أخرج له في الصحيحين ست مئة وتسعة أحاديث.
المتفق عليه منها: ثلاث مئة وستة وعشرون.
وانفرد البخاري بثلاث وتسعين، ومسلم بمئة وتسعين.
-١٨٣٩ -
الحديث الأول من المتفق عليه:
[عن عبد الله بن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمني ذلك وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).
وفي رواية لمسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان زناهما البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه)].
[ ٦ / ٤١ ]
*في هذا الحديث من الفقه أن ابن عباس ﵁ حسب ذلك كله من اللمم الذي يغفره الله ﷿، فإنه قال تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾ يعني لا يجتنبون اللمم.
وقد يعني ابن عباس النظر والكلام والبطش كله لما، واللمم مغفور.
*فأما الذي أراه في ذلك فهو ما تبصره عين عن غير قصد فذلك المغفور، فلذلك سمي لمًا من ألم الرجل بالقوم إذا جاءهم في طريقه إلى غيرهم، فكذلك (٩٤/أ) ما تمشي إليه الرجل من الخطا من غير قصد من الماشي؛ وكذلك نطق اللسان مما يكون من الفرج يصدق جميع ذلك أو يكذبه.
والأولى للمسلم كف أطرافه عن ما يتطرق إليه تكذيب الفرج أو تصديقه.
*ومعنى قوله: (كتب):قدر، ولا بد من إضافة ما جرى به القدر.
-١٨٤٠ -
الحديث الثاني:
[عن ابن عباس قال: (قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله - ﷺ -
[ ٦ / ٤٢ ]
المدينة، فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده تبعته.
قال: وقدمها في بشٍر كثير من قومه، فأقبل النبي - ﷺ - ومعه ثابت بن قيس بن شماس.
زاد في رواية:-وهو الذي يقال له خطيب رسول الله - ﷺ - وفي يد رسول الله - ﷺ - قطعة من جريد، حتى وقف على مسليمة في أصحابه، فقال: (لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيك ما أريت، وهذا ثابت يجيبك عني)، ثم انصرف عنه.
قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله - ﷺ -: (إنك الذي أريت فيه ما أريت؟) فأخبرني أبو هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: (بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما فنفختهما، فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدي، فكان أحدهم العنسي صاحب صنعاء والآخر: مسيلمة صاحب البمامة).
وفي رواية عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (نحن الآخرون السابقون).
وقال رسول الله (٩٤/ب) - ﷺ -: (بينما أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض، فوضع بين يدي سواران من ذهب، فكبرا علي وأهماني، فأوحي إلى أن أنفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما: الكذابين اللذين أنا بينهما؛ صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة)].
[ ٦ / ٤٣ ]
*هذا الحديث يدل على كون مسيلمة قد كان يستشف منه كل من رآه منذ كان أنه مبطل لقوله: لو أن جعل لي الأمر بعده لتبعته، وهذا يدل على أنه ليس يوثق بحاله، ومما يدل على صدق رسول الله - ﷺ - مع كثرة دلائله التي كثرت حصى الأرض ونجوم السماء أنه لما رآه ذا تلبيس وباطل لم يرض أن يجعله في مجعل العمال، فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وأشار إلى قطعة من جريد كانت في يده معه، والمعنى إذا كنت لا أعطيك هذه، فيكيف أوليك على الناس.
ومن دلائل نبوة نبينا - ﷺ - أنه قال له: ولئن أدبرت ليعقرنك الله، فكان كما قال؛ فإنه لما أدبر عن أتباعه عقره الله وقتله.
*وقوله: وهذا ثابت يجيبك عني، يدل على أن الرفيع القدر يترفع عن إجابة سفيه القوم، ومن لا يكون إزاء مقامه فإن ذلك جائز، وأراد أن محلك دون أن أجيبك.
*وقوله: (وإني لأراك الذي: أريت فيك ما أريت) ثم فسره بما روى في الحديث: أريت في يدي سوارين.
وأما اهتمام رسول الله - ﷺ - بما رأى في يديه من السوارين، فإنما أهمه ذلك من أجل أن ذلك مما يلبسه النساء. فإذا لبسه الرجال دل على وهن في الحال؛ لأن المرأة ذات وهن، فلما نفخهما رسول الله - ﷺ - فطارا، (٩٥/أ)،
[ ٦ / ٤٤ ]
فاستدل بذلك على أنهما كذابان يحلان في غير محلهما من جهة أن السوار من حلي النساء، فإذا دلا في يدي رجل فقد كذبا عن المحل الذي عرفا به، فلما طارا بالنفخ وهو أسهل ما يكون من الآدمي، أول رسول الله - ﷺ - أن كذب هادر، لا يؤثر في دينه، وأن نفخه أطارهما، فكان ما قدم رسول الله - ﷺ - من كلامه الحق، ووصاياه الصدق، هي التي اعتمد عليها المسلمون، وتمسك بها المؤمنون حتى قتلوا مسيلمة. وهذا لأن النفخ من حديث يخرج الكلام، فكان هذا التأويل موافقا لما جرى.
*والجريد: سعف النخل، الواحدة جريدة، وسميت بذلك لأنه قد جرد منه الخوص.
*وقوله: (ليعقرنك الله) أي ليهلكنك.
والعنسي اسمه الأسود، وهو صاحب صنعاء، وكان قد ادعى النبوة هو ومسيلمة أيضا.
*وأما قوله: (نحن الآخرون السابقون)؛ فإنه يعني نحن الآخرون زمانًا السابقون يوم القيامة إلى الجنة، وأشار بقوله: (نحن الآخرون)، أن كل مدع النبوة بعدي فهو كاذب.
-١٨١٤ -
الحديث الثالث:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (قال الله ﷿: إذا تقرب
[ ٦ / ٤٥ ]
عبدي مني شبرًا، قربت منه زراعًا، وإذا تقرب مني ذراعًا، تقربت منه باعًا، -أو بوعًا- وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة).
زاد أبو مسعود: (وإن هرول سعيت إليه، والله أسرع بالمغفرة).
وفي رواية: (يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ (٩٥/ب) ذكرته في ملإ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).
وفي رواية: (أنا عند ظن عبدي، وأنا معه إذا دعاني).
وفي رواية لمسلم: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول).
وفي رواية: (إذا تلقاني عبدي بشبر، تلقيته بذراع، وإذا تلقاني بذراع تلقيته بباع، وإذا تلقاني بباع أتيته بأسرع)].
[ ٦ / ٤٦ ]
*قد تقدم من هذا الحديث كلمات في مسند أنس وغيره.
*وقوله: (أنا عند ظن عبدي بي)، يعني: إنه إن تباعد ظنه فبلغ أقصى مبلغ من الأماني العريضة والآمال الطويلة، فإني عند ظنه كما أنه إن جهلني عبدي فظن في ظنا ضعيفًا فأملني أملا صغيرًا، فلم يتسع أمله لسوء ظنه بجودي، كان الحد الذي انتهى إليه قصور نفسه، هو الذي حبسه عن النيل لما أدركه أهل حسن الظن.
*وقوله: (وإن ذكرني في نفسه)، يدل على أن الذكر ف النفس خير من الذكر في الناس؛ لأن من يذكر الله في نفسه خير ممن يذكر الله في ملأ، إلا أن ذكره في نفسه قد يبدو عليه، ويغلب فيذكره في ملأ؛ فوعده الله أنه يذكر في ملأ خير منهم، وذلك أن يذكره ﷻ في الملائكة المقربين مثل أن يقول سبحانه: نعم العبد فلان، فلو قد مشى العبد على حر وجهه طول عمره في طاعة الله ﷿ حتى يسمع تلك الكلمة أو حتى يقال عنه في ذلك الملأ؛ لكان ذلك يسيرًا، إلا (٩٦/أ) أن الله ﷿ من على هذه الأمة بالعافية فلا يعرضهم لما لا يطيقونه بل يرفق به ويلطف.
*وأما حديث الضالة فقد سبق في مواضع منها مسند ابن مسعود.
*وقوله: (إذا تلقاني عبدي بشبر). هذه التاء متعلقة بمضمر تقديره شبر من القرب إلى تلقيته بذراع من السعي في معونته أو بشبر من البعد عن ما أكرهه تلقيته بذراع من البعد عن ما يسوؤه، فلما أضمر هذا المذكور ولم
[ ٦ / ٤٧ ]
يظهر احتمل هذه الأشياء وجنسها مكان ذلك فضلا فوق الفضل، وطولا فوق الطول.
فأما ذكر الباع فإنه غاية ما ينتهى إليه امتداد خلق الآدمي، وأسرع في وزن أفعل؛ فلابد له أن يقتضي مذكورًا، فلما لم يذكر شيئًا، تناول كل محتمل أن يذكر، كقولنا: بأسرع مما جاءني به أو بأسرع في القلب إليه أو بأسرع في المعونة، أو بأسرع في النصر له، أو بأسرع في إغنائه عن ضري إلى غير ذلك.
*وقوله: (لله أفرح بتوبة عبده)، قد مضى تفسيره، وأشير إليه، فأقول: إنه حيث أنطق الله رسوله - ﷺ - مخبرا عن فرحه سبحانه بتوبة عبده وبلوغه إلى هذا المبلغ الذي ذكره، فإنه لمستدع يستحدب منتهض فطن التائبين إلى أن يكونوا لو استطاعوا أن يطيروا فرحا لطاروا، وإن لو قدروا أن يملأوا أكوان الوجود بسرورهم لملأوا؛ لأنه إذا فرح ربهم؛ الذي هو غني عنهم، ولا حاجة به إليهم، وأنه سبحانه سواهم وأعواض منهم هكذا، فكيف ينبغي أن فرح العبد التائب بربه، وهو الفقير إليه الذي ليس له سواه ولا (٩٦/ب) عوض منه، ولا له حاجة إلى غيره، وعلى هذا فينبغي للممنين أن يفرحوا لأخيهم التائب وبه ولأجله؛ فإنه مقام سرور قال:
ذلك هو متاب من ذنب ووراه المتاب من التقصير
والمتاب من التأخر، والمتاب من ترك الأفضل، والمتاب من إيثار الأدنى على الأعلى، والمتاب من الرضا عن النفس في قناعتها لربها بمبذول أو من ربها بمسؤول، أو هكذا في كل متاب يلهمه الله ﷿ المؤمنين من
[ ٦ / ٤٨ ]
عباده إذا جعلوا الطريق إلى معرفته تصفية الأعمال، وأكل الحلال، وقولي: أكل الحلال له معينان:
أحدهما، أن يكون لا يتناول المؤمن إلا ما أفتاه الشرع بحله.
والمعنى الآخر، أنه لا يتورع المؤمن من أكل حلال أفتاه الشرع فأكله؛ فإن تحريم الحلال كتحليل الحرام.
-١٨٤٢ -
الحديث الرابع:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله).
وفي رواية: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)].
*هذا الحديث قد سبق في مسند عمر، وتقدم الكلام على الله.
-١٨٤٣ -
الحديث الخامس:
[عن أبي هريرة: قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا تقوم الساعة
[ ٦ / ٤٩ ]
حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) وذو الخلصة: (٩٧/أ) طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية.
زاد مهمر: (بتبالة)].
*ذو الخلصة: بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة، وكان يسمى الكعبة الثمانية، فبعث رسول الله - ﷺ - جرير بن عبد الله لهدمه، وعقد له لواء فهدمه، فأخبر النبي - ﷺ - أن الناس يعودون في آخر الزمان إلى بنائه والعكوف عليه، ويكون ذلك من أشراط الساعة حتى وصف حرص النساء على السعي حول ذلك الصندم حتى تضطرب أليات النساء، وهي جمع إلية، وهي الفحش.
-١٨٤٤ -
الحديث السادس:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل بببصرى)].
[ ٦ / ٥٠ ]
*هذه آية من آيات القيامة، وهي امتداد ضوء النار من أرض الحجاز إلى بصرى، وهي من أرض الشام.
-١٨٤٥ -
الحديث السابع:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده، لتنفقن كنوزهما في سبيل الله).
وفي رواية: (هلك كسرى، ولا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله)].
*قد سبق الكلام في هذا الحديث، وبينا أن هذا من الدلائل على صحة نبوة نبينا - ﷺ -؛ فإنه أخبر بما سيكون فكان على ما أخبر، وأن الله تعالى مزق ملك كسرى وقيصر، وغلب المسلمون الحربين، وأنفقوا كنوزهما في سقبيل الله، وهذا من أخباره - ﷺ - بالغيوب، وهو من أعظم دلائله (٩٧/ب) - ﷺ -؛
[ ٦ / ٥١ ]
لأنه جمع بين أمرين عظيمين يعجز عنهما قدرة كل بشر، ويضيق بهما ذرع كل مخلوق، وهو أنه أشار إلى مهلك كسرى وقيصر، وهما ملكا الخافقين من المشرق والمغرب في قوة جنودهما، وتضاعف عساكرهما، ويوم قوله - ﷺ - كسرى في عنفوان ملكه؛ وكذلك قيصر في أثر يزياد تطاوله؛ وقد امتد لكل منهما الملك عن أنباه واحدًا، وثبت في عنصره واسونح أمره، ونائل ملكه، واستحكم عقده، فأخبر رسول الله - ﷺ - بمهلكهما جميعًا، ونزعهما من ملكهما مقهورين مغلوبين بأيدي أمته حتى قال: ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله.
*ثم المعنى الآخر قوله: وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وأخبر - ﷺ - أن بعد مهلكهما لا يقوم لهما عمد، وأن نارهما لا تضيء بعد أن تخبو، وعامر حدهما لا ينهض بعد أن يكبو، فكان كما قال - ﷺ -؛ لأن الله هو الذي أطفأ نارهما فلم يشب، وصغر حدودهما، وأخل أمرهما فلم تستتب، فهو من دلائل رسول الله - ﷺ - القاطعة، وحججه الظاهرة البارعة، ومن كان ذا لب سليم وعقل مستقيم، فإنه لا يبقى عنده شك، ولا يخالطه ارتياب في أن أمر رسول الله - ﷺ - إنما استتب واستمر لأن الله ﷾ هو الذي أظهره وشاده، وقواه وعضده، فلم يقم له ملك من ملوك الأرض، ولم يثبت بين يديه جبار من جبابرة الدنيا.
*ولقد جرى لي في هذا أنه لما كنت بالمخزن حضر عندي فيمن يحضر (٩٨/أ) من كتاب معاملات المخزن رجل من أهل الذمة يعرف بفرح بن كمونة، فقال فيما قال: إنه كان له جد يعرف بغنايم بن كمونة، وكان كاتبا بالمخزن، وكان ابن عمه متعبدًا في يهدويته؛ حتى إنه مرض مرضة فلم
[ ٦ / ٥٢ ]
يستعمل الدواء رضا بما يقضى عليه، حتى أرسل إليه المعروف ببركات الطبيب يقول له: إن المتداوين لم يتداووا على أنهم لا يرضون بأقدار الله فيهم؛ ولكن أرادوا أن يدبروا أبدانهم بالصواب. وهذا الكلام من بركات فهو كلام واهن انلطق إلا أن معناه صحيح، ولا أخاله إلا قد سمعه من بعض علماء المسلمين ثم لم يحسن أن يعبر عنه.
*والصحيح في ذلك أن يقال: إن النفس مع الآدمي وديعة لله في يده، فهو على مثل الصبي في حجر الوصي، فلا يصلح أن يدبرها إلا بأصوب التدبير؛ فإن الوصي لو أهمل الطفل حتى تجري عليه الآفات معتذرا بالأقدار لكان ملومًا، من حيث إنه أساء القيام على من أوصي بالقيام عليه، وإن كانت الأقدار جرت عليه بما لو أحسن هو التدبير لم يكن تجر إلا بمثله؛ ولكن فاتت هو أن يقوم بما عليه؛ ثم انفصل المجلس؛ فأفكرت في قول ذلك الكافر من مدحه لجده توطئه لمدح دينه، وكيف لم أجبه عنه.
*ثم إني بعد ذلك فتح الله لي من الجواب ما أنا ذاكره: وهو أني استدعيته، فحضر ومعه كافر آخر، وأحضرت أنا معي مسلمًا ثم استعدت منه الحديث فاعترف بما قاله منه، فقلت له: أتراك قد استدللت بهذا على أن اليهودية دين حق، إذ يوفق المبطلون للتوكل والقوة على ترك الدواء، وأشار بأن: نعم، فقلت له: فماذا تقول فيمن يعتمد هذا منا معشر (٩٨/ب) المسلمين، وأضعاف ما تعمده جدك هذا، ونحن عندك على ما تعلم، وكذلك ما يعتمده بعض النصارى من ذلك، فلا يستدل بضمن هذا على صحة ما علية فاعلة من الدين، فكأنه اعترف لي.
فقلت له: فالآن يخطر في قلبك أنك تقول: فكيف يجري الله طاعاته من التوكل والقوة في الأمور الصالحة على أحوال بغضائه وأعدائه، فتبسم
[ ٦ / ٥٣ ]
إلي تبسم المصدق لي على أني وقفت على ما في قلبه، فقلت له: إن الله لا يبغض الطاعة، ولكن إذا وازنت ذلك بما قد آتاه هذا المطيع من المعصية، رجع به العصيان، وقس ذلك أنه لو أن هذا أمير المؤمنين، وعنيت به المقتفي ﵁ إذ ذاك، وكنت حينئذ مشرفا بالمخزن ولا أعلم الغيب ولكن أنطقني الله سبحانه الذي أنطق كل شيء نصب وزيرًا، فقال للناس: هذا مني ومنكم، فمن أراد إلي حاجة فليقلها إليه ليذكرها هو لي، فأطاع الناس إلا واحدًا، قال: أنا أطيعك فيما بيني وبينك من غير واسطة الوزير، ضعفي ما أطيعك في وساطته لكان من الحق أنه هو يقول: إني لا أقل ذلك وأنكره، وذلك لا لأني أحب الطاعة، ولكن من أجل أن هذا القول هو وإن كان يقرب من جهة طاعتي؛ فإنه تباعد كل الأبعاد عني من حيث الطعن في تدبيري، والتسوية لرأي فهل هذا حقي، فضحك الكافر على معنى أذكره.
فقلت له: مهلا، بقي أنه صبت أنه وزيره، وعنيت به محمدًا - ﷺ - فضحك مصدقًا لي في إصابتي لما في نفسه. فقلت له: الآن يقول الله ﷿: يضاعف لكم يامخالفين سخطي لأن غضبي كان عليكم من حيث إنكم طعنتم في تدبيري (٩٩/أ)، والآن فقد استبان طعنكم في وجودي؛ فإنه من ظن أن محمد قدر على ما قدر عليه من الاستيلاء على الأرض، وقهر ملوكها، ونسخ الشرائع التي كانت بين يديه فيها، وتحليل ما حلل، وتحريم ما حرم، ووضع ما وضع، ورفع ما رفع، وقسمه للمواريث، وشرع الشريعة، ووضع الفقه، وإراقة الدماء وحقنها، وإباحة الفروج وصونها مسندًا ذلك كله إلى، ومقرنا بزعكم قاتلكم الله على، ثم يستمر له ذلك ويستتب وال يدفع إلى يوم القيامة، فإن هذا لا يطيقه إلا من لا يرى أني موجود؛ إذ لا يرضى بإقرار الكذب عليه أحدكم، فكيف بخالق السموات والأرض؟!
[ ٦ / ٥٤ ]
فرأيته قد انتفع لونه، حتى ظننت أنه يمد يده ليسلم. فقلت له: ولا يظن أن هذا من علمي؛ ولكن الله ﷾ علمنيه من استنباط كلامه العزيز؛ حيث يقول: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾، وقوله سبحانه: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ يعني ﷻ أنه من كان تقدم أو تجرأ على أن يدعي أن الله أنزل عليه كتابًا كاذبًا ثم يترك ولا يخسف الأرض به، وال تخر الجبال عليه، ولا تسقط السماء كسفًا من فوقه، ثم قال: ﴿من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورًا وهدى للناس﴾؛ يعني ﷾ أن موسى ﵇ ليس في الوجود اليوم من يعترف ببعثه الرسل إلا وهو يقر بكتاب موسى.
وقوله سبحانه: ﴿نورًا وهدى﴾، يعني سبحانه أنه يأتي بالنور والهدى (٩٩/ب) إلا بحق وفقه الله وهداه لقوله سبحانه: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول﴾.
وقوله سبحانه: ﴿تجعلونه قراطيس تبدونها﴾ أي في قراطيس تكتب وتضبط، ويحصر عليهم ما جاءوا به ونطقوا، أي ليس فيهم مغالط ولا من يخشى عاقبة درك ما جاء به، وقال سبحانه ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله
[ ٦ / ٥٥ ]
كذبًا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ثم إنه أدركته الشقوة فانسل.
-١٨٤٦ -
الحديث الثامن:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد؛ فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها).
ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾.
وفي رواية: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسه الشيطان إلا ابن مريم وأمه).
وفي رواية: (كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب).
وفي رواية: (كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها).
وفي رواية: (صياح المولود حين يقع نزغة من الشطيان)].
[ ٦ / ٥٦ ]
*في هذا الحديث ما يدل على شدة عداوة هذا العدو الكافر؛ لأنه بلغ من عداوته أنه إذا رأى الطفل حين ولادته على ضعفه ووهنه بادر إلى نخسه حتى يستهل صارخًا، فأراد رسول الله - ﷺ - أن يعلمنا هذه عداوته ليكون الطفل حذرًا (١٠٠/أ) من نزغاته.
*وفيه أن الله تعالى سلم مريم وابنها منه، باستعاذة أم مريم هو قولها: ﴿وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم﴾ فدل هذا على أنه يستحب لكل مؤمن أن يستعيذ بربه لذريته من الشيطان الرجيم.
وقد ذكرنا في مسند ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ما من إنسان يدنو من أهله فيقول: اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتني، فيقضى بينهما ولد إلا لم يضره الشيطان) أو كما قال.
*والاستهلال: رفع الصوت والمراد به الصياح.
والحجاب: المشيمة والمراد أنه لم يصل إليه.
ونزغة الشيطان: قصده الفساد.
*وفيه أيضًا من التنبيه على أن الشيطان ينخس المولود نخسًا فيستهل صارخًا، وعلى هذا فإنه نخس الآدمي في اطنه بنزغاته بالنخس الذي لا يدركه حسه؛ ولكن يدركه إيمانه وعقله، فينبغي أن يكون على أقل أحواله إذا رأى تأثير تلك النزغة عنده أن يدملها بالحجة، فإن لم يقدر فليقنع
[ ٦ / ٥٧ ]
بحالة الطفل في الصراخ من شرها غير ساكن معها ولا مطمئن إليها، فإن الشيخ أبا عبد الله محمد بن يحيى ﵀ كان جالسًا عندي في يوم وهو يكرر ذكر الله ﷿ أحسب أنه يريد تميم ذلك ألف مرة أو عشرة آلاف مرة، فبينما هو في الذكر كان يصيح في أثنائة، ففهمت الحالة وسألته: لم يصح؟ فقال: الإنسان في حرب أو محاربة.
-١٨٤٧ -
الحديث التاسع:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (والذي نفسي (١٠٠/ب) بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد).
وفي رواية: (حتى تتكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها)، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾.
وفي رواية: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم)، وفير رواية: (فأمكم منكم).
وقال ابن أبي ذئب: تدري ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم - ﷺ -.
[ ٦ / ٥٨ ]
وفي رواية: (والله لينزلن ابن مريم حكمًا عادلا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليطعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتخاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد)].
*في هذا الحديث من الفقه الإيمان بنزل عيسى بن مريم وكونه صلى بملة الإسلام.
*وقوله: فأمكم منكم فيه قولان:
أحدهما: فيؤمكم وهو منكم، أي إنه على دينكم ليس على دين النصارى.
والثاني: فيؤمكم منكم، أي إن إمامكم منكم، وهو يصلي خلفه، وفي هذا تنبيه من رسول الله - ﷺ - على أن الإسلام لا يجوز نسخه، وأنه الدين الذي بعث الله به آدم، ووصى به نوحًا، ويختم به في آخر الأمر عيسى بن مريم.
*وقوله: ليوشكن: القرب. والقسط: الحكم بالعدل.
*ومن فوائد بقاء أهل الكتاب أن ينزل عيسى وقد بقي أقوام يعبدون
[ ٦ / ٥٩ ]
الصليب فيكسره، ومن يكون له منهم مال يضرب عليه الجزية، وعى أن الأشبه في قوله: ويضح الجزية أن يكون وضعها (١٠١/أ) إسقاطها.
*ويجمع بين قوله: (لا نبي بعدي) ومن نزول عيسى، بأن عيسى كان في الدنيا داعيًا لأمته، ثم ينزل بعد درفعه لأجل أمة محمد - ﷺ -، فإنه لما جاء بالحق من عند الله جز وجل فكذبه اليهود، وادعوا على أمه بما ادعوا، قام محمد - ﷺ - بالحق من المنافحة عنهما، فيما عصوهما به، بإبطال ما كانت عليه اليهود، وبرأه الله تعالى على لسان محمد - ﷺ - من كل ما قرفوه به، وشهد بأنه روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، ووعد بالصلاة عليه، والإيمان به، وأنه رسول الله وعبده وكلمته، ثوابًا بالجنة.
*كما أنه - ﷺ - لما رأى أن آخرين قد أعطوه من الأمر ما لم يرضه هو، وادعوا أنه ولد الله تعالى الله عن ذلك فكذبهم فيما ادعوه، وشهد هو وأمته بكفرهم وضلالهم، فكان المعنى في أنه استأهل منه - ﷺ -، فحيث برأه من هاتين العوارين؛ مما قالت فيه اليهود من الباطل والبهتان، وما قالت فيه النصارى من الإفك والعدوان، فنزل هو ﵇ في آخر أمته مشيدًا لأمره حكمًا مقسطًا أي عادلا، يكسر الصليب، ويأخذ الجزية التي شرعها نبينا - ﷺ -، فيكون عيسى في معنى تتميم أمر رسول الله - ﷺ -، وتقوية برهانه، وإظهار علو شأنه - ﷺ -.
*وقوله: (ليتركن القلاص فلا يسعى عليها)؛ فلا أظنه إلا لكثرة الخير، فلا يحتاج أحد إلى ضرب في الأرض.
[ ٦ / ٦٠ ]
وأما فيض المال فلكثرة الخير، وقلة الراغبين فيه مما عندهم. وذهاب الشحناء والتحاسد والتباغض إنما سببه كثرة (١٠١/ب) الخير واتساع الخير عند رخاء العيش.
-١٨٤٨ -
الحديث العاشر:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج)، قالوا: يا رسول الله! أيها هو؟ قال: (القتل القتل).
وفي رواية: (يتفاوت الزمان، وينقص العلم)، وفيه: قالوا: وما الهرج؟ قال: (القتل).
وفي رواية: (يقبض العلم، وتكثر الفتن، ويكثر الهرج)، قيل: يا رسول الله! وما الهرج؟، قال هكذا بيده؛ فحرفها كأنه يريد القتل.
وفي رواية ذكرها البرقاني وأبو مسعود: (لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون، كلهم يزعم: أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج). قالوا: يا رسول الله! وما الهرج؟ قال: (القتل القتل).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يهم رب المال من يقبض منه صدقته). وقال: (يقبض العلم، ويقترب الزمان،
[ ٦ / ٦١ ]
وتظهر الفتن، ويكثر الهرج).
وذكر أبو مسعود: (لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبله منه، ويدعى إليه الرجل فيقول: لا أرب لي فيه).
وفي رواية لمسلم: (لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله، فلا يجد أحدًا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجًا وأنهارًا)].
*في هذا الحديث من الفقه أن تقارب الزمان على ما قيل أنه اقتراب الساعة، والذي أراه في ذلك: أنه تقارب آجال الناس، لأن أجل كل إنسان زمانه، فإذا تقارب الزمان يعني من الكل كان آجال (١٠٢/أ) الناس مقاربة أي قصارًا.
*وقوله: (يلقى الشح)؛ فإن الذي أراه فيه أنه لمعنى يطرح في القلوب ويوضع فيها أي يفرغ فيها، فيكن في الأرض.
[ ٦ / ٦٢ ]
*وقوله: (ويقبض العلم) وذلك بموت العلماء، وقلة حملة العلم، وقد مضى ذكر الدجال.
وأما ذكره فيض المال مع كون باقي هذا الحديث يناسب الشدة وفيض المال ضده، لأنه مناسب للرخاء، فلا أراه يكون إلا أن ذلك عند نزول عيسى، وقد تقدم ذكرنا له.
*وقوله: (حتى يهم رب المال من يقبض صدقته)، دليل على أنه لا يكون ذلك إلا في الرخاء وعند نزول عيسى ﵇.
-١٨٤٩ -
الحديث الحادي عشر:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (يقبض الله تعالى الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض)].
*أشار رسول الله - ﷺ - بذكر طي السماء، وقبض الأرض، إلى أن كلما كانت ملوك الدنيا تزاحم في ناحية منها بعضها بعضًا، فإن الله سبحانه في قبضته الجميع يوم القيامة كما قال ﷿، فقد انعزل ملوك الدنيا فذهب ملكهم كما ذهبوا.
[ ٦ / ٦٣ ]
-١٨٥٠ -
الحديث الثاني عشر:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا كأن وجوههم المجان المطرقة).
قال سفيان: وزاد فيه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رواية: (صغار الأعين، ذلف الأنوف، كأن وجوهم المجان المطرقة).
وفي رواية: (تقاتلون (١٠٢/ب) بين يدي الساعة قومًا نعالهم الشعر، كأن وجوهم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين).
وفي رواية البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: أتينا أبا هريرة، فقال: (صحبت رسول الله - ﷺ - ثلاث سنين، لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن. سمعته يقول: -وقال هكذا بيده- (بين يدي الساعة تقاتلون قومًا نعالهم الشعر، وهو هذا المبارز). وقال سفيان مرة: وهم من أهل البارز (يعني أهل فارس).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك صغار الأعين حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة، وتجدون خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه. الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله).
[ ٦ / ٦٤ ]
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، نعالهم الشعر).
وفي رواية لمسلم: قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل السلمون الترك، قومًا وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر)].
*في هذا الحديث من الفقه أن الله تعالى أظهر ما وعد نبيه - ﷺ -، وحقق صدقه في ذلك، وأنه - ﷺ - حلاهم بتحلية شملت كل صغير منهم وكبير، وذكر وأنثى من كونهم صغار الأعين، ذلف الأنوف، وكأن وجوههم المجان المطرقة، وليس في جميع الأجناس جنس يشتمل جميعه هذه (١٠٣/أ) التحلية إلا الترك.
والمجان جمع مجن، وهو الترس. قال أبو عبيد: المطرقة التي أطرقت بالجلود والعقب؛ أي ألبست.
وقوله: (تجدون خيار الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى تقع فيه)؛ يعني أن المجود إذا كان محيدًا في الكفر كان أحرى التحويل في الإسلام إذا
[ ٦ / ٦٥ ]
هداه الله، ويكون المراد بالأمر الإسلام.
*وقوله: (ليأتين على أحدكم زمان لئن يراني أحب إليه من أن يكون مثل أهله وماله)؛ فالذي أرى أن الرسول - ﷺ - إذا قال هذا من أجل أشياء يختلف فلا يكن عند الإنسان أهم من أن يرى رسول الله - ﷺ - فيسأله عنها.
ولقد جرى لي في مثل هذا منام عجيب، قد ذكرته في موضعه الذي اقتضاه، وأعيده هاهنا لكون الكلام الذي نحن فيه يقتضي ذكره، ففي المواضع الأول ذكرته للاحتجاج لصحة توبة القاتل، وذكرته هاهنا لهذا المعنى الآخر.
ولقد كنت يومًا أنا وختن لي ومعنا آخرون فجرت مسألة القضاء والقدر، فكان فيها بيني وبينهم كلام طويل، إال أنه كان من الكلام التعجب من كون المغفرة تقع للقاتل على ما فيه من هضم حق المقتول. ثم تفرقنا وقد اطلع الله ﷾ على قلبي ورأى ما فيه من يمنى الإصابة للحق في تلك المسألة.
