عن ربه ﷿قال: (إذا تقرب العبد إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإذا تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أتاني مشيًا أتيته هرولة)].
* قد سبق كلامنا في هذا الحديث وبيناه بيانًا مشروحًا في أماكن.
-١٧١١ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن أنس قال: (كان النبي - ﷺ - يدور على نسائه في الساعة الواحدة،
[ ٥ / ٢٨٩ ]
من الليل والنهار، وهن إحدى عشرة. قلت لأنس: وكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وله يومئذ تسع نسوة).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - كان يطوف على نسائه بغسل واحد)].
* والظاهر أنه كان - ﷺ - يتوضأ بين الوطئين أو يستنجي لأنه هو الذي يليق بمكارمه وطهارته.
-١٧١٢ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن أنس: (أن رجلين من أصحاب النبي - ﷺ - خرجا من عند النبي - ﷺ - في ليلة مظلمة، ومعهما مثل المصباحين [يضيئان] بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد، حتى أتى أهله).
وفي رواية: (أن أسيد بن حضير ورجلًا من الأنصار).
وفي رواية: (كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند النبي - ﷺ -)].
[ ٥ / ٢٩٠ ]
* هذه كرامة من كرامات الله ﷿ لأوليائه، وأفضل الأولياء أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكراماتهم من أدلة نبوته - ﷺ -؛ لأنهم أتباعه على شريعته.
-١٧١٣ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن أنس قال: (ولقد رهن النبي - ﷺ - درعه بشعير، ومشيت (٢٠١/أ) إلى النبي - ﷺ - بخبز شعير وإهالة سنخة، فلقد سمعته يقول: (ما أصبح لآل محمد إلا صاع، ولا أمسى، وإنهم لتسعة أبيات)].
* قد سبق ذكر الإهالة السنخة في هذا المسند.
* وقد دل الحديث على شدة عيشه بالقلة لا على وجه الشكوى.
* وفيه جواز الرهن لعدة السلاح وإن كان يحتاج إليه.
-١٧١٤ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: (ليصيبن أقوامًا سفع من النار، بذنوب
[ ٥ / ٢٩١ ]
أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله إلى الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم: الجهنميون)].
* قد تقدم حديث الشفاعة، والسفع من النار هو أثر لهبها.
-١٧١٥ -
الحديث الثلاثون:
[عن أنس، قال: (ما نعلم حيًا من أحياء العرب أكثر شهداء من الأنصار، قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك: أن قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون)].
* قد مضى هذا الحديث، وهو يدل على فضيلة الأنصار، فإن الله تعالى أكرمهم بالشهادة كما أكرموا رسول الله - ﷺ -.
-١٧١٦ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن أنس: (أن النبي - ﷺ - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم
[ ٥ / ٢٩٢ ]
رقد مدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به)].
* قد ذكر المحصب والإشارة إلى الجمع، وقد تقدم ذلك.
-١٧١٧ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن أنس (أن النبي - ﷺ - وزيد بن ثابت تسحرا فلما فرغا من سحورهما، قام نبي الله - ﷺ - إلى الصلاة يصلي، قلنا لأنس: كم بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند زيد بن ثابت، وأوضحنا الكلام عليه وهو مما يسند ما ذكرنا من الله ﷿ شرع تأخير السحور وتعجيل الفطر؛ فلم يكن قصد الشرع من الصيام زيادة تجوع كما يذهب إليه من يرى ذلك أخذًا له من الترهب.
[ ٥ / ٢٩٣ ]
-١٧١٨ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن أنس أن النبي - ﷺ -، قال: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم) (٢٠١/ب) فاشتد قوله في ذلك حتى قال: (لينتهن أو لتخطفن أبصارهم)].
* قد تقدم هذا في مسند أبي قتادة، وتكلمنا عليه هنالك.
-١٧١٩ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: (إن في الجنة شجرة، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)].
* قد تقدم هذا، والكلام في ظلها في مسند سهل بن سعد، وأشير إليه
[ ٥ / ٢٩٤ ]
فأقول: إنه - ﷺ - لما ذكر أن الراكب يسير في ظلها مائة عام قال بعد ذلك: (لا يقطعها) فدل على أن سير مائة سنة في ظل شجرة واحدة من أشجار الجنة لا يقطعها ولا ينفذها، فإنما ذكر رسول الله - ﷺ - لما ذكر في هذه الشجرة ليستدل بذكرها على سعة الحدائق التي فيها النخل والأشجار التي هذه الشجرة واحدة منها، وعلى سعة الأماكن التي فيها تلك الحدائق فهو مما لا يمكن أن يعبر عنه إلا بما قال الله تعالى: ﴿وإذا رأيت ثم رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا﴾.
* وذكر ذلك رسول الله - ﷺ - ليعلم أمته بسعة الآخرة بتمثيل من أمثال ضيق الدنيا توصلًا بذلك إلى تبليغه إلى المفهوم، وهو كما قال سبحانه: ﴿في جنات ونهر﴾ أي سعة، فكان الشيخ محمد بن يحيى يقول في قول الله ﷿: ﴿وجنة عرضها كعرض السماء والأرض﴾ إن ذلك من حيث تكسيره في ضرب الحساب فهو ينتهي إلى ما لا يمكن العقول الوقوف على حده وتجسر على إدراكه.
-١٧٢٠ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن أنس، أن النبي - ﷺ - صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: (اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان).
[ ٥ / ٢٩٥ ]
وفي رواية: (اثبت فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد)].
* ارتجاج الجبل لصعودهم عليه كان آية من آيات الله ﷿. وقد بلغنا عن ابن سمعون، أنه قال: ما أرى الجبل رجف بهم إلا عجزًا عن حملهم أو طربًا لاجتماعهم على ظهره.
-١٧٢١ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن قتادة، قال: (لم يأكل رسول الله - ﷺ - على خوان حتى مات، وما أكل خبزًا مرققًا حتى مات).
وفي رواية: (كنا نأتي أنا وخبازه قائم، فيقول: كلوا، فما أعلم النبي - ﷺ - رأى له رغيفًا مرققًا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطًا بعينه قط).
وفي رواية: (ما علمت النبي - ﷺ - أكل على سكرجة قط، ولا خبز له مرقق قط، ولا أكل على خوان قط، قيل لقتادة: فعلام كانوا يأكلون؟ قال: على السفر)].
[ ٥ / ٢٩٦ ]
* الخوان: المائدة أو ما يقوم مقامها، وإنما السنة الأكل على السفرة لأنها أقرب إلى التواضع؛ ولأنها متاع المسافر، ولأنها أشمل لحفظ ما عساه أن يسقط عليها من فتات الخبز الذي لا يأمن الآكل أن يقع عليها منه شيء فيداس، فهي تجمع ذلك المتبدد.
* وأما الخبز المرقق: فهو الخفيف، وهو يخبز في التنور، فأما العرب فقد كانوا يجعلون العجين على الأحجار ونحوها فلا يرق.
* وأما الشاة السميط: فهي التي تشوى من غير سلخ، وهذا لا يكون في الأكثر إلا فيما صغر من الضأن، وذلك من طعام المترفين، وقد كان عيشه - ﷺ - على ضد ذلك الترفه، والمراد أنه لم يكن له لكل طعام إناء معروف؛ بل كان يأكل في الإناء الواحد مما يتفق.
* وهذا فلا أراه إلا لأن النبي - ﷺ - كان في نأنأة الإسلام وشدة العيش؛ فاختار الله سبحانه ذلك له؛ وإلا فهو مباح لمن رزقه الله تعالى إياه، والدليل عليه قول أنس لأصحابه: كلوا ولو قد توخى الإنسان تطيب الطعام لضيفه وترقيقه الخبز ليبلغ منه النضج أو غير ذلك لكان ذلك مما يعتد الله ﷾ له به عبادة إن شاء الله تعالى.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
-١٧٢٢ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن قتادة، قال: (سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي - ﷺ -؟ قال: كانت مدًا، ثم قرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾: يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم).
وفي رواية: (كان يمد مدًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه كان لا يدع مدة في التلاوة وذلك تمامها.
* والمد في حروف وهي: الألف، والواو، والياء إذا كان قبلها حركاتها متى ولي واحدًا منها همزة، فإنها تمد، أو ولي واحدًا منها ساكن فإنها تمد أيضًا، لئلا يجتمع ساكنان إلا مع مد. فقوله يمد: (بسم الله) وأن الألف في اسم الله ساكنة والهاء ساكنة فلا ينطق بهما إلا مع مد، وهكذا في الرحمن، وهكذا في الرحيم، لمن يقف على النون والهاء.
* وهكذا الهمزات متى وليت ألفًا كقوله ﷿: ﴿بما أنزل إليك وما (٢٠٢/ب) أنزل من قبلك﴾، وهكذا إن وليت الياء كقوله: ﴿وفي آذانهم﴾، وهكذا الواو لقوله تعالى: ﴿قالوا آمنا﴾.
[ ٥ / ٢٩٨ ]
* وهذا هو حق القراءة، وكان - ﷺ - بقراءته ذلك يكون قارئًا لنفسه، معلمًا لغيره، مؤديًا كلام الله كما أنزل الله ﷿.
-١٧٢٣ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن أنس: (أن نعل النبي - ﷺ - كان له قبالان).
وفي رواية: (أخرج إلينا أنس نعلين جرداوين لهما قبالان، فحدثني ثابت عن أنس: أنهما نعلا رسول الله - ﷺ -)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - كان لنعليه قبالان، والقبال: هو زمام النعل، وهو أمكن للقدم، وأحفظ للنعل في الرجل، من أن يكون ذلك في قبال واحد.
-١٧٢٤ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن قتادة قال: قلت لأنس: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن المصافحة سنة، وذلك عند اللقاء لقوله - ﷺ -:
[ ٥ / ٢٩٩ ]
(إذا التقى المسلمان)، ولهذا لأنه إذا انقطع أحدهما عن لقاء الآخر فلقيه فصافحه كان آكد للأنس.
-١٧٢٥ -
الحديث الأربعون:
[عن أنس عن النبي - ﷺ -، قال: (بينما أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا هو الكوثر؛ الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه-أو طينته-مسك أذفر).
وفي رواية: (لما عرج بالنبي - ﷺ - إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه الدر المجوف. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر)].
* قد مضى ذكر الكوثر في أحاديث فأغنى عن الإعادة.
* وقد جاء في الحديث ذكر القباب، وهذا يدل على أنه لا يقتصر منه لواردته على الشربة فقط ولكن فيه القباب للاستراحة والاستظلال.
-١٧٢٦ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن أنس أن أم الربيع بنت البراء-وهي أم حارثة بن سراقة-: (أتت النبي
[ ٥ / ٣٠٠ ]
- ﷺ -، فقالت: يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة -وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم غرب- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان (٢٠٣/ أ) غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء؟ فقال: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)].
* قال ابن قتيبة: العامة تقول سهم غرب بتسكين الراء، والأجود سهم غرب بفتحها، قال يعقوب بن السكيب: يقال أصابه سهم غرب؛ إذا لم يدر من أي جهة رمي به. قال أبو داود:
فألحقه وهو سلط بها كما يلحق القوس سهم الغرب
يصف فرسًا يعدو خلف عانة من حمير الوحش ألحقه فارسه الغابة،
[ ٥ / ٣٠١ ]
والفرس سلط بها أي غالب.
* وفي هذا الحديث من الفقه أن من أصابه سهم غرب فقتله فهو شهيد لا ينقصه ذلك عن نيل الفردوس الأعلى.
* وفيه أيضًا أن أم حارثة لعزة حارثة عليها أرادت أن تعلم حاله في آخرته، فإن كان قد فاز بالدخول إلى الجنة لم يكن لحزنها موقع، وإن كان ضد ذلك كان حزنها عليه في موضعه، فأخبرها رسول الله - ﷺ - بأنها جنات.
* وهذا كما تقدم ذكرنا له في مسند أبي موسى، أن كل مؤمن له أربع جنات وذلك قول النبي - ﷺ -: (جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما)، وقد نطق القرآن بذلك فقال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾، ثم قال ﷿: ﴿ومن دونهما جنتان﴾.
-١٧٢٧ -
الحديث الثاني والأربعون:
[أخرجه البخاري تعليقًا عن أنس، قال: (كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح: ﴿قل هو الله أحد﴾ حتى يفرع منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه
[ ٥ / ٣٠٢ ]
السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما تقرأ بها أو تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، فكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي - ﷺ - أخبروه الخبر، فقال: (يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصاحبك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة)، قال: إني أحبها قال: (حبك إياها أدخلك الجنة)].
* في هذا الحديث من الفقه جواز أن يقرأ الإنسان بالسورتين في الركعة الواحدة.
* وفيه دليل على أن حب ﴿قل هو الله أحد﴾ أدخل هذا الرجل الجنة من جهة إنها تنزيه لله تعالى، ونفي الأضداد والأولاد.
وقد مضى الكلام في هذه السورة مشبعًا إلا أن هذا الرجل أحب تكريرها في كل ركعة لتكون جالية عن قلبه أوساخ التخيلات دائمًا فلم تطب نفسًا عن أن يتراخى به مدة انقطاع خلا تلاوتها عن قلبه بحال.
-١٧٢٨ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن أنس قال: (كان أبو طلحة قل ما يصوم على عهد رسول الله - ﷺ -، فلما مات رسول الله - ﷺ - ما رأيته مفطرًا إلا يوم فطر أو أضحى)].
[ ٥ / ٣٠٣ ]
* في هذا الحديث من الفقه أنه لما كان الجهاد متصلًا في زمن رسول الله - ﷺ -، كان أبو طلحة لا يفتر، فلما مات رسول الله - ﷺ - قام خلق بفروضه، وعلت سن أبي طلحة فوفر عبادته على الصوم.
-١٧٢٩ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن ثابت قال سئل (أنس بن مالك: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف)].
* في هذا الحديث من الفقه إباحة التداوي، وأن يعتبر المتداوي حال الأدوية فإن الحجامة قد أمر بها رسول الله - ﷺ - في غير هذا الحديث، وذكر أنها من خير ما تداوى به الناس إلا أنه إذا اتفق للصائم ما تقتضي الحجامة أخرها إن كان داؤه يحتمل تأخيرها؛ وإلا أفطر وقضى إن كان صومًا واجبًا؛ وذلك لأن الحجامة تضعف المحجوم، والصوم يضعف الإنسان لئلا يجتمع عليه مضعفان من جهتين، فكرهت الحجامة للصائم من أجل ذلك.
-١٧٣٠ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن أنس قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي - ﷺ -، فمرض، فأتاه
[ ٥ / ٣٠٤ ]
النبي - ﷺ - يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، (٢٠٤/ أ) فخرج النبي - ﷺ -، وهو يقول: (الحمد لله الذي أنقذه من النار)].
* في هذا الحديث جواز استخدام المسلم اليهودي.
* وفيه جواز عيادة المسلم لليهودي.
* وفيه أنه إذا عاده أو لقيه فليدعه إلى الإسلام.
* وفيه أن الإسلام في مثل هذه الحال يقبل، وهذا الرجل كان في عزمه تردد؛ فلذلك شاور أباه.
* والذي أراه في هذا أنه كان مريدًا للإسلام، وإنما كان يخاف من أبيه فلذلك التفت إليه حين دعاه رسول الله - ﷺ -، وأبوه ينظر فلما رآه قال: أطع أبا القاسم، بادر إلى الإسلام فرضي رسول الله - ﷺ - بإسلامه ذلك، وشهد له أنه منقذ له من النار.
* وقوله - ﷺ -: (الحمد لله الذي أنقذه من النار) فيه: أن رسول الله - ﷺ - رعا له عهد خدمته فسر بإسلامه؛ حيث كانت صحبة رسول الله - ﷺ - نافعة له مباركة عليه.
[ ٥ / ٣٠٥ ]
-١٧٣١ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن أنس قال: (لما ثقل النبي - ﷺ -، جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة ﵂: واكرب أبتاه؟ فقال: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه، جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه، إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵍: أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله - ﷺ - التراب؟)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - على علو شأنه وشرف مكانته انتهى الأمر في مرضه إلى أن ثقلت حاله، وذلك من حكمة الله ﷿ ليكون لكل من ثقلت حاله به أسوة فلا يستدل بثقل حال مؤمن على غير الخير.
* وأما قول فاطمة ﵂: (واكرب أبتاه؟) فإن هذه الألف والهاء في كلام العرب يسميان حرفي ندبة فلو قال غير فاطمة ﵍ مثل هذا القول الجميل على ميت جاز، ما لم تقل شيئًا يسخط الرب أو يتبع ذلك بنوح أو لطم خد أو شق ثوب، ولتقل هذا المرأة إذا قالته وهي جالسة لئلا (٢٠٤/ ب) تتشبه بالنادبة في قيامها.
* وفي كلام فاطمة ﵍ دليل على فصاحتها وصدقها؛ لأنها لم تقل واكرباه بل قالت: واكرب أبتاه، يعني الذي منه كربي.