فنمت فرأيتني في مسجد قد رأيته في النوم مرارًا إلا أني أعرفه في اليقظة، فيه رجل جالس، فألقى في نفسي أنه بعض العلماء من التابعين أو نحوهم فاستأذنته في أن أسأله فأذن لي. فقلت له مسألة القضاء والقدر، فقال لي: أهذه مسألتك؟ اصبر حتى نصلي الجمعة، وأجيبك (١٠٣/ب)، فقام من مقامه ذلك، فرقى المنبر وخطب، وجلست في الصف الأول، إلى أن قضى خطبته، أوقع الله في نفسي أن أقول له: هل سأل أحد عن هذه المسأله رسول الله - ﷺ - أم لا؛ ليكون جوابه عن فتيا رسول الله - ﷺ - لا عن فتياه، فتحرر هذا في نفسي.
[ ٦ / ٦٦ ]
ثم إن ذلك الشخص نزل فصلى بنا إمامًا وصليت خلفه، ثم عاد إلى مجلسه ذلك، فجئت فقلت له: هذه المسألة ما سأل أحد عنها رسول الله - ﷺ -، فقال: بلى، فقلت: من؟ قال: المرأة التي قضيتها مشهورة، فقلت له: وماذا قال لها؟، فقال: قال لها: (يغفر الله لك)، ثم استيقظت، ولا أعلم ما معنى هذا القول.
فأصبحت إلى الموضع الذي كنت فيه مع ذلك الختن، فصليت معه الصبح في جماعة، ثم جلسنا نتحدث فذكرت له المنام، فعجب منه تعجبًا شديدًا، وقال لي: إنك بعد أن خرجت من عندي، نظرت في هذا الكتاب، وهو كتاب (تنبيه الغافلين) لأبي الليث السمرقندي، فوجدت فيه هذا الحديث، (وهو أن أبا هريرة قال: أتتني امرأة فقالت لي: يا أبا هريرة، سل لي رسول الله - ﷺ - عن امرأة زنت ثم قتلت، هل لها من توبة؟.
قال أبو هريرة: فقلت لها: لقد هلكت وأهلكت، فانصرفت عني، ثم قلت: أفتي ورسول الله - ﷺ - بين أظهرنا، فجئت إليه وقلت: يا رسول الله! لقد استقبلتني اليوم امرأة بأمر هائل، فقال: (وما ذاك)، فقلت: إن امرأة قالت لي: سل رسول الله - ﷺ - عن المرأة زنت ثم قتلت، لها من توبة؟ فقال: (وماذا قلت لها؟) قال: إني قلت لها: قد هلكت وأهلكت. فقال رسول الله (١٠٤/أ) - ﷺ -: (بل أنت هلكت وأهلكت يا أبا هريرة، اذهب إليها وقل لها: إن الله يغفر لك).
قال: (فخرجت أطوف عليها المدينة فلم أجدها، فطفقت أقول: من رأى لي امرأة صفتها كذا وكذا حتى كان الصبيان يسعون في أثري ويقولون: جن أبو هريرة).
قال خنتي: وإني أعلمت على هذا الحديث لأريك إياه فعجبت من ذلك
[ ٦ / ٦٧ ]
وحمدت الله ﷾.
وإنما ذكرت هذا في هذا الموضع من أجل أن أشد ما كان عند العلماء مهما أن يروا رسول الله - ﷺ - ليسألوه عن الذي يحيك في صدورهم بما لا يجدون فيه شفاء، كما قال عمر ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا فيهن؛ فذكر الحديث.
*وقوله: فطس الأنف، الفطس: انفراش الأنف وطمأنينة وسطه. والذلف: الاستواء في طرف الأنف.
وقال الزجاج: قصر الأنف وصغره، فشبه عرض وجوههم ونتوء جباههم بظهور الترسة.
*وقوله: الناس معادن؛ شبه رسول الله - ﷺ - الناس بالمعادن؛ فمنهم من يكون صالحًا، ويكون ما يدرونه في الغالب على جنسهم، فإذا بدر من لا يشاكلهم استنكروه فلذلك قال: ﴿يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوٍء وما كانت أمك بغيا﴾.
فينبغي للإنسان أن يعلم أن هذا يقع في الأكثر، وقد ندر أن يأتي الخبيث من الطيب، ويأتي الطيب من الخبيث.
-١٨٥١ -
الحديث الثالث عشر:
(١٠٤/ب) [عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا يلدغ المؤمن من
[ ٦ / ٦٨ ]
جحر مرتين)].
*يروى بضم الغين على معنى الخبر، وبكسرها على معنى الأمر.
قال أبو سليمان الخطابي: وهو لفظ الخبر ومعناه الأمر.
يقول: ليكن المؤمن حازمًا حذرًا لا يؤتى من ناحية الغفلة في الدين والدنيا، ومبتغيات الأمر أن العبد المؤمن ينظر ما يجري له من حركاته وسكناته أن كلها من الله ﷾، فإذا أيقظه مرة لشأن ما، فينبغي له أن يكون فطنًا ولا يتعرض لإيقاظ في العذر له مرة أخرى.
وقد روى أن سبب هذا الحديث أن أبا عزة الشاعر لما من عليه النبي - ﷺ - وأطلقه يوم بدر وشرط عليه أن لا يذكره بسوء، فخرج محرضًا عليه، فلما ظفر به ثانية، فقال: من علي قال: لا تمسح عارضيك بمكة، وتقول: سخرن من محمد مرتين، وال: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين).
-١٨٥٢ -
الحديث الرابع عشر:
[عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (اللهم فأيما عبد مؤمن سببته؛ فاجعل ذلك له قربة إليك إلى يوم القيامة).
[ ٦ / ٦٩ ]
وفي رواية: (اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيما مسلم سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة).
وفي رواية: (اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة).
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال: (اللهم إني أتخذ عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأي المؤمنين آذيته، شتمته، جلدته، لعنته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة).
وفي رواية أنه (١٠٥/أ) قال: (أو جلدة)، وهي لغة أبي هريرة.
وفي رواية: (إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وإني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه، فأيام مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته، فاجعلها له كفارة وقربة بها إليك يوم القيامة)].
*قد مضى هذا الحديث وتفسيره.
-١٨٥٣ -
الحديث الخامس عشر:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (يدخل من أمتي
[ ٦ / ٧٠ ]
زمرة -وهم سبعون ألفًا- تضيئ وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر)، قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي فرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (اللهم اجعله منهم)، ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! ادع الله لي أن يجعلني منهم، فقال رسول الله - ﷺ -: (سبقك بها عكاشة).
وفي رواية: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب)، فقال رجل: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (اللهم اجعله منهم)، ثم قام آخر، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (سبقك بها عكاشة).
وفي رواية: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا زمرة واحدة منهم على صورة القمر)].
*قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في مسند عمران بن حصين.
[ ٦ / ٧١ ]
[ ٦ / ٧٢ ]
-١٨٥٤ -
الحديث السادس عشر:
[عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمك عنده تسعة وتسعين، وأنزل (١٠٥/ب) في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه).
وفي رواية، قال: (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون؛ وبها يتراحمون، وبها تعطف
[ ٦ / ٧٣ ]
الوحش على أولادها، وأخر الله تسعًا وتسعين رحمة، يرحم الله بها عباده يوم القيام).
وفي رواية: (خلق الله مائة رحمة؛ فوضع واحدة بين خلقه، وخبأ عنده مائة إلا واحدة).
وفي رواية: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائًة رحمٍة، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة، وأرسل ف ي خلقه كلهم رحمة واحدة؛ فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار)].
*في هذا الحديث من الفقه أن هذه الرحمة مخلوقة، فأما رحمة الله التي هي صفة من صفاته فقديمة غير مخلوقة؛ فكل ما يتراحم به أهل الدنيا حتى البهائم في رفعها حوافرها عن أولادها؛ لئلا تؤذيهن فإنه عن جزء مثبت في العالم فمن تلك الرحمة، وإن الله سبحانه أعد تسعًا وتسعين رحمة ادخرها ليوم القيامة؛ ليضم إليها هذه الرحمة الأخرى ثم يثبتها قلوب عباده ليرحم بعضهم بعضًا، يكون كل ما تراحم به المتراحمون مذ قامت الدنيا إلى يوم القيامة جزءًا من مائة جزء من الرحمة التي حددها الله ﷿ في قلوب عبادة يومئذ ليعفو المظلوم عمن ظلمه رحمة له مما يرى من هول ذلك اليوم، فيعود شفيعًا فيه، وسائلا في حقه، كالمشتوم عمن شتمه، والمغصوب عمن غصبه، (١٠٦/أ) والمؤذي عن من آذاه.
*وأن قوله: (يرحم بها عباده)، فإنه لما يوضع في قلوبهم تلك
[ ٦ / ٧٤ ]
الرحمة؛ كان وصفه رحمة للظالم والمظلوم معًا ليهب هذا لهذا، ولو أنه سبحانه يولي رحمة عبادة من غير سؤال من المظلوم ولا شفاعة من المجني عليه لكان يكون في ذلك انكسار للمظلوم واستمرار لبعد انتصاره، فلما أن الحق له والقصاص بيده ثم أفرغ في قلوبه من الرحمة ما أفرغ، عاد هو الشفيع، ويكون المنة عليه والضعية عنده في العفو عن الجاني، فلهذا فهو من المواعيد الصادقة التي جعلها الله ﷾ يجب أعطيه من حكمته يشير بها إلى أهل العلم أنه ﷾ يظهر يوم القيامة عن كل صفة من صفاته ما لم يكن ولا يكون طوق أحد ولا قدرة مخلوق بالغة مبلغ كنه، وصفها فمنها رحمته وعفوه، وتمام الحديث مصداق لهذا الشرح، وهو قوله: فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولم يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار.
-١٨٥٥ -
الحديث السابع عشر:
قال: ([عن ابن المسيب البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء-قال: وقال أبو هريرة: قال رسول الله - ﷺ -: (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار، كان أول من سيب السوائب).
وفي رواية: (رأيت عمرو بن لحي بن قمعه بن خندف، أخا بني كعب، وهو يجر قصبه في النار).
وفي رواية: (أبو خزاعة)].
[ ٦ / ٧٥ ]
*في هذا الحديث ما يدل على أن كل مبدئ بسنة سبيئة كفلا من وزرها (١٠٦/ب) من غير أن ينقص ذلك من وزر فاعلها شيئًا، وإنما أرى الله ﷿ رسوله عمرو بن عامر يجر قصبه في النار -والقصب: المعاء- حتى يزجر بذلك أمته عن أن يسيبوا سائبة أو يسنوا سنة سيئة.
والسائبة: أن الجاهلية كانوا إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث سيبت؛ فلم تركب ولم يجز لها وبر، وهذا من عاداتهم القبيحة.
-١٨٥٦ -
الحديث الثامن عشر:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: طول الحياة، وحب المال).
وفي رواية: (حب العيش والمال)].
*قد سبق هذا وشرحه في مسند أنس بن مالك.
-١٨٥٧ -
الحديث التاسع عشر:
[عن أبي هريرة قال: شهدنا مع رسول الله - ﷺ - خيبر، فقال لرجل ممن
[ ٦ / ٧٦ ]
يدعي الإسلام: (هذا من أهل النار) فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدًا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله! الرجل الذي قلت له آنفًا: إنه من أهل النار؛ فإنه قد قاتل اليوم قتالا شديدًا وقد مات. فقال النبي - ﷺ -: (إلى النار)، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحًا شديدًا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، فأخبر النبي - ﷺ - فقال: (الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله) ثم أمر بلالا فنادى في الناس: (إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)].
*قد سبق شرح هذه القصة، وذكرنا اسم هذا الرجل، وبينا أنه (١٠٧/أ) من المنافقين في مسند سهل بن سعد.
[ ٦ / ٧٧ ]
-١٨٥٨ -
الحديث العشرون:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (للعبد المملوك المصلح أجران)، والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي: لأحببت أن أموت وأنا مملوك.
زاد في رواية: وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه، لصحبتها.
وفي رواية بشر بن محمد: (للعبد المملوك المصلح).
وفي رواية: (نعم ما لأحدهم: يحسن عبادة ربه، وينصح لسيده).
وفي رواية: (إذا أدى العبد حق الله ﷿، وحق مواليه كان له أجران)، قال: فحدثها كعبًا، فقال كعب: ليس عليه حساب، ولا على مؤمن مزهد).
[ ٦ / ٧٨ ]
وفي رواية: (نعمًا للمملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده، نعمًا له)].
*في نعم أربع لغات: (نعم) بفتح النون وكسر العين مثل علم، و(نعم) بكسرهما، و(نعم) بفتح النون وتسكين العين، و(نعم) بكسر النون وتسكين العين.
قال الزجاج: و(ما) في تأويل الشيء، والمعنى نعم الشيء.
*وهذا الحديث يتضمن مدح المملوك إذا أدى حق ربه وحق سيده، فله أجر على أداء حق الله ﷿، وأجر على أداء حق السيد، وامتناع تمني أبي هريرة للملكة لأجل الحج والجهاد وبر أمه، وإنما يعني بذلك أن الملكة كانت تمنعه من الحج والجهاد تطوعًا إلا بإذن من سيده.
-١٨٥٩ -
الحديث الحادي والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة (١٠٧/ب) الدعوة، وتشميت العاطس).
وفي رواية: (حق المسلم على المسلم: ست)، قيل: ما هن يا رسول الله؟
[ ٦ / ٧٩ ]
قال: (إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه)].
*قد مضى هذا وسبق شرحه.
[ ٦ / ٨٠ ]
-١٨٦٠ -
الحديث الثاني والعشرون:
[عن أبن هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ليلة أسرى بي لقيت موسى ﵇)، قال: فنعته النبي - ﷺ -، (فإذا رجل) - حسبته قال: (مضطرب- رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة).قال: ولقيت عيسى فنعته النبي - ﷺ -، فقال: ربعة أحمر، كأنما خرج من ديماس) يعني: الحمام، ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده به)، قال: (وأتيت بإناءين: أحدهما لبن، والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن وشربته، فقال: هديت الفطرة-أو أصبت الفطرة- أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك).
[ ٦ / ٨١ ]
وفي رواية: (رأيت موسى، فإذا رجل ضرب رجل، كأنه من رجال شنوءة)].
*قد سبق بحث الأنبياء فلي أماكن. وقد فسر الديماس هاهنا أنه الحمام.
وقال الخطابي: الديماس السرب، والمعنى كأنه يخرج من كن، والإشارة بذلك إلى نضارة وجهه، والضرب الخفيف من الرجال، وهذه الألفاظ المذكورة في الحديث كلها قد سبقت وشرحت.
-١٨٦١ -
الحديث الثالث والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها)] (١٠٨/أ).
[ ٦ / ٨٢ ]
*وهذا قد تقدم في مسند عمر وغيره.
-١٨٦٢ -
الحديث الرابع والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
وفي رواية: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)].
*قد سبق الكلام على هذا الحديث، وبينا أنه نهي منه - ﷺ - أن يتخذ قبره مسجدًا مذكرًا، ولعنهم لئلا نقتدي بمثل أفعالهم.
-١٨٦٣ -
الحديث الخامس والعشرون:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يخرب الكعبة سو السويقتين من الحبشة).
[ ٦ / ٨٣ ]
وفي رواية: (ذو السويقتين من الحبشة، يخرب بيت الله ﷿)].
*قد سبق هذا الحديث والكلام عليه في مسند أنس، وبينا أنما صغر السويقتين لدقتهما، وفي سوق الحبشة دقة.
-١٨٦٤ -
الحديث السادس والعشرون:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب)].
*قد بينا وجه الكلام وشرحناه شرحًا مستوفى في مسند أبي قتادة وغيره.
[ ٦ / ٨٤ ]
-١٨٦٥ -
الحديث السابع والعشرون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الأقصى).
وفي رواية: (إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: الكعبة، ومسجدي، ومسجد (١٠٨/ب) إيلياء)].
*وهذا أيضًا قد سبق واستوفينا الكلام عليه.
وإيلياء: بيت المقدس، وهي كلمة معربة.
قال الفرزدق:
[ ٦ / ٨٥ ]
وبيتان: بيت الله نحن ولاته وبيت بأعلا إيلياء مشرف
-١٨٦٦ -
الحديث الثامن والعشرون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (كل عمل ابن آدم، إلا الصيام هو لي، وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).
وفي رواية: (فو الذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم).
وفي رواية: (كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله ﷿: إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلين للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك).
وفي رواية: (كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم، إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرح فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه).
وفي رواية عن النبي - ﷺ - يرويه عن ربكم قال: (لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).
[ ٦ / ٨٦ ]
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - قال: (الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن (١٠٩/أ) امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشربه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها).
وفي رواية: (إذا أصبح أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم).
وفي رواية: (الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائمًا ) الحديث، كذا حكى أبو مسعود.
وفي رواية: (إن الله يقول: إن الصوم لي، وأنا أجزي به، إن للصائم فرحتين: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله ﷿ فرح، الذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).
وفي رواية: (فإذا لقي الله فجزاه فرح)].
*هذا الحديث يدل على فضيلة الصوم، وتقديمه على الأعمال لقوله: (الصوم لي).
[ ٦ / ٨٧ ]
والخلوف: رائحة الفم عند بعد تناول الطعام.
*وقوله: (الصوم جنة)، الجنة: ما استترت به من سلاح أو غيره.
وفي قوله: (الصوم جنة) وجوه:
أحدهما: جنة من النار.
والثاني: جنة من المعاصي.
والثالث: جنة من أكل ما لا يريد أكله، فإنه قد يمتنع بالصوم من أكل طعام لا يريده.
واعلم أن الصائم لما أجن الإيمان أي ستره في قلبه، كان صومه جنة له أي سترًا من كل سوء في ظاهره.
والرفث: الخنا والفحش.
*وقوله: (فليقل: إني صائم مما يستجن به أيضًا)؛ لأنه اعتذار عند من عساه أن يستدعي منه أن يعينه في ملاحاة خصم، وهو كالعذر أيضًا لنفسه أن ترك ملاحاة خصمه، فيقول: إني صائم أي لا أترك نصرك أيها الرفيق خذلانًا لك ولا أيها (١٠٩/ب) المماري لي عجزًا عن إيراد الحجة عليك؛ ولكن من أجل إني صائم.
*وفي هذا دليل على جواز أن يظهر العامل شيئًا من عمله ليستجن به من شر، وسيزاد هذا الحديث شرحًا في مسند أبي سعيد.
[ ٦ / ٨٨ ]
*وإنما فضل الصوم لأنه إيمان محض لأنه لو نوى الإفطار أفطر، ولا يتمحض الإيمان سرًا في عمل كما يتمحض في الصوم فهو خلوص قياسه العتق؛ لأنه خلوص، فلذلك ما ورد بالأحاديث: يعتق في رمضان، وقد تقدم ذكره مستوفى.
-١٩٦٧ -
الحديث التاسع والعشرون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (ليس الشديد بالصرعة؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)].
*قال أبو عبيد: الصرعة (بفتح الراء) الذي يصرع الرجال، (وسكونها) الذي يصرعونه.
*وفي هذا الحديث من الفقه نفي رسول الله - ﷺ - الشدة عن قوة أعضاء الإنسان وإثباتها في عقله الذي يصرع هواه عند الغضب.
والذي أرى أن رسول الله - ﷺ - ذكر الغضب من أجل أن النفس إذا غضبت فإنما يكون ذلك منها لأذى اتصل بها فيفور إلى الانتقام، ولا يكون ذلك في
[ ٦ / ٨٩ ]
الأكثر إلا على مقدور عليه، فذكر رسول الله - ﷺ - هذا العارض منبهًا لها أنه إن كان عن خوف أو عن طمع أو عن هوى كان في كل ذلك مكابدًا بها منها مالا يلحق درجة الغضب لأنها لا تغضب إلا في مقام تظل فيه متسلطة، والمؤمن يذكرها عن استشاطتها بالغضب ما في عاقبة الكظم واطلاع الله ﷿ عليه مع كونه قد (١١٠/أ) أتى من مساخط الله تعالى أضعاف ما إليه أتاه المسخوط عليه، فأمهل سبحانه وسامح فليمثل في نفسه عفوًا لعفو وانتقامًا بانتقام.
*وقوله: (الشديد)، بالألف واللام المعرفتين، يريد به أن الرجل ذا اللب مسلط عليه الغضب أكثر من غيره؛ لأنه كله حسن وجملته فطن، فإذا أتى عليه ما يغضبه ثار في طلب الانتقام بجملته وأحس بالمؤذي، فجميع أجزائه حينئذ ينبغي أن تشكر نعمة الله عليه في تعزيز لبه وزيادة حسه بأم يكف عن غرت غضبه، وليكن أشد كفًا، فلما كان أشد قدرة ليحظى بالإخلاص في العفو لوجه الله ﷿.
-١٨٦٨ -
الحديث الثلاثون:
[عن أبي هريرة: (أن سائلا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (أو لكلكم ثوبان).
وفي رواية: (نادى رجل رسول الله - ﷺ - فقال: (أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال: (أو كلكم يجد ثوبين؟).
زاد في حديث حماد بن زيد، قال: ثم سأل رجل عمر ﵁.
[ ٦ / ٩٠ ]
فقال: إذا وسع الله فأوسعوا: جمع رجل عليه ثيابه: صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص- قال: وأحسبه قال: في تبنا ورداء)].
*في هذا الحديث جواز الصلاة في ثواب واحد، والمقصود أنه إنما هو ستر العورة.
*وفيه استحباب إظهار نعمة الله ﷿ إذا أنعم ليكون المنعم عليه شاكرًا بحاله؛ كما يستحب له أن يشكر (١١٠/ب) بمقاله، لا سيما في كل ما كان طريقًا إلى تكميل ستر عورته في صلاته، فإن تشكف ذلك ممن هو قادر على ستر العورة نهاية في الشكوى بلسان الحال من الله ﷿، فلهذا يعذر رافع الشكوى من ظلم المخلوقين مالا يعذر رافع الصوت بالشكوى من الفقر أو الإضافة فإن ذلك إنما يعلن بالتظلم من ربه سبحانه، وهو ﷻ قد قدم القول أنه قسم المعاش بحسب ما يصلح كل واحد، وهو أنه إذا تلمح الفطن أحوال الناس رأى أن درور أرزاقهم بحسب حاجاتهم، حتى لو نظر ناظر إلى سوق من أسواق المسلمين لأصاب تفريق الزبون بين المعيشين على
[ ٦ / ٩١ ]
نحو السوية في مقتضى مؤنة كل واحد وما عليه من خرجه حتى في أحرم دكانه، ففهم قوله - ﷺ - في الحديث المروي (أن المعونة على حسب المؤونة).
وكذلك يثير ﷾ من همم المشترين بحسب ما يثير إلى صنعته هم البائعين، وكذلك فإنه يثير من همم الزراع ما يعلم ﷾ حاجة أهم وقته إليه فهو ﷾ يوجد الدخل في العالم بحسب ما تكلم سبحانه من الخرج، فترى كل غلة لا تدخر فيقصر من إثارة الهمم في زراعتها على مقدار ما يعلم ﷾ خرجه في وقت نضارته، وكذلك التجار الذين يجلبون الأمتعة والادوية، فإنها تكون بحسب ما يعلم سبحانه من حاة أهل البلد المجلوب إليه ذلك في الغالب.
وكذلك فإنه ﷾ يدبر الجامد من الأموال بين الناس ليستفيد النامي، وشرح هذا يبين بمثال نذكره، وهو أنه ﷾ قد جعل رزق بعض الناس من بعض ليكون (١١١/أ) ذلك في يد وارد رزق الله به، ومن يدور فيه، كما أنه لو أن أمير الحاج جبى من أقطاعه بلد الكوفه الخراج ذلك المال المجبى من الخراج في ثمن جمال يحج عليها، فاشترى تلك الجمال من عرب أقربه فصرف إليهم ذلك المال المجبى من الخراج بعينه، فاحتاج العرب أن يبتاعه الحب والثمر من الكوافة فأعادوه إلى الكوفة فابتاعوا منه الحب والثمار، فعاد المال إلى أهل الكوفة بعد أن انتفع المحلوقون بتحول النامي من يد إلى يد، وبقي الجامد.
[ ٦ / ٩٢ ]
وعلى هذا فإنه إذا نظر الفطن من أولي الألباب إلى عيشة كل مخلوق رأى اعتدال العيشة في اعتدال التدبير، وسوء الحال مقرون بالسرف والتبذير، وكذلك لأن التقدير في تدبير العيش ومصالح الأكساب هو ثمرة النهضة، ونتيجة الصوب، والسرف والتبذير هو ثمرة العجز ونتيجة الكسل.
والله سبحانه يحب النهضة في الصواب، ويبغض التبذير والكسل.
-١٨٦٩ -
الحديث الحادي والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربًا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطٍن).
وفي رواية: (بينا أنا نائم رأيت أني على حوضي أسقي الناس، فأتاني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليريحني، فنزع ذنوبين؛ وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذه منه، فلم أر نزع رجل قط أقوى حتى تولى الناس والحوض (١١١/ب) ملآن يتفجر)].
[ ٦ / ٩٣ ]
*هذا الحديث قد سبق في مسند ابن عمر، وقد شرحناه هناك فاستغنينا عن الإعادة؛ إلا أن قوله: (ليريحني) في هذه الزاوية يشير بذلك إلى أنه لم يأخذه عنه عن طريق الاستلاب ولا المسارقة ولا الإكراه؛ ولكن ليروح رسول الله - ﷺ -، وكذلك كان، فإن رسول الله - ﷺ - حين استراح في نعيم الآخرة خلفه أبو بكر ﵁ في أمته بالقيام بأعباء ولايته - ﷺ -.
*فأما قوله: (فأخذها أبو بكر) ولم يقل: فأعطيتها؛ فإن ذلك يدل على أن هذا يكون بعد موت النبي - ﷺ -، وأنه لا يأخذها عن وصية صريحة؛ إذ لو كان ذلك لكان يقول: فناولتها إياه أو أعطيتها إياه.
-١٨٧٠ -
الحديث الثاني والثلاثون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (بينا أنا نائم إذ رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر، فذكرت غيرته. فوليت مدبرًا، فبكى عمر ﵁، وقال: أعليك أغار يا رسول الله!؟).
وفي رواية: (فذكرت غيرة عمر، فوليت مدبرًا).
قال أبو هريرة: (فبكا عمر ونحن جميعًا في ذلك المجلس مع رسول الله - ﷺ -، ثم قال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أعليك أغار)].
[ ٦ / ٩٤ ]
*وهذا قد سبق في مسند عمر ﵁، وأشير إليه.
(بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر)، فالتوضؤ من الوضاءة: وهي التنظف، والتطهير والتحسن.
*وقوله: (إلى جانب قصر)، يدل على أنها دار الأمن، والنساء فيها لا يخفن ذعرًا.
-١٨٧١ -
(١١٢/أ) الحديث الثالث والثلاثون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).
وفي رواية: (إذا اقترب الزمان، لم تكد رؤيا المؤمن تكذب-ومنهم من قال: لم تكذب رؤيا المؤمن- ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).
زاد بعضهم: (فإنه لا يكذب).
[ ٦ / ٩٥ ]
قال محمد: (وأنا أقول هذه، قال: وكان يقال: الرؤيا ثلاثة: حديث النفس، وتخويف الشيطان، وبشرى من الله، فمن رأى منكم شيئًا يكرهه، فلا يقصه على أحد؛ وليقم فليصل. قال: وكان يكره الغل في النوم، وكان يعجبهم القيد، ويقال: القيد ثبات في الدين).
وفي رواية: (رؤيا المسلم أو ترى له).
وفي رواية: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة).
وفي رواية: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا: أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث: بشرى من الله تعالى، ورؤيا: تحزين من الشيطان، ورؤيا: مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس)، قال: (وأحب القيد، وأكره الغل). والقيد: ثبات في الدين، فلا أدري: هو في الحديث أو قاله ابن سيرين؟.
وفي رواية: قال أبو هريرة: (فيعجبني القيد، وأكره الغل، والقيد: ثبات في الدين)].
*في هذا الحديث أن الرؤيا ثلاث أصناف:
رؤيا من الله، وهي المبشرة بالخير، إما بانكشاف الشيء نفسه، وإما في مثال يكشف العبر.
[ ٦ / ٩٦ ]
ورؤيا من حديث النفس كما يرى المنادي (١١٢/ب) في ليلة أنه ينادي، والراعي أنه يصيح على الإبل؛ فهذا لا تأويل له.
والرؤيا الثالثة: تخويف من الشطيان وتخزين، فمن رأى ما يكره لم يقصه على أحد وقام إلى الصلاة، وإنما أراد النبي - ﷺ - بأمره عند ذلك بالقيام إلى الصلاة؛ لأن ذلك يحزن الشيطان، فيكون جواب تحزين الشيطان للعبد، ولأن الشيطان أراد بما أرى المؤمن في منامه تحزين المؤمن بمالا يضره، فأراد رسول الله - ﷺ - أن يعلم أمته أن يسرعوا عند ذلك فيما يحزنوا به الشيطان بما يكمده ويسومه؛ وهو الصلاة.
*والغل مكروه من حيث اسمه؛ لأن الغين تكسر فيصير غلا، وإنما استحب القيد في النوم لأنه آلة التثبيت، وقد سمى رسول الله - ﷺ - الإيمان قيدًا، فقال: (الإيمان قيد الفتك)؛ فالخبر كله في الثبات والتثبيت.
*وقوله: (إذا اقترب الزمان)، قد شرحناه في الحديث العاشر من هذا المسند. وقد قيل: المراد به هاهنا قرب القيامة، وقيل: استواء الليل والنهار، وقيل: هو زمن المهدي.
*وقوله: (أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا)، وذلك أن الرؤيا تنبيه على أن الكاذب لا يكاد يصح له رؤيا؛ لأن الرؤيا هي في المعنى رسالة من الله ﷿، وما كان الله ﷿ ليرسل رسالة على لسان كذاب، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
[ ٦ / ٩٧ ]
-١٨٧٢ -
الحديث الرابع والثلاثون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا فرع ولا عتيرة).
والفرع: أول النتاج، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب].
*في هذا الحديث تحريم الفرع والعتيرة، وقد فسرا (١١٣/أ) في الحديث، وهما من مقابح الجاهلية التي كانت تعتمدها.
-١٨٧٣ -
الحديث الخامس والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لا يتركون المدينة على خير ما كانت؛ لا يغشاها إلا العوافي-يريد عوافي السباع والطير- فآخر من يحشر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، بنعقان بغنمهما، فيجدانها ملئت وحوشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما).
وفي رواية: (ليتركنها أهلها على خير ما كانت مذللة للعوافي) -يعني: السباع والطير)].
[ ٦ / ٩٨ ]
*في هذا الحديث من الفقه أن الحشر قد يدرك قومًا من أهل الدنيا في أشغالهم فيحشرون إلى الموت.
فأما الحشر الذي بعد الموت فذلك يكون عند نشر كل ميت.
و*ويعني بقوله: (يتركون المدينة)؛ إن أريد بالمدينة مدينة الرسول - ﷺ -، فذلك يكون في أواخر الدنيا، وإن أريد بالمدينة كل مدينة لا يغشاها إلا عوافي الطير والسباع فذلك الحشر الموت.
-١٨٧٤ -
الحديث السادس والثلاثون:
[عن أبي هريرة أنه كان يقول: (لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها)، قال رسول الله - ﷺ -: (ما بين لابتيها حرام).
وفي رواية: (حرم رسول الله - ﷺ - ما بين لابتي المدينة).
قال أبو هريرة: (فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، قال: وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى)].
*وقد ذكرنا تحريم المدينة في مسند علي ﵁، وذلك مذكور هناك ما بين عير (١١٣/ب) إلى ثور، وقد حدها هنا باثني عشر ميلا، وقد سبق شرح باقيه.
[ ٦ / ٩٩ ]
-١٨٧٥ -
الحديث السابع والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: (قضى رسول الله - ﷺ - في جنين امرأة من بني لحيان-سقط ميتًا- بغرة: عبد، أو أمه، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله - ﷺ - بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها).
وفي رواية: قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها، وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ -، فقضى رسول الله - ﷺ - أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها).
وفي رواية: (وورثها ولدها ومن معهم، فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك بطل. فقال رسول الله - ﷺ -: (إنما هذا من إخوان الكهان) من أجل سجعه الذي سجع).
وفي رواية: (أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الأخرى، فطرحت جنينًا، فقضى فيه رسول الله - ﷺ - بغرة: عبد أو أمه)].
[ ٦ / ١٠٠ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن النبي - ﷺ - قضى في هذا الجنين بغرة عبد أو أمة، وإنما قضى في هذا الجنين بغرة عبد أو أمة، وإنما قضى بذلك في الجنين ولم يجعل فيه الدية من أجل أن الضارب إنما أصاب غير المجني عليه؛ لأنه ضرب الحامل فأدى الضرب إلى أن ألقت، فلم يكن قتل الجنين مقصودًا له، فهو صريح في الخطأ من حيث إنه أدى إلى قتل بالعرض لمن لم يخرج إلى الدنيا بعد، ولا يعرفه أبوه ولا أمه ولا له اسم بعد. ويجوز أن يكون غير حي، فقضى (١١٤/ أ) فيه بالغرة دون القود؛ لأن الغرة نفس، فكانت في المعنى نفس بنفس، ولم يجب القود لأجل الخطأ.
* وفيه ذم لما كان يتخذونه شرعة ويمضون الأحكام بمقتضاه من أساجيعهم، وقد تقدم ذكر ذلك، وبينا أن الذم لذلك القصد لا للنطق.
-١٨٧٦ -
الحديث الثامن والثلاثون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت)].
* في هذا الحديث النهي عن الكلام وقت الجمعة، فينبغي لمن سمع متكلمًا حينئذ أني ينهاه بالإشارة لا بالكلام.
[ ٦ / ١٠١ ]
* وفي هذا الحديث حض على استماع الخطبة يوم الجمعة؛ فإنها تتضمن حمد الله ﷿ والثناء عليه، والصلاة على النبي - ﷺ -، والموعظة، والوصية بتقوى الله، وإن كان في طرف الجامع ولم يسمع صوت الإمام فالمستحب له أن ينصت لأنه لو أنصت الناس كلهم لسمعوا، فإن قرأ أو تشاغل بذكر جاز.
-١٨٧٧ -
الحديث التاسع والثلاثون:
[عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: (إيمان بالله ورسوله)، قيل: ثم ماذا؟ قال: (الجهاد في سبيل الله)، قيل: ثم ماذا؟ قال: (حج مبرور)].
* أما الحج هاهنا فالمراد به النافلة، وكذا الجهاد، فالجهاد لمن حج أفضل من حجه؛ لأن الجهاد فرض كفاية.
-١٨٧٨ -
الحديث الأربعون:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار، إلا تحلة القسم).
[ ٦ / ١٠٢ ]
وفي حديث ابن عيينة (١١٤/ ب) (فيلج النار، إلا تحلة القسم).
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - قال لنسوة من الأنصار: (لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد، فتحتسبه، إلا دخلت الجنة)، فقالت امرأة منهن: أو اثنان يا رسول الله؟ قال: (أو اثنان).
وفي رواية: (لم يبلغوا الحنث).
وفي رواية لمسلم: (أتت امرأة النبي - ﷺ - بصبي لها، فقالت: يا نبي الله! ادع الله لي، فلقد دفنت ثلاثة قال: (دفنت ثلاثة؟)، قالت: نعم، فقال: (لقد احتظرت بحظار شديد من النار).
ولمسلم أيضًا من حديث أبي حسان، قال: قلت لأبي هريرة: (إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثني عن رسول الله - ﷺ - بحديث يطيب أنفسنا عن موتانا؟ قال: نعم، صغارهم دعاميص الجنة، يتلقى أحدهم أباه- أو أبويه- فيأخذ بثوبه، أو قال: بيده- كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى- أو قال: ينتهي- حتى يدخله الله وأباه الجنة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن موت الولد الذي لم يبلغ الحنث مظنة انزعاج الإيمان إلا لمن ثبته الله بالقول الثابت من حيث إنه يراه طفلًا لم يأت من
[ ٦ / ١٠٣ ]
المعاصي ما يكون ما ناله من المرض والموت جزاء لفعله، ولا بلغ به إلى حيث كان يؤمل من أمره، ولا تعي القلوب الضعيفة النظر ما المعنى في الإتيان به ثم أخذه من قبل بلوغ الأرب منه، فيلعب الشيطان به بعقول الآدميين عند مشاهدتهم تعذيب الأطفال، وموت من يموت منهم، فمن قوي إيمانه رأى أن الله ﷻ في ذلك أسرارًا وحكمًا.
منها: أنه ﷻ يخلق من خلقه أطفالًا لا تقدر أعمارهم إلى مدة معلومة من الصغر ليكون الموت محذورًا أبدًا، فلا يأمنه أحد في حال.
ومنها: أن عمل الوالد (١١٥/ أ) قد لا يبلغ إلى المقام المؤهل له في الآخرة فيتممه الله تعالى بأن يموت له من الولد الذي لم يبلغ الحنث من يموت مؤمن عند موته بالله ﷾، ويثبت لهذا الامتحان؛ فيكون ذلك مما يبلغه تلك المرتبة، ويقيه من عذاب النار.
* ومن ذلك أن من الولد من لو بقي لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا؛ فيكون الله ﷿ قد من على العبد بأن أخرج ولده ذلك إلى الدنيا ثم أماته قبل أن يبلغه أن يرهق أبويه، فقلب ﷾ ذلك الإرهاق للوالدين أجرًا ممن ثبت إيمانه بهذه الأحوال كان له في ذلك الأجر؛ ولأن الناس يحتاجون في القيامة إلى فراط يسبقونهم إلى الورود ويأتونهم بالماء يوم العطش الأكبر، فقدم الأطفال لذلك، وأما الولد الكبير فإنه بعد البلوغ يثبت له وعليه؛ فإذا ناله المرض وأدى إلى الموت كان في المعنى في حكمة أبيه، ولكل حميم يفقد حميمًا إذا صبر عليه ثواب.
* وقوله: (لقد احتظرت بحظار شديد)، وأصله من الحظيرة التي يكون
[ ٦ / ١٠٤ ]
فيها الغنم فيمتنع من الخروج، والحظر: المنع.
وأما الدعاميص فجمع دعموص، وهي دويبة تعوم في الماء، قال الشاعر:
إذا التقى البحران عم الدعموص فهي أن تسبح أو تغوص.
-١٨٧٩ -
الحديث الحادي والأربعون:
[عن أبي هريرة، قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي - ﷺ -، فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي - ﷺ -: (هل لك من إبل؟)، قال: نعم، قال: (فما ألوانها؟)، قال: حمر، قال: (هل فيها أورق؟)، قال: إن فيها أورقًا. قال: (فأنى أتاها ذلك؟)، قال: عسى أن يكون نزعة (١١٥/ ب) عرق).
وفي رواية: (يا رسول الله، ولدت امرأتي غلامًا أسود، وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه، ولم يرتخص له في الانتفاء منه).
وفي رواية: (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وإني أنكرته)].
[ ٦ / ١٠٥ ]
* هذا الحديث يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يرتاب بولد وإن خالف لونه؛ لأنه ربما يكون نزعة عرق.
-١٨٨٠ -
الحديث الثاني والأربعون:
[عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: (ويقولون: الكرم. إنما الكرم قلب المؤمن).
وفي رواية: (لا تسموا العنب الكرم؛ فإن الكرم المسلم).
وفي رواية: (لا يقولن أحدكم: الكرم؛ فإنما الكرم قلب المؤمن).
وفي رواية: (لا يقولن أحدكم للعنب: الكرم، فإنما الكرم الرجل المسلم)].
* هذا الحديث يدل على أنهم كان يسمون العنب كرمًا، ويزعمون أنها تحدث كرمًا على ما قيل، فأراد رسول الله - ﷺ - أن لا ينسب إلى الخمر فضيلة؛ وإنما الفضيلة للمؤمن لما فيه من النور والإيمان.
-١٨٨١ -
الحديث الثالث والأربعون:
[عن سعيد بن المسيب، قال: (مر عمر في المسجد، وحسان ينشد
[ ٦ / ١٠٦ ]
الشعر، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك بالله: أسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (أجب عني، اللهم أيده بروح القدس؟) قال: نعم).
وفي رواية عن أبي سلمة أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة، أنشدك الله، هل سمعت النبي - ﷺ - يقول: (يا حسان أجب عن (١١٦/ أ) رسول الله، اللهم أيده بروح القدس)، قال أبو هريرة: نعم)].
* في هذا الحديث جواز إنشاد الشعر في المسجد، إذا كان مثل شعر حسان من مدح الإسلام وقول الحق وحسن الكلام دون قبيحه.
* وفيه أيضًا دليل على حلم عمر ودينه حيث قال له حسان: من هو خير منك، وهذا وإن كان حقًا إلا أن فيه خشونة؛ فاحتملها عمر من أجل أنه حق.
* وقوله: فلحظ إليه أي نظر إليه نظر المنكر عليه.
* وقوله: أجب عني، فيه دليل على جواز مخاصمة العدو بالشعر.
* وفيه دليل على أن الشاعر قد يؤيده الله ﷿ حتى بجبريل، ومعنى ناشده بجبريل أن يحميه أن يقذف الشيطان على لسانه غير الجيد.
[ ٦ / ١٠٧ ]
-١٨٨٢ -
الحديث الرابع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: (بينما الحبشة يلعبون عند النبي - ﷺ - بحرابهم، دخل عمر، فأهوى على الحصباء فحصبهم بها، فقال له رسول الله - ﷺ -: دعهم يا عمر)].
* في هذا الحديث جواز اللعب بالحراب، وهي من السلاح، للتدرب والرياضة للجهاد وقتال العدو في المسجد.
* وفيه أيضًا أن عمر لما سارع إلى حصبهم على المألوف من شدته، ولم يكن ذلك له؛ لأن رسول الله - ﷺ - مقر لهم، نهاه رسول الله - ﷺ - بقوله: دعهم يا عمر.
-١٨٨٣ -
الحديث الخامس والأربعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار).
وفي رواية: (قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر؛ فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره؛ فإذا شئت قبضتهما).
[ ٦ / ١٠٨ ]
وفي رواية: (قال الله ﷿: يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار).
وفي رواية: (لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا: يا خبية الدهر، فإن الله هو الدهر).
وفي رواية: (لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر).
وفي رواية: (لا يقولن أحدكم للعنب الكرم؛ فإن الكرم الرجل المسلم)].
* في هذا الحديث من الفقه: النهي عن أن يستريح الإنسان إلى ما يجعله منصرفًا لشكواه من الله تعالى، فيسب الدهر، وإنما تسب الأقضية والأقدار، والله ﷾ هو الذي يقضي ويقدر، وليس للدهر في ذلك شيء، وإنما سب الناس للدهر فيغلطون من جهتين:
إحداهما: أنهم ينسبون فعل الله إلى الدهر.
والأخرى، أنهم يكرهون أقضية الله، فيسترحون إلى سب الدهر، والمنسوب في الحقيقة، إنما هو الفاعل تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فجاء الحديث ناهيًا عن أن يؤذي العبد ربه بأن يسب أقداره مسميًا لها دهرًا،
[ ٦ / ١٠٩ ]
فيكون جانيًا على جلال الربوبية من جهتين.
-١٨٨٤ -
الحديث السادس والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: (أسرعوا بالجنازة، فإن تلك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تلك غير ذلك، فشر تضعونه عن رقابكم).
وفي رواية: (أسرعوا بالجنازة، فإن كانت صالحة قربتموها إلى الخير، وإن كانت غير ذلك كانت شرًا تضعونه عن رقابكم)].
* في هذا الحديث من الفقه استحباب الإسراع بالجنازة؛ لأنها إن كانت من أهل الخير، فإنه تعجل بها إليه، كما جاء في الحديث، وإن كانت من أهل الشر استريح من حملها (١١٧/ أ)، إلا أن هذا أمر من علم الله، فلا ينبغي لحامل الجنازة أن يكون إلا على الرجاء للجنازة بالخير.
-١٨٨٥ -
الحديث السابع والأربعون:
[عن أبي هريرة قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط)].
[ ٦ / ١١٠ ]
* هذه الخمس مما دعى الإسلام إلى التنزه عنه لأنهن من فضلات البدن:
فأما الختان فإن الغرلة يخالطها ما يكون من النجاسة، فتبقى منها بقية منها لا يؤمن أن تقطر عقيب ذلك، كما يلحق أصحاب السلس؛ فكان في إماطتها عن الآدمي نوع طهارة.
وأما الاستحداد ففي إماطة ذلك الشعر تنظيف؛ لأن الشعر هناك يتجاوز أماكن الاستنجاء وإزالته أقرب إلى الطهارة، ثم هو من جملة المستقذرات.
وأما قص الشارب فلأنه إذا طال الشعر ينغص الأكل بالطعام، على أن قصة جمال الوجه أيضًا.
وأما تقليم الأظفار ففيه إزالة وسخ يجتمع تحتها.
ونتف الإبط يرفع الأذى الذي تنفر منه النفس، وذلك المحل محل نفض القلب فضلاته؛ فإذا أخذ منه الشعر كان أسهل لخروج أبخرة القلب، وأطيب لريح الآدمي، ولأن الشعر لا يمكن الدواء القاطع للريح المنكرة أن يصل.
فهذه الأشياء إذا استعملت فيها مراسم الشرع بان أنها من محاسن آداب الإسلام.
-١٨٨٦ -
الحديث الثامن والأربعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (بعثت بجوامع الكلم،
[ ٦ / ١١١ ]
ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي)، قال أبو هريرة: (فقد ذهب رسول الله (١١٧/ ب) - ﷺ - وأنتم تنتثلونها).
قال البخاري: (وبلغني أن جوامع الكلم: أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والاثنين).
وفي رواية: (أعطيت مفاتيح الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، حتى وضعت في يدي)، قال أبو هريرة: فذهب رسول الله وأنتم تنتثلونها.
وفي رواية: (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون).
وفي رواية: (نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم)، وفي رواية: (نصرت بالرعب على العدو، وأوتيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي)].
* أما جوامع الكلم: فإنه يعني به اللغة العربية؛ لأن الله تعالى فضله بها،
[ ٦ / ١١٢ ]
فيكون النطق يسيرًا والمعنى جمًا كبيرًا، مثل قوله - ﷺ -: (الأعمال بالنيات)، (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، (المسلمون تتكافأ دماؤهم)، (المستشار مؤتمن)، إلى غير ذلك.
* وقوله: (نصرت بالرعب) يعني الخوف الذي وضعه الله تعالى منه في القلوب، فإنه نصره به، فكفأه كثيرًا من القتال.
* وقوله: (وأوتيت بمفاتيح خزائن الأرض)؛ وكذلك كان، فإن الكنوز والممالك أوتيها - ﷺ -، فملكت أمته الأرض، وفتحت خزائن ملوكها.
* وأما إحلال الغنائم، وجعل الأرض مسجدًا، والإرسال إلى الكل، وختم
[ ٦ / ١١٣ ]
النبيين، فكل ذلك مما خص به - ﷺ - دون (١١٨/ أ) غيره، وجعل الخاتم من وراء ظهره ليعلم بوضع الخاتم من وراء ظهره ليعلم بوضع الخاتم خلفه أنه الخاتم للأنبياء فليس بعده نبي.
* وقول أبي هريرة: (وأنتم تنتثلونها) إنما أراد أن يدل بذلك على صدق رسول الله - ﷺ - فيما أخبر، ويظهر صدق وعده فيما وعد به، ومعنى تنتثلونها تستخرجونها من مواضعها.
يقال: نثلت البئر وانتثلتها إذا استخرجت ترابها.
-١٨٨٧ -
الحديث التاسع والأربعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده)، قال: يقول أبو هريرة على أثر ذلك: (ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط).
وفي رواية: أن النبي - ﷺ - خطب أم هاني بنت أبي طالب، فقالت: يا رسول الله: إني قد كبرت، ولي عيال، فقال رسول الله - ﷺ -: (خير نساء ركبن الإبل ) ثم ذكر مثل حديث يونس، غير أنه قال: (أحناه على ولد في صغره).
وفي رواية: (خير نساء ركبن الإبل).
وفي رواية صالح: (نساء قريش أحناه على يتيم في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده).
[ ٦ / ١١٤ ]
وفي رواية: (خير نساء ركبن الإبل، صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده).
وفي رواية: (صالح نساء قريش)].
* في هذا الحديث دليل على أن أفضل النساء اللواتي ركبن الإبل نساء قريش.
* وقوله: (أحناه)، من الحنو، وهو العطف والشفقة، وذلك مطلوب في حق الصغار.
* وقوله: (وأوعاه على زوج في ذات يده)، أنهن لسن بمبذرات.
-١٨٨٨ -
(١٨٨/ ب) الحديث الخمسون:
[عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله - ﷺ -: (أن يبيع حاضر لبادٍ، ولا تناجشوا، ولا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها).
وفي رواية: (ولا يزيدن على بيع أخيه).
[ ٦ / ١١٥ ]
وفي رواية: (ولا يسم الرجل على سوم أخيه).
وفي رواية: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشترط المرأة طلاق أختها، وأن يستام الرجل على سوم أخيه، ونهى عن النجش والتصرية).
وفي رواية: (نهى عن التلقي، وأن يبيع حاضر لباد).
وفي راوية: (نهينا). وفي رواية: (نهى).
وفي رواية: (لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، فإنما لها ما قدر لها).
وفي رواية: (لا يسم المسلم على سوم المسلم، ولا يخطب على خطبة أخيه).
وفي رواية: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يتلقى الجلب).
وفي حديث ابن جريج: (فمن تلقى فاشتراه منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار)].
[ ٦ / ١١٦ ]
* وقد مضى الكلام في هذا في مسند ابن عباس إلا قوله: ولا تسأل المرأة طلاق أختها. قال أبو عبيد: يعني ضرتها.
وقوله: (لتكفأ) أي تمثل حظ تلك إلى نفسها، وإنما نهيت المرأة عن هذا لكونها تسأل طلاقها لتكفأ ما في صحيفتها، وأما إذا كانت تلك المرأة لا دين لها جاز أن تسأل طلاقها؛ فإن النبي - ﷺ - قال في حق علي ﵇ أراد أن ينكح بنت أبي جهل: (فليطلق ابنتي). (١١٩/ أ)
-١٨٨٩ -
الحديث الحادي والخمسون:
[عن أبي هريرة: (أن رسول الله - ﷺ - نعى النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات).
وفي رواية: (نعى لنا رسول الله - ﷺ - النجاشي صاحب الحبشة يوم الذي
[ ٦ / ١١٧ ]
مات فيه، فقال: استغفروا لأخيكم)].
* قد سبق الكلام في هذا الحديث، وثبتنا أن هذا من معجزات رسول الله - ﷺ -، وذكر أن فيه حجة في الصلاة على الميت الغائب.
-١٨٩٠ -
الحديث الثاني والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: (لما رفع رسول الله - ﷺ - رأسه من الركعة الثانية، قال: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف).
وفي رواية: (وكان يقول في بعض صلاة الفجر حين يفرغ من صلاة
[ ٦ / ١١٨ ]
الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول وهو قائم: اللهم أنج الوليد)، وذكر إلى قوله: (كسني يوسف، اللهم العن فلانًا وفلانًا) لأحياء من العرب؛ حتى أنزل الله ﷿: ﴿ليس لك من الأمر شيء ﴾ الآية، سماهم في رواية يونس: (اللهم العن لحيان ورعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله) قال: ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾).
وفي رواية: (بينا النبي - ﷺ - يصلي العشاء، إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: اللهم نج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، (١١٩/ ب)، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - قنت بعد الركعة في صلاته شهرًا، إذا قال: سمع الله لمن حمده، يقول في قنوته: اللهم نج الوليد بن الوليد ) وذكر الدعاء بنحوه إلى قوله: (كسني يوسف) وفي آخره، قال أبو هريرة: (ثم رأيت رسول الله - ﷺ - ترك الدعاء بعد، فقلت: أرى رسول الله - ﷺ - قد ترك الدعاء؟ وقال: وما تراهم قدموا؟).
وفي رواية: (كان يدعو في الصلاة: اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة).
وفي رواية: (غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله).
وفي رواية: (لأقربن لكم صلاة رسول الله - ﷺ -، فكان أبو هريرة يقنت
[ ٦ / ١١٩ ]
في الركعة الآخرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة وصلاة الصبح، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار)].
* هذا الحديث قد سبق. والوطأة: البأس والعقوبة، وهي ما أصابهم من الجوع والشدة.
*وقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ في مثل هذا الموضع عند دعائه على الكافرين، فقد مضى تفسيره، وهذا الموضع من أحسن ما وقع معنى ما أشرنا إليه في هذا الموضع، وهو أنه ليس لك من الأمر شيء في الدعاء عليهم حظ نفسك ولا في غير ذلك، وإنما ذلك كله لله.
فأما قول أبي هريرة: (ثم بلغنا أنه ترك الدعاء عليهم)؛ فإن هذا يقوم
[ ٦ / ١٢٠ ]
مقام الرواية عن من لم يسمه، فالمرسل أقوى منه، ووجهه بعد ذلك أن الله سبحانه لما أنزل عليه ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ أي أنك أعلنت من الدعاء عليهم بما قد كفى في معناه، فإن الكلمة الواحدة منك أعظم قدرًا من قراب الأرض أمثالهم، فكأنه على معنى الآية الأخرى في قوله (١٢٠/ أ) سبحانه: ﴿وذرني والمكذبين﴾ وقوله سبحانه: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾.
-١٨٩١ -
الحديث الثالث والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه).
قال ابن شهاب: وكان رسول الله - ﷺ - يقول: (آمين).
وفي رواية: (إذا أمن القارئ فأمنوا؛ فإن الملائكة تؤمن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية: (إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية: (إذا قال الإمام: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾، فقال من خلفه: آمين، فوافق قوله قول أهل السماء، غفر له ما تقدم من
[ ٦ / ١٢١ ]
ذنبه)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الملائكة لما سمعت اهدنا بلفظ الجمع، قالت: آمين؛ لأنه دعاء للكل، فمن كانت إرادته من المصلين هداية الكل غفر له.
-١٨٩٢ -
الحديث الرابع والخمسون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).
وفي رواية: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا).
وفي رواية لمسلم: (إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم؛ ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار، فصل ما أدركت، واقض ما سبقك).
زاد العلاء في آخر حديثه: (فإن (١٢٠/ ب) فأحدكم إذا كان يعمد إلى
[ ٦ / ١٢٢ ]
الصلاة فهو في الصلاة)].
* الثوب: الإقامة، قال الخطابي: وأصل هذا أن يلوح الرجل ثوبه عند الفزع، وهذا الحديث قد سبق في مسند أبي قتادة.
[ ٦ / ١٢٣ ]
-١٨٩٣ -
الحديث الخامس والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: قام رسول الله - ﷺ - حين أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، قال: (يا معشر قريش-أو كلمة نحوها-اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله - ﷺ -، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا).
وفي رواية: (يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا).
وفي رواية: (يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله، يا أم الزبير عمة رسول الله - ﷺ -، يا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما من الله، لا أملك لكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما).
وفي رواية عن أبي هريرة: (قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. دعا رسول الله - ﷺ - قريشًا، فاجتمعوا، فعم وخص، فقال: (يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب (١٢١/ أ)، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة
[ ٦ / ١٢٤ ]
أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها)].
* قد تكلمنا على هذا الحديث، وبينا أن رسول الله - ﷺ - بالغ في إنذار عشيرته.
* فأما قوله: (سأبلها ببلالها)، قال أبو عبيد: يقال: تلك رحمي أبلها بلا وبلالا، إذا وصلتها.
* وفيه من الفقه أن النذارة قائمة في طرف التخويف؛ إزاء البشارة في طرف الإيمان بقوله سبحانه ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ يعني ﷻ أن أنذر عشيرتك الأقربين أن تكونوا أول جاحد بحقك. قال: وأول كافر بما أنزل عليك؛ فإنه لا عذر لمن كفر بما جئت من أباعد الناس عنك، فكيف بأقربهم إليك.
من كان من شأنه وعاده أن يذهب في طاعة الشيطان بالعصبية في النسب، والحمية في العشيرة كل مذهب، حتى يهراق منهم الدماء، ويعظم فيهم اللأواء؛ فلما جئتهم بالحق وتلوت عليهم الصدق، حرجت بغضاؤك
[ ٦ / ١٢٥ ]
إلى أن جحدوا لك الحق الذي يعترفون للبعيد، واطرحوا من وفاقك ما كان من عادتهم في حمية الأهبة للقريب، فأنذر عشيرتك الأقربين حينئذ من عذاب لا تقوم له السموات والأرض.
* وقوله بعدها: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾، فإن الجناح يستعمل في كل شيء تكون الإشارة فيه إلى المبالغة في الرقة والرحمة، كما قال سبحانه في حق الوالدين: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ يعني ﷾ اخفض لوالدين جناح ذل منك، يعني ﷻ أن لا تراهما بعين المسكنة عندك، وأن يكون خطابك لهما خطاب ذليل قد خفض جناحه لهما خفض ذل؛ قد أجمع على الاستسلام لأمرهما والإلقاء (١٢١/ ب) لنفسه بين أيديهما.
ثم قال سبحانه بعد ذلك: ﴿من الرحمة﴾ يعني ﷻ لا تفعل ذلك لهما من الحاجة؛ فيكون نظرك إلى ما عساه تفعله في وقت الحاجة دون وقت الغناء عنهما، ولا قال من الرقة ولا من الخوف منهما، ولكن من الرحمة، أي افعل ذلك إذا عادا في حال ضعف من القوم، فحينئذ اخفض لهما أنت جناح الذل من الرحمة، وهذا لما كان في حق الوالدين يتوجه أن يؤتي فيه بذكر الذل، فلما كان الخطاب مع النبي - ﷺ - وعطفه على المؤمنين لم يقل: جناح الذل، بل قال: (جناحك)، يعني ﷻ جناح عطفك ورأفتك ورفقك وتعظيمك ولطفك ورفدك، وكل حسن من أوصافك، فإنه داخل تحت ذلك قرنه بكاف الخطاب.
[ ٦ / ١٢٦ ]
* وقوله: ﴿لمن اتبعك من المؤمنين﴾ فيجوز أن يكون من هاهنا لسبب الحسن، فإن لا يتبعه إلا المؤمنون، ولا يسمى مؤمنًا إلا من اتبعه، ويجوز أن يكون ميزة من اتبعه من المؤمنين ليخرج منها المنافقون، وهذا أمر له - ﷺ - بأن يخفض جناحه لكل تابع له مسلم.
فهو يتناول من كان في عصره، ومن جاء بعده إلى يوم القيامة، ويكون خفض جناحه لمن لم يره بما علمه من وصاياه وعلومه التي أنقذه بها على ألسنة المبلغين، وبما شرع من إصلاح ذات بينهم، وتسكين الفتن الثائرة فيهم، وما وصى به نوابه من حفظهم إلى غير ذلك.
* ثم قال: (يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئًا). فقوله: يا بني عبد مناف: يجمع هاشمًا والمطلب عبد شمس ونوفلًا. فذلك تعميم، ثم أتى بالتخصيص، فقال: يا عباس، وإنما خاطبهم هاهنا بحذف الألف واللام التي للتعريف؛ لأنه جاء بحرف النداء، فكان (١٢٢/ أ) مقام نداء، والمنادى فيه معذور في إسقاط الألف واللام، فإن المنادى قد عرف من شهوده ممن يناديه أنه لا يحتاج إلى التعريف بالألف واللام، فلما لم يبق من عمومته ذكر عاد إلى عمته؛ ليسوي في الدرجة من الأقارب.
وهذا يدل على شرف العباس وفخامة منزلته، ثم انتقل بعد ذكر العم والعمة إلى الولد؛ فقال: يا فاطمة بنت محمد.
* وقوله: (اشتروا، اشتريا أنفسكما من الله)، يفصح بأن نفس العبد ليست له، وكذلك قال: اشتر نفسك من الله يعني - ﷺ - أن يشتري العبد نفسه من ربه هو بما شرطه ﷾ أن يقوم به مما خلقه له، فقال: ﴿وما خلقت
[ ٦ / ١٢٧ ]
الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون).
فإن قال قائل: كيف يجمع بين قوله ﷿: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾، فدل النطق أن أنفسهم ملكهم الله إياها، وفي الحديث ثم اشتراها منهم، ما يدل على أن النفس لله وأن العبد هو المشتري.
فالجواب أن قوله - ﷺ -: (اشتروا أنفسكم من الله)، يعني - ﷺ -: أنكم إذا آمنتم به، وأنه خلقكم لعبادته فقد اشتريتموها منه سبحانه شراءً عامًا، وهو أنكم حررتموها من رق غيره من الشياطين التي تحتال وتعوي.
فأما مشرى الله سبحانه أنفس المقاتلين في سبيله؛ فإن ذلك الشراء الأول منهم هو الذي طيب النفوس بأن تصلح لهذا الشراء، والثاني فإنه لما طابت غلا ثمنها، فزاد مقدار مبلغه عن أن يكون الدنيا كلها له ثمنًا، فأعلم الله ﷿ أنها أنفس من أن تثامن بشيء من الدنيا، فقال: ﴿بأن لهم الجنة﴾ بالألف واللام المتعرفتين للجنس أو العهد، فكانت مشتراة لهم أولًا (١٢٢/ ب) مبادئه ومشتراة منهم ثانيًا بجنته.
ثم لما فرغ من ندائه الأقربين، عاد ذاكرًا لمن هو أبعد منهم نسبًا، فقال: يا بني كعب بن لؤي، يا بني مرة ابن كعب، فأما تكريره ذكر بني عبد شمس وبني عبد هاشم وبني عبد المطلب مع إجماله في قوله: بني عبد مناف والذي أراه أنه كرر الوصية على كل من رأى أنه سيصير إلى شيء من الأمر، وصاة له بأمته، واحتفالًا لمن ترك من المسلمين بعده.
[ ٦ / ١٢٨ ]
* وقوله في كل قول: (لا أغني عنكم من الله شيئًا)، أي لا تتكلوا على قرابتي فتخالفوني في وصاياي، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا.
* وقوله: (غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها)، أي فوصيتي هذه وتكريري لكم فيها الأنداء من بلالها.
-١٨٩٤ -
الحديث السادس والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر)، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا﴾.
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: (تفضلها بسبع وعشرين).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين صلاة من صلاة الفذ).
وفي رواية: (صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده)].
[ ٦ / ١٢٩ ]
* قد سبق وجه الحكمة في كونها بخمس وعشرين، وبينا كيفية الجمع بين ذلك وبين سبع وعشرين.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن ملائكة الليل لا ينصرفون حتى تحضر ملائكة النهار فيسلمون الآدمي إليهم ويرتحلون ليعلم (١٢٣/ أ) الآدمي أنه ليس بمخلى ولا لحظة.
-١٨٩٥ -
الحديث السابع والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس).
وفي رواية للبخاري: (المعدن جبار، والبئر جبار، والعجماء جبار، وفي الركاز الخمس).
وفي رواية لمسلم: (البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار، والعجماء جبار، وفي الركاز الخمس).
وفي رواية لمسلم: (البئر جرحها جبار، والمعدن جرحه جبار، والعجماء جرحها جبار، وفي الركاز الخمس).