[ ٥ / ٣٠٦ ]
* فأما قولها: (يا أبتاه)، فليست يا ها هنا للنداء، بل هي حرف ندبة.
* وقولها: (يا أبتاه)، ثم قالت: (أجاب ربًّا دعاه)، فخرجت من المواجهة بالنداء إلى الإخبار والتقدير أن أجاب ربًّا دعاه.
* وقولها: (جنة الفردوس مأواه)، كانت موقنة بذلك فلم تقله جزعًا بل قالته وحشة لفراقه وتبرمًا بتخلفها بعده.
* وقولها: (إلى جبريل ننعاه)، تشير بذلك إلى انقطاع نزول جبريل بوقوع الفرقة بينهما في الدنيا فكأنها تقول: أو أنعي الناس الميت إلى أمثالهم، ننعيه إلى جبريل من أهل السماء، وهذا منها ﵍ نعت محزون وقولها: ننعاه، فكأنها تقول: لست أنا وحدي أنعاه؛ ولكن أنا والأمة ننعاه.
-١٧٣٢ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن ثابت قال: كنت عند أنس وعنده بنت له فقال أنس: (جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - تعرض عليه نفسها، فقالت: يا رسول الله - ﷺ - ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها، واسوأتاه، فقال أنس: فهي خير منك، رغبت في النبي - ﷺ - فعرضت عليه نفسها)].
* في هذا الحديث أن دين العارضة نفسها على رسول الله - ﷺ - كان أكثر من
[ ٥ / ٣٠٧ ]
دين الذي زعمت أنها قليلة الحياء من جهة صدوع المرأة بالحق يدل على دينها؛ كما أن تلوي كثير من النساء فيما يسمونه حياء يدل على قلة دينهن لأن حياء الجهال من النساء قحة بين يدي من يعلم ما تخفي الصدور.
-١٧٣٣ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن أنس قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي - ﷺ - فقال: (إن أقوامًا خلفنا بالمدينة، ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا، حسبهم العذر)].
* في هذا الحديث أنه من أراد الغزو، وعزم عليه، وحبسه في عذر؛ فإن له ن الثواب مثل ثواب المجاهدين حتى في نزوله ورحيله وقطعه الأودية وغير ذلك.
* وقوله: (ولا واديًا)، إشارة من النبي - ﷺ - أن التفاوت فيما بين الشعب والوادي في المشقة في صعود الوادي ونزوله، يحتسب بكثرة الخطا فيه الله ﷿ لهم بذلك فوق احتسابه به لهم بقطع الشعب الذي هو أسهل من الوادي.
-١٧٣٤ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أنس قال: كانت (٢٠٥/ أ) ناقة رسول الله - ﷺ - يقال لها: العضباء،
[ ٥ / ٣٠٨ ]
ولا تسبق، قال حميد: ولا تكاد تسبق؛ فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال: (حق على الله تعالى أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)].
* في هذا الحديث من الفقه جواز السبق في الخف كجوازه في الحافز.
* وفيه أن ناقة رسول الله - ﷺ - العضباء لما سبقت الإبل قدر لها بعير سبقها ليكون اعتماد رسول الله - ﷺ - في كل شيء على الله وحده؛ حتى لا يعتمد على جري فرس ولا سبق بعير ولا غير ذلك مما قد يغوى به المخلوقون على ما أربهم ليكون الله تعالى هو كافيه وحده.
* وفيه أيضًا دليل على أن كل شيء يرتفع من الدنيا فإن حقًّا على الله أن يضعه. يرتفع في كلام العرب يفتعل، ولم يقل في هذا الحديث ما رفع الله شيئًا إلا وضعه؛ لأن ما رفعه الله فلا واضع له في الدنيا ولا في الآخرة.
-١٧٣٥ -
الحديث الخمسون:
[عن أنس (أن النبي - ﷺ - كان إذا قدم من سفر، فنظر إلى جدرات المدينة، أوضع راحلته، وإن كان على دابة حركها من حبها)].
[ ٥ / ٣٠٩ ]
* في هذا الحديث من الفقه جواز إعداد السير وإنضاء الدواب لتعجيل الورود على الأهل، وقد يجوز أن يكون رسول الله - ﷺ - فعل ذلك رعاية لقلوب أصحابه؛ لأنه قد يكون فيهم المشتاق إلى أهله والحديث العهد ببنائه أهله، فكان الإسراع في السير عند العود نزولًا عن قوته إلى رتبة الضعفاء المشتاقين إلى أهليهم، وكان هذا الإسراع في المعنى متناولًا نطقه - ﷺ -: (سيروا سير أضعفكم) أي سير أضعفكم في العجز عن إطاقة الحث وتطويل المنازل فكان ضعف القلوب في التأخير لأجل الاشتياق إلى الأهل نظير الضعف في الأبدان عند الحث في السير.
-١٧٣٦ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أنس، قال: (آلى رسول الله - ﷺ - من نسائه شهرًا، وكانت انفكت قدمه، فجلس في علية له، فجاء عمر، فقال: أطلقت نساءك؟ قال: لا، ولكن آليت منهن شهرًا، فمكث تسعًا وعشرين يومًا ثم نزل، فدخل على نسائه).
وفي رواية: (فقالوا: يا رسول الله، آليت شهرًا؟ فقال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - (٢٠٥/ ب) صرع من فرسه، فجحش شقه، أو كتفه، وآلى من نسائه شهرًا، فجلس في مشربة له، درجتها من جذوع، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلى بهم جالسًا وهم قيام، فلما سلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإن صلى قائمًا، فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا
[ ٥ / ٣١٠ ]
قعودًا، ولا تركعوا حتى يركع، ولا ترفعوا حتى يرفع). وقال: ونزل لتسع وعشرين، فقالوا: يا رسول الله، إنك آليت شهرًا، فقال: (إن الشهر تسع وعشرون)].
* قد تقدم الكلام في هذا الحديث في مسند عمر.
* وأما انفكاك قدم رسول الله - ﷺ - فإنه يدل على أن رسول الله - ﷺ - جلس لذلك موليًا عن نسائه جامعًا في ذلك بين معالجة الكريمة بالراحة، وبين معالجة، أخلاق النساء بالإيلاء.
-١٧٣٧ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أنس، قال: (أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب مسجده، فكره
[ ٥ / ٣١١ ]
رسول الله - ﷺ - أن تعرى المدينة، فقال: يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟ فأقاموا)].
* في هذا الحديث أن الاحتساب بالخطا إلى المساجد فكلما كثرت زاد ثوابها.
* وفيه دليل على أن الإمام إذا نظر مصلحة راجعة إلى بلد من البلاد أخرج الأمر بها مخرجًا صالحًا في الدين، لأن في الحديث وكره رسول الله - ﷺ - أن تعرى المدينة أي لا تكون حولها من البيوت ما يشبهه الكسرة، فقال النبي: (يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟)
فأخرج ذلك مخرجًا جميلًا كريمًا، ولم يظهر عنه مبالاة بما يكره لأجله أن تعرى المدينة ممن يكون حولها، وليكون أصحابه في لزومهم أبنيتهم حول المدينة لأجل الاحتساب بكثرة الخطا مأجورين، وإن انضم إلى ذلك عمارة ما حول المدينة.
-١٧٣٨ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أنس، قال: (كنا نبكر إلى الجمعة؛ ثم نقيل بعدها).
وفي رواية: (كنا نبكر بالجمعة، ونقيل بعد الجمعة)].
[ ٥ / ٣١٢ ]
* التبكير هو التقديم، وباكورة كل شيء أوله.
* وفيه استحباب القيلولة، ويستحب أن تكون بعد الجمعة.
* وقد مضى هذا الحديث في مسند سهل بن سعد وذكرنا تفسيره.
-١٧٣٩ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أنس، قال: (كانت الريح إذا هبت عرف ذلك في وجه رسول الله - ﷺ -)].
* فيه من الفقه الخوف من الريح، لأنها إذا جاءت رعرعًا فقل ما ينتفع بها، وإنما الريح المنتفع بها هي المرسلات عرفًا، فكان (٢٠٦/ أ) رسول الله - ﷺ - يخاف من ذلك لتجويزه أن تأتي بالعذاب.
-١٧٤٠ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن أنس، قال: (كان النبي - ﷺ - عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي - ﷺ - في بيتها يد الخادم، فسقطت
[ ٥ / ٣١٣ ]
الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي - ﷺ - فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: (غارت أمكم)، ثم حبس الخادم، حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت)].
* في هذا الحديث استحباب مداراة النساء، وعلى هذا الحديث اعتراض لقائل أن يقول الصحفة من ذوات القيم فكيف غرمها؟
الجواب أن الظاهر فيما يحويه بيت الرسول - ﷺ - أنه ملكه فنقل من ملكه إلى ملكه لا على وجه الغرامة بالقيمة.
-١٧٤١ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن أنس قال: (بلغ عبد الله بن سلام مقدم رسول الله - ﷺ - المدينة -فقال عبد الله بن بك عن بكر عن حميد: وهو في أرض يحترف- فأتاه، وقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؛ ما أول طعام يأكله أهل الجنة؛ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أي شيء ينوع الولد إلى أخواله؟
فقال رسول الله - ﷺ -: (خبرني بهن آنفًا جبريل) قال: فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة.
[ ٥ / ٣١٤ ]
زاد في رواية عبد الله بن بكر عن حميد فقرأ هذه الآية: (من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزل على قلبك﴾ فقال رسول الله؟: (أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد: فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها).
قال: أشهد أنك رسول الله - ﷺ -، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله - ﷺ -: (أي رجل فيكم عبد الله بن سلام) فقالوا: أعلمنا (٢٠٦/ ب)، وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (أفرأيتم إن أسلم عبد الله). قالوا: أعاذه الله من ذلك).
زاد في رواية: (فأعاد عليهم- فقالوا مثل ذلك- فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا، وابن شرنا، ووقعوا فيه. قال يعني ابن سلام-: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله).
وفي رواية: (أقبل نبي الله - ﷺ - إلى المدينة وهو مردف أبا بكر ﵁، وأبو بكر يعرف، ورسول الله - ﷺ - شاب لا يعرف، قال: فليقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر، من هذا الرجل بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.
[ ٥ / ٣١٥ ]
فالتفت أبو بكر ﵁ فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا. فالتفت النبي - ﷺ - فقال: (اللهم اصرعه) فصرعه فرسه، ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله، مرني بما شئت، فقال: (قف مكانك، لا تترك أحدًا يلحق بنا)، قال: فكان أول النهار جاهدًا على النبي - ﷺ -، وكان آخر النهار مسلحة له.
فنزل نبي الله - ﷺ - جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار فجاؤوا إلى نبي الله وأبي بكر فسلموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبي الله - ﷺ - وأبو بكر، وحفوا دونهما بالسلاح، قيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله، وأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام، وهو في نخل له يخترف لهم، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله - ﷺ -، ثم رجع إلى أهله. فقال نبي الله - ﷺ -: (أي بيوت أهلنا أقرب)، فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي، قال: (فانطلق فهيئ لنا مقيلًا)، قال: قوما على بركة الله.
فلما جاء نبي الله - ﷺ - جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله - ﷺ -، وأنك جئت بحق، وقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في.
فأرسل نبي الله - ﷺ -، فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (يا معشر اليهود، ويلكم، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم (٢٠٧/ أ) لتعلمون
[ ٥ / ٣١٦ ]
أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا)، فقالوا: ما نعلمه، قالوا للنبي - ﷺ -، وقالها ثلاث مرار، قال: (فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام) قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: (أفرأيتم إن أسلم)، قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم، قال: (أفرأيتم إن أسلم)، قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم، قال: (أفرأيتم إن أسلم) قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم، قال: (يا ابن سلام اخرج عليهم)، فخرج فقال: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله - ﷺ -، وأنه جاء بالحق، قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله - ﷺ -)].
*قد سبق تفسير هذا الحديث في غير موضع.
*ومعنى يخترف يجتني الثمر. وقوله: ينزغ الولد أي يميل ويرجع في الشبه.
*وقوله: بهتوني عندك أي كذبوا علي كذبًا فاحشًا. وقوله: مسلحة أي
[ ٥ / ٣١٧ ]
حارسًا بسلاحه.
- ١٧٤٢ -
الحديث السابع والخمسون:
عن أنس، قال: (إن كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله - ﷺ -، فتنطلق به حيث شاءت)].
* في هذا الحديث صفة حسن خلق رسول الله - ﷺ - إنه لم يكن ممتنعًا ولا بعيدًا عن من يريد أن يكلمه، ويدل على أنه - ﷺ - كان من الأمانة وبعد الظنة بحيث لا يتأثر عرضه - ﷺ - بأن تذهب به الأمة حيث شاءت، ولأن للنساء حوائج كما للرجال، وللإمام من إنصافه وإنعامه كما للحرائر لأنه أبو الأمة.
-١٧٤٣ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها).
وفي رواية: (وحسابهم على الله).
[ ٥ / ٣١٨ ]
وفي رواية: (سأل ميمون بن سياه أنسًا: ما يحرم دم العبد وماله؟ فقال: من شهد أن لا إله إلا الله، واسقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم)].
* هذا الحديث موقوف قد تقدم في مسند عمر ﵁.
-١٧٤٤ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أنس، قال: (لم يبق ممن صلى (٢٠٧/ ب) القبلتين غيري)].
* هذا يدل على أن من صلى القبلتين أفضل من غيره، والمراد بالقبلتين قبلة بيت المقدس والكعبة.
-١٧٤٥ -
الحديث الستون:
[عن سليمان التيمي، قال: (رأيت على أنس برنسًا أصفر من خز)].
* في هذا دليل على جواز لبس البرانس التي من خز؛ لأنه ليس بلباس كامل.
[ ٥ / ٣١٩ ]
-١٧٤٦ -
الحديث الحادي والستون:
[عن أنس قال: (كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي؟: (أميطي عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي)].
* قد سبق في ذكر الصور ما سبق إلا أن في هذا الحديث ما يدل على أن المصلي إذا عرض له في صلاته خيالات وذكر محرم لو غيره لم تفسد صلاته.
* والقرام: هو الستر الرقيق، والإماطة: هي الإزالة.
-١٧٤٧ -
الحديث الثاني والستون:
[عن عبد العزيز، قال: (دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، قال ثابت: يا أبا حمزة، اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله - ﷺ -، قال: بلى قال: (اللهم رب الناس مذهب الباس، اشف، أنت الشافي، لا
[ ٥ / ٣٢٠ ]
شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن هذه رقية.
* فأما قوله: رب الناس، فإن المعنى يا رب الناس، فحذف منه حرف النداء لاستشعار قرب المنادى؛ وكذلك قوله: مذهب الباس فحذف منه حرف النداء لذلك. وقوله: مذهب نكرة عرفها الإضافة، والمعنى أن الله تعالى معروف بإذهاب الباس، فدعاه باسم يناسب المسألة التي يريد السائل أن يسألها، وهي قوله: اشف أنت الشافي، يعني إن أشفيت بسبب فأنت الشافي بغير سبب.
* وقوله: لا شفاء إلا شفاؤك، يعني أن الشفاء من كل طريق وعلى كل وجه فإنه منك.
* وقوله: شفاء لا يغادر سقمًا، شفا مصدر لقوله اشف، يعني اشف شفاء لا يغادر سقمًا أي لا يخلف سقمًا، وسقمًا ها هنا مصدر نكرة فهو في هذا الموضع أبلغ من المعرف أي لا يغادر سقمًا من الأسقام.
-١٧٤٨ -
الحديث الثالث والستون:
[عن أنس قال: دخل النبي - ﷺ -، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا: هذا (٢٠٨/ أ) حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت، فقال النبي - ﷺ -: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد)].
* في هذا الحديث من الفقه أن لا يجوز للعبد أن يعرض نفسه لأن يضجر من
[ ٥ / ٣٢١ ]
عبادة الله تعالى، وقد تقدم الكلام في هذا.
* وفيه أيضًا أنه إذا رأى العالم إنسانًا قد تعرض بذلك نهاه.
* وفيه أيضًا أن الإنسان إذا نشط للصلاة فصلى بمقدار نشاطه لم يقدح ذلك في جده وإخلاصه وإن كان للنفس فيه مراد.
* وفيه أن من فتر عن العبادة قعد ولم يكابد نفسه.
-١٧٤٩ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم)].
* هذا الحديث قد سبق وشرح مستوفى، ومعناه أنه يزيد إيمانه.