وفي رواية: (العجماء عقلها جبار)].
[ ٦ / ١٣٠ ]
قال أبو عبيد: العجماء البهيمة، وإنما سميت عجما لأنها لا تتكلم؛ وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم.
والجبار: الهدر، وإنما يجعل جرح العجماء جبارًا هدرًا؛ إذا كانت منفلتة ليس لها قائد ولا سائق ولا راكب، فإذا كان معها واحد هؤلاء الثلاثة فهو ضامن؛ لأن الجناية حينئذ ليس للعجماء، إنما هي جناية صاحبها.
* وقوله: (البئر جبار)، هي البئر يستأجر عليها صاحبها رجلًا يحفرها في ملكه فتنهار على الحافر، فليس على صاحبها ضمان، وكذلك البئر يكون في ملك الرجل فيسقط فيها إنسان أو دابة فلا ضمان عليه.
* وقوله: (والمعدن جبار)، والمعدن الذي تستخرج منه الذهب والفضة، فيستأجر قومًا يحفره فينهار عليهم فدماؤهم هدر.
* وقوله: (في الركاز الخمس)، الركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، ويعرف ذلك بأن يرى عليه علامات الجاهلية، وسواء كان في موات أو في مكان مملوك لكنه لا يعرف مالكه، فهذا يجب فيه الخمس في الحال، أي نوع كان من المال في مذهب (١٢٣/ ب) أحمد، وأحد قولي مالك والشافعي.
وفي القول الآخر: لا يجب الخمس إلا في الذهب والفضة.
واختلف العلماء، هل يعتبر فيه النصاب؟
[ ٦ / ١٣١ ]
فعند أبي حنيفة وأحمد: لا يعتبر فيه النصاب، وهو قول الشافعي (﵃).
واختلفوا في مصرف هذا الخمس على قولين:
أحدهما: أنه مصرف خمس الفيء، وهو قول أبي حنيفة.
والثاني، مصرف الزكاة، وهو قول الشافعي.
وأما حكم المعدن، فإن المعدن اسم لكل شيء فيه من الخصائص المنتفع بها، كالذهب والفضة والياقوت والزبرجد والصفر والزئبق، فمن استخرج من ذلك ما يبلغ نصابًا أو قيمة نصاب تعلق به الحق.
وأما مالك والشافعي لا يتعلق الحق إلا بالذهب والفضة.
وقال أبو حنيفة: يتعلق بكل ما يتطبع.
واختلفوا في الحق المتعلق به على قولين:
أحدهما: أنه ربع العشر، وهو مذهب أحمد.
والثاني: الخمس، وهو قول أبي حنيفة، وعن الشافعي كالقولين.
وله قول ثالث: إن أصابه متفرقًا بتعب فربع العشر، وإلا فالخمس. ومتى يجب ذلك الحق؟ عند الجماعة، أنه يجب في الحال كما يجب في الركاز، خلافًا لداود، فإنه يعتبر الحول.
وأما مصرف ذلك الحق فمصرف الركاز عند أحمد، وعند أبي حنيفة مصرفه مصرف الفيء.
[ ٦ / ١٣٢ ]
-١٨٩٦ -
الحديث الثامن والخمسون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي). (١٢٤/ أ).
وفي رواية: (رحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبت).
وفي رواية: (يغفر الله للوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد)].
* ليس في هذا إثبات شك نبينا - ﷺ - ولا لإبراهيم ﵇، بل هو متضمن نفي الشك عنهما؛ لأن المعنى: إذا لم أشك بما في قدرة الله تعالى
[ ٦ / ١٣٣ ]
عليه إحياء الموتى فإبراهيم أولى أن لا يشك؛ فكأنه نبه بهذا على أن إبراهيم ما سأل لأجل الشك نطق يفيده اليقين، ومشاهدة كيفية الإحياء، والدليل على ذلك أن الله تعالى قال له: ﴿أولم تؤمن قال بلى﴾ فكيف يظن ظان أن إبراهيم يقول لربه: بلى، إلا جوابًا لقوله: ﴿أولم تؤمن﴾؟ وإبراهيم يعلم أن الله يعلم من إبراهيم صدقه في قوله: بلى.
وذكر يوسف بما ذكره به تفضيل له وثناء عليه من جهة أن يوسف أراد أن يخرج خروج من قد ثبتت له الحجة لا خروج من عفي عنه. وأما لوط وقول النبي - ﷺ -: (لقد كان يأوي إلى ركن شديد) فالذي أراه فيه أن لوطًا لم يعن بذلك إلا أنه لم يكن يأوي إلى غيره، فكأن الذي انتقده رسول الله - ﷺ - واعتبره في النطق أن رسول الله - ﷺ - أحب للوط أن يأتي بنطق لا يتناول هذا الاحتمال؛ لأنه كان يأوي إلى ركن شديد، وهو الله ﷿.
-١٨٩٧ -
الحديث التاسع والخمسون:
[عن أبي هريرة قال: (إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - ﷺ -، وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله - ﷺ - بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى (١٢٤/ ب) الله عليه وسلم، على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا.
وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا من مساكين الصفة أعي حين ينسون، ولقد قال رسول الله - ﷺ - في حديث
[ ٦ / ١٣٤ ]
يحدثه: (إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي ثم يجمع إليه ثوبه، إلا وعى ما أقول)، فبسطت نمرة علي حتى إذا قضى رسول الله - ﷺ - مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله - ﷺ - من شيء).
وفي رواية: (ولولا لآيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئًا أبدًا: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه ﴾ إلى آخر الآيتين.
* وفي رواية: (قلت لرسول الله - ﷺ -: إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، فقال: ابسط رداءك، فبسطته، فغرف بيده، ثم قال: ضمه، فضممته، فما نسيت شيئًا بعد)].
* في هذا الحديث يتعين التبليغ، وإن قال الناس في المحدث: أكثرت.
* وفيه دليل على جواز السعي في طلب التجارة لقوله: (كان يشغلهم الصفق في الأسواق)، والصفق: ضرب اليد على اليد عن التبايع.
* وفيه دليل على بطلان إنكار الجمع بين الكسب والتعلم، فإنه قال: لا
[ ٦ / ١٣٥ ]
عالم أفضل من رسول الله - ﷺ -، ولا متعلم أقبل للتعلم من المهاجرين، وقد كانوا يجمعون بين الكسب والتعلم.
* وفيه أيضًا جواز ملء البطن، والمراد به الشبع، إلا أن قولنا في جواز الشبع وإباحته في هذا الموضع وفيها قبله من المواضع إنما نعني به الرد على من يرى التجوع المفرط الذي يفضي إلى إنهاك القوى؛ التي هي البضاعة التي تنفق في عبادة الله سبحانه المتنوعة، وأنه إذا طال جوع الفقير ومن لا يجد ما يحتاج (١٢٥/ أ) إليه ثم وجد ذلك في وقت شبعه منه بمباح صالح، ولاسيما إذا كان يعرضه ألا يجده متى أراده.
فأما تكرير الشبع من الواجدين حتى يتتابع بذلك التابع إلى نصر هواه، وينجم به إلى الكسل والإفراط في النوم. وتعريضه تخمة، وهي من أقبح ما عرض لأهل الدين والمروءة، وأن يحملهم ذلك على المتبوع في الشهوات والمبالغة لطلب الملذوذات طعمًا من غير منفعة راجعة إلى حال تخص البدن، فإن ذلك مذموم غير مطلوب، ولا يصلح للمؤمنين، فإن أكل المؤمنين وفق الحاجة.
* وفيه جواز أن يشغل الإنسان عمله في ضيعته، ولا يكون ذلك قادحًا في إيمانه ولا توكله.
* وفيه أيضًا أن الصفة كانت مجتمع المساكين.
* وفيه أيضًا ما يدل على نبوة نبينا محمد - ﷺ -؛ لأن أبا هريرة بسط ثوبه، كما قال رسول الله - ﷺ - فلم ينس، وقد يجوز أن يريد بالثوب الثوب حقيقة، ويجوز أن يراد بالثوب القلب كما قال الله ﷿: ﴿وثيابك فطهر﴾،
[ ٦ / ١٣٦ ]
أي قلبك، ويكون بسط قلبه إحضاره للفهم عن رسول الله - ﷺ -، وجمعه إياه حفظه لما حصل فيه.
والأول أظهر لقوله: فبسطت نمرة. ويجوز أن يكون النبي - ﷺ - أشار إلى ما أشرنا ففهم أبو هريرة الظاهر، فبسط نمرته، وهي كساء ملون.
* وفيه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - ضرب ذلك مثالًا لأبي هريرة، أي كما أنك تبسط الثوب ثم تجمعه إليك؛ فكذلك يحفظ العلم.
-١٨٩٨ -
الحديث الستون:
[عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: (هل (١٢٥/ ب) تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله. قال: (فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟)، فقالوا: لا، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًَا فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﷿، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ فيدعوهم، ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسول يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب، مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوط السعدان؟) قالوا: نعم، قال: (فإنها مثل
[ ٦ / ١٣٧ ]
شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان يعبد الله، فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.
ثم يفرغ الله من القصاص بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولًا الجنة، مقبل لوجهه قبل النار، فيقول: يارب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيت إن أفعل ذلك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك. فيعطي الله ما شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به الجنة رأى بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت.
ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة، فيقول الله (١٢٦/ أ) ﷿ له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟، فيقول: لا وعزتك، لا أسال غير هذا، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها، رأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور).
* وفي حديث إبراهيم بن سعد: (فإذا قام إلى باب الجنة انفهقت له الجنة، فرأى فيها من الخيرة والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله تعالى: ويحك يا ابن آدم، ما أغدرك؟ أليس
[ ٦ / ١٣٨ ]
قد أعطيت العهود ألا تسأل غير الذي أعطيت، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمن، فيتمنى، حتى إذا انقطعت أمنيته، قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا- يذكره ربه- حتى إذا انتهت به الأماني قال الله: لك ذلك ومثله معه).
قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة: إن رسول الله - ﷺ - قال: (قال الله: لك ذلك وعشرة أمثاله)، قال أبو هريرة: لم أحفظ من رسول الله - ﷺ - إلا قوله: (لك ذلك ومثله معه). قال أبو سعيد: إني سمعته يقول: (لك ذلك وعشرة أمثاله)].
* في هذا الحديث الدليل الواضح على رؤية المؤمنين ربهم ﷿ في الآخرة، وأنهم لا يشكون في رؤيتهم، كما لا يشك أهل الدنيا في رؤية الشمس، وهذا فإنما ضربه النبي - ﷺ - مثلًا للرؤية؛ إذ الله ﷾ لأجل من أن يشبه بالشمس أو القمر، إنما ضرب ذلك مثلًا لإيضاح الرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.
* وقوله: (ليس دونه سحاب)، يعني: أن الله سبحانه يتجلى لعباده المؤمنين (١٢٦/ ب) تجليًا يوقع فيه بينه وبينهم كل حجاب.
[ ٦ / ١٣٩ ]
* وفيه أيضًا أن من كان يبعد فانيًا فإنه يلحق به، فإن عباد الشمس إذا هي كورت لم يبق لهم ما يعبدونه؛ وكذلك القمر، وكذلك الطواغيت وهي الشياطين، وإنهم إذا رموا في الجحيم ضل عنهم ما كانوا يفترون.
* وقوله: (وهي هذه الأمة فيها منافقوها)؛ فإنه إنما تخلص أمة محمد - ﷺ - من بين سائر من كان يعبد الأشكال والأجسام، وكل محصور ومحدود، وما قبل الفناء موصوم بوصمة الحدث ومشوه بآثار الصنعة فيه، ومن بقي من هذه الأمة وليس من دينها أن تعبد الأشكال ولا الصور ولا الشمس ولا القمر، وإنما تعبد خالق الكون الذي يدل عليه محدثاته وصنائعه، وترشد إليه أفعاله، فهو سبحانه القريب المجيب.
* وقوله: (فيأتيهم الله ﷾، فيقول: أنا ربكم)، فيكون من توفيقهم أن يقولوا هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، ولم يقولوا: أنت ربنا، ولكن كلامهم يدل على أننا نعرف ربنا.
* وقوله: (فيأتيهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا)، وذلك أنه يريهم ما لا أمارة للحدث فيه، ولا هو جزء ولا جملة؛ بل هو ﷻ يخالف كل الأجسام والمثل لغيره والشبيه لسواه، فكأن كل دلائل الأجسام وأمارات التأليف والتفريق المرشدة إليه ودالة عليه، فصار معروفًا من حيث إن النقص في سواه ﷾، فعرفه عباده الذين آمنوا به في الدنيا بأول وهلة، حتى كأنهم لم يعرفوا غيره قط، ولا كأنهم فارقوه ﷾ لأنهم رأوا من ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، ومذهب كل من كان يعبد غير الله ﷿ من الأجسام والأشكال (١٢٧/ أ) والشمس والقمر؛ فيفترق عابدهم ومعبودهم كأنهم لم يكن بينهم معرفة قط.
[ ٦ / ١٤٠ ]
* وقوله: (فيدعوهم)، المعنى أنه ما كان دعاؤهم إياه في الدنيا دعاهم هو يوم القيامة.
* وقوله: (ثم نصب الصراط)، وهذا يدل على أن الله تعالى يدعوهم من وراء الحشر، والحشر آخر الأهوال التي تقطع إليه ﷾، وكل جهاد أن يتخوض إليه الأهوال في الدنيا؛ يخفف عنه يوم القيامة كل هو إن شاء الله.
* وقوله: (دعوى الرسل اللهم سلم سلم)؛ فإن الحال يومئذ لا يقتضي سؤال منزلة ولا طلب كرامة؛ بل يكون إيثار الكل السلامة والخلاص من هول ذلك اليوم.
* وقوله: (كحسك السعدان)، الحسك جمع حسكة، وهو شوكة حديدة صلبة يقال لها السعدان، والمراد أن أهل النار جمع فيها كل شدة، وإن من أشد السلاح نشبًا في جسم الآدمي ما كان على شكل الحسك، فإنه ينشب ولا يقدر من أثبته على تخليته.
* وقوله: (فمنهم الموثق بعمله) أي الهالك، ومنهم المخردل، والمخردل: المقطع، يقال: خردل الشاة إذا قطعها قطعًا.
* وفي الحديث ما يدل على أن أقوامًا يخرجون من النار وأن آثار السجود مانعة من العذاب.
* وقوله: (قد امتحشوا)، قال ابن قتيبة: يعني احترقوا.
[ ٦ / ١٤١ ]
* وقوله: (فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل). قال أبو عبيد: كل شيء له حب، فاسم الحب منه حبة، فأما الحنطة والشعير فحبة لا غير.
وحميل السيل: كل ما حمله، وكل محمول حميل، وإنما المراد سرعة نباتهم بعد احتراقهم.
* وقوله: (وقد قشبني ريحها)، هو من القشب، والقشب: السم، كأنه قال: قد سمني ريحها، ويقال: لكل مسموم قشيب (١٢٧/ ب).
* وقوله: (وأحرقني ذكاؤها)، وذكاء النار اشتعالها. يقال: ذك النار ذكوًا ذكوًا.
* وقوله: (انفهقت له الجنة): أي انفتحت واتسعت، ومنه صحراء فيهق أي واسعة.
* في هذا الحديث من الفقه أن هذا الرجل كان آخر أهل الجنة دخولًا إليها، وإنه كان في النار؛ ثم أن خرج من النار، ثم قانعًا بعد ذلك بأن يحول وجهه عنها، وبقي في ذلك، ثم أعرب بعد ذلك بأن يدنى إلى الجنة، ثم أذن في ذلك، حتى يسأل فيعطيه الله ﷿ ما أعطاه من ذلك.
* وهذا يدل على أن ﷻ حيث كان من عدله في هذا أن عذبه بالنار إلى أجل انتهى به إلى وقت اقتضت رحمته أن يخرجه من النار، فأخرجه منها، ثم صرف وجهه إليها ليكون ناظرًا من أهوالها ما ذكر ناظرًا إليه،
[ ٦ / ١٤٢ ]
وهو فيها، وناشقًا من حثيث ريحها ما لم يسم كنه إلا بعد خروجه عنها، وواجدًا من لهبها ما لم يحسبه إلا بعد أن قل عنده وقعها؛ فكانت أمنيته من الله ﷿ أن يصرف وجهه عن النار، والله ﷿ قد علم منه أنه إذا صرف وجهه عنها سأل غير ذلك.
وأراد سبحانه أن يعرفنا على لسان رسول الله - ﷺ - جهل هذا الرجل بربه، وأنه لم يكن من العلماء به ﷻ؛ فإنه لما اشترط عليه أن لا يسأل ربه، استدل بذلك على أنه قد كان في الدنيا قل ما يسأل ربه، وإلا فقد كان من وفقه لو كان من أهل التوفيق، أن يقول: يا رب، وكيف لا أسألك؟ وأنت تحب أن تسأل؟ فمنذ قنع وشرط أن لا يسأل شيئًا دل بذلك على أنه كان من أهل عوائد السوء وقلة الطلب من الله ﷿ في دار الدنيا، ثم إنه لما رأى أنه لم يقدر أن يصبر على سؤال الله ﷿؛ فاشترط عليه ﷻ ثانيًا، لم (١٢٨/ أ) يتيقظ، ولم يقل: رب كيف لا أسألك وقد أريتني نعمة من نعمك فكم أصبر؟، وكيف أصبر على سؤال فضلك؟ وبماذا أستغني عنك، وممن أطلب إذا لم أطلب منك؟ وهل يمكن المؤمن في الدنيا أن يخلو طرفة عين من الطلب منك.
فلو قد عرف هذا الشخص معاملة الله ﷿ في الدنيا لما غم عليه هذا الأمر في الآخرة؛ فلما دناه إلى باب الجنة فانفهقت له، فرآها، طلب من الله أن يدخلها، فهذا لجهله لم يسأل الجنة إلا عند بابها بخلاف الموفقين من المؤمنين، فإنهم سألوا الجنة وبينهم وبينها مراحل الدنيا كلها، ومراحل البرزخ، ومراحل الآخرة على يقين بها، وهذا لم يعرف صفتها ولا طلبها حتى وصل إلى بابها بالرحمة، يدنيه منزلًا منزلًا، وجهله يبعده، ثم أن الله تعالى أدخله الجنة، وقال له: ما أغدرك؟ يجوز أن يكون المعنى أي شيء أغدرك، أي خلقك على أنه يفيق، فلم يفيق.
[ ٦ / ١٤٣ ]
والمعنى الآخر، أن يكون على ظاهره من التعجب من غدره، فكانت له غدرات مقدمة في الدنيا، وهذه الغدرات في الآخرة مضافة، ثم إن الله سبحانه قال له: تمن، فلجهله لم يحسن أن يسأل حتى علمه الله، فقال له: تمن كذا، وتمن كذا، فيذكره ربه حتى إذا انتهت الأماني قال له: هذا لك ومثله معه.
* قال أبو سعيد: إنما سمعت وعشرة أمثاله معه، والله ﷾ يعطي هذا العطاء عطاء غير نادم ولا بخيل، فهذا يكفي في الإشارة إلى كرم الإله في عطائه؛ لأنه إذا كان هذا المعطي آخر من يدخل الجنة، وآخر من يخرج من النار فقد تبين بذلك مع الإيمان بعدل الله أن هذا قد كان من أشد العابثين جرمًا؛ وإنه ما زالت به غدراته حتى بعد خروجه من النار، وجهله باق.
ثم يعطي الله سبحانه هذا العطاء المستغرق (١٢٨/ ب) لسؤاله من حيث علمه هو، ثم يعلمه الله كيف يسأل، واستغرق أعطاه الأماني كلها حتى تقطعت، فأعطاه الله سبحانه ذلك من حيث التجنيس، ثم أعطاه من جنس الأوصاف، فاتفق الصاحبان السيدان على أن الله سبحانه قال: (لك ذلك ومثله معه)، وزاد الصاحب العدل المقبول القول إنه قال: (لك ذلك وعشرة أمثاله معه).
وهذا العطاء انتهى لهذا الإنسان إلى ما لا يمكن العقل إلى تفسيره، ويعطى هذا العطاء على هذا الجهل، فهل ممكن أن يقدر أحد ما يعطي الله تعالى أهل المعرفة به!.
* وقوله: (وعشرة أمثاله)، هو أن يكون في المقادير سعة وعلو وكثرة وطيب معه.
[ ٦ / ١٤٤ ]
-١٨٩٩ -
(ق٢/ أ) الحديث الحادي والستون:
[عن أبي هريرة ﵁ قال: استب رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين- في قسم يقسم به-، فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبره الذي كان من أمره وأمر المسلم، فقال: (لا تخيروني على موسى؛ فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق، أو كان ممن استثنى الله ﷿؟).
وفي رواية: (بينما يهودي يعرض سلعته أعطي بها شيئًا كرهه، فقال: لا، والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه، وقال: تقول: والذي اصطفى موسى على البشر والنبي - ﷺ - بين أظهرنا؟
[ ٦ / ١٤٥ ]
فذهب إليه، فقال: يا أبا القاسم، إن لي ذمة وعهدًا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: (لم لطمت وجهه)، فذكره فغضب النبي - ﷺ - حتى رئي في وجهه، ثم قال: (لا تفضلوا بين أنبياء الله؛ فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري: أحوسب بصعقة يوم الطور، أم بعث قبلي؟ ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متى).
وفي رواية: (فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش).
وفي رواية: (إني لأول من يرفع رأسه بعد (٢/ ب) النفخة، فإذا موسى متعلق بالعرش)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المفاضلة بين الأنبياء. والذي أراه في هذا المعنى لا تفاضلوا أنتم بين الأنبياء؛ أنبياء الله، وكلوا ذلك
[ ٦ / ١٤٦ ]
إلى أمر الله تعالى كما قال تعالى: ﴿تلك الرسول فضلنا بعضهم على بعض﴾ فإذا اتبعنا قول الله ﷿ فيمن فضله، وقول رسول الله - ﷺ - في ذلك لم يكن نحن قد فضلناه على موسى، فليتأمل ما قال رسول الله - ﷺ -.
* فأما قوله: (فأكون أول من بعث)، فهو دليل على فضله؛ إذ هو مبعوث فإذا رأى موسى باطشًا بقائمة العرش جوز لذلك أحد أمرين: إما أن يكون حوسب بصعقة الطور فلم يصعق أو بعث قبله.
وأما كون موسى واقفًا عند العرش؛ فلأن نبينا - ﷺ - مشغول بفصل الأقضية، وإدخال الفريقين منازلهما فلا يتولى أحد قبله شيئًا.
* وقوله: (لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى)، إني لا أقوله من عندي بل التفضيل إلى الله تعالى، وقد سبق الكلام في حق يونس.
-١٩٠٠ -
الحديث الثاني والستون:
[عن أبي هريرة قال: (أتى رجل من أسلم رسول الله - ﷺ - وهو في المسجد، فناداه: فقال: يا رسول الله، إن الآخر قد زنا- يعني: نفسه، فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال له ذلك، فأعرض عنه، فتنحى الرابعة، فلما شهد على نفسه أربع مرات دعاه، فقال: (هل بك جنون؟) قال: لا، قال النبي - ﷺ -: (اذهبوا به فارجموه)، وكان قد
[ ٦ / ١٤٧ ]
أحصن). قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر (٣/ أ) بن عبد الله يقول: فرجمناه بالمصلى بالمدينة، فلما أذلقته الحجارة جمز حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه حتى مات)].
* قد سبق الكلام في الرجم وأشرنا إليه في مسند بريدة وغيره.
* وقوله: (فلما أذلقته الحجارة) أي أكربته وأقلقته فخرج منها.
-١٩٠١ -
الحديث الثالث والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به).
زاد بعض الرواة: (من الصلاة صلاة من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله).
[ ٦ / ١٤٨ ]
وفي رواية: (ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فمن تشرف لها استشرفه فمن وجد منها ملجأ أو معاذًا فليعذ به).
* وفي رواية: (ستكون فتنة، النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليستعذ).
* وفي رواية: (ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الفتن شر كلها، وإن القاعد خير من القائم، فإن مني بها، فإن كان قاعدًا فلا يقم، وإن كان قائمًا فلا يمش، وإن كان ماشيًا فلا يسع. وأراد بهذه الألفاظ - ﷺ - أن كل حركة في الفتن فتنة، ويصل من الشر إلى التحرك فيها بمقدار حركته منها.
* وقوله: (من تشرف لها تستشرفه) أي من تطلع (٣/ ب) إليها تسلية تأخذه غلبة، فلا ينبغي لأحد أن يتطلع إلى شيء من الفتن فإنها تعلو عليه.
[ ٦ / ١٤٩ ]
-١٩٠٢ -
الحديث الرابع والستون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن).
وفي رواية: كان أبو هريرة يلحق معهن- (ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن).
وفي رواية: (يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها، وهو حين ينتهبها مؤمن).
وفي رواية: (لا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن، فإياكم إياكم).
وفي رواية لمسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد)].
* قد سبق أن شرحنا هذا الحديث، وبينا فيه وجوهًا، منها: أنه لا يفعل ذلك وهو كامل الإيمان.
[ ٦ / ١٥٠ ]
* وقوله: (ذات شرف) أي: علو في قدرها.
* وقوله: (إياكم، إياكم) مبالغة في التحذير.
* وقوله: (والتوبة معروضة بعد) أي: لم يغلق بابها.
* وفيه دليل على أن توبة السارق والزاني وفاعل هذه الأشياء مقبولة.
-١٩٠٣ -
الحديث الخامس والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (بينما راع في غنمه عدا الذئب، فأخذ منها شاة فطلبها حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال: من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري؟) فقال الناس: سبحان الله! فقال النبي - ﷺ -: (فإني أومن به، وأبو بكر وعمر، وما أثم أبو بكر وعمر).
وفي رواية: (بينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، التفت إليه، فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث)، فقال الناس: (٤/ أ) سبحان الله! - تعجبًا وفزعًا- البقرة تكلم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (فإني أومن به، وأبو بكر وعمر) قال أبو هريرة: وقال رسول الله - ﷺ -: (بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي فاستنقذها منه ).
وفي رواية: (صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس، فقال: (بينما رجل يسوق بقرة، إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث)، فقال الناس: سبحان الله! بقرة تكلم؟ فقال:
[ ٦ / ١٥١ ]
(فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - ذكر حال فيها الراعي وضربه مثلًا للرعاة الذين يرعون الناس، وأنه إذا وثب على بعضهم ذئب من ذئاب الظلمة؛ فإنه يتعين على الراعي أن يطلبه حتى يستنفذه منه.
* وقوله: (من لها يوم السبع، يوم ليس لها راع غيري)، يعني: أن في قوتك أن تدفع الذئب، فكيف لو كان السبع؟ فحينئذ أكون أنا المشارك له أو الطالب ويجوز أن يكون المعنى: لو كان سبع فأخذك بقيت أنا وهي لا راعي لها غيري.
وقال ابن الأعرابي: إنما هو السبع بتسكين الباء، وهو الموضع الذي يحشر فيه الناس يوم القيامة. وقيل: السبع الشدة والذعر.
وقيل: المعنى من لها يوم الفزع، يوم يتركها الناس هملًا لا راعي لها، نهب الذئاب والسباع.
* وفي الحديث دلالة على فضيلة أبي بكر وعمر وثقة رسول الله - ﷺ - بإيمانهما إيمانًا لا يعقبه ارتياب.
* وفيه دليل على أن الله تعالى ينطق الحيوان البهيم إذا شاء.
[ ٦ / ١٥٢ ]
* وفيه أن البقر خلقت للحرث وضعًا.
-١٩٠٤ -
الحديث السادس (٤/ ب) والستون:
[عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (قرصت نملة نبيًا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح؟).
وفي رواية: (نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله ﷿ إليه: فهلا نملة واحدة؟)].
* في هذا الحديث من الفقه التحذير من التعدي في الاقتصاص، وأنه لا ينبغي للإنسان، وإن شرفت منزلته أن يتجاوز في استيفاء القصاص حد المشروع، فإن هذا وهو نبي من الأنبياء لم يسامح في الحيف على نملة، وعوتب في ذلك.
-١٩٠٥ -
الحديث السابع والستون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال في الحبة السوداء: (شفاء من كل داء إلا السام).
[ ٦ / ١٥٣ ]
قال ابن شهاب: والسام: الموت، والحبة السوداء: الشونيز.
وفي رواية: (ما من داء إلا في الحبة السوداء منه شفاء إلا السام)].
* تفسير الحديث مذكور فيه، والذي أرى أن الاستشفاء بهذه الحبة من وجوه: منها أن تشتم فإنها تفتح السدد من الرأس، فإذا تفتحت السدد من الرأس، والرأس عماد البدن كان في تفتيح السدد خروج الأبخرة المضيقة على الروح والحاصرة للقلب، ومع تفتح السدد فإنه ينتشق الروح من الهواء الخارج ما يقوى به على دفع الداء الباطن.
وهذا منه فإنه نافع في كل داء إلا الموت، فإنه ما دامت الروح في البدن فإن يفتح السدد من منافذ الرأس المتصلة إلى القلب (٥/ أ) حتى ينشق الأراشيح التي يتغذي بها القلب، فإنه إجماع من الأطباء من غير خلاف أعرفه بينهم، أن ذلك ينفع في الأدواء كلها ويشفي منها.
* وقوله: (يشفي من كل داء)، دلل على أنه يشفي من الداء أن يشفي من جميع الداء.
-١٩٠٦ -
الحديث الثامن والستون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تمنعوا فضل الماء ليمنعوا
[ ٦ / ١٥٤ ]
به الكلأ).
وفي رواية: (لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ).
وفي رواية: (لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ)].
* قال أبو عبيد: هي البئر التي تكون في بعض البوادي، ويكون قربها كلأ، فربما سبق إليها بعض الناس فمنعوا من جاء بعدهم، فإذا منعوهم الماء فقد منعوهم الكلأ، ولم يرووها من الماء قتلها العطش.
-١٩٠٧ -
الحديث التاسع والستون:
[عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا على خيبر، فجاء بتمر جنيب، فقال: (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال: (لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنبيًا) وقال في الميزان مثل ذلك)].
[ ٦ / ١٥٥ ]
* في هذا الحديث تعليم النبي - ﷺ - كيفية الخروج من الربا، بأن يباع الشيء بالدراهم، ويشترى بالدراهم ذلك الشيء، وإنما حرم رسول الله - ﷺ - ذلك؛ لأن اسم التمر يجمعها، فإذا أجيز بيع صاع من تمر بصاعين من تمر فقد بيع شيء من جنسه كيلًا بمثليه، فيكون الربا فيه ظاهرًا، والتمر الجنيب الجيد من التمر.
-١٩٠٨ -
الحديث السبعون:
[عن أبي هريرة قال: (أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قيامًا).
وفي رواية: (فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله - ﷺ -، فخرج إلينا رسول الله - ﷺ -، فلما قام في مصلاه (٥/ ب) ذكر أنه جنب، فقال لنا: (مكانكم).
وفي رواية: (فمكثنا على هيئتنا- يعني قيامًا- حتى رجع فاغتسل، ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر، فصلينا معه).
وفي رواية لمسلم: (إن الصلاة كانت تقام لرسول الله - ﷺ -، فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقول النبي - ﷺ - مقامه)].
[ ٦ / ١٥٦ ]
* في هذا الحديث ما يدل على الأمر بتسوية الصفوف.
* وفيه ما يدل على صدقه، وأنه ينبغي لكل مسلم أن يتأسي به في الصدق عن حاله، ويخاف الله ﷿ ولا يخاف قالة الناس.
* وفيه ما يدل على أن النسيان جائز على رسول الله - ﷺ -.
* وفيه أنه ينبغي للمأمومين الوقوف لانتظار الإمام إذا جرى له مثل هذه الحال.
-١٩٠٩ -
الحديث الحادي والسبعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة).
وفي رواية: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام).
وفي رواية: (فقد أدرك الصلاة كلها).