-١٧٥٠ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أنس، قال: (أتي النبي - ﷺ - بمال من البحرين، فقال: انشروه في
[ ٥ / ٣٢٢ ]
المسجد - وكان أكثر مال أتي به رسول الله - ﷺ -،، فخرج رسول الله - ﷺ - إلى الصلاة، ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة، جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، إذ جاء العباس ﵁، فقال: يا رسول الله، أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا، فقال رسول الله - ﷺ -: خذ، فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقله، فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إلي، قال: لا، قال: فارفعه أنت على، قال: لا، فنثر منه ثم احتمله، فألقاه على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله - ﷺ - يتبعه بصره حتى خفي علينا، عجبًا من حرصه، فما قام رسول الله - ﷺ - وثمَّ منها درهم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن إذن رسول الله - ﷺ - للعباس بالأخذ، ينصرف إلى ما يطيق حمله، فلما أخذ ما لم يطق حمله لم يعنه عليه، لأنه أخذ أكثر من المأمور به.
* وقوله: تعجبًا من حرصه، هو من كلام الراوي، وليس هو من كلام رسول الله - ﷺ -.
-١٧٥١ -
الحديث السادس والستون:
[عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله (٢٠٨/ ب) عليه وسلم:
[ ٥ / ٣٢٣ ]
(اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة).
وفي رواية قال لأبي ذر: (اسمع وأطع، ولو لحبشي، كأن رأسه زبيبة)].
* في هذا الحديث أنه لو قد ولي على الأشراف ذوي القدر والمآثر عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، يعني بذلك - ﷺ - سواد رأسه وقماءته، وأنه لا ينبغي أن ينظر إلى صورته ولا إلى كونه حبشيًّا فقال غيره أولى منه، وهذا فإنه إنما يكون في الولاة بين الخلفاء، فإن الأئمة من قريش كما قال النبي - ﷺ -: (لا يزال هذا الأمر في قريش).
-١٧٥٢ -
الحديث السابع والستون:
[عن عاصم بن سلمان قال: (رأيت قدح النبي - ﷺ - عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نضار.
قال أنس: (لقد سقيت رسول الله - ﷺ - في هذا القدح أكثر من كذا وكذا)، قال: وقال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغير شيئًا صنعه رسول الله - ﷺ -، فتركه).
وفي رواية: (أن قدح النبي - ﷺ - انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، قال عاصم: رأيت القدح وشربت فيه).
[ ٥ / ٣٢٤ ]
وفي رواية لمسلم: (لقد سقيت رسول الله - ﷺ - بقدحي هذا الشراب كله، العسل، والنبيذ، والماء واللبن)].
* في هذا الحديث جواز تضبيب القدح بالفضة، ولا يكون ذلك من متاع الدنيا المذموم؛ بل هو من المعاون على العبادة.
* وفيه أنه يستحب اتخاذ القدح من الشيء الخالص لأن النضار هو الخالص من كل شيء، وقيل النضار: أقداح حمر شبهت بالذهب، ويقال للذهب: النضار. وهذا يدل على أنه يستحب للإنسان أن لا يستعمل ألا الأجود من كل شيء، فإن ذلك أبلغ لما يراد في جنسه، وأما الحلقة التي اتخذت فيه من حديد فلا أرى ذلك إلا ليعلقه الراكب معه إذا ركب فيكون أحفظ له وأصون للراكب عن الاشتغال به في غير وقت الحاجة إليه.
* وأما قوله: قد (٢٠٩/ أ) سقيت رسول الله - ﷺ - بقدحي هذا الشراب كله، فإنه عنى أن النبي - ﷺ - لم يكن من المنعمين المترفين الذين عندهم لكل شراب آنية مفردة، وأنه كان يشرب كل الشراب في هذا القدح، ويعني بالنبيذ النبيذ من الماء والتمر قبل أن يشتد أو يعود إلى حال يسكر كثيره، فإن ذلك لا يجوز شربه وقد سبق بيان هذا فيما تقدم.
[ ٥ / ٣٢٥ ]
-١٧٥٣ -
الحديث الثامن والستون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أكثرت عليكم في السواك)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه - ﷺ - لما أمر بالسواك وحض عليه، وتابع ذلك خاف أن يكون أمره بذلك يبعث بعض الناس على الإلحاح عليه إلى الحد الذي يزعزع الأسنان، فقد قال ابن زكريا في كتابه المعروف (بالحاوى) في باب: حفظ الأسنان: ولا تلح على الأسنان بالسواك، ويريد بذلك أن خير الأمور أوساطها كما أن هجر السواك وإطراحه يعفن الأسنان ويفسدها، وأن الإلحاح المتجاوز حده فيما يزعزعها ويضعف أصول منابتها.
-١٧٥٤ -
الحديث التاسع والستون:
[نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة، فرأى طيالسة، فقال: (كأنهم الساعة يهود خيبر)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الطيالسة محدثة، وليست بالأردية، فإن الرداء للمسلم سنة، وقد تقدم ذكره.
[ ٥ / ٣٢٦ ]
-١٧٥٥ -
الحديث السبعون:
[عن أنس، قال: (كان النبي - ﷺ - والمرأة من نسائه، يغتسلان من إناء واحد).
وفي رواية: (من الجنابة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الجنب إذا وضع يده في الماء لم ينجسه والمرأة أيضًا.
* وفيه جواز أن ينظر كل واحد من الزوجين إلى جميع الآخر.
-١٧٥٦ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن أنس، قال: (كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ عند كل صلاة، قلت: كيف كنتم تصنعون في ذلك؟ قال: يجزئ أحدنا الوضوء ما لم يحدث)].
* في هذا الحديث أن الفضيلة في الوضوء لكل صلاة؛ فإن الجمع بين الصلوات بالوضوء الواحد مجزئ، ومن توضأ وهو على وضوء فإنما ينوي بوضوئه تجديد الوضوء (٢٠٩/ ب) إلا أن صلاته إنما تؤدى بالوضوء الأول؛ وهذا الوضوء الثاني محسن ومقو للوضوء الأول، وإنما يخبر النبي - ﷺ - ذلك
[ ٥ / ٣٢٧ ]
لكونه أفضل الخلق فناسب حاله أفضل الحالات والأعمال.
-١٧٥٧ -
الحديث الثاني والسبعون:
[عن ابن سيرين وابن عدي قالا: أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج فقال: (اصبروا؛ فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقون ربكم. سمعته من نبيكم - ﷺ -)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الدنيا إلى انقضاء وتول، ولعله أراد - ﷺ - بهذا الحديث أهل موضع بعينه، إلا فالأحاديث التي قدمت منها حديث حذيفة: (هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم) أوضح من هذا، فإنه حديث مجمل تلك مفسرة فتعين ما تناولناه من أنه تحض موضعًا يعينه أو قومًا بأعيانهم.
-١٧٥٨ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن أنس: (أن النبي - ﷺ - كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس)].
* هذا الحديث يدل على أنه كان يصلي صلاة الجمعة في أول الزوال؛ لأن
[ ٥ / ٣٢٨ ]
الصلاة في أول الوقت أفضل، فقدم هذه لفضلها.
-١٧٥٩ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن أنس، قال: شهدنا بنت رسول الله - ﷺ - تدفن، ورسول الله - ﷺ - جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان، فقال: (هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة؟) فقال أبو طلحة: أنا، قال: (فانزل في قبرها،) فنزل في قبرها)].
* في هذا تفسير للراوي، وهو فليخ فإنه قال: أراه الذنب. والذي أراه أنا أنه أراد - ﷺ - أن يتولى إلحادها الكبير السن، لأن الكبير السن يخل بالمقارفة، وهي المجامعة، وإنما أراد به أن لا يكون قريب عهد بجماع من حيث أنه يكون حديث عهد بتقليب امرأة في انبساط غير خاشع ولا متحازن، فينافي حاله حال امرأة ميتة لا سيما ابنة رسول الله - ﷺ - مما يقتضي حمله لها أن يكون في حال اجتماع واحتشام وخشوع وإعظام، ولأن الجماع في الجملة يبسط النفس.
-١٧٦٠ -
الحديث الخامس والسبعون:
[عن أنس، قال: (لم يكن رسول الله - ﷺ - فاحشًا، ولا لعانًا، ولا سبابًا،
[ ٥ / ٣٢٩ ]
كان يقول عند المعتبة: (ما له تربت يمينه)].
* في هذا (٢١٠/ أ) الحديث ما يدل على أن الفحش واللعن لم يكن من أخلاق النبي - ﷺ -، فإذا رأيته الغالب على كلام شخص فلا تقتد به.
* وقوله: (عند المعتبة) أي أنه إذا أراد أن يعاتب شخصًا قال: (ما له)، فيذكره بلفظ الغيبة ولا يواجهه فيقول: مالك
* وقوله (ترتب يمينه) كلمة قد تكون دعاء عليه أحيانًا، وقد تكون جارية مجرى التخصيص فكانت فائدة هذا الحديث أن النبي - ﷺ - إذا بلغت منه الموجدة يقول كلمة محتملة لمعنيين، يكون الخيار في توجيهها إلى أحدهما عن طريق المعاتبة لا المواجهة.
-١٧٦١ -
الحديث السادس والسبعون:
[عن أنس، قال: إن رسول الله - ﷺ - صلى لنا يومًا الصلاة، ثم رقى إلى المنبر، فأشار بيده إلى قبل قبلة المسجد فقال: (قد رأيت الآن، منذ صليت لكم الصلاة، الجنة والنار ممثلتين في قبل هذا الجدار، فلم أر كاليوم في الخير
[ ٥ / ٣٣٠ ]
والشر)].
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في مواضع
-١٧٦٢ -
الحديث السابع والسبعون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أخذ الراية زيد، فأصيب، ثم أخذها جعفر، فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فأصيب -وإن عيني رسول الله - ﷺ - لتذرفان- ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة، ففتح له).
وفي رواية: (خطب النبي - ﷺ -، فقال: أخذ الراية زيد فأصيب. وذكر نحوه).
وفى رواية: (ما يسرنا أنهم عندنا- قال أيوب: أو قال: -ما يسرهم أنهم عندنا- وعيناه تذرفان).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس، قبل أن يأتيه خبرهم، فقال: أخذ الراية زيد فذكرهم. وقال في آخره: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)].
[ ٥ / ٣٣١ ]
*في هذا ما يدل على أن الله تعالى كشف لنبيه - ﷺ - عن أهل مؤتة، وهم منه على منازل حتى نظر من أخذ الراية منهم واستشهد وعد الأمراء واحدًا بعد واحد على ما كانوا عليه.
* وقوله: (ثم أخذ الراية خالد من غير إمرة) يعني - ﷺ - أنه إنما عين أولئك فلما استشهدوا (٢١٠/ ب) اجتمع المسلمون فولوا خالد بن الوليد، فقوله (من غير إمرة) أي من غير إمرة سبقت مني.
* وأما بكاؤه - ﷺ - فيجوز أن يكون للاستيحاش لفراق ابن عمه وأصحابه، ويجوز أن يكون من طريق الرحمة؛ لأنه لما بكى على ابنه قال: (إنما رحمة وضعها الله تعالى في قلوب عباده).
* وفيه دليل على أنه إذا عين الإمام أمراء مخصوصين فاستشهدوا كلهم وأصيبوا، فإن للمسلمين أن يجتهدوا في نصب أمير يجمع كلمتهم ويقول بالأمر فيهم، ويثبت له الإمارة وإن لم يكن ذلك من نص متقدم من الإمام.
-١٧٦٣ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن أنس، قال: (كأني أنظر إلى غبار ساطع في سكة بني غنم، موكب جبريل ﵇، حين سار رسول الله - ﷺ - إلى بني قريظة)].
[ ٥ / ٣٣٢ ]
* في هذا الحديث ما يدل على رؤية أصحابه آثار الملائكة.
* وفيه ما يدل على أن جبريل سعى في موكب لنفسه مع رسول الله - ﷺ - إلى بني قريظة.
-١٧٦٤ -
الحديث التاسع والسبعون:
[عن أنس، قال: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله - ﷺ - من الموبقات). قال البخاري: يعني المهلكات)].
* قد سبق شرح هذا الحديث. والمراد أنكم تحقرون تلك العمال لقلتها، وقلة الحذر من عاقبتها، وهي مهلكة.
-١٧٦٥ -
الحديث الثمانون:
[عن غيلان بن جرير، قال: (قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار، أكنتم
[ ٥ / ٣٣٣ ]
تسمون به، أم سماكم الله ﵎؟ قال: بل سمانا الله ﷿، وقال غيلان: كنا ندخل على أنس، فيحدثنا بمناقب الأنصار ومشاهدهم، ويقبل علي، أو على رجل من الأزد، فيقول: فعل قومك يوم كذا: كذا وكذا)].
في هذا الحديث أن تسمية الأنصار بالأنصار اسم شرف الله به ذلك الحي، فقال ﷿ فذكرهم أنصارًا على الإطلاق، وهذا الإطلاق يتناول أن يكونوا أنصار الله، وأنصار كتابه، وأنصار رسوله، وأنصار دينه، فهو أشرف الأسماء.
-١٧٦٦ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن أنس، قال: (كان النبي - ﷺ - إذا اشتد البرد بكر الصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة -يعني الجمعة- قال: (٢١١/ أ) وقال بشر بن ثابت: حدثنا أبو خلدة، قال: (صلى بنا أمير الجمعة ثم قال لأنس: كيف كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر؟ فذكره)].
* قد سبق بيان الإبراد بالصلاة لشدة الحر في مواضع، وتكلمنا عليها، والتبكير: التقديم.
[ ٥ / ٣٣٤ ]
-١٧٦٧ -
الحديث الثاني والثمانون:
[عن أنس قال: (قدم النبي - ﷺ - وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر ﵁ فغلفها بالحناء والكتم)].
* الشميط: هو اختلاف الشيب بسواد الشعر، وكل خليطين خلطتهما فقد شمطتهما. وغلفها يعني عمها بذلك، وسمي غلاف الشيء لإحاطته به.
* وفي هذا استحباب تغيير الشيب بالحناء والكتم.
-١٧٦٨ -
الحديث الأول من إفراد مسلم:
[عن أنس، قال: (ما سئل رسول الله - ﷺ - شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة).
وفي رواية: (أن رجلا سأل النبي - ﷺ - غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فوالله إن محمدًا يعطي عطاء ما يخاف الفقر).
فقال أنس: (إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى
[ ٥ / ٣٣٥ ]
يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)].
* في هذا الحديث دليل على أن إجزال العطاء هو حقيقة الجود، وإنما يكون ذلك إما من مؤمن لا يخشى الفاقة، لأنه يعطي مما أعطاه الله تعالى، فهو لا يتوهم قطع الله عطاءه ولا انزراره أو من رجل على غير بينه من أمره يعطي سرفًا في الباطل فيكون من المبذرين، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾، فعطاء رسول الله - ﷺ - كان عطاء من لا يخشى الفاقة.
* وفي قوله: (لا يخشى الفاقة) وجهان:
أحدهما: لا يخشى الفاقة معطيه.
والثاني: لا يخشى الفاقة معطاه بعده، أي أنه يغني السائل إلى آخره عمره ويكون قوله: (يخشى)، عائدًا إلى العطاء في الوجهين، والمعنى أن (٢١١/ ب) العطاء لكثرته لا يخشى الفاقة؛ فإن خشى معطاه فذلك لبخل نفسه وإلا فالعطاء فوق الكفاية.
* وإن عرض للمؤمن في وقت مكان استحقاق وليس عنده إلا زهيد من البر ولو ظلف محرق فلا ينبغي أن يحقر ذلك، بل يخرجه في سبيل الله كما يخرج الكثير إذا أمكنه، فيكون بهذين الأمرين جامعًا لمقامين شريفين وهما: جوده بالكثير وتواضعه في بذل اليسير، فيبين أن بذله للكثير كان لله، وأن بذله
[ ٥ / ٣٣٦ ]
لليسير كان من تواضعه في سبيل الله.
* وقوله: (إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا) هذا يحض على تحصيل القلوب بكل ما يستطاع أولًا، وأنها إذا حصلت رجي لها أن تعي الحق ويعود ما كان نافرًا إلى الطمأنينة وقبول الهدى.
* وفي هذا الحديث أيضًا نهي عن التنفير عن مقاصد التائبين والاقتناع منهم بما يظهرونه، ثم التلطف في غرس الإخلاص في قلوبهم بالتدريج والتعليم رجاء أن يصيروا إلى ما يحب المؤمن. وقد لا يفطن إبليس لإفساد هذا التوصل الحسن لأن الشيطان يرى إسلام من يسلم أو توبة من يتوب لملاحظة حال من الدنيا يوهن إسلام المسلم وتوبة التائب فلا يحرص على إغواء المسلم أو التائب عن هذا الإسلام والتوبة المعروفين، ويرى العالم أن يغش حصولهما في قربهما منه بحيث تنالهما سهام الموعظة، وتبلغهما قوارع تذكيره، وتبصيرهما الحق بعينه، فإذا بدا لهما الحق في كمال صورته وصباحة وجوهه، عاد كل واحد منهما خصمًا للشيطان مخلصًا في خصومته له فحينئذ يرى الشيطان خسران صفقته في كونه رضي منهما بذلك الإسلام والتوبة الموسمين، راجيًا أن يهلكهما بما جعله الله ﷿ سبب فلاحهما فهذا معنى قولنا: وقد لا يفطن إبليس لإفساد هذا التوصل الحسن، وهذا دليل على أن المسلم لعاجل الدنيا يسمى مسلمًا، ومثل هذا إن مات في مهلة النظر فإن له ما للمسلمين.
- ١٧٦٩ -
الحديث الثاني:
[عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: (من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم
[ ٥ / ٣٣٧ ]
القيامة أنا وهو، وضم أصابعه)].
* في هذا الحديث (٢١٢/ أ) ما يدل على شرف الإنفاق على العيال ولا سيما البنات؛ فإنهن لا يتعلق طمع الأب منهن من الاعتضداد بهن والصول على الأعداء بقوتهن وإحياء اسمه واتصال نسبه وغير ذلك كما يتعلق بالذكر، فلما زاد الإناث على الذكور في درج إخلاص المنفق عليهن لله، فإنه يستر منهن عورات في البيوت، ويرزق منهن حرمًا لا يطقن الكسب على أنفسهن.
* فإذا بلغن فصلحن للرجال كانت أنساب أولادهن لعصبات أزواجهن فكان العول للجاريتين منهن يبلغ بحسن النية من العبد المؤمن إلى أن يكون فاعل ذلك منضمًا إلى رسول الله - ﷺ - انضمام الأصبع إلى الأصبع ليس بينهما حائل.
ولأن العرب كان من شأنهم الأنفة من البنات حتى كان منهم الوأد الذي أخبر الله ﷿ به عنهم من قتلهم البنات، فإذا كان المؤمن على خلاف ما كانوا عليه وصبر على أن يعول بناته كان متمسكًا بشرع رسول الله - ﷺ - راغبًا عما كانت الجاهلية عليه فلما انضم إلى شرعه انضم في القيامة إليه.
* وقوله: (من عال جاريتين)، كأنه إذا كان للرجل البنت الواحدة وكان مع ذكر لم يكن تبرمه بها كما إذا كانتا اثنتين، فالاثنتان على الرجل أشد من الواحدة، وهذا إنما ذكره رسول الله - ﷺ - لأنه جمع أنثى إلى أنثى فهو ضم شيء إلى شيء حتى قال فيه قوم إنه أقل الجمع. فيدل نطق هذا الحديث أن من كان
[ ٥ / ٣٣٨ ]
له ثلاث بنات أو أربع أو أكثر كان قربه إلى رسول الله - ﷺ - بنسبة ذلك إذا عالهن.
- ١٧٧٠ -
الحديث الثالث:
[عن أنس، قال: (كانت عند أم سليم يتيمة، وهي أم أنس فرأى رسول الله - ﷺ - اليتيمة فقال: أنت هيه!؟ لقد كبرت، لا كبر سنك، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: مالك يا بنية؟ فقالت الجارية: دعا علي رسول الله - ﷺ - أن لا يكبر سني، فالآن لا يكبر سني أبدًا، أو قالت: قرني، (٢١٢/ ب) فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها، حتى لقيت رسول الله - ﷺ -،فقال لها رسول الله - ﷺ -: ما لك يا أم سليم؟ قال: فقالت، يا نبي الله، أدعوت على يتيمتي، قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا تكبر سنها، ولا تكبر قرنها، قال: فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه- وقال: يا أم سليم، أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ إني اشترطت على ربي، فقلت: إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورًا وزكاة وقربة تقربه بها يوم القيامة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - كان على شرف مقامه وحفظه
[ ٥ / ٣٣٩ ]
حواشي قوله؛ قد طلب من ربه ﷻ له أنه إذا دعى أو سب أحدًا، وذلك المسبوب أو المدعو عليه غير مستحق لذلك؛ أن يجعله الله طهرة له، فبان من هذا أن المؤمن قد يقول القول في محل لا يكون ذلك المحل متأهلًا لذلك القول فيه، فإذا صدقه الله ﷿ عن دعائه إلى غير محله تعين عليه أن يعلم أن الله تعالى قد سوى له سهامه التي رمى بها صيدًا عن أن تصيب مسلمًا فلا يكره ما يحب الله من سؤال ما لا يصلح، وهذا فإنما ذكره رسول الله - ﷺ - ليكون أصلًا يقاس عليه أمثاله وإلا فإنه لم يكن قوله ليتيمة أم سليم ذلك القول على جهة الدعاء عليها، وإن كان نطقه نطق الدعاء إذ مثله يقال للجواري كثيرًا ولا يراد به الدعاء عليهن، ولهذا تميز الدعاء المحتفل به برفع اليدين فيه وبالتوجه إلى الكعبة، ورفع الطرف إلى السماء، وأن يتطهر الداعي إلى غير ذلك من آداب الدعاء ليتبين صميم الدعاء على ما يطلبه دون ما يقوله على سبيل عوائده.
* وقوله: تلوث خمارها أي تلويه على رأسها.
-١٧٧١ -
الحديث الرابع:
[عن أنس، قال: (جارت أم سليم -وهي جدة إسحاق- إلى رسول الله - ﷺ - فقالت له وعائشة عنده: يا رسول الله، المرأة ترى ما يرى الرجل في المنام، فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه، فقالت عائشة: يا أم سليم، فضحت النساء (٢١/ أ) تربت يمينك، فقال لعائشة: بل أنت فتربت يمينك، نعم، فلتغتسل يا أم سليم، إذا رأت ذلك).
[ ٥ / ٣٤٠ ]
وفي رواية البرقاني: (أن أم سليم حدثت أنها سألت النبي - ﷺ - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال لها النبي - ﷺ -: (يا أم سليم، إذا رأت المرأة ذلك فلتغتسل). فقالت أم سليم: واستحييت من ذلك، وهل يكون هذا؟ فقال النبي - ﷺ -: نعم، فمن أين يكون الشبه؟ إن ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه).
وأخرجه مسلم عن أنس قال: (سألت امرأة رسول الله - ﷺ - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل في منامه، فقال: إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن المرأة تحتلم في المنام كما يحتلم الرجل، وأنه يجب عليها الغسل إذا رأت الماء، وإنه من الدين السؤال عن ذلك.
* وقوله: (فمن أين يكون الشبه؟) يدل على أن شبه الولد بوالده يكون على قدر غلبة مائه لماء المرأة أو سبقه إياه.
* وقوله لعائشة ﵂: (فتربت يمينك) قد سبق ذكره.
- ١٧٧٢ -
الحديث الخامس:
[عن أنس (أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرًا، فكان معها، فرآها
[ ٥ / ٣٤١ ]
أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أم سليم معها خنجر؟ فقال لها رسول الله - ﷺ - ما هذا الخنجر؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه، فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك، قالت: يا رسول الله، اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك -تعني يوم هوازن-، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن)].
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على جواز خروج المرأة إلى الجهاد مع زوجها وحملها السلاح، فإن رسول الله - ﷺ - ضحك لذلك ولم ينكره.
وفيه أنه لما غضب علي المنهزمين، وأشارت فيهم بما أشارت رجع رسول الله - ﷺ - إلى المعهود من سجاياه الكريمة فقال لها: (إن الله قد كفى وأحسن) (٢١٣/ ب)، يعني أن الله تعالى قد كفانا أمرهم وأحسن في ذلك فلا نسيء نحن.
* وبقرت بطنه: أي شققتها، والطلقاء: من أطلق ومُنَّ عليه من مسلمة الفتح.
- ١٧٧٣ -
الحديث السادس:
[عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: (يتبع الدجال من يهود أصبهان ألف عليهم الطيالسة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الدجال يخرج من قبل المشرق.
* ويريد بقوله عليهم الطيالسة أنهم من المتظاهرين بالدين فيكون ذلك أشد في
[ ٥ / ٣٤٢ ]
إضلال الخلق.
- ١٧٧٤ -
الحديث السابع:
[عن أنس (أن رسول الله - ﷺ -: استغفر للأنصار، قال: وأحسبه قال: (ولذراري الأنصار، ولموالي الأنصار- لا شك فيه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإحسان من الكريم إذا شمل قومًا لم يرض أن يقتصر بهم على نفوسهم دون أن يشتمل ذراريهم ومواليهم فيكون ذلك حينئذ إنعامًا صافيًا وكرمًا سابغًا.
- ١٧٧٥ -
الحديث الثامن:
[عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنس بن مالك، وأنا أرى أن عنده منه علمًا فقال: (إن هلال بن أمية، قذف امرأته بشريك بن سحماء -وكان أخا البراء بن مالك لأمه-، فكان أول رجل لاعن في الإسلام، قال: فلاعنها. فقال رسول الله - ﷺ -: (أبصروها، فإن جاءت به أبيض سبطًا قضيء العينين، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدًا، حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء -قال: فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعدًا حمش الساقين)].
* قد سبق تفسير هذا الحديث فيما مضى.
[ ٥ / ٣٤٣ ]
* والسبط: هو السهل الشعر وهو ضد الجعد.
* وقضيء العينين: فاسدهما. يقال في فلان قضأة أي فساد.
* والكحل: سواد العين خلقة.
وقد بينا هذا في مسند ابن عباس.
* وقوله: حمش الساقين أي دقيقهما، وامرأة حمشاء الساقين، والمراد بذلك الدقة.
- ١٧٧٦ -
الحديث التاسع:
[عن أنس عن رسول الله - ﷺ -، قال: (إن الكافر، إذا عمل حسنة، أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا، على طاعته).
وفي رواية: (أن الله لا يظلم مؤمنًا (٢١٤/ أ) حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنه يجزى بها)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل فمن أحسن وهو
[ ٥ / ٣٤٤ ]
غير موقن بالآخرة؛ فإن الله يطعمه في الدنيا طعمة تكون عوض إحسانه ذلك. وأما المؤمن فإنه يجمع له بين الدنيا والآخرة إلا أنه يقدم له سبحانه ما يعده في الآخرة لأنه أشرف العناوين وأكرم الخزائن، فكان هو المقدم، ثم قوله بعد ذلك: (ويعقبه رزقًا في الدنيا) وذلك يدل على مدح الرزق، وأما ما يتعلق بالكافر فإنه جعله طعمة له لأن الكافر لم ينشأ ما نشأ منه إلا على فرع من فوق الأرض. فأما المؤمن فإنه نشأ منه إحسانه في الدنيا عن نظره إل الآخرة فقدم إعداد الله تعالى له ما أعد في الآخرة ثم بما رزقه في الدنيا ليكون هذا الخير الذي له في الدنيا ناشئًا من تلك الجهة، فلا يكون عليه عقوبة لأن عطاء الآخرة كله هني العاقبة.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن المؤمن يعطى على نية الآخرة الدنيا والآخرة كما قال الله ﷿: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ يعني في الدنيا والآخرة، وقال ﷾: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾، وقال تعالى: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾، وقال تعالى: ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء﴾، فعد نعمته على يوسف من نصره له وتمكينه ثم قال بعد ذلك: ﴿ولأجر الآخرة خير﴾ أي ثواب دار الآخرة
[ ٥ / ٣٤٥ ]
خير من هذا الخير، والله ﷾ له الدنيا والآخرة يعطيها من يشاء من عباده، وأما الدنيا فقد يعطيها كافرًا ويمنعها كافر آخر فيجعل إعطاءها للكافر عذابًا عليه. لقوله: ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا﴾ الآية.
-١٧٧٧ -
الحديث العاشر:
[عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن (٢١٤/ ب) يسمعكم عذاب القبر)].
* هذا الحديث يدل على وجوب الإيمان بعذاب القبر، وأنه لولا خوف رسول الله - ﷺ - أنه كان إذا سمعه الخلق تركوا موتاهم على وجه الأرض، لا يوارون سوءاتهم لذلك لكان - ﷺ - دعا الله أن يسمعهموه.
* والفقه في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - اشتد حرصه على أن يبين للمسلمين كلهم عذاب القبر يقينًا لا يتمارون فيه حتى كاد يدعو الله أن يسمعهموه.
* وفيه أيضًا أن من كان لا يؤمن للآن بعذاب القبر فإنه هو الذي كان الغالب عليه أن لا يدفن ميته، وأن من يؤمن بعذاب القبر قد ثبت عنده كما لو سمعه بأذنه ثم أنه بعد ذلك يدفن ميته صابرًا لما حكم الله به من ذلك.
[ ٥ / ٣٤٦ ]
-١٧٧٨ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أنس: (أن النبي - ﷺ - زجر عن الشرب قائمًا).
وفي رواية عن قتادة: (فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذلك أشر وأخبث)].
* وإنما نهى رسول الله - ﷺ - عن الشرب قائمًا لأن الشارب على تلك الحال غير متمكن من تقطيع الأنفاس في الشرب كما يتمكن الجالس إلا أنه على ذلك أخف من الأكل قائمًا، فإن ذلك يجمع مع ترك الأصلح للبدن، ترك الأحسن للمروءة، فإن الأكل قائمًا يشير إلى أنه مستوفر حتى أنه إن كان معه من يطعمه أذنه بالاقتصار والتقليل فهو غير جميل في ذلك ولا في مصلحة البدن، فإن أجود الطعام ما أكله الإنسان في عقيب حركة ثم تبعه السكون، فإذا أكل وهو قائم لم يكن فيما أعرف صالحًا لبدنه فإن من وصايا أهل علوم الأبدان أن لا يتحرك الإنسان بعد غذائه، فإن اضطر إلى الحركة فليجتهد في الراحة عقب الغذاء ولو بأيسر زمان، فإن لم يمكنه فليتوخ الهوينا من السير دون العنيف، على أن من كان سائرًا على ظهر فأكل وهو يسير فلا أراه داخلًا في هذا النهي من حيث كراهية أكل الإنسان وحده، فإن كان معه رفيق زالت الكراهية على أن أكل الماشي فعل جائز.
-١٧٧٩ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أنس: (أن نبي الله؟ - ﷺ - كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى
[ ٥ / ٣٤٧ ]
النجاشي، وإلى كل جبار (٢١٥/ أ) يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (أنه أراد أن يكتب إلى قيصر وكسرى والنجاشي فقيل إنهم لا يقبلون كتابًا إلا بخاتم، وأنه - ﷺ - صنع خاتمًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - كان ينذر قبل القتال بالكتب والرسائل.
*وقيل أن أهل الحبشة يسمون كل ملك لهم بالنجاشي.
* وقيل أن أهل فارس يسمون كل ملك لهم كسرى.
* وأن الروم يسمون كل ملك لهم قيصر.
* وأما الخاتم فقد سبق الكلام عليه.
-١٧٨٠ -
الحديث الثالث عشر:
[عن أنس، أن نبي الله - ﷺ - قال: -وجنازته موضوعة- (اهتز لها عرش الرحمن) يعني به سعد بن معاذ)].
[ ٥ / ٣٤٨ ]
* في هذا الحديث ما يدل على شرف سعد بن معاذ.
* وقد سبق ذكرنا العرش، وأنه أكبر مخلوقات الله ﷿ إذ كلها فيه وهو محيط بها، فقدرها بالقياس إليه كالحلقة في جنب الفلاة وأما اهتزازه لجنازة سعد يدل على حركته لاستقبال روحه أو سرورا بقدومها عليه اهتشاشًا بها.
-١٧٨١ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - عاد رجلًا من المسلمين، قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله - ﷺ -: هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله - ﷺ -: سبحان الله! لا تطيقه -أو لا تستطيعه- ألا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؛ قال: فدعا الله له، فشفاه)]
* في هذا الحديث ما يدل على أنه لا يدعو الإنسان بدعاء حتى يكون ذلك الدعاء قد ورد عن النبي - ﷺ - إذ هو بحمد الله مؤيد بالعصمة مسدد من قبل الرب ﷾، يرى من ورائه كما يرى من بين يديه وهذا الداعي لم
[ ٥ / ٣٤٩ ]
يؤت إلا من سوء اختياره، ولو كان قد دعا بدعاء قد آثره عن النبي - ﷺ - مما يحترز فيه لكل داع في حاضره (٢١٥/ ب) ومستقبله وشاهده وغائبه لكان قد وفق، ألا ترى أن رسول الله - ﷺ - لما رأى من مرض هذا الشخص الذي كان ببدنه ناشئًا عن مرضه الذي هو سوء تدبيره لنفسه، داواه بما علمه من سؤال الحسنة في الدنيا حسنة وفي الآخرة، فجمع له بين الحسنتين، ينقل إحداهما إلى الآخرى فشتان ما بين الاختيارين.
* وفيه دليل على أنه لا يتعرض الإنسان لربه ﵎ بإظهار الجلد على سوط من سياط عذابه، ولا التقاوي لنفخة من نفخات انتقامه بل يسأل الله العافية، وليكن في عافيته كالمحسن أشد عذاب في كل نوع من أنواع الانتقام لتلا يكون ممن لا يعرف العذاب حتى يقع فيه، ولا يصدق بكونه حتى ينزل به.
-١٧٨٢ -
الحديث الخامس عشر:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يخلط التمر والزهو ثم يشرب، وإن ذلك كان عليه عامة جمهورهم يوم حرمت الخمر)].