وفي رواية للبخاري: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة الصبح قبل
[ ٦ / ١٥٧ ]
أن تطلع الشمس فليتم صلاته)].
* المراد بهذا الإدراك: إدراك فضيلة الجماعة، وأما ما فاته فلابد من قضائه.
واختلف العلماء فيما يأتي بعد تسليم الإمام: هل هو أول صلاته أو لآخرها؟ فمذهب الشافعي أن ما يدركه أول صلاته، ومذهب أحمد أنه آخرها.
والمراد بالسجدة الركعة.
* وفيه من الفقه أن الله تعالى رفق بعبيده رفقًا ظهر لمتأمله؛ فإنه لما شرع لكل صلاة وقتًا تؤتى بها فيه كان من حيث التقدير متسعًا (٦/ أ) لأمثال فعل تلك الصلاة، فإذا ترك العبد فضيلة أول الوقت ثم زاد به التأخير حتى لم يبق من الوقت مقدار فعل الصلاة فقد ضايق الأمر، أو عرض عبادته لخطر الفوات، إلا أنه أحسن حالًا ممن أخر ذلك حتى لم يبق من وقت الصلاة إلا مقدار ركعة؛ فإنه من غير شك يصلي باقي صلاته بعد فوت الوقت.
إلا إنه سبحانه رفق بعبده فاحتسب له بأول فعله في الوقت وأجرى آخرها مجرى أولها؛ فإن عرض هذا في وقت لضرورة نادرًا فليكن داعيًا إلى الحذر من مثله فيما بعد، ويعلم أن هذا الرفق ينبغي أن يخجل المؤمن عند الاحتساب لبه به لا ليتجرأ على تكريره ما استطاع.
[ ٦ / ١٥٨ ]
-١٩١٠ -
الحديث الثاني والسبعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لكل نبي دعوة يدعو بها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في يوم القيامة).
وفي رواية: أن أبا هريرة قال لكعب الأحبار: إن نبي الله - ﷺ - قال: (لكل نبي دعوة يدعوها، فأريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)، قال كعب لأبي هريرة: أنت سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم).
وفي رواية: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا).
وفي رواية: (لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب (٦/ ب) له فيؤتاها، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
وفي رواية: (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وإني أريد أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)].
[ ٦ / ١٥٩ ]
* هذا الحديث قد سبق وذكرنا الكلام عليه، وهو يدل على قوة فقه رسول الله - ﷺ -، وفضل فهمه؛ لأنه رأى أن ما يستعجل في الدنيا يفنى هو ونفعه، فادخر ذلك لما يبقى هو وأثره.
* وقوله: (وهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئًا)، يدل على أن شفاعته - ﷺ - منبسطة، وأن جاهه عريش متسع لأن يرفع كل جرم إلا الشرك؛ فإن الشرك يمنع رسول الله - ﷺ - أن يستحس أو يستجيز في مجاهدته في سبيل الله ربه لأهل الشرك ومعاداته إياهم لأجله؛ أن يعود شفيعًا فيهم، فيكون هذا من الأمور التي لا يحسن بمؤمن فكيف برسول الله - ﷺ - أن يبرد قلبه عن كافر كفر بالله أو أشرك به؟
-١٩١١ -
الحديث الثالث والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: (وأيكم مثلي؟، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: (لو تأخر لزدتكم) كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا).
وفي رواية للبخاري: (إياكم والوصال) - مرتين-، فقيل: إنك تواصل، قال: (أبيت يطعمني ربي ويسقيني؛ فاكفلوا ما تطيقون).
وفي رواية لمسلم: (إياكم والوصال) قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله
[ ٦ / ١٦٠ ]
(٧/ أ) قال: (إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون)
وفي رواية: (فاكلفوا ما لكم به طاقة)].
* قد سبق هذا الحديث، وبينا أنه أمرهم بالرفق، فلما أبوا أراد أن يذيقهم أمر مخالفتهم فلطف الله تعالى بطلوع الهلال، وبين لهم - ﷺ - أنه ليس كأحدهم؛ لأنه لمكان اختيار الله تعالى يقدر على ما لا يطيقون.
-١٩١٢ -
الحديث الرابع والسبعون:
[عن أبي هريرة أنه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: (إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -).
وفي رواية: (كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر
[ ٦ / ١٦١ ]
حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس).
زاد في حديث ابن جريج، ثم يقول أبو هريرة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -، وزاد هو وغيره: الواو، في قوله: (ولك الحمد).
وفي رواية: (أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها، في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد- وذكر نحوه- وقال في آخره: ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله - ﷺ -، إن كانت هذه لصلاته (٧/ ب) حتى فارق الدنيا- قال: وقال أبو هريرة- كان رسول الله - ﷺ - حين يرفع رأسه يقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، يدعو الرجال، فيسميهم بأسمائهم، فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف)، وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له).
وفي رواية لمسلم: (أن أبا هريرة كان يكبر في الصلاة كلما رفع ووضع، فقلنا له: يا أبا هريرة، ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله - ﷺ -.
وفي رواية عن أبي هريرة: أنه كان يكبر كلما خفض ورفع، ويحدث أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك)].
[ ٦ / ١٦٢ ]
* قد سبق ذكر التكبير في مسند ابن عباس وغيره، وسبق ذكر القنوت.
* وقوله: (اشدد وطأتك على مضر)؛ لأنهم حينئذ كانوا عدوًا له.
-١٩١٣ -
الحديث الخامس والسبعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي: أن يتغنى بالقرآن).
قال سفيان: إن تفسيره أن يستغنى به.
وفي حديث: (يريد يجهر به).
وفي رواية: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت بالقرآن يجهر به).
وفي رواية: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) - زاد غيره-: (يجهر به)].
* قوله: (ما أذن) أي: ما استمع.
[ ٦ / ١٦٣ ]
* وقوله: (لنبي) أشد الخلق فهمًا لكلام ربه ﷿ وهو يقرأه عن فهم له وتدبر فيه فيظهر ذلك التدبر، وفهم تلك المعاني على قراءته وفي صوته، فيكون الله ﷻ (٨/ أ)، أشد أذنا؛ لأنه يتلو كلام ربه عن فهم له بصوت حسن، فإذا سمعه السامع أشار له حسن الترتيل إلى فهم لم يحصل له عند غير تلك التلاوة.
* وقوله: (يتغنى بالقرآن) أي: إنه إذا كان طرب أهل الأشعار بأشعارهم، كان طرب المؤمن بكلام ربه ولذته فيه؛ فهو هجيراه.
* ولا يجوز أن يحمل على تفسيح الحروف ولا تمطيطها كما يفعل بعض قراء زماننا من الأعاجم وغيرهم؛ فإن ذلك غير جائز. وإنما القراءة الحسنة هي التي يوفى فيها الكلم مبالغ الإثبات، ولا يخل فيها بمد في ألف ولا واو ولا ياء، وإذا وليت واحدًا منها الهمزة؛ وكذلك إذا توالى الساكنان فلابد من مد في نحو ﴿آلم (١) ذلك الكتاب﴾، وفي نحو: ﴿صواف﴾.
وكذلك فإنه يحترز للراء في تفخيمها مفتوحة وترقيقها مكسورة؛ فإن كانت ساكنة في نحو (مريم) فإنها تكون إلى التفخيم، وكذلك في تمكين التشديدات؛ فإنها في النطق على نحو (الأبراج في الجدر) إلى غير ذلك.
[ ٦ / ١٦٤ ]
على أن هذا وأمثاله هو من تجويد القراءة، فلا ينبغي للقارئ أن يقف معه دون فتح بصيرته للفهم الذي إذا مد ناشق إليه حاسة انتشاقه بارح عرف طيبه فعلق منه برأس الإنسان وفي قلبه ما يظهر على جملته من آثار الطرب، والإعجاب ما لا يخفى على من شاهده، فكيف بمن هو الطرب نفسه؟
وإن قيل: المراد به الاستغناء، كان المعنى يستغني به أن يسأل غيره في فتوى ويستشفى به من كل داء يعرض له في قلبه وبدنه (٨/ ب)، ويستغنى بما فيه من الوعد عن أن يذل لأحد من الخلق، ويستغنى به غنى ينتهي أنه لم يبق عنده حاجة إلى شيء سواه.
-١٩١٤ -
الحديث السادس والسبعون:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (ننزل غدًا إن شاء الله، بخيف بني كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر- يريد المحصب).
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - قال- حين أراد قدوم مكة-: (منزلنا غدًا إن شاء الله: بخيف بني كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر).
وفي رواية: قال النبي - ﷺ - من الغد يوم النحر- وهو بمنى-: (نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة؛ حيث تقاسموا على الكفر)، يعنى بذلك: المحصب- وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب- أو بني عبد المطلب- أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم النبي - ﷺ -.
قال البخاري: (وبني المطلب أشبه).
[ ٦ / ١٦٥ ]
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - قال حين أراد حنينًا: (منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر).
وفي رواية: (منزلنا، إن شاء الله، إذا فتح الله الخيف؛ حيث تقاسموا على الكفر)].
* وقد مضى هذا في مسند ابن عمر، وقد فسر في الحديث.
والخيف: ما انحدر عن الجبل وارتفع عن السيل.
وتقاسموا: بمعنى تحالفوا.
وإنما آثر النزول هنالك لما قدم مكة شكرًا لنعمة الله تعالى في التمكين، ونقضًا لعهد المشركين.
-١٩١٥ -
الحديث السابع والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب، أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر (٩/ أ)، وأشد ما تجدون من
[ ٦ / ١٦٦ ]
الزمهرير).
وفي رواية: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضًا؛ فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف؛ فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير).
وفي رواية عن أبي هريرة وعن ابن عمر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم).
وفي رواية: (قالت النار: أكل بعضي بعضًا، فأذن لي أتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم).
وفي رواية: (إذا كان الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وذكر أن النار اشتكت إلى ربها، فأذن لها في كل عام بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف.
وفي رواية: (إذا كان اليوم الحار فأبردوا بالصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم).
وفي رواية: (أبردوا عن الحر في الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم).
وفي رواية: (إن هذا الحر من فيح جهنم فأبردوا بالصلاة)].
[ ٦ / ١٦٧ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن في النار عذابًا من حر وبرد، فإنه قال: إن شدة ما ترون من الحر، وشدة ما ترون من الزمهرير يعني أن ذينك من جهنم.
* وقوله: (فأذن لها في كل عام بنفسين) يدلك على أنها خلق من خلق الله ﷿ موجودة، وأن العذاب جمع كله فيها؛ حتى إنه لو لم يؤذن لها في النفسين لما رأينا في هذه الدنيا حرًا ولا بردًا، فإذن يشير هذا الحديث إلى أن العذاب (٩/ ب) كله مجموع فيها؛ لأنها دار سخط الله ﷿، فليس نوع من أنواع العذاب إلا وهي مشتملة عليه، وإنها تزدحم الشرر فيها حتى يأكل بعضها بعضًا، وهذا يدل على أنها قد تأكل ما يلقى فيها، ثم يعودوا.
وكلما أكل بعضها بعضًا تضاعف شرها، فإذا تنفست هذين النفسين في شدة الصيف والشتاء، كان هذا النفس في الصيف، وهذا النفس في الشتاء دليلًا صريحًا على أنها مخلوقة موجودة، فإن قال قائل: فأين هي؟ قلنا: إذا ثبت أن هذا العذاب منها دل على وجودها، وعلم الله سبحانه محيط بمكانها، وهذا أثرها على ما بعدها ونأيها، فكيف في حال قربها؟.
-١٩١٦ -
الحديث الثامن والسبعون:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (الفخر والخيلاء
[ ٦ / ١٦٨ ]
في الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم). زاد شعيب عن الزهري: (والإيمان يمان، والحكمة يمانية).
قال البخاري: وسميت اليمن؛ لأنها عن يمين الكعبة، والشأم؛ لأنها عن يسار الكعبة.
وفي رواية: (رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل بالفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم).
وفي رواية: (أتاكم أهل اليمن، هم ألين طوعًا، وأرق أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، ورأس الكفر قبل المشرق).
وفي رواية: (والفخر والخيلاء في أهل الإبل، والسكينة والوقار في أصحاب الشاة).
وفي رواية: (الإيمان يمان، والفتنة هاهنا؛ حيث يطلع قرن الشيطان).
وفي رواية: (أتاكم أهل اليمن، اضعف قلوبًا، وأرق أفئدة، الفقه يمان، (١٠/ أ) والحكمة يمانية).
وفي رواية: (جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، السكينة في الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس).
وفي رواية: (جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة. الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية).
وفي رواية: (الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق، والسكينة في أهل
[ ٦ / ١٦٩ ]
الغنم، والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر)].
* قد تقدم الكلام في هذا الحديث، وبينا الخلاف في تشديد لفظة الفدادين وتخفيفها، وذكرنا وجه قوله: (الإيمان يمان).
[ ٦ / ١٧٠ ]
-١٩١٧ -
الحديث التاسع والسبعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء).
قال ابن شهاب: وقد رأيت رجالًا من أهل العلم يسبحون ويشيرون)].
* التسبيح في الصلاة إذا وجد لما ينافها؛ لأنه مذكور في الصلاة، وإنما شرع التصفيق للنساء لأشياء منها:
- أن لا يسمع المؤمنون صوت المرأة في الصلاة، فإنه وأن لم يكن عورة، فإن الأولى تجنبه مخافة الفتنة؛ لأن في أصوات النساء ترخيمًا ليس في
[ ٦ / ١٧١ ]
أصوات الرجال.
- ومنها أيضًا: أنه قد يكون في المصلين من تكون زوجته أو ابنته في الصلاة، فإذا تكلمت تلك تأثر زوجها لكلامها من حيث إنه في عبادة، فإذا سمع صوتًا يعرفه تأثر بسماعه تأثرًا إما لغيرة تهيج، وإما إن تذكر حالًا قد كان بينه وبينها، أو غير ذلك.
- ومنها أيضًا: أنه بصوتها يعرف مكانها من الصفوف، وفي ذلك (١٠/ ب) أيضًا ما يستدل به على ما يتغير به لبه من كونها في أوائل الصفوف أو في أواخرها أو في جوانبها، فكان التصفيق سترًا على ذلك كله، فأمرت أن تصفق ببطن كف على ظهر أخرى؛ لأن التصفيق ببطن كف على بطن الأخرى قد يستلذ، فلم يصلح ذلك في الصلاة ولا في غيرها.
ولا أرى الذين يصفقون راغبين إن ذلك عبادة إلا على خطر من الله تعالى.
-١٩١٨ -
الحديث الثمانون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره).
وفي رواية: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر
[ ٦ / ١٧٢ ]
فليقل خيرًا أو ليسكت)].
* في هذا الحديث من الفقه أن يعتقد الإنسان أن إكرام الضيف عبادة، لا ينقصها أن يضيف الإنسان غنيًا، ولا يغيرها أن يقدم إلى ضيفه اليسير مما عنده؛ فإكرامه أن يسارع إلى البشر في وجهه، وتطييت الحديث له.
* وعماد أمر الضيافة هو على إطعام الطعام، فينبغي له أن يبادر بما فتح الله به من غير كلفة إلا أنه يتبعه ببذل الوسع من غير إضرار بأهله على أنه إذا آثره، ورغب البالغين من أهله في الإيثار أيضًا، فإنه من الكرم، فأما الأصاغر فليس له أن يحملهم على ذلك.
وأما حديث الأنصاري الذي قال لامرأته: أطفئي المصباح، ونومي الصبيان؛ فإنما فعل ذلك على العادة في الصبر على العشاء ليلة.
[ ٦ / ١٧٣ ]
* وقوله: (فليصل رحمه) فيه من الفقه: أن صلة الرحم من العبادات التي تقع مقامها عن الله سبحانه (١١/ أ)، لأن الرحم يزيد على ما بين المسلمين بسبب التوارث والنصرة والانتساب، فيتعين على الرجل أن يبدأ بصلة ذوي رحمه على غيره وإن قطعته؛ لأن قوله: يصل يدل على أن أحدهما هو الواصل؛ لأنه لو كان من جانبين لكان يقول: يواصل الأرحام.
* وقوله: (فليقل خيرًا أو ليسكت)؛ فإنه يدل على أن قول الخير خير من الصمت، والصمت خير من قول الشر، إلا أن هذا الحديث يدل على فضل القول؛ لأنه بلام الأمر، ثم بدأ به على الصمت، فقال: فليقل خيرًا، ثم قال: أو ليسكت، يعني إن لم يقل خيرًا فليصمت.
ومن قول الخير: الإبلاغ عن الله ﷿، وقول نبيه - ﷺ -، وتعليم المسلمين، والأمر بالمعروف عن علم؛ وإنكار المنكر عن علم، والإصلاح بين الناس، وأن نقول التي هي أحسن، وأن نقول للناس حسنًا، ومن أفضل الكلمات: كلمة حق عند من يخاف ويرجى في تأت وسداد.
* فأما الإحسان إلى الجار؛ فإن الجار قد يكون المصاحب، وقد يكون الملتجئ، فعليه أن يكرم الجارين إكرامًا يرفع نفسه عن أن يرضى لها أن يقتصر بجاره على أن لا يؤذيه؛ فإن منعه الأذى عن الأبعد متعين، فكيف الأقرب!، ولكن إن حرمها غنيمة، فلا أقل بما يعف على أن لا يؤذيه، وليس وراء ذلك من مقامات الفضل شيء.
[ ٦ / ١٧٤ ]
وقد تتفاوت حقوق الجار؛ فمن الجيران من يدلي بالقرب في الدار، وبقرب نسبه، وبالإسلام، ومنهم من يدلي بحقين، ومنهم من يدلي بحق واحد، وهو الجار الذمي، ومن حقه أن يدعوه جاره المسلم إلى الإسلام.
-١٩١٩ -
الحديث الحادي والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله (١١/ ب) - ﷺ - قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني)، وزاد: (والإمام حنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل؛ فإن له بذلك أجر، وإن يأمر بضده كان عليه منه)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن طاعة الله ﷿ في طاعة رسوله - ﷺ -، وعصيان الله في عصيان رسوله - ﷺ -، وأن طاعة الأمير من جانب رسول الله - ﷺ -، وكل أمير ولايته من شرع رسول الله - ﷺ -، فإنه من جانب رسول الله - ﷺ - فطاعته طاعة لرسول الله - ﷺ -.
* وقوله: نحن الآخرون السابقون قد سبق.
[ ٦ / ١٧٥ ]
* وقوله: (الإمام جنة يقاتل من ورائه)؛ وذلك أنه إذا كان المجاهد تحت راية الإمام، كان انتماؤه إليه جنة له من النار، ويتقى به من سخط الله ﷿.
* وقوله: (فإن أمر بتقوى الله وعدل)؛ أي تأمر بالأمرين.
وفي رواية: بتقوى وعدل (بفتح الدال)، والمراد أن يجمع بين القول والعمل الصالح، الأمر بالتقوى والعدل؛ لأنه قد يأمر الإنسان بالتقوى ولا يعدل، والآخر حاصل له في التقوى والعدل.
وإن أمر بغير ذلك كان عليه منه، لا أرى هذه الهاء في منه إلا راجعة إلى الله ﷿؛ فيكون المعنى أن مقاتلته لا تكون إلا منه؛ لأن الرعية لا تطول إلى إمامها؛ ولأنكم إذا قاتلتموه آثرتم الفتن؛ وإنما مقابلته من الله ﷿. (١٢/ أ)
-١٩٢٠ -
الحديث الثاني والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: (قبل رسول الله - ﷺ - الحسن بن علي﵇- وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله - ﷺ - ثم قال: من لا يرحم لا يرحم)].
[ ٦ / ١٧٦ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن تقبيل الولد سنة، على أن يكون ذلك رحمة؛ لأنه في مقام رحمة لا يقدر على البطش، ولا على إطعام نفسه، ولا على أن يستغني ساعة عن كل ما يقوم بمصالحه، ولو قد قبله ليطيب قلب أمه، كان له بذلك أجر.
-١٩٢١ -
الحديث الثالث والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه صلاته: حتى لا يدري كم صلى؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين، وهو جالس).
وفي رواية: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط، حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضى الأذان أقبل، فإذا ثوب أدبر، فإذا قضي التثويب، أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل إن يدري: كم صلى؟ فإذا لم يدر أحدكم ثلاثًا صلى أو أربعًا، فليسجد سجدتين، وهو جالس).
وفي رواية: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان) ثم ذكر نحوه إلى قوله: (حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى).
وفي رواية: (إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي التأذين أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل وقل ما يدري (١٢/ ب) كم صلى).
[ ٦ / ١٧٧ ]
وفي رواية: (حتى يظل الرجل).
وفي رواية: (إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة أحال له ضراط، حتى لا يسمع صوته؛ فإذا سكت رجع فوسوس؛ فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته؛ فإذا انتهت رجع فوسوس).
وفي رواية: (إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وله حصاص).
وفي رواية عن سهل بن أبي صالح، قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، قال: ومعي غلام لنا (أو صاحب لنا)، فناداه مناد من حائط باسمه، قال: وأشرف الذي معي على الحائط فلم ير شيئًا. قال: فذكرت ذلك لأبي فقال: لو شعرت أنك تلقى هذا لم أرسلك، ولكن إذا سمعت صوتًا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إن الشيطان إذا نودي بالصلاة ولى؛ وله حصاص)].
* في هذا الحديث من الفقه دليل على أن الصلاة التي يوسوس فيها الشيطان، ويقول للمصلي: اذكر كذا، واذكر كذا؛ فإنها صحيحة، يكفي من السهو فيها سجدتان، إلا أنه ينبغي للمصلي أن يدفع الشيطان ويستخلص من وقته ذلك الزمان اليسير، يخلو فيه مع ربه ﷿ خلوًا لا يقبل فيه مشاور إبليس.
[ ٦ / ١٧٨ ]
* وقد بينا فيما سبق أن المراد بالتثويب الإقامة.
* وقد دل الحديث على أن من ترك شيئًا من صلاته أتى به ثم سجد.
* ودل أيضًا على اختيار الصيت من المؤذنين، لأنه كلما ارتفع الصوت زاد بعد الشيطان.
والحصاص: أن يحرك الذنب الذي له يمينًا وشمالًا (١٣/ أ).
-١٩٢٢ -
الحديث الرابع والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) ثم يقول: (اقرؤوا: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾).
وفي رواية: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل فيها من جدعاء)، ثم يقول أبو هريرة: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾.
وفي رواية: (ما من مولود يولد على هذه الفطرة، وأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون الإبل، فهل تجدون فيها جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها). قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).
[ ٦ / ١٧٩ ]
وفي رواية عن الزهري، قال: يصلى على كل مولود متوفى، وإن كان لغية، من أجل أنه ولد على طفرة الإسلام، يدعى أبواه الإسلام، أو أبوه خاصة، وإن كانت أمه على غير الإسلام، إذا استهل صارخًا، ولا يصلى على من لم يستهل، من أجل أنه سقط؛ فإن أبا هريرة كان يحدث أن النبي - ﷺ - قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه؛ كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء)، ثم يقول أبو هريرة: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾.
وفي رواية لمسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه)، فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت لو مات قبل ذلك؟، قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).
وفي رواية: (١٣/ ب): (ما من مولود يولد إلا وهو على الملة).
وفي رواية: (إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه).
وفي رواية: (ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة، وأبواه بعد يهودانه وينصرانه حتى تعبر عنه لسانه).
وفي رواية: (كل إنسان تلده أمه على الفطرة، وأبواه بعد يهودانه وينصرانه أو يمجسانه؛ فإن كانا مسلمين فمسلم).
وفي رواية: (كل إنسان تلده أمه يلكز الشيطان في خصيته، إلا مريم وابنها).
وفي رواية: (سئل النبي - ﷺ - عن ذراري المشركين، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).
وفي رواية: (سئل عن أطفال المشركين عن من يموت منهم صغيرًا،
[ ٦ / ١٨٠ ]
فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)].
* قال أبو محمد بن قتيبة، قال: حماد بن مسلمة في هذا الحديث: هذا حين أخذ الله العهد على الخلق في أصلاب آبائهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فليس واحدًا واحدًا إلا وهو مقر بأن له صانعًا ومدبرًا، وإن سماه بغير اسمه؛ أو عبد ودنه، قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾.
فالمعنى: كل مولود يولد على ذلك العهد والإقرار الأول، وهو الفطرة؛ لأن معنى الفطرة ابتداءً، وهو الحنيفية التي وقعت لأول الخلق، وجرت في فطر العقول، ثم يهود اليهود أبناءهم، ويمجس المجوس أبناءهم؛ أي يعلمونهم ذلك، وليس الإقرار الأول مما يقع به حكم أو عليه ثواب، ألا ترى أن الطفل من أطفال المشركين محكوم عليه بدين أبويه، فإن خرج عنهما إلى مسلم (١٤/ أ) حكم له بدين مالكه؟
* وقوله: (مما ينتج البهيمة بهيمة جمعاء)، وهي السليمة، سميت بذلك لاجتماع السلامة في أعضائها.
* وقد سبق ذكر وكز الشيطان للمولود في هذا المسند وشرحناه.
[ ٦ / ١٨١ ]
-١٩٢٣ -
الحديث الخامس والثمانون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان يؤتى بالرجل المتوفى، عليه الدين، فيسأل: (هل ترك لدينه قضاء)، فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال للمسلمين: (صلوا على صاحبكم)، فلما فتح الله الفتوح، قال: (أنا أولى من المؤمنين من أنفسكم؛ فمن توفى من المؤمنين؛ فترك دينًا؛ فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته).
وفي رواية: (ومن ترك كلا فإلينا).
وفي رواية: (من ترك كلا وليته).
وفي رواية للبخاري: (ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، وقرؤوا إن شئتم: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾، فأيما مؤمن مات وترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينًا أو ضياعًا، فليأتني، فأنا مولاه).
وفي رواية: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وترك مالًا؛ فماله لموالي العصبة، ومن ترك كلا أو ضياعًا؛ فأنا وليه، فلأدعى له).
وفي رواية لمسلم: (والذي نفس محمد بيده إن على الأرض من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به، فأيكم ترك دينًا أو ضياعًا فأنا مولاه، وأيكم ترك مالًا فإلى العصبة من كان).
وفي رواية: (أنا أولى الناس بالمؤمنين في كتاب الله، فأيكم ما ترك دينًا أو ضيعة فادعوني فأنا وليه، وأيكم ما ترك مالًا فليؤثر بماله عصبته من
[ ٦ / ١٨٢ ]
كان)].
* هذا الحديث ناسخ لحديث أبي قتادة، وإنه كان لا يصلي على صاحب الدين.
* وفيه من الفقه أن الرجل إذا ترك (١٤/ ب) دينًا ولم يترك قضاء له، قضي من سهم الغارمين، أو الفيء إلا أنه ينبغي للإنسان أن لا يتوسع في الدين اتكالًا على هذا، ولا يدان إلا بقدر ضرورته ناويًا للقضاء بجهده، فإن سبقه الموت وفي ذمته دين لم يقضه تعين قضاؤه من بيت المال.
والضياع مصدر ضاع يضيع ضياعًا؛ والمعنى: شيئًَا ضائعًا كالأطفال، ومعنى أنا مولاه؛ أي وليه.
-١٩٢٤ -
الحديث السادس والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (أنا أولى الناس بابن
[ ٦ / ١٨٣ ]
مريم، الأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي).
وفي رواية: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد).
وفي رواية: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة) قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: (الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبي)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن دين الأنبياء كلهم دين الإسلام.
* وقوله: (في الأولى والآخرة)، أما في الأولى؛ فلأنه بشر عيسى بوجوده فنصره، وهو دفع عنه ما رمي به، وأما الأخرى؛ فلأنه ينزل في آخر الزمان ذابًا عن دينه.
* (والعلات): الإخوة من الأب الواحد، وأمهاتهم شتى.
-١٩٢٥ -
الحديث السابع والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أو لكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي).
[ ٦ / ١٨٤ ]
وفي رواية: (من رآني فقد رأى الحق).
وفي رواية: (من رآني في المنام فقد رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله ﷾ كما حمى صورة (١٥/ أ) رسول الله - ﷺ - في اليقظة عن أن يتمثل بها شيطان لئلا يغير على المسلمين أحكامهم، ولا يجرى كما جري في حق سليمان ﵇؛ إذ قال الله سبحانه: ﴿وألقينا على كرسيه جسدًا ثم أناب﴾. حمى الله مثال صورته في المنام ليكون ما أداه إلى أمته في اليقظة محروسًا محميًا مصونًا، وما يلقيه إليهم بعد موته في المنامات، وهي المبشرات التي أخبر - ﷺ - أنها جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة محمية من أن يخالطها نفث الشيطان بحال.
-فأما قوله: (فسيراني في اليقظة)؛ فإنه يدل على أنه لا يراه في المنام إلا مؤمن، فلذلك وعد - ﷺ - بأنه سيراه في اليقظة يعني في القيامة.
* وفيه أيضًا من الفقه أن السين تخلص الفعل للاستقبال. وقوله: فسيراني في اليقظة، يقتضي أنه راء ما أخبرته به أو أشرت إليه فيه؛ فإنه على يقظة من الأمر إلا يظنه ظان منا.
[ ٦ / ١٨٥ ]
* وقوله: (فكأنما رآني في اليقظة)؛ لأنه إن كان هو نائمًا فأنا مستيقظ.
* وقوله: (فقد رأي الحق)، يعني: أن رؤيتي هي الحق.
-١٩٢٦ -
الحديث الثامن والثمانون:
[عن أبي هريرة قال: (كان رسول الله - ﷺ - يرغب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) فتوفي رسول الله - ﷺ - والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁، وصدرًا من خلافة عمر ﵁.
وفي رواية: (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول (١٥/ ب) لرمضان: (من قامه إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية عن الزهري: (فتوفي رسول الله - ﷺ - والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ﵁ وصدرًا من خلافة عمر ﵁).
وفي رواية عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: (خرجت مع عمر ابن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل بصلاته الرهط، فقال عمر ﵁: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم
[ ٦ / ١٨٦ ]
عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها عندي أفضل من التي يقومون، يريد آخر الناس، وكان الناس يقومون أوله).
وفي رواية: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية: (من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
وفي رواية: (من يقم ليلة القدر فيوافقها- أراه (قال) إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)].
* قد سبق الكلام في صوم رمضان إيمانًا واحتسابًا، وفي قيام ليلة القدر أيضًا.
والمراد من صامه تصديقًا بالأمر به، عالمًا بوجوبه، خائفًا من عقاب تركه، محتسبًا جزيل الأجر في صومه، وهذه صفة المؤمن.
* وفي الحديث استحباب صلاة التراويح جماعة.
[ ٦ / ١٨٧ ]
-١٩٢٧ -
الحديث التاسع والثمانون (١٦/ أ)
[عن أبي هريرة قال: إن النبي - ﷺ - قال: (لا عدوى، ولا صفر، ولا هامة)، فقال أعرابي: يا رسول الله، فما بال إبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيأتي البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها؟ قال: (فمن أعدى الأول؟).
وفي رواية: (لا يورد ممرض على مصح)، وأنكر أبو هريرة حديثه الأول، قلنا: ألم تحدث: أنه (لا عدوى؟) فرطن بالحبشية، قال أبو سلمة: فما رأيته نسي حديثًا غيره.
وفي رواية: (لا عدوى) وأن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يورد ممرض على مصح) قال الزهري: قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدث بهما كليهما عن رسول الله - ﷺ -، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: (لا عدوى)، وأقام على أن (لا يورد ممرض على مصح)، فقال الحارث بن أبي ذياب،- وهو ابن عم أبي هريرة-: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثًا آخر قد سكت عنه، كنت تقول: قال رسول الله - ﷺ -: (لا عدوى)، فأبى أبو هريرة أنه يعرف ذلك، وقال: (لا يورد ممرض على مصح) فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، قال أبو هريرة: إني
[ ٦ / ١٨٨ ]
قلت: أتبيت.