* هذا الحديث قد سبق الكلام عليه.
[ ٥ / ٣٥٠ ]
-١٧٨٣ -
الحديث السادس عشر:
[عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله).
وعن أنس، عن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه مادام في الأرض ذكر الله ﷿ واسمه الأعظم الذي هو الله، يتزاحم به أهلها، ويتساءلون به، ويتناشدون به، ويخوف به الظالم، ويسلى به المظلوم، ويرجو معه المتصدق الخلف، ويخاف منه المتعدي العقوبة، فإن الكون في مدة بقاء ومهلة تأخير فإذا بلغ الأمر إلى أن لا يذكر في الأرض هذا الاسم، الذي هو الله لعدم من يعرفه أو من يصدق به أو من ينزع عن شر أو يرغب في خير أو يأمل خلفا، ويكف عن ظلم لأجل هذا لأسم الكريم الشريف فحينئذ يعلم أنه قد حان خراب الأرض، وجاء وقت انقلاب هذا المقر بأهله.
-١٧٨٤ -
الحديث السابع عشر:
[عن أنس: (أن النبي - ﷺ - صلى على قبر)].
[ ٥ / ٣٥١ ]
* قد سبق هذا الحديث والكلام عليه.
-١٧٨٥ -
الحديث الثامن عشر:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل ﵇وهو يلعب مع الغلمان- (٢١٦/ أ) فأخذه فصرعه فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حط الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره)].
* قد سبق الكلام في نحو هذا الحديث، وهذا كان في حال صغره، ولأمه: بمعنى جمع بينه، والمنتقع اللون هو المتغير اللون، والمخيط: الإبرة التي يخاط بها، وإنما بقي أثر ذلك ليذكر رسول الله - ﷺ - ذلك، ويذكره من يراه، ويعلم أن حظ الشيطان قد نزع من قلبه، فلا يكون عنده - ﷺ - ريب فيما يقذفه الله تعالى من حق في قلبه، وهذا المعنى قد شر حناه فيما تقدم، وأشير إليه هاهنا فأقول: إن هذا الحديث هو لرسول الله - ﷺ - صورة ومعنى.
[ ٥ / ٣٥٢ ]
* وفيه أيضًا تنبيه لأمته أنهم إنما يخلصون من أن يكون للشيطان فيهم حظ بأن يغسلوا بيد الشرع مواضع آثار وساوسه، فإذا عرض الشيطان لأحدهم بوسواس أزال نجاسة الشيطان من قلبه بالطاهر من ماء الشريعة، والشريعة إنما سميت شريعة من حيث إن الماء إذا كان حياة الأنفس في هذه الدار الدنيا، وكان لا يواصل إليه في الأنهار إلا من شرائعها فسميت الشريعة شريعة من حيث إنها موصلة للخلق إلى الحق، كما كانت شريعة الماء موصلة للخلق إلى الماء.
* فثمرة هذا أن المسلم إذا أفتاه الشرع بحل سيء وإباحته فأوهمه الشيطان أو خوفه من استباحة ذلك أو استحلاله بما يريه فيه أنه باب تحرج في الدين أو تورع عن المشتبه، فيترك تناول الحلال فإن هذا التورع مما ينبغي للمسلم أن يتورع من هذا التورع، ويتنزه من هذا التنزه فإنه ليس في الإعراض عما أباح الله تعالى من حيث أن الله تعالى أباحه لمعرض ثواب بل عليه عقاب وإنما (٢١٦/ ب) أن كان لا يستكثر من تناول المباح توقيرا له على سبيل بر أو ضر ناله إلى وجه حق فذلك عن هذا المعنى الذي أشرنا إليه، وما يروى أنا كنا نترك سبعين بابا من الحلال مخافة الحرام فإن هذا غير معمول به، ولا يحل أن يترك شيء من الحلال على أنه حلال، بل الترك للحرام فريضة، والترك للأمور المشتبهات هو الورع والفضيلة فأما ترك ما يصدع الشرع حله من سائر وجوهه، فلا يحل أن يعبد الله بترك ما أباحه.
- ١٧٨٦ -
الحديث التاسع عشر:
[عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: (يخرج من النار أربعة، فيعرضون
[ ٥ / ٣٥٣ ]
على الله).
زاد في رواية البرقاني: (ثم يؤمر بهم إلى النار، فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب، إذ أخرجتني منها فلا تعدني فيها فينجيه الله منها)].
* هذا الحديث يفيد أن حسن الظن بالله ﷿ خير متعلق، وبينه على أن المنعم بالنعمة لا يعقبها بضدها، ويحث الكرماء على اتمام ما انعموا به.
* وفيه من الفقه أن رسول الله - ﷺ - إنما ذكره تنبيهًا به على عجز هؤلاء الثلاثة وعدم معرفتهم بالله ﷿، فإنه حيث أخرجهم من النار وعرضهم لأن سألوه، فلما عرضوا عليه سبحانه وقدروا على أن يسألوه كان كل منهم به الخذلان وعدم التوفيق، ما إنه لما عرض على ربه لم يغتنم ذلك الوقت فيسأل الله ﷿ فيه بغير واسطة ولكنهم لعجزهم وركة طباعهم وخذلانهم لم يفطنوا إلى أن الله ﷾ لم يخرجهم من النار ويعرضهم عليه ثم يعيدهم إليها لغير معنى، وإنما أراد ﷾ تذكيرهم وتعرضهم لأن يسألوه، ويقربهم لأن يطلبوا منه العفو والإقالة فلما أبت شقوتهم والظلمة التي في قلوبهم من شؤم اكتسابهم إلا العي والخذلان والحصر وعدم الفطنة أعيدوا إلى النار ما عدا ذلك المتيقظ منهم قال: رب إذا أخرتني منها فلا تعدني فيها.
* وقوله: رب إذ أخرجتني منها، وهذا كلام موفق لأنه اعترف لربه باستحقاقه (٢١٧/ أ) بالمكث فيها لكنه قال: إذا أخرجتني يا رب أنت منها فلا تعدني فيها، فإنك أهل لأن تتبع النعمة النعمة، وتنقذ من السوء إلى الراحة
[ ٥ / ٣٥٤ ]
فلا تعدني فيها، فأعود في العذاب من الراحة بعد عرضي إليك فأنجاه الله منها، وإنما أنطق الله تعالى نبيه - ﷺ - بهذا الحديث ذاكرًا له لأمته ليعرفهم سوء نتائج العجز ومرارة إضاعة انتهاز الفرص في مواطن العناية لئلا يعز أحد عن تناول فائدة، وقد بقي في قوس حيلته منزع ولا سيما عند الفرص التي تذهب كما تذهب الرياح.
- ١٧٨٧ -
الحديث العشرون:
[عن أنس، أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: (في النار). فلما قضى دعاه فقال: (إن أبي وأباك في النار)].
* في هذا الحديث من الفقه أن هذا الرجل سأله وهو مؤمن عن أبيه المشرك سؤالًا لم يكن -فيما أرى-في موضعه لأن المؤمن لا يشك في أن المشرك في النار، ولا يحتاج أن يسأل عن ذلك لأن الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾، إلا أن رسول الله - ﷺ - لما سأله هذا السائل أجابه بمر الحق في ذلك، فلما ولى عنه أراد - ﷺ - أن يلقنه أن يتأسى به في الرضا بأمر الله سبحانه عنه في أقضيته فقال له: وأبي أنا أيضًا في النار، فيكون هذا الجواب كافيًا لكل من يختلج من ذلك في صدره أمر بعده، فإنه
[ ٥ / ٣٥٥ ]
لو كان ولد ينفع والدًا مشركًا لكان الأولى بذلك رسول الله - ﷺ -، فلما صرح بأن أباه في النار قطع بهذه الكلمة ظنون الظانين إلى يوم القيامة.
- ١٧٨٨ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن أنس: (أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي - ﷺ - النبي - ﷺ -؟ فأنزل الله ﷿: ﴿ويسألونك (٢١٧/ ب) عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ إلى آخر الآية فقال رسول الله - ﷺ -: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه.
فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشير، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أو لا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله - ﷺ - حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي - ﷺ -، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أنه لم يجد عليهما)].
* في هذا الحديث ما يدل على استحباب مخالفة أهل الكتاب إلا أن تكون
[ ٥ / ٣٥٦ ]
في مخالفتهم مخالفة شرعنا، فإن الوطء في الحيض أذى جر المتلبس به، وذلك أن الإنسان في هذه الدنيا مع زوجته التي أباحها الله له وما ملكت يمينه إذا نظر إلى حكمة الله تعالى في منعه من وطئها في وقت الحيض، نظر إلى أنه سبحانه كالمهدي لها إليه في كل وقت من كمال حسن الهدية أن تزف على أحسن حالاتها في طيب ريحها وطهارة باطنها وظاهرها ليستدل بذلك على احتفال مهديها بالمهدى إليه.
* فإذا عرض للمرأة من حيض قدره الله لحكمة أخرى وهي أن الحيض قضاه الله على النساء دون الرجال من أجل أن دم الحيض إذا حملت المرأة كان هو بعينه قوتا للجنين يتغذى منه في حال كونه في البطن على جهته، وعند خرجه إلى الدنيا من الثدي مقلوبا إلى اللبن عن أصل خلقة، فلو قد كان هذا الغذاء للطفل من جملة غذاء المرأة المعهود لكان يضر بها ويسقمها في الزمن اليسير، ولكن لما كان مما جبلها الله تعالى عليه أنها في كل شهر يفضل منه عن حد ما يفتدى به بدنها مبلغا ترميه عنها في مجاري الحيض دائمًا حتى إذا حملت انقلب غذاء للجنين لم يتجدد على مادة قواها ما ينقصها ولا يزال تحيض هكذا حتى إذا بلغت من السن ما لا يحيض معه لضعف هضمها (٢١٨/ أ) قطع الله حينئذ الحبل عنها، فمن لا تحيض لا تحبل إلا ما ذكره الله ﷿ آية في زوجتي إبراهيم وزكريا.
* وكان اشتغال النساء زمانًا بالحيض للاستعداد بحملهن، وزمانًا بالحمل مشغولات بالأجنة في بطونهن، وزمانًا بالرضاع وتربية الأطفال في حجورهن؛ فلذلك أباح الله ﷿ للرجل من النساء أربعًا، ولم يبح
[ ٥ / ٣٥٧ ]
للواحدة منهن إلا الرجل الواحد إلا أن الله ﷿ عاضهن في الدماء أضعافها عند إنزالهن وإنزال الرجل معهن. فكانت حال المرأة في مدة الحيض حالة تلوث بأذى فلم يصح لمن يراد إكرامه بإهدائها إليه أن يتعرض بها غير تامة الأحوال فإنه مما نرضي به المهدي ليكون ما هداه في مقام الكمال فلذلك لما غضب رسول الله - ﷺ - حين قالوا: ألا نجامعن يا رسول الله.
* فأما إرساله إلى الرجلين وسقيه إياهما اللبن، فإنه لا يدل على أنه لم يغضب في مثل ذلك السؤال إلا أن رسول الله - ﷺ - لم يكن بلغ منه الغضب إلى أن يمنع السائل من طعامه أو يشركه في زاده.
* وأما الذي صنعه أهل الكتاب من مجانبة الحائض إلى أنهم لا يباشرونهن ولا يضاجعوهن، ولا يشربون مما يضعن أيديهن فيه، فإن ذلك مما كذبوا فيه وغلوا، وزادوا على الواجب، وإنما الحق اجتنابهم في مواضع الحيض خاصة دون المؤاكلة والمشاربة والمضاجعة إذ ليس حيضتها في غير موضع حيضتها.
- ١٧٨٩ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أنس، قال: (كان رسول الله - ﷺ - يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك، وإلا أغار، فسمع رجلًا يقول: الله أكبر، الله أكبر. فقال رسول الله - ﷺ -: (على الفطرة)، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله - ﷺ -: (خرجت من النار)، فنظروا فإذا هو راعي معزى)].
[ ٥ / ٣٥٨ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن الغارة يستحب أن يتوخى لها ما بعد طلوع الفجر، (٢١٨/ ب) وتدبير ذلك أن يكون على ما قال الله ﷿ فيما أقسم به ﷾ في قوله: ﴿والعاديات ضبحًا﴾ فإن العاديات جمع عادية، وهي الخيل تعدو بفرسانهن، قال: ﴿فالموريات قدحًا﴾ يعني أنهن يسار عليهن في الليل حتى يورين حوافرهن إذا ضربن بهن الحجارة، فيصخب الموضع الذي يممنه.
* وقد سبق شرح هذه السورة فيما تقدم، وذلك أني تدبرت آيات هذه السورة فوجدت قوله سبحانه: ﴿والعاديات ضبحًا﴾ ثلاثة عشرة حرفًا، ﴿فالموريات قدحًا﴾ ثلاثة عشرة حرفًا أيضًا، ﴿فالمغيرات صبحًا﴾ ثلاثة عشرة حرفًا، فرأيت أن هذا العدد وهو ثلاثة عشر من الأعداد الصم التي لا تقبل الكسر، فنظرت أن الله تعالى أشار بهذا العدد في هذه الآيات أنه يستحب أن يكون عدد السرايا من الأعداد الصم التي لا تقبل الكسر تفاؤلًا بذلك.
* ثم إني نظرت في عدد أصحاب رسول الله - ﷺ - يوم بدر فوجدته ثلثمئة وثلاثة عشر، عددًا أصم لا يقبل الكسر، كما كان عدة أصحاب طالوت حين جازوا معه النهر ثلثمئة وثلاثة عشر، وهو جزء أصم لا يقبل الكسر، فلما
[ ٥ / ٣٥٩ ]
أقسم الله تعالى بهذه الخيل عادية في سبيله، ساهرة في نصر رسوله - ﷺ -، قد أورت القدح في الليل فوافت المغار عند الصبح؛ فأتبع ذلك بأن قال سبحانه: ﴿فأثرن به نقعًا﴾ لأنهن خرجن من ظلمة الليل إلى ضياء الصبح، ويجوز أن يعود إلى المغار فقوله سبحانه: ﴿فأثرن به نقعًا﴾ أي العجاج.
* ﴿فوسطن به جمعًا﴾، ومعنى وسطن أي أثرن به العجاج حتى صار بينهن وبين الناظرين، فادر عنه عوضًا من ادراعهن الليل حتى وسطن الجمع، ثم كان عدد ما بين الاثنين كل آية منهما أحد عشر حرفًا، وهو جزء أصم أيضًا إلا أنه لما كانت الآيات الأول في صفات الخيل نفسها كانت ثلاثة عشر، فلما كانت الآيتان اللتان بعدها في صفات ما فعلت الخيل نقصت صفاتها عن ذاتها لحروب إلا أنه جزأ أصم أيضًا لا يقبل الكسر.
* وقوله (٢١٩/ أ) سبحانه: ﴿إن الإنسان لربه لكنود (٦) وإنه على ذلك لشهيد (٧) إنه لحب الخير لشديد﴾ فهي ثلاثة فصول، كل منها مؤكد بإن، ثم أجيبت بثلاثة على عددها فقال سبحانه: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (٩) وحصل ما في الصدور (١٠) إن ربهم بهم يومئذ لخبير﴾؛ فكانت هذه الثلاثة أجوبة للفصول الثلاثة.
* وأما قوله: (فإن سمع أذانا أمسك) فإن الأذان إذا أعلن به معلن في حي
[ ٥ / ٣٦٠ ]
فقد دل على أن أهل ذلك الحي راضون ذلك الإعلان، فتحرم دماؤهم وأمواهم.
* وقوله: (على الفطرة) يجوز أن يريد به أن هذا كلام يقوله كل من هو على الفطرة ممن لم يبتدع. ويجوز أن يكون معنى قوله - ﷺ - على الفطرة أي يكون إن شاء الله عليها، كما تقول من لاح له شخص فلان أرجو أن يكون فلانا.
*وقوله: (خرجت من النار)، قد جاء فيما تقدم أن الشهادة لله بالتوحيد من ضرورتها الشهادة للنبي - ﷺ - بالرسالة والنبوة.
* وفيه أنه يستحب للراعي وإن كان وحده أن يؤذن، وكذلك كل من كان في البادية.
- ١٧٩٠ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن ثابت، عن أنس: (أن النبي - ﷺ - كان يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ فمر رجل من بني سلمة، وهم في ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا إن القبلة حولت، فمالوا كما هم نحو القبلة)].
[ ٥ / ٣٦١ ]
* قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر وغيره وشرحناه هنالك.
- ١٧٩١ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أنس قال: (كان رسول الله - ﷺ - يصلي، إذ جاء رجل وقد حفزه النفس فقال: الله أكبر، والحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: (أيكم المتكلم بالكلمات؟)، فأرم القوم، فقال: (إنه لم يقل بأسًا)، فقال الرجل: أنا يا رسول الله قلتها، فقال النبي - ﷺ -: (لقد رأيت اثني عشر ملكا يبتدرونها، أيهم يرفعها)].
* قال يحيى بن محمد ﵀: الذي أخطر الله في قلبي وقت إملاء الكلام على هذا (٢١٩/ ب) الحديث أن قوله: الله أكبر، فصل، وقوله: الحمد لله فصل، وقوله: كثيرًا طيبًا فصل، وقوله: مباركًا فيه فصل، فلما كانت أربعة فصول لم يحمل كل فصل إلا جمع من الملائكة، وكان أقل الجمع ثلاثة، وثلاثة في أربعة باثني عشر، فيكون اثني عشر ملكًا، وإنما لم يحمل كل كلمة منها إلا جمع لأن كل فصل منها يكمل معناه بالنيابة فهو قائم بنفسه، ولما كان كل فصل منها جمعا لم يكن ليحمله إلا جمع من الملائكة فحمل كل فصل جمع.
[ ٥ / ٣٦٢ ]
* وقوله: أيهم يرفعها أي أي هذه الجموع الأربعة تسبق بها إلى الله تعالى متقربًا برفعها إليه.
وأرم القوم: سكتوا، وحفزه: أي جهده من شدة السعي.
- ١٧٩٢ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - كان يقول يوم أحد: (اللهم إنك إن تشأ، لا تعبد في الأرض)].
* قد سبق في مسند عمر الكلام في هذا. ومعناه إن فإن بمعنى ما، أي ما تشاء لا تعبد.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
- ١٧٩٣ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان، قال: فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، ثم تكلم عمر، فأعرض عنه، فقام سعد بن عبادة، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا، قال: فندب رسول الله - ﷺ - الناس فانطلقوا، حتى نزلوا بدرًا، ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، وكان أصحاب رسول الله - ﷺ - يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: مالي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف، فإذا قال ذلك ضربوه، وإذا قال: نعم أنا أخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه فسألوه، قال: مالي بأبي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف في الناس، فإذا قال هذا أيضًا ضربوه، ورسول الله - ﷺ - قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف، وقال: (والذي نفسي بيده، لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم، قال: فقال رسول الله - ﷺ - (٢٢٠/ أ): (هذا مصرع فلان-ويضع يده على الأرض ها هنا- قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله - ﷺ -)].
[ ٥ / ٣٦٤ ]
* في هذا الحديث من الفقه ما يدل على أن الله ملأ قلوب أصحاب رسول الله - ﷺ - إيمانًا ويقينًا، فإن هؤلاء النفر الذين وقوا رسول الله - ﷺ - بنفوسهم، وفدوه بأرواحهم واحد بعد واحد، ولم يتردد فيهم متردد، ولا تلوم منهم متلوم، بل أقدموا إقدامًا على الموت ورضى بالجنة ثمنًا من الدنيا، وهذا مما يدل كل الدلالة على أن الله تعالى خصهم من الإيمان واليقين بنا كانوا له أهلًا.
* فأما يوم أحد فقد كانت فيه لله ﷾ أسرار كثيرة إلا أن منها فعل هؤلاء الرهط الذين بان فضلهم بأن جمعهم على ذلك الماقط حول رسول الله - ﷺ -، وأكب المشركون عليهم، ظهرت منهم هذه الجواهر التي يبقى عرف طيبها على المسلمين كافة إلى يوم القيامة.
* وفيه أن المصلي إذا كان في صلاته فتكلم عنده القوم ففهم ما يقولونه لم تبطل صلاته، لأن رسول الله - ﷺ - فهم ما جرى لأصحابه مع الغلام، وأجابهم بعد انقضاء صلاته بما دل على أنه فهم ما جرى لهم.
- ١٧٩٤ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن أنس: (أن قريشًا صالحوا النبي - ﷺ -، فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي - ﷺ - لعلي ﵁: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: أما بسم الله فما ندري (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ ولكن أكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فقال: اكتب من محمد رسول الله، قالوا: لو علمنا
[ ٥ / ٣٦٥ ]
أنك رسول الله لا تبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي - ﷺ -: اكتب من محمد بن عبد الله، فاشترطوا على النبي - ﷺ -: أن من جاء منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا)].
* قد سبق تفسير هذا الحديث فيما مضى.
[ ٥ / ٣٦٦ ]
- ١٧٩٥ -
(٢٢٠/ ب) الحديث الثامن والعشرون:
[عن أنس: (أن النبي - ﷺ - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ -أو هو رفيقي في الجنة- فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله - ﷺ - لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا)].
* أما قول رسول الله؟: ما أنصفنا أصحابنا، كأنه كالعتب على المهاجرين إذ تقدم الأنصار فقاتلوا دونهم.
* وفيه الفضيلة العظمى للأنصار ﵃.
- ١٧٩٦ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم، فأنزل الله ﷿: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [٣ آل عمران: ١٢٨]].
[ ٥ / ٣٦٧ ]
* قد سبق الكلام في هذا، وقدمنا تفسير الآية، وأن هذا اعتداد من الله تعالى لرسوله بإخلاصه فيه، وأنه ليس له في حربهم وشنآنهم شيء راجع إلى نفسه بل كله لله ﷿ فكان من أحسن مواقعه عند شج وجهه وكسر رباعيته أن يقال له: (ليس لك من الأمر شيء)، أو أن هذا جرى عليك ليس لك فيه شيء فإنما هو لأجلنا وفينا ومن جرانا ونحن المجازون عليه.
- ١٧٩٧ -
الحديث الثلاثون:
[عن أنس: (أن فتى من أسلم قال: يا رسول الله، إني أريد الغزو وليس معي ما أتجهز به فقال: ائت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض، فأتاه فقال: إن رسول الله - ﷺ - يقرئك السلام ويقول: أعطني الذي تجهزت به، فقال: يا فلانة، أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسي عنه شيئًا، فو الله لا تحبسي منه شيئًا فيبارك لك فيه)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن المجهز للغازي كالغازي، وذلك أن رسول الله - ﷺ - أمر من تجهز ليغزو فانقطع بمرض أن يعطيه من يغزو ليكون كأنه غزا، ولذلك فهم الرجل هذا المقصود فقال لزوجته: لا تحبسي من جهازي شيئًا.
[ ٥ / ٣٦٨ ]
* وأما قوله: فيبارك لك فيه، يكون على وجه الغلول إذ أمره رسول الله - ﷺ - بإعطاء الكل.
- ١٨٩٨ -
الحديث الحادي (٢٢١/ أ) والثلاثون:
[عن أنس، قال رسول الله - ﷺ -: (من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه)].
* معنى الحديث أنه من طلب الشهادة صادقًا في طلبها لا يذكرها ليسمعه غيره فيظن به الخير وليس به لكن يسألها ربه صادقًا في السؤال والطلب.
- ١٨٩٩ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أكل طعامًا لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، وأمرنا أن نسلت القصعة، قال: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة)].
* في لعق الأصابع معان منها: زوال الكبر، وحفظ بعض أجزاء الزاد وإن
[ ٥ / ٣٦٩ ]
قل، لأن الكثير يجتمع من القليل، ومتى لم يلعق الأصابع ويمسح القصعة ضاع ما فيها، وقد نهي عن إضاعة المال.
* وقوله في اللقمة: (فليمط عنها الأذى) وذلك لئلا يكون مضيعًا للمال من جهة أن تلك اللقمة قد تكون سادة جوع مسلم أو مثقلة للميزان، ميزان متصدق بها أو ببعضها، فلا معنى في إضاعتها؛ فربما تكون ميزانه في القيامة قد وقفت على أن ترجح تلك اللقمة، وذا رجحت بها دخل الجنة، وإن لم تكن اللقمة فرجحت سيئاته دخل النار، فيكون إهماله لتلك اللقمة تكبره عن أن يزيل عنها الأذى قد أدخله النار؛ ولو فعل لأدخله الجنة، وهذه اللقمة أمر ظاهر وميزانها مكشوف، والوزن فيها بين، وكم فيها من ذرة، وقد قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره﴾.
[* وقوله: (ولا يدعها للشيطان) بمعنى من أجله.
* وقوله: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) وهذا لأن البركة ربما تكون في الجزء الملقى.
- ١٨٠٠ -
الحديث الثالث والثلاثون:
[عن أنس: (أن جارًا لرسول الله - ﷺ - فارسيًّا، كان طيب المرق، فصنع لرسول الله - ﷺ - طعامًا، ثم جاء يدعوه، فقال: (وهذه) لعائشة. فقال: لا، فقال رسول الله - ﷺ -: (لا) ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله - ﷺ -: (وهذه؟)
[ ٥ / ٣٧٠ ]
قال: نعم (٢٢١/ ب) في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله)].
* في هذا الحديث من الفقه إجابة الدعوة.
* وفيه أنه لا يجوز للمدعو أن يضم إليه غيره إلا بإذن، فإن لم يأذن صاحب المنزل لم يجز، فإن لم تكن الدعوة وليمة عرس لم تجب الإجابة ولهذا قال له: ولهذه فقال: لا، فقال: لا.
* وفيه دليل على أن الكريم النفس إذا كان معه صاحب له أو رفيق جالس فإنه لا يستحب له أن ينفرد عنه بطعام طيب دون أن يشركه فيه، لأن ذلك الفارسي لما أراد أن يستدعي رسول الله - ﷺ - وحده وقد كان عند عائشة لم يذهب حتى أخذ رفيقته معه.
* وفيه دليل على أن رسول الله - ﷺ - كان بريئًا من الكبر، ومن نخوة الجاهلية؛ فإنه بعد أن رده الرجل مرتين أجابه في الثالثة.
-١٨٠١ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن أنس: (أن النبي - ﷺ - كان مع إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه، فقال: يا فلان، هذه زوجتي، فقال: يا رسول الله، من كنت أظن به، فلم أكن أظن بك، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى
[ ٥ / ٣٧١ ]
الدم)].
* في هذا الحديث دليل على أنه يحب على كل مسلم أن يتباعد عن مواقف الريب، وأن لا يقنع ببراءة نفسه عند نفسه حتى يكون دليله على ذلك برهانًا واضحًا ينوب عن مقاله ولا يحوجه إلى بسط عذره، فإن رسول الله - ﷺ - لم يكن يظن به الشر مسلم إلا أنه - ﷺ - أراد بذلك أن يسلم ذلك الشخص الناظر من أن يعرض له الشيطان في تخييل ما لم يكن، وأن يقتدي به كل مؤمن إلى يوم القيامة، فلا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم فرأى خاليًا بها عرف الناظر إليه ذلك.
-١٨٠٢ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (رأيت- ذات ليلة- فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب)].
* في هذا الحديث من الفقه أن يستفاد تعلم عبر الرؤيا من هذا الأسلوب،
[ ٥ / ٣٧٢ ]
وهو أسلوب من أساليب عبر الرؤيا (٢٢٢/ أ) واستخراجها من النطق والتسمية، وهو أن يذكر العاقبة بعقبة، والرفعة بذكر رافع، والطيبة بذكر طاب، وعلى هذا في كل الأسماء إلا أن هذا مهما عبر الإنسان به الرؤيا فيما يكون بشرى وإيذان بالخير فهو في موضعه، فأما إن عبره بما يكون محزنًا لقلوب المؤمنين أو ذاهبًا إلى طيرة أو إنذار بسوء فلا يقطعن به، فإن ذلك من الشيطان ويدفع بذكر الله والصلاة.
-١٨٠٣ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن أنس (أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: (يا أم فلان، أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك)، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها)].
* في هذا الحديث جواز أن يخلو الرجل بالمرأة في الطريق لأن رسول الله - ﷺ - قال: انظري أي السكك شئت، وذلك لأن الخلوة في الطريق ليست خلوة.
* وفيه دليل على حسن خلق رسول الله - ﷺ - وتواضعه ورفقه.
-١٨٠٤ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن أنس، عن عائشة: (أن النبي - ﷺ - مر يقوم يلقحون، فقال: لو لم يفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصًا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت
[ ٥ / ٣٧٣ ]
كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم)].
* قد سبق هذا الحديث واستوضحنا الكلام عليه.
* والشيص: هو أردأ التمر.
-١٨٠٥ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: (مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره)].
* قد سبق هذا الحديث، وإنما مربه في حالة الإسراء إلى بيت المقدس ثم جمع الله بينه وبينه في السماء السادسة أو السابعة، والله على كل شيء قدير.
* وفيه من فضل الله سبحانه لأنه أرى رسول - ﷺ - موسى ﵇ يصلي في قبره؛ ليعرف - ﷺ - أنه ليس في دفنه هو في الأرض غضاضة، ولا نزول عن مرتبة موسى؛ ولتكون قبورهم أمانًا لأهل الأرض، ويثاب قاصدوها من فجاجها.
[ ٥ / ٣٧٤ ]
* فأما رؤيته له في السماء السادسة فيدل أنه انهز من قبره قاصدًا لأجل مقدم رسول (٢٢٢/ ب) الله - ﷺ - وتلقيه والاجتماع به، حيث يعرف به محمد - ﷺ - مقام موسى ومنزلته، ويعرف موسى مقام محمد - ﷺ - وتجاوزه إلى ربه.
* فأما صلاة موسى في قبره فالذي أرى في ذلك أن دار الآخرة هي دار نيل الملاذ، وأن المؤمن قد يجد في صلاته وفي عبادته من اللذة ما لا توازيه لذة في الدنيا، فكيف بالأنبياء، فإن الله صلاته ﵇ مما قد التذ بها فشرع فيها التذاذًا بها لا تكليفًا فغير بعيد، ولأن الأنبياء ﵈ أحياء في قبورهم.
-١٨٠٦ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: (دخلت الجنة، فسمعت خشفة، قلت: من هذا؟ قالوا: هذه الغميصاء بنت ملحان أم أنس بن مالك)].
* هذا الحديث يدل على تبشير أم سليم بالجنة.
* وقوله سمعت خشفة: الخشفة: وهو الصوت والحركة، وتعني أنها أن لها ضبنة وجمعًا عند دخولها الجنة.
-١٨٠٧ -
الحديث الأربعون:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - أخذ سيفًا يوم أحد، فقال: من يأخذ مني
[ ٥ / ٣٧٥ ]
هذا؟ فبسطوا أيديهم- كل إنسان منهم يقول: أنا، أنا، قال: فمن يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم، فقال سماك أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين)].
* في هذا الحديث من الفقه استحباب توصل الإمام إلى كل ما يشد به عزائم المجاهدين، ويحمي به أنوفهم للحق، فأما ما فعل رسول الله - ﷺ - من عرض هذا السيف على القوم متخيرا من يتناوله منهم بحقه حتى انتدب له سماك ففلق به هام المشركين.
* وفيه أيضًا أن المستحب للإمام أن يختار أجود السلاح لأجود الرجال، ولا يترك السلاح الأجود مع الرجل الأدون حتى إن كان ملكًا للرجل، فرأى الإمام أنه لا يغني به صاحبه شيئًا، وغيره يغني به الغناء الواسع وليس ذا سلاح، أمر صاحب السلاح أن يدفع سلاحه إلى هذا الأعزل قصدًا بذلك مصلحة الجميع متوصلًا إلى طيب نفس صاحبه في ذلك، فإنه الأولى كما كان يقول لمن مر به انثر كنانتك لأبي طلحة.
-١٨٠٨ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن أنس: (أن النبي - ﷺ - آخى بين أبي طلحة وبين أبي عبيدة)].
[ ٥ / ٣٧٦ ]
* قد سبق ذكر الأخوة في مسند عبد الرحمن (٢٢٣/ أ) بن عوف. وفيما مضي من مسند أنس، وبينا أن المراد تعيين كل اثنين في التعاون وإلا فكل المسلمين أخوة لقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾.
-١٨٠٩ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن أنس عن رسول الله - ﷺ - قال: (لما صور الله آدم في الجنة تركه كما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك)].
* الذي أراه في ترك آدم مدة طويلة؛ أنه يوطئه للملائكة على تفضيله عليهم، لينظروا في تلك المدة إلى الحكم التي وضع عليها إلى أن نفخ فيه الروح، فأما ظن إبليس أنه لا يتمالك لكونه أجوف، فتشتبه الروح التي فيه بشمس الملكوت وقمره، يظهر عند استيقاظه من منامه وقت طلوع الشمس الملكوت؛ كما أنها يخلفها الحياة فيه دون الروح في منامه كما يخلف القمر والكواكب الشمس في الليل، وعزوفه شبيه بالأودية التي في فجاج الأرض، وعظامه شبيه بالجبال التي فيها، وكل شيء من الملكوت ففي الآدمي شبيهه.
* وما فيه من الشعر فعلى شبه نبات الأرض فكان من حسن صنعة الخالق
[ ٥ / ٣٧٧ ]
سبحانه أن بسط الملكوت ثم قبضه في خلقه الآدمي، فلم يخل بشيء مما أودعه في المبسوط إلا وجعل مثاله في المقبوض؛ بل إن المقبوض يزيد عليه بأن فيه من معرفة الله سبحانه، والعلم به والفهم عنه، وأهليته للخطاب والتكليف ما يفضل به المبسوط كله.