قال أبو سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا: أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا عدوى)، فلا أدري: أنسي أبو هريرة، أو نسخ أحد القولين الآخر؟
وفي رواية: (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر). زاد أبو مسعود: (والمعدن جبار). زاد البرقاني: (والبئر جبار)، وفي الركاز الخمس). قال: وزاد مكي بن إبراهيم: (والعجماء جبار).
وفي رواية (١٦/ ب) للبخاري تعليقًا: (لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر، وفر عن المجذوم كما تفر من الأسد).
وفي رواية لمسلم: (لا عدوى، ولا هامة، ولا نوء، ولا صفر).
وفي رواية له: (لا عدوى، ولا هامة، ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح)].
* قد تكلمنا في العدوى والطيرة.
[ ٦ / ١٨٩ ]
* وفي قوله: (فر من المجذوم)، في مسند ابن عمر، وهذا على وجه الإباحة، فأما الفضيلة فهو مع أكله مع المجذوم ومقاربته، وقد كانت عمر بن الخطاب ﵁ يؤاكل المجذوم، وإنما قلنا: الفرار منه مباح؛ لئلا يظن ضعيف الإيمان إن عرض له أمر أن ذلك على وجه العدوى.
وقد كان الشيخ محمد بن يحيى ﵀ يصافح المجذوم ويعانقه، ولقد حطي له مرة أنه سلم على مجذوم به داء البطن أيضًا، قال: فاستفتاني في الطهارة للصلاة مع حاله تلك، قال: فأفتيته بالتيمم. قال: فحمد الله تعالى حينئذ حمدًا أبلغ فيه، ثم أليفت إما ذلك المجذوم أو غيره منهم إلى نحو ذلك البلد الذي كان يقرب منهم، فقال لي: ملكتهم العافية فأهلكتهم.- يشير إلى الأصحاء-.
والممرض: الذي إبله مراض، وضده المصح.
وقد بينا أنه إنما نهى عن التعرض بالممرض؛ لئلا يظن الصحيح إنه إذا مرض عند المقاربة أن ذلك كان من باب العدوى.
* وأما قوله: (لا صفر)، فقد قيل: إن العرب كانت ترى أن في البطن حية، تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وذلك مذكور في أشعارهم، وقيل: المراد بذلك تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر.
* وقوله: (ولا هامة)، كانت العرب تقول: إن عظام الموتى تصير هامة فتطير، وكانوا يسمون ذلك الطائر الصدي.
[ ٦ / ١٩٠ ]
وقال ابن الأعرابي: كانوا (١٧/ أ) يتشاءمون بها، فجاء النص ينفي ذلك أي: لا تشاءموا بذلك، ويقال: أصبح فلان هامة، إذا مات، وكانوا يقولون: إن القتيل تخرج من هامته هامة فلا تزال تقول: اسقوني حتى يقتل قاتله، ويقال: بالزاي ازقوني.
* وفي هذا الحديث من الفقه أنه إذا أتى السائل بشبهة يضعف فهمه أن يحليها كان جوابه في مسألة يكشف له المقصود كقول رسول الله - ﷺ - للسائل: فمن أعدى الأول؟ فإن العرب لما رأوا الصحاح من الإبل سالمة، فإذا دخل فيها البعير الأجرب جربت، ظنوا أنه لو لم يدخل فيهن لم يجرب، فلم تكن فهومهم تتسع لأن يقال لهم: إن ذلك الداء كان في جلد الأجرب، فكيف يتعدى إلى غيره في مثل أعطان الإبل ومسارحها التي ينخرق فيها الهواء الصحيح، ولا تجتمع بعضها إلى بعض، ولا يتحالك ولا يتصاك إلا نادرًا.
ثم لو قد كان ذلك بمصاكة وجب أن يتعدى إلى الآدمي والفرس عند مصاككته الأجرب، وقد لا يتعدى، وهذا المرض من حيث علم الأبدان قد يكون عن تبيس يحرق الدم فتنفضه القوة إلى ظاهر الجلد، فيورث حينئذ الحكة، ويكون متمم ظهوره حك صاحبه له؛ فإنه كلما يحكه جذب الأخلاط من باطن البدن إلى ظاهر الجلد، ولا دواء لذلك عند أهل العلم بالأبدان إلا استفراغ أصل المادة من الباطن، حتى إذا نقي البدن منها نقي الجلد.
فكيف يتصور أن يكون مثل هذا، وأصله ما ذكرناه متنقلًا إلى بدن آخر
[ ٦ / ١٩١ ]
الغالب عليه الرطوبة؛ لكن لما كان شرح مثل هذا يطول، وربما لم يفهمه (١٧/ ب) السائل قال له: (فمن أعدى الأول؟) أي: ذلك البعير الأول لم يكن عنده بعير يجربه.
* وأما النوء؛ فإن رسول الله - ﷺ - نهى أن يظن المسلمون هذا أو يعرض في قلوبهم عند نزول الغيث في وقت من الأوقات. قد كانت العرب إذا نزل الغيث في مثل ذلك الوقت نسبوه إلى نوء من الأنواء، وكانوا يرونه غير مختلف في الغالب بزعمهم، فأعلم رسول الله - ﷺ - أن الغيث إنما ينزله الله ﷿ في الأوقات التي يستصلح إنزاله فيها لخلقه على حسب ما تقتضيه حكمته، وقد سبق شرح هذا المعنى في مسند زيد بن خالد.
[ ٦ / ١٩٢ ]
وقد كان هذا من جملة أضاليل الجاهلية، وتبًا لمن عمي عن الفكر في إنزال الله الغيث في الأوقات الصالحة لنزوله؛ فإنه سبحانه يمنعه أن ينزل في وقت اشتداد الحب وتهيئته للحصاد، وبلوغ الثمار وأقطافها، وهبوب الرياح لذر العطف، وتخليصه من الحب، ولإنضاج الثمار عند خروجها من كمامها ليخلص لها من حر الشمس ما يقوي النوى في البطن، ويطبخ الثمرة في الظاهر، وليتناول الناس مواد كسوتهم من القطن والكتان وغير ذلك.
حتى إذا أخرجت الأشجار ثمارًا عليها، وحصلت الحبوب بعد تخليصها من عصفها وغلفها، وجدت العذوق من نخلها، فرفعت إلى حيث يؤمن عليها من موابدها وجرينها، وادخر كل ما يصلح للادخار، وفرع مما يؤكل في أوانه من الثمار.
واشتدت حاجة الأرض إلى أن يعاودها رحمة ربها بإنزال الغيث عليها، وقد كانت اقشعرت واحتاجت مواشيها، بتيبس كلأتها، وأطابت الرياح ما كان صوح من نبتها، واشتاقت إلى لبس كسوتها.
ولم يبق فيها ما يضر به نزول الغيث (١٨/ أ) ولا يفسده اتصال الإيذاء، أنزل الله الغيث على أمن من أن يفسده على الناس شيئًا إلا أن يكون نادرًا، أو عن تفريط من محرزه مع كثرة المنذرات لهذا المحرز أمام السيول.
ثم قدر الله تعالى من ذلك في كل بلد قسطًا يصلح له، فلا يكاد يتجاوز نزول الغيث في العراق ونجد وبعض الحجاز وخوزستان ثلاثة أيام؛ لأن العراق تدفع الأودية، وما ينصب إليها من فواضل تلك البلاد العالية التي جعل الله تعالى استمرار نزول الغيث في كل صقع منها عشرة أيام أو خمسة
[ ٦ / ١٩٣ ]
عشر يومًا كالموصل والشام وديار بكر وبلاد الجبل، وجعل الأرض في تلك البلاد صلبة لا متهيلة ولا منبثة؛ ليكون نزول المياه فيها على مقدار تأخذ منه حاجتها، وتنفض الفاضل عنها إلى هذه الأرضين التي هي قرارات.
فسبحان الله قدر لها عوضًا من قلة الغيث فيها بما يسيل إليها، وذلك من حكمته ورحمته، ولولا أنه جعل للأرضين العالية مصاب يأخذ عنها فضلات مياهها لأعفنتها المياه وأفسدتها، ولو لم يسيق فضالة مياه تلك البلاد إلى هذه الأرضين المهيلة المنبثة فيرويها بالسقي مع ما ينالها من الغيث لأعوزها ما يصلحها؛ ولذلك جعل تلك الأرض العليا إنما يزكو زرعها على الغيث وحده، وجعل هذه القرارات زاكية الزرع على الغيث والسقي.
ولما كانت هذه القرارات تحتاج إلى استمرار جري المياه في أوديتها مثل الفرات ودجلة وتامرا، وكانت هذه الأودية على سعتها لا تفي بأن يديم جريها ما ينزل من الغيث إلا في مدة نزول الغيث، ودوام الغيث يفسدها ولا يصلح لها فغاضها الله تعالى بادخار الثلوج في شعاب الجبال وبطون الأودية، فخمد ذلك (١٨/ ب) في زمن القرفي محل هو أقوى جنس الأرض وهو الصخر، فلا يعقبه ولا يفسده ولا يمتصه.
بل يحفظه الصخر ويخزنه، حتى إذا احتيج إليه رفع الله تعالى الشمس إلى نحوه فيذيب حرها منها مقدار بذره من ضروع تلك الشعاب، وأفواه تلك الأودية، ورؤوس الجبال، فلا يزال يجري منه كل يوم حسب الحاجة إليه بقد ما تمتلئ تلك الأودية؛ كذلك إلى أن تجوز مدة انقطاع الغيوث، فيفنى هو، فإذا عادت الحاجة إلى الغيث، عاد الغيث، فسبحان الله عدد كل ذي عدد من الأشياء، وسبحان الله عدد ما علم آدم من الأسماء،
[ ٦ / ١٩٤ ]
وسبحان الله ملء الأرض والسماء.
* وقد سبق ذكر الركاز والمعدن، وقوله: البئر جبار، في هذا المسند مشروحًا، والحمد لله.
-١٩٢٨ -
الحديث التسعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟).
وفي رواية لمسلم: (إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول، نزل إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر).
وفي رواية: (إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه، ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ حتى ينفجر الصبح).
وفي رواية: (ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له، فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر).
[ ٦ / ١٩٥ ]
وفي رواية (١٩/ أ): (ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، أو يسألني فأعطيه، ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم).
وفي رواية: (ثم يبسط يديه ﵎ يقول: من يقرض).].
* ينبغي للإنسان عند سماع هذا الحديث أن يكون شديد الحرص على اغتنام أوقات الإجابة للدعاء.
* فقد تقد قولنا في هذا الحديث وما يجري مجراه من أحاديث الصفات، وأن مذهب أهل السنة وفقهاء الأمة ترك القول في تأويله، وأن يمر كما جاء، مع العلم أن الله سبحانه لا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام، وأنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وإنما جاءت هذه الأحاديث لفوائد.
فإن الإنسان إذا سمع هذا الحديث أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأنه يبسط يديه، ويدعو عباده إلى سؤاله واستغفاره لم يطمئن المؤمن مضجعه، والألفاظ التي ذكرها رسول الله - ﷺ - كلها متناهية في بيان اللطيف، متجاوزة في الرفق حد قدر الآدميين، وذلك يحث العباد على العبادة الراغبين في السؤال.
* وقوله: (من يقرض غير عديم)؛ فإن في اقتراض الغني من الفقير، والرب من العبد شأنًا عجيبًا، وذلك أنه أشار بهذا الكلام إلى أن الله سبحانه
[ ٦ / ١٩٦ ]
ملك العبد ما في يده تمليكًا يملك به الإقراض.
وقوله: (غير عديم)، يعني: أنه لم يستقرض عن عدم، وفي الإقراض سر، وهو أنه يعود الخلف متحتمًا على كرمه، فلا يظن ظان أنه يطوي بالخلف؛ لأن الله ﷿ استدعاؤه عباده استدعاء من الدين.
* وقوله: (ولا ظلوم)، أي: أنه ﷻ لا يمطل بإخلاف ما يقترضه (١٩/ ب) من عبده، لأنه الغني، وقد سبق عن رسول الله - ﷺ - في مطل الغنى ما سبق، فلذلك قال تعالى: (غير عديم)، أي: لا يبخس عبدًا من عبيده مثقال ذرة.
-١٩٢٩ -
الحديث الحادي والتسعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)].
في هذا الحديث من الفقه استحباب الصبغ، وهو تغيير الشيب، وقد سبق في مسند أنس وغيره أن أبا بكر ﵁ كان يخضب بالحناء والكتم. فأما السواد فالخضاب به مكروه عند الأكثرين، وقد رخص فيه قوم.
[ ٦ / ١٩٧ ]
-١٩٣٠ -
الحديث الثاني والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة، يكتبون الأول فالأول؛ فإذا جلس الإمام، طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر).
وفي رواية: (إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد، يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشًا؛ ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم يستمعون الذكر).
وفي رواية: (من اغتسل يوم الجمعة غسل جنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر).
وفي رواية لمسلم: (على كل باب من أبواب المسجد ملك يكتب الأول فالأول، (مثل الجذور ثم نزلهم حتى صغر إلى مثل البيضة)، فإذا جلس الإمام طويت الصحف، وحضروا الذكر)].
* في هذا الحديث من الفقه استحباب الغسل للجمعة وأفضله للمتأهل أن
[ ٦ / ١٩٨ ]
يكون (٢٠/ أ) غسلًا من جنابة، فيكون قد غسل واغتسل.
* وفيه تفضيل التقديم في الرواح، فإذا صعد الإمام المنبر اشتغلت الملائكة الكاتبة ثواب المبكرين لسماع الذكر، فحينئذ لا يكون لمن يدخل كاتب يثبت له وقت دخوله.
* وفيه ما يدل على أن سماع الخطبة واجب؛ فإن الملائكة على كونهم قد وكلوا بكتابة من يدخل من المبكرين إلى الجامع تركوا ذلك، وأقبلوا على سماع الخطبة منصتين لها، فيجب التأسي بهم في الإنصات لها.
-١٩٣١ -
الحديث الثالث والتسعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم، يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟)، قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: (فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أقام الصلوات الخمس في
[ ٦ / ١٩٩ ]
غسل الذنوب مقام الماء في غسل الأوساخ، وإنما ضرب المثل بالنهر؛ لأن النهر لجريته لا يقف فيه الماء الأول الذي اغتسل به في المرة الأولى، وإنما يتجدد عند كل مرة من الاغتسال ماء جديد.
فشبه رسول الله - ﷺ - الصلوات الخمس بالمرات الخمس في الاغتسال، وأن تلك المرة الأولى أزالت ما وجدته من الخطايا بإزالة ذهبت بها الجرية، ثم جاءت الغسلة الثانية فغسلت ما عساه تجدد، ثم ذهبت به الجرية، ثم جاءت الغسلة الثالثة كذلك، فكانت الغسلات ماحية ما يتجدد بين كل غسلتين من الذنوب.
وهذا لأن الذنوب إنما تصدر عن الأعضاء، أعضاء الآدمي التي يستعملها في الصلاة فيكون (٢٠/ ب) غسل ما نظر إليه نفسه، ونطق بلسانه، وبطش بيديه، ومشى برجليه بأن شغل كلًا من ذلك في عبادة ربه مرة بعد مرة، وكان ذلك ماحيًا لآثار الخطايا.
وإنما ضرب المثل بالماء؛ لأن الماء هو الماحي للكتابة، وقد سبق أن الكاتبين يكتبان حركات العبد وأنفاسه، فكانت الصلوات مزيلة ما يرقمانه كما يزيل الماء أثر الكتابة المكتوبة بالمداد.
-١٩٣٢ -
الحديث الرابع والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر).
[ ٦ / ٢٠٠ ]
وفي رواية: (قد كان قبلكم في بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد فعمر). قال ابن وهب: محدثون: ملهمون)].
* معنى قول ابن وهب: ملهمون، أن الله يلهمهم الصواب، وهذا تفسير حسن. وكان الشيخ أبو عبد الله محمد بن يحيى﵀- يقول: المحدثون: هم الذين يمكنهم الصبر على الحديث الناس، وعلى اختلاف أمورهم وضروب إراداتهم، فيكلمون العلماء بلسان العلم، والعامة بما يصلحهم، ونحو ذلك مما لا أحق إلا أن نص نطقه فيه، إلا أن هذا معناه إن شاء الله.
والذي أراه أنا في هذا مع كون الوجهين محتملين أن الله سبحانه يكلم عبده، إما على لسان آدمي أو غيره، ولقد كنت مرة مستلقيًا أسأل الله ﷿ حاجة في صدري في الليل، فسمعت جوابها بأذني يعدي نجازها إلى ميقات، فكان كما وعدت، وإني سمعت القول بما صيغته: إنه ليس في هذا الشهر، ولكن في الشهر الآخر، فكان كما سمعت ولم يعلم ما في نفسي لا ملك ولا شيطان، إنما يعمله الله ﷿ وحده.
[ ٦ / ٢٠١ ]
-١٩٣٣ -
(٢١/ أ) الحديث الخامس والتسعون:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (حاج آدم موسى، فقال: أنت الذي أخرجت الناس بذنبك وأشقيتهم! قال: قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله على قبل أن يخلقني- أو قدره على قبل أن يخلقني؟ - قال رسول الله - ﷺ -: فحج آدم موسى).
وفي رواية: (احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة! فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله على قبل أن يخلقني بأربعين عامًا؟، فقال النبي - ﷺ -: فحج آدم موسى).
وفي رواية: (احتج آدم وموسى، فقال موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟).
وفي رواية: (أنت آدم الذي أخرجتنا وذريتك من الجنة. قال: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، ثم تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق؟، فحج آدم موسى).
وفي رواية: (التقى آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة!، قال آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته واصطنعك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟، قال: نعم، قال: فوجدتها، كتبت علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم، فحج آدم موسى ﵇).
وفي رواية لمسلم: (تحاج آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي
[ ٦ / ٢٠٢ ]
أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة!، فقال آدم: أنت الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم، قال: فتلومني على أمر قدر علي قبل أخلق؟.
وفي (٢١/ ب) رواية: (احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسي. قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض!. قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيًا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق. قال موسى: بأربعين عامًا. قال: فهل وجدت فيها ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾؟، قال: نعم، قال: أفتلومني على أمر كتبه الله على قبل أن أعمله، قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟)].
* في هذا الحديث من الفقه أن العبد له أن يحاج عبدًا مثله ويجادله في مسألة بمثل هذا الجواب؛ فإذا رجع الأمر إلى ما بين العبد وربه لم يكن للعبد أن يواجه عظمة ربه بأن يقول له مثل هذا، فإن آدم لما حاج عبدًا مثله احتج عليه بهذه الحجة فحجه، فلما قال الله تعالى: ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة
[ ٦ / ٢٠٣ ]
وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾، لم يتعرض لمثل هذا الجواب، بل نزل إلى مقام الاستكانة والخضوع، فقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾، وهذا المعنى يروى عن علي بن عقيل.
-١٩٣٤ -
الحديث السادس والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: لما فتح الله على رسوله - ﷺ - مكة قام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمسلمين، وإنها لم تحل لأحد قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لا تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى (٢٢/ أ) شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفدي، وإما أن يقيد)، فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله - ﷺ -: (إلا الإذخر)، فقام أبو شاه- رجل من أهل اليمن- فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: (اكتبوا لأبي شاه).
[ ٦ / ٢٠٤ ]
قال الوليد: قلت للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي يا رسول الله، قال: هذه الخطبة؛ التي شهدها من رسول الله - ﷺ -.
وفي رواية: (أن خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح مكة، بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي - ﷺ -، فركب راحلته، فخطب، فقال: (إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل- شك الراوي- وسلط عليهم رسول الله - ﷺ - والمؤمنين: (ألا وإنها لا تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها أحلت لي ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه حرام؛ لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطها إلا لمنشد، فمن قتل فهو إما أن يعقل وإما أن يفادي أهل القتيل)، فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال: (اكتبوا لأبي فلان)، فقال رجل من قريش: إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال النبي - ﷺ -: (وإلا الإذخر).
وفي رواية عبيد الله عن شيبان: (إما أن يفادي أهل القتيل)].
* في هذا الحديث من الفقه أن مكة حرام، وقد سبق هذا في مسند ابن عباس وغيره.
* وفيه أن رسول الله - ﷺ - أذكر الناس نعمة الله في جبس الفيل عن مكة، فإنها
[ ٦ / ٢٠٥ ]
كانت آية شهد بها (٢٢/ ب) كل محق ومبطل.
* وفيه أن مكة لم تبح إلا لرسول الله - ﷺ - ساعة من نهار؛ وذلك أنه رسول رب هذه البلدة الذي حرمها فأحلت له ساعة من نهار؛ ليتمكن من تطهيرها عن أنجاس أعداء رب الدار.
* وفيه أيضًا أن الإنسان إذا سمع الكلام الجزل الذي لا يمكنه ضبطه حفظًا؛ فإنه ينبغي له أن يستكتبه كما فعل أبو شاه.
* وفيه أن التبليغ إلى الناس يكون على البعير إذا كان المجمع يقتضي ذلك؛ لركوب رسول الله - ﷺ - راحلته حين خطب تلك الخطبة.
* وفيه أن أهل الخبرة إذا شاروا بشيء رجع إليهم؛ لقول العباس ﵁: إلا الإذخر، فإنه لقبورنا وبيوتنا، فأجابه الرسول - ﷺ - إلى ذلك.
* وفيه أن اللقطة بمكة لا يحل أخذها إلا لمن يعرفها.
* وقد مضى تفسير قوله: (لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها).
* وقوله: (ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين)، أي أن الاختيار إليه في أي الأمرين شاء، إن أراد القود فله ذلك، وإن عدل إلى الدية فله ذلك.
-١٩٣٥ -
الحديث السابع والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من أمسك كلبًا فإنه ينقص
[ ٦ / ٢٠٦ ]
كل يوم من عمله قيراط إلا كلب حرث أو ماشية).
وفي رواية: (من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم).
وفي رواية: (من اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط). قال الزهري: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة، فقال: (٢٣/ أ) يرحم الله أبا هريرة، كان صاحب زرع.
وفي رواية: (من اتخذ كلبًا ليس بكلب صيد ولا غنم، نقص من عمله كل يوم قيراط)].
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند ابن عمر ﵀، وبينا قول ابن عمر: كان أبو هريرة صاحب زرع، وبينا أن خبرته بذلك لأجل أنه كان له زرع؛ فاحتاج إلى السؤال عن الحكم فيه، وأنه يخرج مخرج التزكية له.
-١٩٣٦ -
الحديث الثامن والتسعون:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه؛ فإن أبى فليمسك أرضه)].
[ ٦ / ٢٠٧ ]
* قد سبق الكلام في هذا في مسند رافع بن خديج.
-١٩٣٧ -
الحديث التاسع والتسعون:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الأيم- وهي الثيب- لا تنكح حتى تستأمر، وأن البكر لا تنكح حتى تستأذن، ففرق رسول الله - ﷺ - في هذا القول بين
[ ٦ / ٢٠٨ ]
الاستئمار والاستئذان. ومعنى تستأمر: يستدعى منها الأمر بجواب هو لا أو نعم. فأما الإذن فقد يعلم في حالة الصمت؛ لأن السكوت من المستحيي عن رد ما استؤذن فيه إقرار عليه، واستدل بسكوت هذه البكر على أنها قد رضيت؛ إذ لو شاءت لردت.
-١٩٣٨ -
الحديث المائة:
[عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يدعو: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال).
وفي رواية: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع (٢٣/ ب): يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال).
وفي رواية: (عوذوا بالله من عذاب الله، عوذوا بالله من عذاب القبر، عوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، عوذوا بالله من فتنة المحيا والممات).
وفي رواية: (أنه كان يتعوذ من عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة الدجال)].
[ ٦ / ٢٠٩ ]
* قد مضى الكلام في هذا الحديث في مواضع، وبينا أنه يوجب الإيمان بعذاب القبر، وقد سبق الكلام فيما قلنا في هذا الحديث، وإن كنا لا ندعي استيعاب فوائد حديث رسول الله - ﷺ -، وإحصاء ما فيه من المعاني والحكم والآداب الدينية والدنيوية؛ ولكن أذكر من ذلك ما أرانيه الله سبحانه من ذلك، ووفقني له، موقنًا أن حديث رسول الله - ﷺ - لا يستغرق فوائدها فهمي، ولا يبلغ غايتها علمي، فإذا مر حديث من أحاديثه - ﷺ - وذكرت فيه ما بلغه علمي، يعاد الحديث بعينه، رأيت فيه من الآلئ التي تشف من وراء النطق ما لم أكن رأيته من قبل.
واستدللت بذلك على أن الأحاديث، إنما كشف الله لي منها ما شاء، وخبأ للآخرين من عباده منها ما شاء، فنقول:
* أما قوله - ﷺ - في الرواية التي بدأ بها بعذاب القبر، فإنه على ترتيب ما يقع من الزمان؛ لأن القبر بين يدي جهنم، وعذاب القبر لا ينكره إلا من ينسب أوامر الله ﷿ إلى ما لا يليق بخلالها، فإن عذاب القبر ونعيمه؛ هو الذي يبدأ به كل بشر من أمر الآخرة، فلو قد كان كما يزعم منكرو عذاب القبر ونعيمه (٢٤/ أ) لكان على رأيهم أن أوامر الله تعالى أهملت الجزاء في نعيم المحسن وعذاب المسيء وقتًا ما، وذلك غير لائق بعدل الله سبحانه؛ بل إن كرام الملائكة على شدة انتظار لقدوم المؤمن في قبره؛ ليكونوا من حسن مصاحبته وإكرام مثواه بالمكان الذي أخبو به رسول الله - ﷺ -،
[ ٦ / ٢١٠ ]
وكذلك فإن الزبانية الذين يعذبون أعداء الله في قبورهم على شدة توقع لقدوم المنافق والكافر يتلهفون غيظًا عليه، ويستبطئون مدة احتباسه ليكونوا بتعذيبه والانتقام منه، مؤدين شغلًا خلقوا له، وهذا الجزاء في البرزخ من حيث إنه دهليز الآخرة، فيكون تقديم الاستعاذة من عذاب القبر، من حيث إنه المقدم في الزمان، ويتبع بعذاب جهنم من حيث إنه بعده في الزمان.
فأما الرواية التي قدم عذاب جهنم؛ فإنه من حيث أشد الأمور وأهمها لكونه فوق كل عذاب، فيبدأ به.
* فأما قوله: (أعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال)؛ فإن ذلك مما يكون قبل البرزخ.
وأما قوله: (فتنة المحيا والممات)؛ فإن من أشد فتنة المحيا أن يظن حي أن حياته بأمر الطبيعة؛ فإن ذلك من أشد الفتنة، وكذلك أن يرى مماته بأمر من الفساد، بل إن محياه بمقتضى حكم سابق وأجل مقسوم، ومماته بأمر مقدر، وفي وقت معلوم، وهذا ينبغي لكل مؤمن أن يكون نظرة إلى محياه ومماته بهذه العين؛ فإن اختلاف مقادير الآجال يدل على أنها بمقتضى قسمة من الخالق سبحانه؛ إذ لو كانت (٢٤/ ب) من الطبيعة لتساوت.
ولذلك فإن حكمة الخالق ﷾ أن كتب الموت على أهل كل سن حتى ابن اليوم، فما زاد في آخر الأوقات في الشهر، وكذلك ما زاد في آخر الأوقات إلى العام وكذلك إلى ما بعده، ليكون الموت عند مأمون في وقت من الأوقات، مداويًا سبحانه بذلك ما يعرض في القلوب من أمراض
[ ٦ / ٢١١ ]
طول الآمال.
وقد يموت الإنسان بما يحيا به إنسان آخر، واختلاف النطق في البداية يدلك على أنك إنما بدأت بذلك لك، إلا أن وجه ما ذكرناه من تقديم ذلك ما ذكرناه إن شاء الله.
* فأما قوله: (من فتنة المسيح الدجال)، وتكرره في الصلوات؛ ليقع الإيمان به، وأن ما وعد به - ﷺ - من خروجه كائن.
-١٩٣٩ -
الحديث الأول بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي البشر ما حرم الله عليه).
وفي رواية: (إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله: أن يأتي المؤمن ما حرم عليه).
وفي رواية: (المؤمن يغار، والله أشد غيرًا)].
* هذا الحديث قد سبق في مسند ابن مسعود وشرحناه هنالك.
[ ٦ / ٢١٢ ]
-١٩٤٠ -
الحديث الثاني بعد المائة:
[عن أبي سلمة قال: (رأيت أبا هريرة قرأ: ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ فقال: لو لم أر النبي - ﷺ - يسجد لم أسجد).
وفي رواية: (صليت مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه).
وفي (٢٥/ أ) رواية عن أبي هريرة (أنه قرأ لهم: ﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم: أن رسول الله - ﷺ - سجد فيها).
وفي رواية: (سجدنا مع النبي - ﷺ - في ﴿إذا السماء انشقت﴾، و﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن هذه السجدة من سجدات القرآن، فالحديث حجة على من لا يرى أن في المفصل سجدة، وهو مذكور عن مالك.
[ ٦ / ٢١٣ ]
-١٩٤١ -
الحديث الثالث بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا أن يكون الرجل كان يصوم صومًا؛ فليصمه)].
* في هذا الحديث إشارة إلى النهي عما فعله النصارى في صومهم؛ فإنهم زادوا فيه.
* وفيه إفراد الفرض عن غيره؛ لئلا يشبه التطوع بالفرض.
* وفيه الوقوف على حدود الشرع لئلا يقع العمل بالرأي.
* وفيه رد على المتنطعين بسوء تدبيرهم إلى الزيادة على الفرائض.
-١٩٤٢ -
الحديث الرابع بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من أنفق زوجين في سبيل الله، دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب: أي فل، هلم). فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ذاك الذي لا توى عليه، قال رسول الله - ﷺ -: (إني لأرجو أن تكون منهم).
[ ٦ / ٢١٤ ]
وفي راوية: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة).
وفي رواية: (نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان)، (٢٥/ ب) قال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله، ما على أحد يدعى من تلك الأبواب كلها من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: (نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر).
وفي رواية: (من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله، دعي من أبواب الجنة)].
* قد ذكرنا معنى الزوجين في مسند أبي ذر، وقد فسر هنالك. ويحتمل أن يكون المراد بالزوجين الذكر والأنثى، إذ كل واحد من الزوجين صنف، فمن أنفق زوجين في سبيل الله، كتب الله ﷿ ثواب ما يمكن في التقدير أن يتناسلا ويتناسل نسلهما إلى يوم القيامة، فإن كان المنفق ما لا يتناسل إلا إنه قائم يصحبه زوج، كما يقال: هذان زوجا خف، وزوجا نعل، ونحو
[ ٦ / ٢١٥ ]
ذلك؛ فإنه يكتب الله سبحانه في الصدقة ما يكتبه على تقدير الممكن في أرفع حالاته، وأكمل مواقعه، من أن لو قد جوز أن يكون أحد أمراء الغزاة قد أعوزه لفرسه التي يرقى عليها إلى جبل لتفتح حصنًا للمشركين، فلا يجد نعلًا لفرسه إلا من ذلك التصدق؛ فإنه يحتسب له الله ﷿ في أحسن مواقعه على أنه يكتب ثمنًا وقيمة بأكمل ما يجوز أن يكون إذا لم يوجد في الأرض غيره؛ ولم يكن لأمير الغزاة بد منه، وعلى هذا قوله سبحانه: ﴿ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون﴾.