* ولأن المبسوط كله خلق له، ومن أجله، وكله في خدمته، ويسخر له فهل يغفل عن هذه في مواقع الحكم في خلقه هذه البنية إلا أعمى البصيرة، جهل إبليس ظن أنه لا يتمالك، وإنما كانت الحكم المودعة جوف الآدمي وباطنه مثمرات ما كان من بدائع الحكم في ظاهره من علقه وتمييزه وإدراكه وفهمه وذوقه ولمسه وإحساسه.
* ولأن ما خلق الله ﷾ في أرضه من بدائع الثمار، واختلاف الطعوم، وما ضمن الحشائش والنباتات من المنافع والمضار، لو لم يخلق الآدمي، أجوف؛ ليدرك بحاجته إلى الطعام ما خلق الله تعالى من عجائب صنعته فيما أودعه الثمار، مما لا يمكن أن يصفه شخص لشخص (٢٢٣/ ب)؛ فإنما يدرك بالذوق لا يمكن أن يوصف، حتى إن في المطعم الواحد الحلو مثلًا من التفاوت الذي أودعه الله ﷿ في كل جنس من أجناس مخلوقاته ما ليس في الآخر، على نحو حلاوة الرطب التي هي غير حلاوة العنب، التي هي غير حلاوة الرمان؛ التي هي غير حلاوة التفاح؛ التي هي غير حلاوة البطيخ؛ التي هي غير حلاوة المن؛ التي هي غير حلاوة السكر؛ التي هي غير حلاوة الفرصاد؛ حتى إن في طعم الحل خاصة ما يزيد عن عشرين جنسا؛ كل واحد منها في حلاوته بينه وبين الآخر في حلاوته تفاوت لا يمكن واصف
[ ٥ / ٣٧٨ ]
أن يصفه لمن لا يذوقه.
وكذلك في الحامض والقوابض والمز والمالح والعفص لا يمكن صفاته في تفاوت طعومه إلا بالذوق، فكيف كان يمكن أن تدرك هذه الحكم من بدائع خلق الله ﷾ لو لم يجعل الآدمي أجوف مضطرًا إلى تناول هذه الأشياء قال الله ﷾: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾.
* وهكذا لما جعله أجوف ليعرض في باطنه من الأمراض ما قد جعل الله ﷿ شفاءه في الأدوية التي خلقها وأودعها ذلك؛ فلو لم يكن هذا على ما فعله الله سبحانه لم يطلع على هذه أبدًا، حتى إن الإنسان ليتناول من بعض الأطعمة ما لا يصلح له، فخلق الله له طعامًا آخر إذا تناوله دفع ضرر ذلك الطعام الذي تناوله من قبل، فكيف كان يتطلع على هذه الحكم كلها لولا أن الله ﷾ خلقه أجوف.
* وإنما أتي إبليس من نظره بعين العداوة، فعمي عما في الآدمي من حكم وأنه مخلوق على ترتيب مهيئ للعلوم والأعمال، وملك الحيوان كله بأمر خالقه ﷿، وهو دليل على خالقه سبحانه بباطنه وظاهره وكونه لم ينظره دليلًا، ودليلًا لمن يلمسه، ودليلًا لمن يسمع منه، ودليلًا لمن يروي عنه لغيره، فهو مستدل على خالقه بجميع أحواله وحركاته وسكناته، فهو دال على خالقه بجميع أجزائه.
* وأتي إبليس أيضًا لعنه الله من حيث أنه رأى التمالك والاستمساك (٢٢٤/ أ) في الخلق من حيث الخلق، فلذلك دخل الجهل عليه ونسي خالقه،
[ ٥ / ٣٧٩ ]
وإنما تماسك الآدمي وتمالكه بأمر خالقه، ولذلك قال أهل الحق: إن الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده، وإن العبد لا يقدر على شيء إلا بإقدار الله له فهو سبحانه يمده به حالًا فحالًا.
* ولا جرم أنه ثبت قدمه حين زلت قدم إبليس، ورسخ في العلم حين طاش إبليس جهله، فإن الله تعالى سمى الراسخين في العلم من بني آدم راسخين لثباتهم فيه، وكان طيش إبليس أنه رأى نفسه لجهله في مقام الاعتبار على الله ﷾ لما صنعه في آدم حتى قال مخاطبًا لربه سبحانه: ﴿أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾.
وكما روي عن ابن سمعون ﵀ أنه قال: رأيت إبليس لعنه الله في المنام على صورة كنا عنها. قال ابن سمعون: وكنت قد سمعت عن إبليس أنه قال: علام يلومني اللائمون، وإنما المعصية وصفي والرحمة وصفه فأتيت وصفي؛ وتعلقت بوصفه؟
قال ابن سمعون: فسألته في المنام عن هذا الكلمات التي بلغتني عنه في اليقظة. قلت له: أأنت قلت هذا الكلام؟ فقال: نعم. فقلت له: هذا من جهلك يا جاهل.
ثم تجاوز ابن سمعون إلى باقي الكلام في المنام، فقلت أنا: ما الذي أنكر ابن سمعون على إبليس من هذه الكلمات، وظاهرها فيه رسومة، فنظرت فإذا إنكار ابن سمعون في موضعه، وذلك أن قول إبليس المعصية وصفي والرحمة وصفه، فإنه جيء بهذا القول من حيث إنه ظن أنه فلج، بالحجة لأني قلت له
[ ٥ / ٣٨٠ ]
ومثلته كأنه جالس بين يدي، يا عدو الله: ما وصفك إلا المعصية خاصة أو ليس من وصفك الطاعة أيضًا، وربك أليس من وصفه الانتقام أيضًا كما من وصفه الرحمة، فلم اخترت من وصفك وصفاك لربك أقبحها واخترت لنفسك من وصفي ربك أرفقهما فحينئذ قاتلك الله، لو أن الخلق يقتدون بك لما كان يكون (٢٢٤/ ب) لله سبحانه على وجه الأرض طائع، ولا من انتقامه خائف، فعرفت أن ابن سمعون إنما أنكر عليه في موضعه.
ثم ذكر ابن سمعون بقيه المنام فقال: إني قلت له: يا جاهل تدري أي عذاب أنت معذب؟ فقال لي: نعم، فقلت له: بأي عذاب أنت معذب؟ فقال: بعذاب المخالفة، قال: فقلت له أيضًا: وهذه أيضًا مما تدل على زيادة جهلك أما ما خالفه غيرك، أما خالفه آدم فتاب عليه واجتباه وهداه، قال: فقال لي فبأي عذاب أنا معذب؟ قال: فقلت له: أنت معذب بعذاب المقت. قال: فصرخ صرخة فاستحال قردًا قال: ثم قلت له: إنما سميت إبليس؛ لأن اشتقاق معناك كان مودعًا في نسمتك أو نحو هذا الكلام، قال: فقال لي: شيخ، فماذا يكون تدبيري؟ قال: فقلت له: يا هذا تنزلك مع أمره، وتسلمك إلى حكمه.
قال: ثم قلت له: يا جاهل، يا عديم العلم لأجهل منك من ظن أنك شممت ريح العلم، أليس بلغ من جهلك أنك لما قال لك ربك اسجد لآدم ابيت، ثم عللت إباءك أن قلت أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين، ويلك بلغ من أمرك أنك تسوي أنت لربك تدبيره وتتم له أموره.
قلت أنا عند هذا الكلام: يا جاهل، أنت بزعمك خير من آدم جنسًا في ضمن اعتراضك هذا، وممن هو خير تدبيرًا.
[ ٥ / ٣٨١ ]
قال ابن سمعون: فاستخذى واستسلم، ثم قال لي بعد ذلك: يا شيخ، اتركني وأهل البدع، ثم انقطع منام ابن سمعون.
* فرأيت أنا في المنام شرح الحال أنه قال له: دعني وأهل البدع، أن معناه أنه أراد أن أهل البدع يأتون ما يأتون من مساخط الله سبحانه في مقام لا يتوبون منه، ولا يعتذرون عنه، فأراد الفاسق من ابن سمعون أن لا ينبه على ما عليه أهل البدع من الضلالة، ظنا منه أن ابن سمعون قد بلغ بغضه لأهل البدع وشنآنه إياهم إلى الحد الذي لا يستنقذهم بعمله من يده، فيتركهم معه.
* وكان مقام ابن سمعون ﵀ وإن كان له مبغضًا من حيث البدعة؛ فإنه لهم راحمًا من حيث المعرفة، فهو يحرص على هداهم فقد كان أحمد ﵁ أعلا مقامًا (٢٢٥/ أ) من ابن سمعون حيث كان من دعائه: (اللهم ما كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق حتى لا يضل من هذه الأمة أحد).
* فأما إبليس فإنما من جهله من حيث أنه لم يستيقظ المعنى الذي خلق له، فإنه لما كان من صفات الله سبحانه اللوازم أن يكون ﷾ عفوا غفورًا صفوحًا، منتقمًا معاقبًا، لم يكن بد مع هذه الصفات من خلق يذنبون فيغفر ويسيئون فيعفو، ومن خلق يأتون الموبقات، ويصرون على المقمحات؛ فينتقم ويعاقب، وكان من رحمته لآدم وذريته أنه ﷾ لما خلق إبليس مزينا للضلالة، وداعيًا إليها، كان متصرفًا للمذام، ومحققًا في مواقع العذر لبني آدم، وكان إبليس ومن تبعه من ذريته آدم من خلقه الله أحطبًا للنار؛ التي هي محل نقمة الله سبحانه فكان من حيث تنافي الأحوال واختلافها، كان الله سبحانه الحمد أولًا وآخرًا، وبدءًا وعودًا، وقولًا وعقدًا؛ ولأن في باطن
[ ٥ / ٣٨٢ ]
الآدمي حكمًا من نسج العروق، وتركيب العظام حتى كأنه على شكل السفينة، فإن أول ما تمد من السفينة الخشبة التي هي حرزة ظهر الآدمي، ثم تبنى الألواح التي هي كأضلاع الآدمي ثم تبنى عليها، إلا أن خلق الآدمي تستنبط منه صورة الملكوت.
* ويتمالك: يتفاعل فهي مفاعلة تملك، كما أن يتماسك مفاعلة يمسك يعني لا يمكنه تنفعل الملك.
* وبعد هذا فإن الله تعالى خلق الآدمي على صورة يطمع فيها إبليس، وهذه الصورة بعينها قد يمر ببعض أصحابها إبليس، وهو يذكر الله ﷿ فيصرع الشيطان كعمر بن الخطاب ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له: (ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك).
-١٨١٠ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن أنس: (أن ثمانين رجلًا من أهل مكة، هبطوا على رسول الله - ﷺ - من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرة النبي - ﷺ -، فأخذهم سلمًا، فاستحياهم، وأنزل الله تعالى ﷿: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]].
[ ٥ / ٣٨٣ ]
* في هذا الحديث ما يدل على أن لا يؤتمن إلى المشركين في وقت (٢٢٥/ ب) معاهدتهم كل الأمن، وعلى ذلك فليف لهم معتمدا على الله ﷿ في كف أذاهم، فإن هؤلاء الرهط اهتبلوا غفلة رسول الله - ﷺ -، فسلطه الله عليهم فأخذهم سلمًا أي لا عن حرب فاستحياهم أي استبقاهم، والمراد أنه وفى لهم إذا غدروا ولم ينقض عهدهم بما مكروا، ولم يجازهم على غدرهم بالفتك بهم.
-١٨١١ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أوى إلى فراشه قال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الإنسان في غالب أمره وأكثر حاله إنما يأوي إلى فراشه لينام عليه بعد أن يأكل ويشرب وذلك من حكمته ﷿ في عباده، فإنه يلذ له النوم ويلطف الله حرارته على باطنه فتهضم غذاءه فيخلف على بدنه ما تملك في يقظته، فلما أوى رسول الله - ﷺ - إلى الفراش ذكر النعمة التي تقدمت على الفراش من الطعام والشراب وقال: (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا) يعني - ﷺ - أنه من أسدي إليه نعمة على أثر نعمة فلا ينبغي له أن
[ ٥ / ٣٨٤ ]
يشكر إحداهن ولا أن يذكر الأخرى وينسى الأولى بل يعددهن يتمامهن عند تكاملهن، فكان من تمام النعمة على من أكل وشرب أن يسهل له مكانًا يأوي إليه، فكم من آكل لا يجد ماء بشربه، وكم من آكل شارب لا يجد ما يأوي فيه، فقال (الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا)، ثم قال: (فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي).
* وفيه ما يستدل به على أن الإنسان إذا أنعم عليه بنعمة كان من أحسن الأشياء له أن يذكر من حرم تلك النعمة فيشكر المنعم عليها بما حرمه الله أخاه.
-١٨١٢ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن أنس: (أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - لعلي ﵁: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي ﵁ فإذا هو في ركي يتبرد، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي ﵁، ثم أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله (٢٢٦/ أ): إنه مجبوب ماله ذكر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن هذا الرجل إنما أمر رسول الله - ﷺ - بقتله من غير بينة من حيث تطريقه على نفسه التهمة بدخوله على أم ولد رسول الله - ﷺ -،
[ ٥ / ٣٨٥ ]
ولم يكن له ذلك وإن كان مجبوبًا، فاستدل رسول الله - ﷺ - على هتكه حرمة بيت رسول الله - ﷺ - بنقضه العهد؛ لأنه كان في كفره على عهد من رسول الله - ﷺ - فرأى أن دخوله بيته بغير إذنه نقض عهده فأمر بضرب عنقه.
* وفيه من الفقه أن الله سبحانه كان حافظًا لأوامر رسول الله - ﷺ -، فلا يقع شيء منها غلطَا بل هو محفوظ معصوم، فإذا أمر بشيء على قضية تستدعي ذلك الأمر بموجب الحق، وإن كان في باطن تلك القضية ما لو علم به رسول الله - ﷺ - لغير ذلك الأمر، جعل الله ﷿ الأقدار حائلة دون إنفاذ ذلك المقدم حتى تكشف له - ﷺ - عن عواقب الأمور، كما جرى من أن عليًّا ﵇ لما أراد أن ينفذ أمر رسول الله - ﷺ - في قتل ذلك الإنسان وجده في ركي. والركي: هي البئر التي لم تطو فأمره بالخروج فرآه حينئذ مجبوبًا، ولو كان قد رآه وعليه ثيابه لم يبن لعلي ﵇ أنه مجبوب إلا بعد قتله، فحفظ الله ذمة رسول - ﷺ - من أن يجري فيها غلط يشبه الغدر، كما حفظها من أن يجري فيها حقيقة الغدر، ولما انكشف لعلي ﵇ أنه مجبوب لم يتعرض له بالقتل، لأنه علم أن ذلك الإنسان لم يحمله على دخول بيت رسول الله - ﷺ - إلا علمه بنفسه أنه لا يتهم لكونه مجبوبًا، فغلط على نفسه ولو فهم أنه لا يكفي براءة الإنسان عند نفسه حتى تكون براءته عند غيره ظاهرة معلومة لم يفعل ذلك، يدل عليه ما سبق من قول النبي - ﷺ - إنها صفية.
-١٨١٣ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل
[ ٥ / ٣٨٦ ]
النار يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا (٢٢٦/ ب) قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن مقدار نعيم الإنسان من أول عمره إلى يوم موته، وإن عاش أطول الأعمار، ويغمره ويغلب عليه _حتى ينسى كل شيء كان منه- صبغة واحدة في النار، وكل بؤس يناله الآدمي في الدنيا على طول عمره يغمره ويغلب عليه -حتى ينسى ذكره- غوطة واحدة في الجنة فلا أغبن من يبيع تلك الحسنة بشيء من هذه السيئة، فالله ﷾ يعيذنا ويسلمنا من آفات هذه الدنيا، إنه على كل شيء قدير.
-١٨١٤ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)].
* قوله: حفت الجنه أي أحيطت بالمكاره، وذلك أن المكاره هي ما يكرهه
[ ٥ / ٣٨٧ ]
الآدمي من خروج مال عن يده في صدقة، أو فجعة بحميم له، أو خروج نفسه بالجهاد في سبيل الله أو ذهاب عرضه مع من يعضهه، أو صبر على لذة محرمة لأجل الله، أو احتساب طعام وشراب وفراق زوجة في صيام لأجل الله تعالى، أو رغبة من وطء وأهل بقصد إلى الحج، أو صبر على برد ماء في إسباغ وضوء في شدة برد لأجل الله تعالى، إلى غير ذلك.
* كما حفت النار أي أحيط بها بالشهوات، فجعل جانب منها يدخل إليه من شهوة الزنا، وجانب يدخل إليه بأكل الربا، وجانب منها بشرب الخمر، وجانب منها بالغدر، وجانب بالنميمة، وجانب بالغيبة إلى غير ذلك.
-١٨١٥ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن في الجنة لسوقًا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادوا حسنًا وجمالًا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم حسنا وجمالا)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن نعيم الجنة لا يزال (٢٢٧/ أ) أبدًا في الزيادة، وهذه السوق التي ذكرت فيها فهي من ذلك لأنها زيادة على نعيمهم
[ ٥ / ٣٨٨ ]
وليست بسوق بيع ولا شراء، وإنما جعلت سوقًا من حيث إن السوق موضوع للمرابحة، فهؤلاء يربحون فيها، ويعودون وقد ربحوا من بيوتهم أيضًا ذلك الحسن في الزوجات، وهذا يدل على أن أهل الجنة يزدادون في كل لحظة حسنًا إلى حسنهم وجمالًا إلى جمالهم زيادة لا تزال تنمي بنفس خروجهم إلى تلك السوق، ومقامهم فيها يزيد نساؤهم وأهلوهم حسنًا في تلك الساعة.
* وفيه دليل على أن ربح الشمال مباركة في الدنيا والآخرة.
-١٨١٦ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: (من يدخل الجنة ينعم، لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - لم يرض أن يصف أهل الجنة بالنعيم فحسب حتى نفى عنهم البؤس، لأن الإنسان قد ينعم ثم يبؤس فاخبر بنفي ما يؤدي لو عرض مع حصول النعيم.
والبؤس: هو الشفاء وسوء العيش.
* قوله: لا تبلى ثيابه يعني أن ثيابهم ليست قابلة للبلاء.
* وإن شبابهم ليس له غائلة ينتهي إليها، لأنه أحسن عمر الإنسان، فعمرهم كله من أوله إلى ما لا نهاية له: شباب كله.
[ ٥ / ٣٨٩ ]
-١٨١٧ -
الحديث الخمسون:
[عن أنس: (أن رسول الله - ﷺ - ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم، فقام عليهم، فناداهم فقال: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا، فإني قد وجدت ما وعدني حقًّا؟ فسمع عمر قول النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون؟ أو أني يجيبون، وقد جيفوا؟ قال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع ما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا، فألقوا في قليب بدر)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند عمر ﵁.
-١٨١٨ -
الحديث الحادي والخمسون:
(٢٢٧/ ب) [عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك)].
[ ٥ / ٣٩٠ ]
* قد مضى هذا الحديث والكلام عليه؛ إلا أن فيه ما ينبه على معنى منع موسى في الرؤية لأنه - ﷺ - إذا كان لا يفتح باب الجنة لأحد قبل محمد - ﷺ - فإنه يعرف من هذا أن نظر الله ﷿ أولى أن لا يبدأ به لأحد قبل رسول الله - ﷺ -؛ إذ النظر إلى الله ﷿ لحظة واحدة أفضل من الجنة كلها وأشرف.
-١٨١٩ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أنس، قال: كان للنبي - ﷺ - تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها، فكان في بيت عائشة، فجاءت زينب، فمد يده إليه، فقالت: هذه زينب، فكف النبي - ﷺ - يده عنها فتقاولتا حتى استحثتا، وأقيمت الصلاة، فمر أبو بكر على ذلك، فسمع أصواتها فقال: اخرج يا رسول لله إلى الصلاة، واحث في أفواههن التراب، فخرج النبي - ﷺ -، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي - ﷺ - صلاته، فيجيء أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولًا شديدًا. وقال: أتصنعين هذا؟)].
* في هذا الحديث أن عماد القسم الليل، وأن زيارة المرأة زوجها في ليلة الأخرى جائز، وكانت زيارة أزواج رسول الله - ﷺ - له للشوق إلى رسول الله - ﷺ - وليتعلمن الحكمة ولئلا تمكث المرأة تسع ليال لا تراه ولا تسمع كلامه.
* وفيه أيضًا أنه مد يده ظانًّا أنها عائشة فلما قيل له هذه زينب كف يده عنها.
[ ٥ / ٣٩١ ]
* وفيه أنه يجري بين المرأتين الصالحتين ما يندمان على أثره بدليل قوله: حتى استحثتا أي رمت كل واحدة صاحبتها بالتراب، وإنما قال أبو بكر: يا رسول الله اخرج واحث في أفواههن التراب لأنه كان ذلك في بيت ابنته (٢٨٨/ أ) عائشة أراد زجرهن بذلك.
* وقد دل الحديث على حسن مداراة النبي - ﷺ - أزواجه وصبره عليهن، فيعلم كل إنسان أن هذا من أفضل العبادة فإن بلي رجل بمثل هذا بين امرأتين له فلا ينبغي أن يخرج ذلك عن مقدار جده؛ حيث قد جرى لنساء رسول الله - ﷺ - وهن من أفضل نساء العالمين بما تقدم ذكره.
* والقول الشديد الذي قاله أبو بكر ﵁ لعائشة ﵂ هو التوبيخ فإنه شديد على مثلها.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن بيت رسول الله - ﷺ - لم يكن فيه ليلتئذ مصباح لكونه جعل يده على زينب ظانًّا أنها عائشة فقالت: أنا زينب.
-١٨٢٠ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أنس، قال: بعث رسول الله - ﷺ - بسبسة عينًا ينظر ما فعلت عير أبي سفيان، فجاء وما في البيت غير رسول الله - ﷺ - وغيري، قال: لا أدري ما استثني بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله - ﷺ - فتكلم، فقال: إن لنا طلبة، فمن كان ظهره حاضرًا فليركب معنا، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرهم في علو المدينة، فقال: لا إلا من كان ظهره حاضرًا، فانطلق رسول الله - ﷺ -
[ ٥ / ٣٩٢ ]
وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا أوذنه، فدنا المشركون فقال رسول الله - ﷺ -: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخ بخ يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: ما يحملك على أن تقول: بخ بخ؟ قال: لا والله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها. قال: فاخترج تمرات من قرنه، قال: فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه (٢٨٨/ ب) إنها لحياة طويلة، قال: فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل ﵁)].
* في هذا الحديث دليل على استحباب إرسال العيون والطلائع.
* وفيه كتمان الأحوال وترك الإشاعة للأمور.
* وفيه أن من صحب الإمام لم يجز له أن يتقدم على أمر إلا بإذنه.
* وفيه أنه يستحب في موطن الحرب أن يحض الناس بتحسين الصفات للجنة، فإن قول رسول الله - ﷺ - قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض من أحسن ما وصفت به.
* وفيه أيضًا أن التصديق بها تبين إشارة تمثل حال عمير بن حمام، وقوله: بخ بخ كلمة تقال عند المدح، قال ابن الأنباري: معناها تعظيم الأمر وتفخيمه.
[ ٥ / ٣٩٣ ]
* وفيه أن زاد القوم كان يسيرًا حتى اخترج تمرات من قرنه، واخترج بمعنى أخرج. والقرن: جعبة صغيرة تضم إلى الجعبة الكبيرة.
-١٨٢١ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أنس، قال: (كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها)].
* في هذا الحديث دليل على قوة إيمان الصحابة وتبركهم برسول الله - ﷺ -.
* وفيه دليل على حسن خلقه وكرم سجيته في موافقتهم وحمل ما يكره من برودة الماء ليبلغوا مرادهم.
* وفيه جواز فعل مثل هذا العالم والصالح والمسلم تبركًا به.
[ ٥ / ٣٩٤ ]
-١٨٢٢ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن أنس، قال: (لقد رأيت رسول الله - ﷺ - والحلاق يحلقه، وأضاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل)].
* قد سبق هذا الحديث. وقد شرحناه في هذا المسند أيضًا.
-١٨٢٣ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن أن قال: (انطلق - ﷺ - إلى أم أيمن، فانطلقت معه، فناولته إناء فيه شراب، قال: فلا أدري أصادفته صائمًا، أو لم يرده، فجعلت تصخب عليه، وتذمر عليه)].
* الصخب: الصوت والجلبة، والمعنى: تصيح. تذمر: تغضب. وإنما انبسطت بهذا لأنها حاضنة رسول الله - ﷺ -.
[ ٥ / ٣٩٥ ]
-١٨٢٤ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن أنس، أنه قال: ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا: أن رسول الله - ﷺ - قال: (من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار)].
* قد مضى هذا الحديث في مسند علي ﵇.
-١٨٢٥ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أنس، قال: وقت لنا، وحكى أبو مسعود وقت لنا -رسول الله - ﷺ - في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة؛ ألا يترك أكثر من أربعين ليلة)].
* هذا الحديث هو الغاية في تأخير ذلك، والأولى أخذ ذلك فيما قبل هذه الغاية.
[ ٥ / ٣٩٦ ]
-١٨٢٧ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يا بني)].
* في هذا الحديث جواز أن يقول الرجل لغير ولده من الصبيان يا بني؛ ولا يكون ذلك كذبًا.
-١٨٢٧ -
الحديث التسعون:
[عن أنس، قال: (قبض رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين)].
* في هذا الحديث أصح ما روي في عمر رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر، فتوافقوا في الأعمار والأحوال والأخلاق والمدفن والمبعث والمقيل.
-١٨٢٨ -
الحديث الحادي والتسعون:
[عن أنس، قال: (كنا عند رسول الله - ﷺ -، فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه،
[ ٥ / ٣٩٧ ]
يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل)].
* في هذا الحديث من الفقه إظهار الله سبحانه لعباده عدله، ومن عدله أنه لم يجر على تثبيت الحقوق بين يديه أن تكون قضية من قضاياه يحكم فيها بالشهود العدول، ثم إن جاحد الجحد فلا يظهر الله على رؤوس الأشهاد كذب ذلك الجاحد وافتراه؛ فأنطق الله سبحانه جوارح الإنسان بما جحده مزكية للشهود.
ولو قد كان معه الشقي توفيق نطق بفيه، وهو يقدر أن ينطق معترفًا لله ﷿، فكان لا يجمع بين فعل ما لا يجوز له فعله وبين أن يجاحد الله ﷿ ذلك، ومن أن يجهل أن الله قادر على أن يظهر كل خفي، فاجتمع لهذا الشفي معصية وكذب وجهل بربه.
والأركان: الأعضاء، وأناضل: بمعنى أدافع واعتذر.
* فأما قوله: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا وبالكرام الكاتبين شهودًا؛ فإن فيه أن الله سبحانه أنطق جوارحه لتزكية الشهود لا لارتياب بهم ولا لتتميم شهادتهم.
[ ٥ / ٣٩٨ ]
-١٨٢٩ -
الحديث الثاني والستون:
[عن أنس: (أن النبي - ﷺ - سئل عن الخمر: تتخذ خلًّا؟ فقال: لا)]
* في هذا الحديث حجة لمن يرى أن الخمر إذا خللت لم تطهر. وأما إذا تخللت بنفسها فذلك جائز بالإجماع.
-١٨٣٠ -
الحديث الثالث والستون:
[عن إسماعيل السدي، قال: (سألت أنس بن مالك: كيف أنصرف إذا سلمت: عن يميني أو عن يساري؟ قال: أما أنا فأكثر ما رأيت النبي - ﷺ - ينصرف عن يمينه)].
* قد سبق بيان هذا، وذكرنا أن هذا الفعل كيف اتفق جاز.
-١٨٣١ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله تعالى ليرضى عن العبد
[ ٥ / ٣٩٩ ]
يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها)].
* في هذا الحديث حب الله ﷿ الحمد، وهذا مما رفق فيه تعبده، فإنه لو قال: الأكلة (بضم الألف) كانت اللقمة، فقد رضي بالحمد، وهي كلمة على الأكلة التي هي مرة، وهي تتضمن لقمات كثيرة، وفي النعم في الأكل أن جعل المأكول وإن كان حلالًا وإن ساغ تناوله، وأن جعل له مخرجًا ريح من أثقاله، وأن أودعه لك عند تناوله، وأعقب عنه قوة عند انهضامه وراحة عند خروج أثقاله وغيره في أثناء ذلك مما كان عند تناوله وهضمه والخلاص منه إلى غير ذلك، فرضي الله عن عبده في النعم الكثيرة بالمرة الواحدة من الحمد.
-١٨٣٢ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا خير البرية. قال: (ذاك إبراهيم ﵇)].
* هذا من رسول الله - ﷺ - باب من أبواب البر، فإن الوالد إذا فضل عليه ولده قد يسره ذلك، فأما إذا قال الولد لنفسه: أنا خير من أبي، لم يسره ذلك، فلم يرد ﵇ أن يفضل نفسه على أبيه وإنما الله ﷿ فضله.
* وهذا التواضع إلى هذا الحد من جملة فضل نبينا - ﷺ -.
[ ٥ / ٤٠٠ ]
-١٨٣٣ -
الحديث السادس والستون:
[عن أنس، قال: (صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات اليوم، فلما قضى الصلاة، أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا القيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي، ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: الجنة والنار)].
* قد مضى هذا في مسند أبي قتادة وغيره وشرحناه هنالك.
-١٨٣٤ -
الحديث السابع والستون:
[عن أنس، قال: أتي لرسول الله - ﷺ - بتمر، فجعل النبي - ﷺ - يقسمه وهو محتفز، يأكل منه أكلًا ذريعًا).
[ ٥ / ٤٠١ ]
وفي رواية: (أكلًا حثيثًا).
وفي رواية: (رأيت رسول الله - ﷺ - مقعيًا يأكل تمرًا)].
* في هذا الحديث دليل على استحباب أكل التمر.
* والمتحفز: المستعجل الذي ليس بمتمكن. والذريع: السريع.
وإنما استعجل لئلا يضيع الزمان في الأكل؛ وعلى أن أهل علم الأبدان يرون أن العجلة في الأكل أجود لتجميع الطعام فيهضم دفعة.
* وأما الإقعاء، فقال النضر بن شميل: الإقعاء أن يجلس على وركيه، وهو الاحتفاز.
-١٨٣٥ -
الحديث الثامن والستون:
[عن أنس في الرقى، قال: (رخص رسول الله - ﷺ - في الرقية من العين والحمة والنملة)].
* في هذا الحديث إباحة الرقية، وقد مضى الكلام في العين والحمة.
[ ٥ / ٤٠٢ ]
* فأما النملة: فقال أبو عبيد: هي قروح تخرج بالجنب وغيره. وإنما رخص رسول لله - ﷺ - في الرقية من هذا لكون كل منها يمتد إلى جنسه، فإذا أمن العبد أن بركة كلام الله وأسمائه الحسنى بلغ في الشفاء إلى إزالة هذه الأمراض؛ فقد اعترف لله سبحانه بالقدرة على كل شيء وكفر بالطاغوت في مذهب الطبائعيين.
-١٨٣٦ -
الحديث التاسع والستون:
[عن أنس، قال: (ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله - ﷺ -، كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قينًا، فيأخذه فيقلبه، ثم يرجع، قال عمرو: فلما توفي إبراهيم، قال رسول الله - ﷺ -: (إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين يكملان رضاعه في الجنة)].
* أما حديث الرضاع فقد مضى وشرحنا قصة إبراهيم ﵇. فأما كونه - ﷺ - أرحم بالعيال فإنه من المقامات التي لها تبين حسن خلق المؤمن، فإن العيال في المعنى غرماء يقتضون المؤمن بأنواع هي الديون ما بين قوت ومسكن وكسوة وحوائج شتى على كونهم فهم الأطفال، ولهم زيادة اشتطاط في الطلب، وفيهم النساء المتنوعات الإرادة، والخادم الجاهل فالصبر عليهم من
[ ٥ / ٤٠٣ ]
أفضل الصبر، فإذا كان خلق رسول الله - ﷺ - مع عياله أحسن الخلق، فهو أحسن الناس خلقًا مع جميع الناس.
* والظئر: المرضعة، وأما رضاع إبراهيم بن النبي - ﷺ - في الجنة، فإنه من حيث إن الطفل وقت رضاعه أول مرارات الدنيا عنده الفطام، فلما خرج إبراهيم بن النبي - ﷺ - عن الدنيا وهو يرضع، وأبدله الله ﷿ من لذات الجنة بتكميل رضاعه لتخلف عليه بذلك مرارة الفطام، فيكون هذه أول ما تخلف عليه مما فاته من الدنيا، ثم تنتقل الأحوال به حينئذ في ملاذ الجنة.
-١٨٣٧ -
الحديث السبعون:
[عن يحيى بن يزيد النهائي قال: (سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين)].
* أما مسيرة ثلاثة أميال فهو الصحيح، والذي شك فيه شعبة في أنه ثلاثة فراسخ، فهو سهو على أنه قد روي عن جماعة من الأوائل، فروي عن ابن عمر أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر، وكان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ إلا أن هذا لا يعمل عليه اليوم.
[ ٥ / ٤٠٤ ]
-١٨٣٨ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن أنس، قال: (بعث رسول الله - ﷺ - إلى عمر ﵁ بجبة سندس فقال عمر: بعثت بها إلي وقد قلت فيها ما قلت؟ قال: (إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتنتفع بثمنها)].
* وهذا قد سبق في مسند عمر ﵁.
آخر مسند أنس بن مالك ﵁.
[ ٥ / ٤٠٥ ]