* وفيه أيضًا أن للجنة ثمانية أبواب، وهذه الأبواب كل باب يخص بعمل؛ فالصدقة باب، والجهاد باب، وعلى هذا فإن بر الوالدين وصلة الرحم وتعلم العلم وتعليمه، (٢٦/ أ) وقراءة القرآن، وعيادة المريض .. إلى غير ذلك من أعمال البر أبواب للجنة يدخل منها إليها، ويسلك فيها بحبوحتها؛ فمن كان منفردًا بعد أداء فرائضه بباب واحد منها دعي من ذلك الباب، ومن كان بعد أداء فرائضه قد عامل الله ﷿ بها كلها، وسلك في جميعها بأسرها؛ فإنه ينادى منها كلها، وكان ممن ينادى منها كلها أبو بكر الصديق ﵁ بشهادة رسول الله - ﷺ - له.
* فأما السر في النداء من الأبواب؛ فإن أهل كل باب عرفوا عمارة المؤمن للطريق التي يدخل منها إلى ذلك الباب، فهم قد رأوا أن دخوله إلى الجنة من بابهم الذي قد عمر الطريق إليه.
فإذا أقبل المؤمن وكان قد عمر الطرق إلى الأبواب عمارة يكون هو أهلًا
[ ٦ / ٢١٦ ]
يدخل من الباب الذي عمره، فنودي من الأبواب كلها في وقت واحد، فكلما كان لطريقه في دنياه أعمر كان دخوله إليها منه أحب إليه، وكان أبو بكر ﵁ قد عمر الطرق كلها، والأبواب بأسرها، فقال له رسول الله - ﷺ -: (إني أرجو أن تكون منهم).
وذلك أن من الأبواب: العدل في الأمة، وهذا ما عمره أبو بكر بعد رسول الله - ﷺ -.
ومن الأبواب: القيام بالحق عند استخذاء الكل، فقام به أبو بكر يوم وفاة رسول الله - ﷺ -.
ومن الأبواب: الثبات على الحق إذا اضطربت الأمور وارتد عنه الأشقياء على الأعقاب، وكل ذلك لأبي بكر ﵁ (٢٦/ ب) حين ارتدت العرب ومنعوا الزكاة، فثبت وحده حتى رد بز الإسلام على عده.
ومن الأبواب حسن الاختيار عند مفارقة الدنيا، وكان أبو بكر ﵁ ممن أحسن الاختيار لأمة محمد - ﷺ - في إيصائه إلى عمر؛ فلذلك يدعى منها كلها ﵁.
-١٩٤٣ -
الحديث الخامس بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألا أحدثكم حديثًا عن الدجال؛ ما حدث به نبي قومه؟؛ إنه أعور، وإنه يجئ بمثال الجنة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة، هي النار، وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه)].
[ ٦ / ٢١٧ ]
* قد مضى حديث الدجال في مواضع، منها: مسند حذيفة.
-١٩٤٤ -
الحديث السادس بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (أشعر كلمة تكلمت بها العرب، كلمة لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل )
وفي رواية: (أصدق كلمة قالها شاعر؛ كلمة لبيد) وكاد ابن أبي الصلت يسلم)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الشعر حكمه حكم الكلام؛ فحسنه حسن، وقبيحه قبيح.
وقد شهد رسول الله - ﷺ - للبيد بأن قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، أصدق كلمة قالها شاعر.
[ ٦ / ٢١٨ ]
ويحتمل قوله: (ما خلا الله) أي: ما خلا من ذكره ومن أمره، ومن أن يرد إليه ونحو ذلك.
* وقوله: (كاد ابن أبي الصلت يسلم)، كاد: كلمة تستعمل للمقاربة إلا أنها تدل على أن الأمر لم يقع، وأن ابن أبي الصلت لم يسلم.
-١٩٤٥ -
الحديث السابع بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - يتقاضاه فأغلط له فهم به أصحابه، فقال رسول الله - ﷺ -: (دعوه، (٢٧/ أ) فإن لصاحب الحق مقالًا)، ثم قال: (أعطوه سنًا مثل سنه) قالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا أمثل من سنه. قال: (أعطوه، فإن خيركم أحسنكم قضاء).
وفي رواية: (كان رجل على النبي - ﷺ - سن من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: (أعطوه، فطلبوا سنه، فلم يجدوا إلا سنا فوقها، فقال: (أعطوه)، فقال: أوفيتني وفاك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: (إن خيركم أحسنكم قضاء)].
[ ٦ / ٢١٩ ]
* في هذا الحديث جواز الأخذ بالدين تأسيًا برسول الله - ﷺ -.
* وفيه استحباب الصبر على خشونة قول الغريم؛ لقول الرسول - ﷺ -: (إن لصاحب الحق مقالًا).
* وفيه استحباب أن يعطى الغريم خيرًا مما أخذ منه، لقوله - ﷺ -: (خيركم أحسنكم قضاء).
* وفيه استحباب أن يدعو الغريم لمن أحسن قضاءه؛ لقول هذا لرسول الله - ﷺ -: أوفيتني وفاك الله.
-١٩٤٦ -
الحديث الثامن بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: (بينما نحن جلوس عند النبي - ﷺ -، إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: (مالك؟)، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: (هل تجد رقبة تعتقها؟)، قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)، قال: لا، قال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينًا)، قال: لا، قال: (اجلس)، قال فمكث النبي - ﷺ -، فبينا نحن على ذلك أتي النبي - ﷺ - بعرق فيه تمر- والعرق: المكتل الضخم-، قال: ٠أين السائل؟)، قال: أنا، قال: (خذ هذا فتصدق به)، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فو الله ما بين لابتيها- يريد الحرمين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي؛ فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك).
[ ٦ / ٢٢٠ ]
وفي رواية: (أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله - ﷺ - (٢٧/ ب) أن يكفر بعتق رقبة).
وفي رواية: (أن النبي - ﷺ - أمر رجلًا أفطر في رمضان؛ أن يعتق رقبة؛ أو يصوم شهرين متتابعين؛ أو بطعم ستين مسكينًا).
وفي رواية: (أن رجلًا قال: وقعت على امرأتي في رمضان- يعني الجماع-)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن كفارة الفطر في رمضان بالجماع: عتق رقبة، فإن لم يجدها انتقل حينئذ إلى صيام شهرين متتابعين؛ فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا.
والعرق (بفتح الراء) شيء يشبه الزبيل قبل عمله.
[ ٦ / ٢٢١ ]
* ومعناه أن هذه الرخصة فهي لهذا الرجل خاصة لا تتعداه، بدليل الإجماع على ذلك، وإنما استدل رسول الله - ﷺ - على إيمانه، بأنه جاء إلى رسول الله - ﷺ - بنفسه ساعيًا على قدمه، يشكو نفسه إليه - ﷺ -، فعرف النبي - ﷺ - أنه قد بلغت منه مواقعة الخطيئة الموقع الذي علمه رسول الله - ﷺ -، فرخص له فيما رخص، فكان ذلك خاصة له؛ لأن النادر لا يحمل عليه العموم والغالب.
-١٩٤٧ -
الحديث التاسع بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فو الله، لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض، فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم. قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب).
وفي رواية: (خشيتك يا رب- أو قال: مخافتك- فغفر له بذلك).
وفي رواية: (فقال الله لكل شيء أخذ منه شيئًا: أد ما أخذت منه).
[ ٦ / ٢٢٢ ]
وفي رواية عن معمر قال: قال لي الزهري: (ألا أحدثك بحديثين عجيبين!، قال الزهري: أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة (٢٨/ أ) عن النبي - ﷺ - قال: (أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت أوصى بنيه، فقال: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم اذروني في الريح في البحر، فو الله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدا، قال: ففعلوا ذلك به، فقال للأرض: أدي ما أخذت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت، قال: خشيتك يا رب- أو قال: مخافتك- فغفر له بذلك).
قال الزهري: وحدثني حميد عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت)، قال الزهري: ذلك لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل).
وفي رواية: (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فو الله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، وأنت أعلم، فغفر الله له)].
[ ٦ / ٢٢٣ ]
* قد سبق الحديث الأول في مسند حذيفة، والثاني في مسند ابن عمر وأشير إليه، فأقول: إن قوله (لئن قدر الله علي)؛ أي ضيق. قال سبحانه ﴿ومن قدر عليه﴾ أي ضيق عليه، ويجوز أن يكون هذا الرجل لما رأى أنه ﷾، تعمد في دهره حسنة واحدة، وذكر ذلك في تضعيف حالة الموت حين ضعفه، هو الانتقام من نفسه، أوصى بنيه أن يحرقوه ويطحنوه ويذروه في الريح، فلما جمعه الله سبحانه قال له: ما حملك على ذلك؟ قال: مخافتك، وأنت تعلم، فاستشهد من علم الله الغاية في ثبوت (٢٨/ ب) صدقه على ما ادعاه؛ فغفر الله له سوء فعله في نفسه، هذه الوصية بالتحريق والطحن والتذرية مضافًا إلى ما سبق من ذنوبه؛ إذ ذلك بدعة، وذنب عظيم، لا يحل لأحد فعله في نفسه، ولا يوصي به غيره؛ فإن وأصى به والد ولدًا أو حميمًا لم يحل للموصى أن ينفذ هذه الوصية.
-١٩٤٨ -
الحديث العاشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من حلف منكم، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق)].
[ ٦ / ٢٢٤ ]
* قد سبق نحو هذا في مسند ثابت بن الضحاك.
* وفي هذا الحديث ما يدل على أن الكفارات تكون لها مناسبة بالخطايا، فإنه لما حلف بيمين تتضمن إثبات آلهة كانت كفارته نفي ما حلف به، وإثبات التوحيد لله ﷿. ولما كانت الخطيئة الثانية من حيث طلب المال بوجه حرام، وهو القمار، كانت الكفارة بإخراج شيء من المال، فكانت الحسنة المالية ماحية أثر الأمنية المالية.
-١٩٤٩ -
الحديث الحادي عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - رأى نخامة في
[ ٦ / ٢٢٥ ]
جدار المسجد، فتناول حصاة فحتها، ثم قال: (إذا تنخم أحدكم لا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره؛ أو تحت قدمه اليسرى).
وفي رواية: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة؛ فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكًا، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها).
وفي رواية عن أبي هريرة (٢٩/ أ): أنه رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على الناس، فقال: (ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه، فيتنخع أمامه، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه، فإذا تنخع أحدكم؛ فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه؛ فإن لم يجد فليتفل هكذا) ووصف الراوي عن أبي رافع فتفل في ثوبه، ثم مسح بعضه على بعض.
وفي رواية: قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يرد ثوبه بعضه على بعض)].
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند أبي قتادة وابن عمر وغيرهما.
[ ٦ / ٢٢٦ ]
-١٩٥٠ -
الحديث الثاني عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى).
وفي رواية لمسلم، قال- يعني الله ﷿: (لا ينبغي لعبد لي).
وفي رواية: (لعبدي أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)].
* قد سبق هذا الحديث وشرحه.
* فأما ما جاء في هذا الحديث من رواية مسلم من أن ذلك من كلام الله ﷿؛ فإن فيه إشارة إلى ألا يذكر يونس بن متى بما يغض من مقامه ﵇ من أجل ما جرى له مما قصه الله ﷿ في كتابه.
-١٩٥١ -
الحديث الثالث عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يأتي الشيطان أحدكم،
[ ٦ / ٢٢٧ ]
فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله، ولينته).
وفي رواية قال: (لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله).
وفي (٢٩/ ب) رواية لمسلم: (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم، حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟) قال- وهو آخذ بيد رجل؛ يعني: قد سأله- فقال: صدق الله ورسوله، قد سألني اثنان، وهذا الثالث، أو قد سألني واحد وهذا الثاني.
وفي رواية: (لا يزالون يسألونك يا أبا هريرة، حتى يقولوا: هذا الله، فمن خلق الله؟) قال: فبينما أنا في المسجد، إذ جاءني ناس من الأعراب، فقالوا: يا أبا هريرة، هذا الله، فمن خلق الله؟ قال: فأخذ حصى بكفه فرماهم، ثم قال: قوموا، قوموا).
وفي رواية: (ليسألنكم الناس حتى يقولوا: الله خلق كل شيء، فمن خلقه؟)].
* قوله: (فليستعذ بالله)؛ أي ليلجأ إليه، و(لينته): أي يعرض عن مساكنة هذا الذكر ولينته ولا يشتغل.
[ ٦ / ٢٢٨ ]
* وفيه ما يريده من الشيطان منه، وإنما يوسوس الشيطان بهذا لأهل غلبة الإحساس؛ فأما الذين يعقلون عن الله ﷾، فإنهم يحمون قلوبهم من ذلك التسلسل الذي إذا انتهى إلى الغاية القصوى فيه رجع إلى أول قدم؛ فكان الطارد للوسواس هو قوله: (الله خالق كل شيء)، هو الذي يطرد هذا الوسواس عن أن يخطر فيها من الكلام الذي ينتقض فرعه بانتقاض أصله إذ قولنا: (الله خالق كل شيء).
-١٩٥٢ -
الحديث الرابع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (كان رجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا؛ فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه)].
* هذا الحديث قد شرح في مسند أبي مسعود وغيره.
[ ٦ / ٢٢٩ ]
* وفيه أن الله ﷾ (٣٠/ أ) مكن عبده في حياته الدنيا من أشياء تشابه ما تنتهي إليها أحواله في الآخرة؛ ليكون إذا وجد ما يسوءه من قصور عن مدى لم يبلغه لم يلم غير نفسه؛ فإن أراد أن يتجاوز الله له عن كل شيء تجاوز هو لعباد الله المؤمنين عن كل شيء، وإن أراد أن يجود الله له بكل شيء جاد هو لعباد الله سبحانه بكل شيء في الله سبحانه، وإن أراد أن يؤثره الله على كل مخلوق في وقته آثر هو الله سبحانه على كل مخلوق في وقته، وكذلك إذا أحب ألا يأتيه من الله ما يكرهه لم يأت هو في أمر الله ما يكرهه، ولذلك إذا أراد أن يكون أكرم خلق الله على الله فليكن أشد خلق الله اتقاء لله، وكذلك إذا أراد أن يكون أحب خلق الله إلى الله فليكن ممن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، وهي العروة الوثقى؛ الحب في الله والبغض في الله.
وإن مما أخافه على أهل الخير عند هذه العقبة من عقاب النيات أنه إذا رأى الرجل المسلم الرجل المسلم وقد أعجبته خلاله وثبت عنده صلاح علانيته، وهو يشير إليه ضميره فاستحق حبه وأن يمحضه وده، فنظر إلى أنه ليس من قومه؛ أو ليس على مذهبه، أو ليس آخذًا في طريقه المشوبة، فقصر في إمحاضه الود لذلك المعنى الذي ليس بصالح؛ لأنه قد تعرض بذلك لأن يمقته الله ﷿ في أدنى خلة يستحق بها المقت، وإن كان هو لم يمقت في خلة يستحق بها المقت؛ ولكن عدل الله ﷿ (٣٠/ ب) يقتضي ألا يكون إلا كذلك.
[ ٦ / ٢٣٠ ]
-١٩٥٣ -
الحديث الخامس عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (من أدرك ماله بعينه عند رجل أفلس- أو إنسان قد أفلس- فهو أحق به من غيره).
وفي رواية أبي بكر بن محمد: (في الرجل الذي يعدم، إذا وجد عنده المتاع ولم يقرفه: إنه لصاحبه الذي باعه).
وفي رواية: (إذا أفلس الرجل، فوجد الرجل عنده سلعته بعينها، هو أحق بها)].
* إنما يأخذ صاحب المال ماله من المفلس إذا وجده بعينه؛ لأنه إنما أظهر إفلاسه بأن لهذا أن ذمته لا تتسع لحمل دين؛ لأن الدين في الغالب إنما يؤخذ على عقدة تكون للشخص أو شيء في يده، فإذا لم يكن لهذا شيء رجع مال الآخر إليه.
-١٩٥٤ -
الحديث السادس عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجاهرة- وفي رواية إن الإجهار- أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح، وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا
[ ٦ / ٢٣١ ]
وكذا، وقد بات يستره ربه، فيصبح يكشف ستر الله عليه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن معصية الله يزيدها غلظًا أن يجاهر بها فاعلها؛ لأنه يشير بذلك إلى جرأة منه على ربه بمشهد آخري يجرئهم على مثل ذلك من فعله، فكأنه جعلهم شهودًا عليه بفسقه؛ فإن الحلم على مثل هذا مع مجاهرته يدعو من لم يعص إلى أن يعصي.
وقد سبق من الله تعالى الإنذار الذي شاع وذاع، فلم يقنع هذا (٣١/ أ) العاصي بأن عصى الله سرًا حتى يعرض بفتنة آخرين، ولو كان قد استتر بما ستره الله به لكان أمره أسهل؛ ولكنه لم أبى إلا هتكه ستره استوجب توجه العقوبة إليه؛ لأنه لو قد أخرت عقوبة المجاهر لعرضت قلوب الضعفاء للفتنة في الدين، وقربهم من الشك في أمر الله، فكان استهدافه لسهام الانتقام من حيث مجاهرته بعصيان الله ﷾، فلذلك قال رسول الله - ﷺ -: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، فإنه يعني أن الطائع قد شملته العافية، وأن من قدرت عليه المعصية فستر ذلك، فإنه في عافية من الله إذ لم يفضح نفسه، وقد رجي له يتوب إلى الله في السر كما عصاه في السر، فتكون العافية شاملة له.
فأما المجاهر فإنه يجرى مجراة مجري شارب الخمر، لو قد تاب فيما بينه وبين الله ﷿ لسقط عنه الحد، فأما لو قامت البينة عليه عند الحاكم بذلك ثم تاب، لم تكن التوب مزيلة للحد الذي وجب عليه.
[ ٦ / ٢٣٢ ]
-١٩٥٥ -
الحديث السابع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي)].
* قد سبق تفسير هذا الحديث، وهو يشتمل تفضيل المدينة، وعلى فضيلة البقعة التي بين البيت والمنبر.
وقال الخاطبي: من لزم طاعة الله في هذه البقعة آلت به إلى روضة من رياض الجنة، ومن لزم عبادة الله عند المنبر سقي يوم القيامة من الحوض.
-١٩٥٦ -
الحديث الثامن عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (سبعة يظلهم الله (٣١/ ب) في
[ ٦ / ٢٣٣ ]
ظله؛ يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلات تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقها عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه).
وفي رواية: (ورجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه)].
* في هذا الحديث من الفقه أن هذه الأوصاف السبعة لا يقدر أن يجمعها إلا إمام عادل؛ فإنه إذا كان قد نشأ في طاعة الله، وتعلق قلبه بالمساجد، وأحب رجلًا في الله، وأحبه ذلك الرجل في الله، جمع فيه الأوصاف كان له هذا الأجر.
* والفقه في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - عين ظل عرش الله ﷿ يوم لا ظل إلا ظله لكل صنف من الناس، كانت في ذلك الصنف واحدة من هذه الصفات؛ فبدأ بالإمام؛ لأنه الأحق أن يبدأ به.
* وأما قوله: (عادل)؛ فإن الإمامة لها شرائط، يجمع بين أشراطها تسميته إمامًا. ولم يقل رسول الله - ﷺ -: زاهد، ولا ورع، ولا خائف، ولا
[ ٦ / ٢٣٤ ]
غير ذلك؛ لأن ذلك كله دخل في اشتراط الإمامة، ثم ذكر المهم بعد عقد الإمامة وهو اشتراط العدل، ومعنى العدل مأخوذ من الاعتدال، وهو القوي في أمر الله، لكن إلى الحد الذي لا ينتهي إليه العنف، الرفيق بخلق الله؛ لكن لا إلى الحد الذي ينزل إلى الضعف؛ فيكون من الاعتدال عنده ألا يجبن عن استيفاء حد، وقتل باغ، وقطع سارق وغير ذلك مما ينبغي أن يكون (٣٢/ أ) حسمًا لدواعي الفساد.
كما ينبغي أن يكون رفيقًا بالأرملة، حدبًا على اليتيم، موقرًا للعلماء، مدنيًا للفقهاء، وقافًا عند كتاب الله ﷿، مجالسًا للقراء؛ فيكون معتدلًا في طرقه، داخلًا في فضل الله من كلا بابيه.
وإذا كان مقيمًا للصلاة، آمرًا بالشرع، صائنًا لدماء المسلمين وفروجهم، مناضلًا من وراء بيضتهم، كافًا لبوائض الشعث، باذلًا في ذلك وسعه بمقتضى وقته، ناويًا إبلاغ الحق مبالغه عند تمكنه، فذلك واجب وقته، ومن عدله أن يجد في أخذ الصدقات وصرفها إلى وجوهها، وكذلك في أخذ الجزية والخراج وسائر وجوه الفيء، وصرف كل شيء منه في منصرفه الذي عينه الشرع له، وألا يترك من ذلك شيئًا لأحد بغير موجب شرعي.
* وأما الشاب الناشئ في عبادة الله؛ فإنه إذا كان في شبابه- وهو الأجدر أن يترخص فيه المترخصون- صاحب تقوى، كان في شيبه أحق بالتقوى، وأخلق بها، فذكر النبي - ﷺ - الشباب ليستدل به على صلاحيه علو السن، ومعنى نشأ في عبادة الله: أي نشأ مسلمًا، بين أبوين مسلمين، غذواه بالإسلام فعرف الحق.
[ ٦ / ٢٣٥ ]
* وأما المعلق القلب بالمسجد؛ فإنه يكون فوق أن يلازم مسجدًا واحدًا، ولكن يكون همته بمساجد المسلمين وقيام الجماعات فيها، متفقدًا عمارتها، وأهلها، فيكون قلبه معلقًا هاهنا من العلاقة، من قولك: علقت بكذا، إذا أشرب قلبك ذلك، إلا أن قوله: (معلق) بتشديد اللام يقتضي تكثير ذلك منه؛ وذلك أن المساجد (٣٢/ ب) منازل الآلاف في الله ﷿، فكما أن الآلاف من أهل الدنيا يشتاقون الديار التي اجتمعوا فيها بآلافهم، ويحنون إلى المنازل التي صاحبوا فيها إخوانهم؛ فكذلك المؤمنون تتعلق قلوبهم بالمساجد من حيث إنهم فيها عرفوا الإخوان في الله ﷿، وهي الأماكن المنسوبة من بين الأرض كلها إلى الله؛ لكونها بيوتًا له.
* وأما الرجلان المتحابان في الله ﷿؛ فإنهما يعرفان بأن ينظر إلى الجامع بينهما، وأنه ليس عن قرابة ترعى، ولا عن رحم تبل، ولا عن تجارة تضم، ولا عن سفر يجمع، ولا عن دنيا ترب، ولا عن خدمة مخدوم تجمع؛ بل حب لله ﷿، يعرف هذا من هذا حبه لله، ويعرف هذا من هذا حبه لله، فيتحابا في الله من حيث إنهما إذا اجتمعا تذاكرا ذلك وأفاضا فيه، وتعاوداه وتهاديا أذكاره فاجتمعا على ذلك إذا اجتمعا، وافترقا على ذلك إذا افترقا، فكانا من المتحابين في الله ﷿، فإن اتفق أن يكونا نسيبين، لكل واحد منهما في حب الله ﷿ معاملة من صلة الرحم منه فذلك أفضل؛ فإن كان أحدهما يحب الآخر في الله ﷿ بحسب ما ظهر له من أمارات حب الله، فلم يكن باطن الآخر على ما كان عليه ظاهره، أثاب الله المخلص ولم يأخذه بجريرة الغال.
* وأما الصدقة التي يخفيها المتصدق حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه؛
[ ٦ / ٢٣٦ ]
فإن هذا هو المبالغة في الصدقة؛ وقد حكى الشيخ أبو عبد الله (٣٣/ أ) محمد ابن يحيى﵀- أنه اجتهد مرة في ذلك حتى أخفاها عن الذي أخذها، ووصلت إليه بأن حضر إلى السوق فاستام من بزار سلعة تساوي عشرة فأعطاه فيها عشرين، وهو يعلم قيمتها، وكذلك فعل مع تاجر آخر فتصدق عليها بعشرين دينارًا وهما لا يعلمان. وقال لي: رأيت أحدهما بعد ذلك وهو يقول لتاجر آخر معناه: إني كنت في شدة، فجاءني رجل فاشترى مني ما ربحت فيه عشرة دنانير؛ كأنه كان ملكًا. قال: فهذا من دقائق الإخفاء.
ويجوز أن يكون معنى قوله: (لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) أي إن لكل مسلم أهل يمين وأهل شمال، فأهل اليمين الذين يحبون منه الخير، ويأمرونه به، ويحضونه عليه، وأهل الشمال هم الذين يأمرونه بالشر، ويريدونه منه، ويحضونه عليه، فإذا أراد المؤمن فعل الخير فإنه يستره من أهل شماله لئلا يفسدوه عليه ويصرفونه عنه، فيكون إذا أنفق نفقة لم تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
وقول الله سبحانه: ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ أي إنكم كنتم تأتوننا في زي أهل اليمين فغررتمونا بذلك حتى أوردتمونا الموارد.
* وأما الرجل الذي دعته امرأة إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله، فإنه شرف مقامه بأن ثبت عقله وغرز دينه عند استدعاء المرأة منه غشيانها، على ما في الرجال من الشهوة والقوة، وفي النساء من الحياء والركة، وهذا من مقامات البلايا العظام، فلذلك شرف.
[ ٦ / ٢٣٧ ]
ورأيت في المنام امرأة (٣٣/ ب) قائمة، وبيني وبينها ساقية لا ماء فيها، وفرحت بذلك من حيث إن الماء فتنة، كما ذكره ابن سيرين وكرر ذكره، فلم يكن بيني وبينها فتنة بحمد الله ومنه، فجعلت يدها على وجهها ثم أسفرت بعد ذلك فرأيتها جارية شابة بيضاء، ثم إنها بعد ذلك كشفت فرجها ثم وثبت إلى الجانب الذي أنا فيه فخفتها، فقلت لها: والله إنك لصالحة لي أو نحو هذا؛ ولكني أخاف رب العالمين ووليتها ظهري، وانصرفت عنها، ونسأل الله تعالى حفظنا من الفتن في الدنيا والآخرة.
* وأما الذي ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه؛ فإنه تحقق إخلاصه في البكاء؛ لأنه قد يبكي الإنسان في الجماعة؛ ولا يبكي في الخلوة، فأخبر رسول الله - ﷺ - أن الاعتبار بمن ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، معرفًا أهل البكاء أن الاعتبار بما يفيض من الدموع في الخلوة؛ حيث لا يعلم ذلك إلا الله سبحانه.
-١٩٥٧ -
الحديث التاسع عشر بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كا تأرز الحية إلى جحرها)].
* حجر الحية: هو الذي خرجت منه، فلذلك تأرز إليه، فقال: أرزت الحية إلى جحرها تأرز أرزًا، إذا انضمت واجتمع بعضها إلى بعض فيه. والإيمان إنما خرج من المدينة وإليها يرجع، فأراد أن الإيمان بالمدينة آمن ما
[ ٦ / ٢٣٨ ]
كان على نفسه، كما أن الحية آمن ما تكون إذا أرزت إلى حجرها؛ لأن رسول الله (٣٤/ أ) - ﷺ -، قد وعد بأن على أنقابها الملائكة يحرسونها من الدجال، وأن الطاعون لا يدخلها.
-١٩٥٨ -
الحديث العشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -: (نهى عن بيعتين، وعن لبستين، وعن صلاتين؛ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد، يفضي بفرجه إلى السماء، والملامسة والمنابذة).
وأخرجه مسلم مختصرًا: (نهى عن الملامسة والمنابذة).
وفي رواية لهما عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن لبستين: أن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، ليس على فرجه شيء، وأن يشتمل بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه- يعني منه- شيء، وعن الملامسة والمنابذة).
وفي رواية عن أبي هريرة: (نهى عن صيامين وبيعتين: الفطر والنحر، والملامسة والمنابذة).
وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: (نهى عن بيعتين: الملامسة والمنابذة).
أما الملامسة، فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل.
والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه الآخر).
[ ٦ / ٢٣٩ ]
وعند أبي مسعود في الحكاية عنهما بأن أبا هريرة قال: (ينهى عن صيام يومين، وعن بيعتين، وعن لبستين).
وفي رواية: (نهى عن الملامسة والمنابذة).
وفي رواية: (نهى عن بيعتين، وأن يشتمل الصماء، وأن يحتبي).
وبعض النسخ: (نهي النبي - ﷺ - (٣٤/ ب) عن لبستين، وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد؛ ثم يرفعه عن منكبيه، وعن بيعتين: اللماس والمنابذة).
وفي رواية: (نهى عن صيام يومين: الأضحى والفطر)].
* وقد سبق بيان هذا الحديث، وذكرنا أن النهي عن هذه البيوع كان لأجل الغرر، وإنما نهى عن اشتمال الصماء لئلا تبدو العورة.
-١٩٥٩ -
الحديث الحادي والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: (يوشك الفرات أن يحسر
[ ٦ / ٢٤٠ ]
عن كنز من ذهب، فمن حضره، فلا يأخذ منه شيئًا).
وفي رواية: (عن جبل من ذهب).
وفي رواية: (لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أن الذي أنجو).
وفي رواية: (إن رأيته فلا تقربه)].
* قد سبق هذا الحديث وتفسيره، وقلنا: إنه يجوز أن يكون المعنى فيه أن ما يصيب مدامع الفرات فيه من الأرض، وما يحصل من استغلال ذلك، إذا مثله الإنسان في عينه وصوره، رآه من حيث الكثرة كجبل من الذهب، وإن الناس ازدحموا عليه، واقتتلوا فيه، فكان السالم منهم في العاطبين واحدًا من مائة.
-١٩٦٠ -
الحديث الثاني والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب).
[ ٦ / ٢٤١ ]
وفي رواية: (إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات (٣٥/ أ)، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن يفهم منه حض النبي - ﷺ - على التبين للقول قبل النطق به، ألا تراه - ﷺ - يقول: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يتبين فيها)، والتبين: تفعل، وذلك من البيان؛ يعني - ﷺ -: لو تبين فيها لا طلع على ما يخاف من إلقائها معه؛ فإذا نطق بها فاته زمان التبين.
* ومن الفقه فيه: ألا يذكر لهذه الكلمة مثال؛ فإن النبي - ﷺ - لم يذكر لها مثالًا؛ فيفهم من تركه - ﷺ - ذكر المثال لها مع تشديده في التحذير من ذكرها إيثاره، نخشى منه كل عوراء من الكلام مما يوتغ دنيا أو بهيج فتنة أو يثير بين الناس شرًا؛ لتجويز أن تكون هي الكلمة التي حذر رسول الله - ﷺ - منها.
* وقوله: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا)؛ يعني - ﷺ -: يلقي، أنه على نحو قولنا: يجد، فكأنه إذا نطق فيها لا يجد لها مؤنة يرفعه الله بها درجات.
ولقد حدثني الشيخ أبو عبد الله محمد بن يحيى﵀- فيما حدثني أن الرجل إذا حضر في مجلس ملك أو جبار، فصال ذلك الجبار على مستضعف في مجلسه، وكان إلى جانب ذلك المستضعف رجل مؤمن، فقطب المؤمن وجهه كالنافر من أن يبسط وجهه عند الصيال على المستضعف
[ ٦ / ٢٤٢ ]
أو أكرم الجبار مؤمنًا فيبسط وجهه نافرًا من أن يقبض وجهه في موضع يستحسن منه بسطه لإكرام المؤمن، فإنه يرفعه (٣٥/ ب) الله به درجة، أو كما قال ﵀.
وهذا أيسر من النطق؛ فإن الإنسان قد يتكلم الكلمة من رضوان الله، مثل أن يرى مؤمنًا ينكر منكرًا، وقد اعترض الآخر ينكر على المنكر، فيقول لذلك: لا تخذل الحق، فهي كلمة لطيفة ليست عليه فيها مؤنة يرفعه الله بها درجات.
-١٩٦١ -
الحديث الثالث والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه، فليستنثر ثلاث مرات؛ فإن الشيطان يبيت على خياشيمه)].
* في هذا الحديث إشارة من النبي - ﷺ - إلى الوضوء عند القيام من نوم الليل؛ فإنه بذلك يصلح له الاستنثار، وذلك الاستنثار هو الذي يطرد الشيطان، وإلا فالأمة مجمعة على أنه إذا انتبه من نومه لم يجب عليه الاستنثار.
* وقوله: (يبيت على خيشومه)، فيه ما ينبه على أن الشيطان يخرج من النفس، ويدخل مع النفس، ولعل الله شرع الاستنثار في الوضوء ليغسل آثار الشيطان.
[ ٦ / ٢٤٣ ]
والخيشوم: الأنف، وخياشيم الجبال: أنوفها.
-١٩٦٢ -
الحديث الرابع والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (نهى النبي - ﷺ - أن تنكح المرأة على عمتها، والمرأة على خالتها)، فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة؛ لأن عروة حدثني عن عائشة، قالت: (حرموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب).
وفي رواية لمسلم: (لا تنكح العمة على بنت الأخ، ولا ابنة الأخت على الخالة).
وفي رواية: (نهى رسول الله - ﷺ - أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها). قال الزهري: فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة.
وفي رواية: (لا يجمع بين (٣٦/ أ) المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها).
وفي رواية عن أبي هريرة قال: (نهى رسول الله - ﷺ - أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها).
وفي رواية: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها).
وفي رواية: (نهي عن أربع نسوة أن يجمع بينهن: المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها).
وفي رواية عن النبي - ﷺ - أنه: (نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، أو تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في صحفتها؛ فإن الله رازقها).
وفي رواية: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يسوم على سوم
[ ٦ / ٢٤٤ ]
أخيه)].
* قد سبق الكلام على هذا الحديث، وبينا أنه إنما وقع النهي لئلا يحصل التنافس فيوجب التقاطع.
-١٩٦٣ -
الحديث الخامس والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -، قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي).
وفي رواية لمسلم: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل). قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: (يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك، ويدع الدعاء)].
* في هذا الحديث من الفقه: إشعار العبد بأن الله سبحانه يجيب كل داع على الإطلاق؛ إلا أنه قد يكون سوء اختيار الداعي ما لا يرضي الله، لفضله أن يجعله تبعًا لسوء ذلك الاختيار، فيكون إما يدعو بإثم قد شرع الله فيما أوجب على عبده ألا يأتيه، فكيف يصلح لعبد أن يسأل الله سبحانه أن يؤتيه
[ ٦ / ٢٤٥ ]
ما هو نهى عنه؛ أو يكون قد أداه سوء اختياره إلى طلب الأدنى بدلًا من الذي هو خير؛ فيكون من نظر الله له أن يسرع إجابته، أو يكون قد دعا عبد على عبد، وقد (٣٦/ ب) دعا ذلك المدعو عليه على الداعي عليه، فترتفع الدعوتان إلى الله ﷿ فيتعارض السؤالان، فيكون من جود الله سبحانه وفضله ألا يرد هذا ولا هذا؛ ولكن يترفق بهما معًا إلى أمد: إما بأن يصلح بينهما أو يؤخرهما ليصطلحا، فترديد الخصوم يفضي إلى صلحهم، أو يكون حين دعا الداعيان أحدهما أرحم وأرفق بالآخر، فيسرع إجابة الأرفق والأرحم نظرًا منه سبحانه لهما كليهما؛ أو يدعو والد على ولده في غيظه أو ضجره، فيؤخر الله إجابته عالمًا سبحانه من الوالد أن سيشكر بعد قليل ترك الإجابة.
فإذا غفل الداعي عن حكمة الله تعالى التي هذه الوجوه التي ذكرناها بعضها وجزء منها، فنسب تأخير الدعاء إلى ما يناسب سوء اختياره ولا يناسب جود الله وحكمته، فطفق يقول لنفسه أو لغيره: دعوت فلم يستجب لي، مثربًا بذلك لجهله.
ثم إنه يغاضب بترك الطلب ومراجعة السؤال جهلًا منه وقلة فقه، فحذر رسول الله - ﷺ - من ذلك، على أنه لو تتابعت هذه المواقع من إجابة هذا السائل السيئ الاختيار الذي أخبرنا الله سبحانه أنه قد يكره الشيء وهو خير له، ويحب الشيء وهو شر له حتى ينتهي إلى حين موته، فإن الله ﷾ يمنعه جوده من أن يجب سوء الاختيار، وقد أخبرنا سبحانه أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فحينئذ يصرف الإجابة من الدنيا إلى الآخرة،
[ ٦ / ٢٤٦ ]
ويجيبه في دعوات معدودة لأوقات معلومة أحوج ما كان لأنفع ما تكون بأن يقال له: دعوت في وقت كذا (٣٧/ أ) بكذا، فمنع من إجابتك كذا وادخر لك إلى اليوم فاطلب كذا، فيود كل من أجيب إلى الدعاء في الدنيا أنه لم يكن أجيب؛ لما يرى من ربح من أخرت إجابته.
-١٩٦٤ -
الحديث السادس والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحدًا فيعطيه أو يمنعه).
وفي رواية: (لأن يحزم أحدكم حزمة من حطب فيحملها على ظهره فيبيعها خير له من أن يسأل رجلًا يعطيه أو يمنعه).
وفي رواية قال: (والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلًا أعطاه أو منعه).
وفي رواية: (لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يغدو- أحسبه قال: إلى الجبل- فيحتطب ويبيع ويتصدق خير له من أن يسأل الناس).
وفي رواية: (لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغنى به عن الناس خير من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه، ذلك بأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)].
[ ٦ / ٢٤٧ ]
* هذا الحديث قد تقدم تفسيره في مسند الزبير بن العوام وفي مسند عبد الله بن عمر ﵄، وتكلم عليه.
-١٩٦٥ -
الحديث السابع والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم - ﷺ - يقول: (من قذف مملوكه وهو بريء مما قال، جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال).
وفي حديث ابن نمير: (من قذف مملوكه بالزنا: يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أشعر ذوي الرقيق أن الله ﷾ ملكهم منهم شيئًا معينًا، فليس لهم أن يجاوزوه، وإن أعراض الرقيق ليس مما دخل في ملك السيد؛ فإذا قذف السيد عبده بالزنا ولم يكن للعبد في هذا الدار من الانبساط ما يوازي (٣٧/ ب) عرضه عرض سيده كان التأجيل لهذا الجزاء إلى ذلك العدل، ومحل وزن الحق، ورفع الملكة، وإذا نشرت الدواوين التي كانت في الدنيا مطوية اقتص العبد من سيده.
[ ٦ / ٢٤٨ ]
* وقوله: (ألا أن يكون كما قال): دليل على انه بين العبد وبين الحر فرق في القذف؛ فإن الرجل لو رأى حرًا يزني فقذفه بالزنا ولم يقم البينة جلد بخلاف العبد إذا قذفه سيده.
-١٩٦٦ -
الثامن والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لن يدخل الجنة أحدًا منكم عمله الجنة) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة).
وفي رواية: (ولكن سددوا).
وفي رواية: (قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحدكم بعمله)، قالوا: ولا أنت؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه بشرى للمؤمن أنه لو كانت أعمال المؤمنين تدخلهم الجنة لكانت توازي أمدًا معلومًا، ثم ينقطع، فلما كانت الإحالة
[ ٦ / ٢٤٩ ]
على الرحمة دل ذلك على أنهم مخلدون بالرحمة، وتمتد لهم فلا تنزع منهم أبدًا.
* وفيه أيضًا أن العمل لا ينجي من سخط الله؛ وذلك لأن انتقام الله سبحانه لا يقاومه عمل عامل، وإنما يدفع العظيم بالعظيم، والأعمال التي نعلمها من من الله علينا بأن وفقنا لها، وأخبرنا أن أعمالنا ما يرضاه، فإذا أدخل أهل الجنة، وجاد عليهم بمنه الواسع؛ فذكروا ما كان منهم من الأعمال التي أخبر أنها له رضى، استلذوا بذكرها في تلك الأحوال، كما أن الشهيد إذا أكرمه الله بالكرامة العظمى وغمره من الجود لما يخجله من ذكر التقصير في الشكر، ذكر أنه قطع السيوف في الجهاد فوجد لذلك التقطيع لذة لا يتخذها في الجنة.
-١٩٦٧ -
الحديث التاسع والعشرون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلًا، كلما غدا أو راح)].
* في هذا الحديث أن المساجد بيوت الله ﷿، وأن الوافدين إلى بيوته يقومون مقام الضيوف فيعد لهم النزل لغدوهم ورواحهم إلا أنه من نزل تقوى به الأرواح لا الأبدان فينتقل إلى نزل الآخرة.
[ ٦ / ٢٥٠ ]
-١٩٦٨ -
الحديث الثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة ولا اللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا﴾.
وفي رواية: (ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان؛ ولكن المسكين الذي ليس له غنى فيستحيي، أو لا يسأل الناس إلحافًا).
وفي رواية: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان؛ لكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس).
وفي رواية: (ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس)].
* في هذا الحديث من الفقه: إيقاظ رسول الله - ﷺ - المؤمن؛ لأن يشتد بفقده لأشد المسكنة؛ فيكون نظره إلى ما قلت عنه الحيلة في تعرفه ولم (٣٨/ أ) يظهر، ولا يفطن له، ولا فيه قحة فيستهين بالسؤال، ولا عنده غنى فيمكنه التماسك، فقول رسول الله - ﷺ -: ليس المسكين (بالألف واللام) الذي هو
[ ٦ / ٢٥١ ]
على الحقيقة المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان، وإنما المسكين على الحقيقة الذي هذه حاله.
وأما قوله تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا﴾ فهو نكرة يعني به: مسكينًا من المساكين، فهو أعم في الشياع. وقول رسول الله - ﷺ - هذا فيه تخصيص؛ لأنه بين أشد المساكين حاجة وحالًا، فهو من جملة ما يتناوله تعميم القرآن.
* ففقه الحديث: أن رسول الله - ﷺ - قد حث على شدة التفقد؛ ليكون البر واصلًا إلى الأحوج فالأحوج.
-١٩٦٩ -
الحديث الحادي والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما سمعا رسول الله - ﷺ - يقول: (ما يصيب المؤمن، ومن وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر به من سيئاته)].
* في هذا الحديث من الفقه إعلام النبي - ﷺ - أمته أن نصبها ووصبها وسقمها وحزنها وهمها يكفر الله به من خطاياها؛ وذلك لأنه لما كانت الدنيا عند الله ليست رضى منه لعباده المؤمنين مقرًا له دائمًا، وكانت حكمته أن يخرجهم
[ ٦ / ٢٥٢ ]
عن هذا المقر الأدنى إلى مقر أعلى؛ فأحل بهم سبحانه من المزعجات ما ينفرهم عنه ويزعجهم منه، وكان من لطفه بهم أن لا يعرض لهم الألم إلا بثواب وثمن هو تكفير السيئات عنهم، فجمع لهم (٣٨/ ب) بين تكفير الخطايا والإزعاج عن هذا المقر الأدنى والارتياح للخروج منه إلى دار المقامة.
-١٩٧٠ -
الحديث الثاني والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أمرت بقرية تأكل القرى، تقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد)].
* لما قسمت كنوز كسرى وقيصر وسائر ملوك الأرض في المدينة، وأكلها أهلها، كانت كأنها كانت القرى، ومخضت الحروب الدنيا شرقًا وغربًا حتى أجلة مخضها عن زبدة كانت منقولة إلى المدينة أو منقولة بأمر من كان في المدينة.
* وقد مضى تفسير قوله: (تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد).
[ ٦ / ٢٥٣ ]
-١٩٧١ -
الحديث الثالث والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم، قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذلك لك)، ثم قال رسول الله - ﷺ -: (اقرؤوا إن شئتم: ﴿إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (٢٢) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾.
وفي رواية للبخاري: (إن الرحم شجنة من الرحمن، فقال الله: من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته)].
* شجنة أي: وصلة، والشجنة والشجنة كالغصن يكون من الشجرة.
* وفي هذا الحديث من الفقه- بعد ما قد تقدم ذكر مما يناسبه- دليل على أن النطق يقرب من الأفهام بالأمثال التي تصوره (٣٩/ أ) شخصًا؛ ليكون ذلك داعية إلى استيعاب الفهم لذلك المعنى.
والرحم مشتقة من لفظ الرحمن، كما أن الغصن يتشعب من أصل.
[ ٦ / ٢٥٤ ]
* وقوله: (هذا مقام العائذ بك)، يعني: أنها تذكر لربها ﷿ ما وضعها عليه؛ فإنه ﷻ شرع لها في الميراث ما شرع، وحرم من نكاحها ما حرم، وشبك بين القرابات بها، فإذا أحد أخذ في قطعها فقد شرع في قطع ما شرع الله أن يوصل فلذلك استغاثت، وقالت: (هذا مقام العائذ بك)؛ فإن هذا القاطع يجد ما أمرت بصلته، ويقطع ما أبرمه فضلك، ويبت ما أحكمه شرعك، وكان جوابها: (من وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته).
-١٩٧٢ -
الحديث الرابع والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: رسول الله - ﷺ -: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الله ﷾ خلق ملكين، وجعل شغلهما الذي خلقهما لأجله أن يدعوا الله ﷾ بأن يخلف على المنفق، ويتلف على الممسك، وأن يكون ذلك هجيراهما صباحًا ومساءً، وهو سبحانه كان غنيًا عن أن يسأل في هذا، ولكنه أعلمنا على لسان رسوله - ﷺ - أنه: سبق مني خلق ملكين يواصلان السؤال لهذا وأنا لا أرد، فحذر الممسكين وبشر المنفقين.
[ ٦ / ٢٥٥ ]
-١٩٧٣ -
الحديث الخامس والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - (٣٩/ ب): (ما تصدق أحد بصدقة من طيب- ولا يقبل الله إلا الطيب_ إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله).
وفي رواية: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله- في الإسناد- ولا يقبل الله إلا الطيب- فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها؛ ما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل).
وفي رواية: (ولا يصعد إلى الله إلا الطيب).
وفي رواية: (ولا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب، إلا أخذها الله بيمينه، يريبها كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه، حتى تكون مثل الجبل أو أعظم).
وفي رواية: (ولا يصعد إلى الله إلا كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم).
وفي حديث سليمان بن بلال: (من الكسب الطيب فيضعها في حقها)، وفي رواية روح: (فيضعها في موضعها)].
[ ٦ / ٢٥٦ ]
* في هذا الحديث بعد ما تقدم ذكره أن الله سبحانه أخبرنا أنه يجزي المتصدقين بأحسن ما كانوا يعملون، وهو سبحانه يجزي المتصدقين بالتمرة حتى إنا لو قدرنا غرس النواة التي هي أدنى ما فيها في أزكى مغرس فصارت نخلة، ثم أثمرت فغرس النوى الخارج منها فصار من كل نواة نخلة ثم اتصل لله إلى يوم القيامة، ثم حسب ذلك التمر في وقت التصدق به بأوفر الأثمان في مكان لا يوجد فيه غيره، ثم يشترى بالثمن أرخص ما يوجد في موضعه، ثم بيع أعلى ما يوجد حتى يصبر مثل أحد مرارًا؛ فهذا معنى المضاعفة.
* وقوله: (من كسب طيب)؛ فإن الله تعالى إنما يثيب العبد على ما أنفق من ماله، وإذا أنفق من مال مغصوب (٤٠/ أ) لم يكن قد أنفق ماله؛ إنما أنفق من مال غيره؛ فلم يكن من المنفقين أموالهم كما قال ﷿: ﴿الذين ينفقون أموالهم﴾؛ فإذا أنفق من ماله فهو الذي يأجره الله عليه، وذلك هو الكسب الطيب، وهو الذي يكسبه بالشرع، فقد طابت طرق حصوله، وينبغي له ألا يزدري النذر من الإنفاق؛ فإنه سيربو في التضعيف أضعاف ما يأمل المتصدق به.
* الفلو: المفطوم، يقال: فلوته عن أمه؛ أي فطمته.
والفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن أمه، وأصله من القطع.
[ ٦ / ٢٥٧ ]
-١٩٧٤ -
الحديث السادس والثلاثون بعد المائة:
[عن سعيد بن مرجانة صاحب علي بن الحسين ﵉ عن أبي هريرة: قال لي رسول الله - ﷺ -: (أيما رجل أعتق امرأ مسلمًا، استنقذ الله بكل عضو من عضوًا من النار). قال ابن مرجانة: فانطلقت به إلى على بن الحسين﵉- فعمد علي بين الحسين إلى عبد له قد أعطاه به عبد الله بن جعفر﵁- عشرة آلاف درهم- أو ألف دينار- فأعتقه).
وفي رواية: (من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار، حتى فرجه بفرجه).
وفي رواية: (من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل إرب منها إربًا منه من النار)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الأعمال تجانسها الأجور، وإن الله ﷿ لما ضرب الرزق على العبد، وجعله في ذلك عبد آخر، كان من فطنة المولى أن ينظر إلى أنه هو ملك لله ﷿، فيرى أن تخليصه عبده من رق نفسه
[ ٦ / ٢٥٨ ]
بعرض لالتماس عتق ربه نفسه من عذابه (٤٠/ ب)، فوعد النبي - ﷺ - ذلك على العتق، وإن الله تعالى يعتق بكل عضو من العبد عضوًا من المعتق حتى الفرج الذي تحاشيا من ذكره بالفرج.
-١٩٧٥ -
الحديث السابع والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - فيما يحكيه عن ربه ﷿، قال: (أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي، علم أنه له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب ذنبًا، فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال: ﵎: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب).
وفي رواية: (اعمل ما شئت فقد غفرت لك).
قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: (اعمل ما شئت).
وفي رواية: (وفي الثالثة: قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء)].
[ ٦ / ٢٥٩ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن قوله: (أذنب عبد ذنبًا)، أن نطقه نطق الماضي، إلا أنه يحتمل أنه يراد به المستقبل، ولم يذكره النبي - ﷺ - إلا مبشرًا به لمنه وشارعًا لهم فقهه.
وقوله: (أذنب عبد ذنبًا)، وتنكير العبد في هذا أبلغ من تعريفه؛ لأن النكرة فيها من الشياع ما ليس في المعرفة من جهة أن قوله: (أذنب عبد) أي: عبد أذنب، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي؛ وهذا لأنه لما واقع المذنب الذنب فوفق لأن عقبه بقوله: (اللهم اغفر لي ذنبي)، ودليل التعقيب قوله: فقال: اللهم اغفر لي، والفاء تعطف بغير مهلة، ويعني اغفر لي ذنبي (٤١/ أ) أي: استره؛ إذ الغفر أصله الستر، ثم اعترف بأنه ذنب، وهذا يدل على أن هذا الذنب لم يكن بدعة؛ فإن المبتدع لا يعرف أنه على ذنب، فلا يستغفر من بدعته.
* وقوله: (علم أن له ربًا) أي: دعا دعاء مؤمن؛ قد آمن أن الله يغفر الذنوب على أن له أن يؤاخذ بها، وإنما قدم المغفرة على المؤاخذة لكرمه سبحانه، فلما راجع العبد الذنب وراجع التوبة روجع العفو، فلما عاد فبلغ الثلاث وهي أول الجمع غلب كرم الله تعالى ذنوب هذا العبد، فعم الماضي وما يستقبل، وكأن الله تعالى قال: يا محمد، أعلم هذا العبد، وكل عبد مثله، أني قد غفرت له؛ فليعمل ما شاء؛ لأن تكريره الطلب بحسن الأدب اقتضى من كرمي الإطلاق؛ فليكن الآن ناظرًا إلى أني استحييت من كثرة سؤاله فتركته ليرده استحياؤه.
[ ٦ / ٢٦٠ ]
-١٩٧٦ -
الحديث الثامن والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: (إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي لونًا حسنًا، وجلدًا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل- أو قال: البقر، شك إسحاق،- إلا أن الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر- فأعطي ناقة عشراء، فقال: بارك الله لك فيها.
قال: فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ فقال: شعر حسن ويذهب (٤١/ ب) عني هذا الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه، فذهب عنه، قال: وأعطي شعرًا حسنًا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملًا، قال: بارك الله لك فيها.
قال: فأتى الأعمي، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري؛ فأبصر به الناس، قال: فمسحه، فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاة والدًا، فأنتج هذان، وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.
قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرًا أتبلغ به في
[ ٦ / ٢٦١ ]
سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك؟ ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: ورثت هذا المال كابرًا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت.
قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد على هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت.
قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل انقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله، ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلى بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي عنك وسخط (٤٢/ أ) على صاحبيك)].
* في هذا الحديث من الفقه: أن الله تعالى جعل هؤلاء الثلاثة آية من آياته ليذكر بكل منهم أصحاب البلاء من جنسه، وليخوف الناسي فضل الله سبحانه، والجاحد نعتمه؛ وليعلم أن البلاء في الغالب يكون بعرضة أن يزول إلى خير، وأن النعمة في الغالب تكون بعرضة أن تزول إلى هلاك، إلا القليل؛ لأن هؤلاء إنما نجا منهم واحد وهلك اثنان في حالة الغنى.
فالنعمة منسية مطغية، حتى تعود بالمنعم عليه كما ليس الذي كان.
[ ٦ / ٢٦٢ ]
* وفيه أن الصبر على البلاء قد يكون خيرًا للمبتلى من زوال البلاء؛ فإن ذين لما اختاروا السلامة، بأن ما جرى لهما في الصحة أن المرض كان لهما أصلح؛ لأن السلامة كانت سبب هلكتهما، فاستدل من هذا الحديث أن كل من طلب من الله تعالى إزالة ضرر، فلم يجد سرعة الإجابة، فلا ينبغي أن يتهم الله في أقداره، وليعلم أن الله قد نظر له وإليه، وذلك الأعمى فقد رد الله بصره وأقر بصيرته على ما كانت عليه.
-١٩٧٧ -
الحديث التاسع والثلاثون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان).
وفي رواية: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم).
وفي رواية: (من علامات المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)].
* في هذا الحديث من الفقه أن النفاق أصله من النافقاء، وهو أحد حجرة اليربوع، فالكذب يناسبه، والإخلاف يلائمه، والخيانة تطابقه. هذه
[ ٦ / ٢٦٣ ]
الأشياء المذكورة ترجع إلى أصل واحد، وهو النفاق (٤٢/ ب) الذي تنافيه الأمانة، وتباينه الصدق، ويزايله الوفاء.
والمراد من هذا الحديث أن تكون هذه الخلال مستمرة على هذا الشخص، وغالبة على أحواله، فأما إن بدرت منه أو ندر منها شيء لم يخرجه عن درجة الإيمان، وسنزيدها كشفًا في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص إن شاء الله تعالى.
-١٩٧٨ -
الحديث الأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وأغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين).
وفي رواية: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة).
وفي رواية: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - قد أخبر أن رمضان تفتح فيه أبواب الجنة والرحمة، وتغلق أبواب جهنم، وذلك أن شرب الخمور، وضرب الزمور، والتظاهر بالمنكرات التي يكف الناس عنها في شهر رمضان هي أبواب يدخل منها إلى النار، والصيام والقيام والقراءة وفنون
[ ٦ / ٢٦٤ ]
التعبد التي تكون في رمضان، أبواب يدخل منها إلى الجنة، فهي التي تفتح وتغلق في رمضان.
* فأما كون الشياطين تسلسل؛ فهذا الحديث يقتضي ألا يبقى شيطان إلا سلسل، وإنما أخبرنا رسول الله - ﷺ - بهذا ليعلمنا أن في غير رمضان قد كان للعصاة كالعذر؛ يكون إبليس مطلقًا يغوي ويوسوس ويسول هو وجنوده؛ لأن الله تعالى خلقه متصرفًا للمذام وعذرًا في الجملة لأولاد آدم، فإذا سلسل في شهر رمضان انقطع عذر من يحتج بإبليس وتسويله، وقيل له: إن المعصية منك وحدك الآن؛ فاستفيد من هذا القول شدة التحذير من المعاصي في رمضان. (٤٣/ ١)
-١٩٧٩ -
الحديث الحادي والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى خيبر، ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا، وغنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي؛ يعني: وادي القرى، ومع رسول الله - ﷺ - عبد له، وهبه له رجل من جذام يدعى: رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله - ﷺ - يحل رحله، فرمى بسهم كان فيه حتفه، فقلنا: هنيئًا له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله - ﷺ -: (كلا، والذي نفس محمد بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارًا، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم) قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين، فقال: أصبته يوم خيبر، فقال رسول الله - ﷺ -: (شراك من نار- أو شرا كان من نار-).
[ ٦ / ٢٦٥ ]
وفي رواية: ومعه عبد له يقال له: مدعم، أهداه له أحد بني الضباب)].
وقال: إذ جاءه سهم عائر؛ العائر من السهام والحجارة الذي لا تدري من أين يأتي، وهذا الحديث ينهى عن الغلول.
-١٩٨٠ -
الحديث الثاني والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله تعالى- وأحسبه قال:- وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر).
وفي رواية: (وكالقائم لا يفتر).
وفي رواية: (الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل)].
[ ٦ / ٢٦٦ ]
* في هذا الحديث من الفقه أنه أشار إلى فضل السعي، وإنه إذا كان لا عيال له؛ إذ لو (٤٣/ ب) كان له عيال لكان كسبه عليهم فرضًا، وكان أعظم من هذا؛ ولكن إذا لم يكن له عيال فصرف كسبه إلى الأرملة والمسكين، كان كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر، والمجاهد في سبيل الله.
والمراد أن الله تعالى يجمع له ثواب الصائم والقائم والمجاهد في دفعة؛ وذلك أنه قام للأرملة مقام زوجها الذي سلبها إياه القدر، وأرضاها عن ربها، وقام على ذلك المسكين الذي عجز عن قيامه بنفسه؛ فأنفق هذا فضل قوته وتصدق بجلده؛ فكان نفعه إذا الصوم والقيام والجهاد.
-١٩٨١ -
الحديث الثالث والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (اجتنبوا السبع الموبقات).
قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)].
[ ٦ / ٢٦٧ ]
-١٩٨٢ -
الحديث الرابع والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى يقوم رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه)].
* في هذا الحديث وجوب الإيمان بأن الله ﷿ لابد أن يجري ما أخبر به رسوله - ﷺ - من ذلك.
-١٩٨٣ -
الحديث الخامس والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (يعرق الناس يوم القيامة، حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم).
وفي رواية: (أن العرق يوم القيامة ليذهب في الأرض سبعين ذراعًا)].
[ ٦ / ٢٦٨ ]
* قد تقدم ذكر اجتماع الخلائق يوم القيامة، وبينا أن العرق يكون على حسب اجتماعهم وتصاكهم وتضايقهم مما يعني عن إعادته هاهنا.
إلا أنه يشار إليه بأن هذا العرق يكون ذهابه في الأرض سبعين ذراعًا، فيعلم الناس أن الماء البارد في هذا الدنيا لو قد زاد وطغى حتى يعلو على نحو الجبال لم يكن يذهب في الأرض عمقًا على نحو هذا المقدار، وإنما معنى ذلك: أي أنه رشح فيأتي شيئًا فشيئًا، ويكون هذا قد (٤٤/ أ) خرج عن أبدان من أحرقها الخوف مقدرة في حرار في مجتمع أنفاس وزكام يكون هذا الريح على نحو الحميم من شدة حره؛ فلذلك نفد في الأرض هذا النفوذ.
ولأن العرق من الآدمي ينفذ نفوذًا شديدًا؛ لأنه ليس كغلظ الماء بل هو من سرعة نفوذه كالماء الذي قد أنضجته الحرارة، فلم ينفذ إلى ظاهر الجلد منه إلا ما هو في غاية اللطافة؛ فلذلك ما نفذ هذا النفوذ؛ ولطول مكث الناس في القيامة.
-١٩٨٤ -
الحديث السادس والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: كنا جلوسًا عند النبي - ﷺ -؛ فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ قال قائل منهم: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعه، حتى سأل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي،
[ ٦ / ٢٦٩ ]
فوضع رسول الله - ﷺ - يده على سلمان، ثم قال: (لو كان الإيمان عند الثريا، لناله رجاله- أو رجل- من هؤلاء) لم يشك الراوي.
وفي رواية: (لو كان الدين عن الثريا لذهب به رجل من فارس- أو قال- من أبناء فارس حتى يتناوله)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الإيمان والدين يكونان في فارس؛ وقد بان قول رسول الله - ﷺ - في صاحبي هذا الكتاب: وهما الإمامان: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج، وكلاهما فارسيان. إلى غيرهما من أئمة العلم في فنون العلم، وأنواع أقسام الدين والفضائل، إلا أن الذي أراه: أنهما جمعا علم رسول الله - ﷺ - الذي افترق في مذاهب المسلمين وأمور الدين (٤٤/ ب) من أصوله وفروعه، والحلال والحرام، والواجب والمندوب والمستحب، والأخبار الماضية والملاحم وما يكون إلى يوم القيامة، وصورة البعث وقيام الأشهاد والحساب، ومنازل الجنة والنار لساكنيها إلى غير ذلك.
-١٩٨٥ -
الحديث السابع والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يا نساء المسلمات، لا
[ ٦ / ٢٧٠ ]
تحقرن جارة جارتها، ولو فرسن شاة)].
* في هذا الحديث من الفقه ألا يحقر قليل المعروف؛ فإنه لا يحقره إلا قليل العلم، فإنه إذا نظر إلى ما يتقبل الله تعالى منه لم يسغ له احتقار شيء يتقبله الله تعالى.
-١٩٨٦ -
الحديث الثامن والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله تعالى إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)].
* في هذا الحديث من الفقه تبيين رسول الله - ﷺ - أن من كان قبله من الأنبياء كل منهم بعث إلى أمة الغالب عليهم الحسن ونظر الصور والأشكال؛ فكانت
[ ٦ / ٢٧١ ]
الآيات عندهم لا تؤثر إلا فيما يشهد له الحس؛ كانفجار الماء من الحجر، وانفلاق البحر، وطوفان نوح وغير ذلك، وكانت فضيلة رسول الله - ﷺ -، وما من الله به عليه، أن جعل لدينه روحًا ولذة، بحيث تشهد العقول لها لا الإحساس من النور البين، والحكمة العظيمة؛ ولذلك كان أكثر تابعًا يوم القيامة؛ لأن شاهده ما يأخذ بالقلوب ويقصر (٤٥/ أ) النفوس على الحق.
-١٩٨٧ -
الحديث التاسع والأربعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: بينا نحن في المسجد، إذ خرج النبي - ﷺ - فقال: (انطلقوا إلى يهود) فخرجنا معه، حتى جئنا بيت المدارس، فقام النبي - ﷺ - فناداهم، فقال: (يا معشر اليهود، أسلموا تسلموا) فقالوا له: قد بلغت يا أبا القاسم؟ قال: (ذلك أريد، أسلموا تسلموا)، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: (ذلك أريد)، ثم قالها الثالثة، فقال: (اعلموا أن الأرض لله ولرسوله، وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ولرسوله)].
[ ٦ / ٢٧٢ ]
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - دعا اليهود إلى الإسلام أولًا، فلو أجابوه لما طلب منهم غيره، فلما قال له القائل منهم: قد بلغت يا أبا القاسم، قال لهم حينئذ: (فذلك أريد) أي إنما علي البلاغ، وما قال: فذلك أردت؛ لأنه كان يريد أن يسلموا، وإنما قال: (ذلك أريد)؛ لأن في الاستقبال حيث لم يسلموا، فأنا أريد أن أثبت حجة الله عليكم في إبلاغي وأدائي، فلما أبوا ذلك بعد تكريره عليهم ثلاثًا، قال: (اعلموا أن الأرض لله ولرسوله، أني أريد أن أجليكم من هذه الأرض)، ولم يقل: ولي، وإنما قال: (ولرسوله)؛ أي يتصرف فيها بأمر مرسله.
-١٩٨٨ -
الحديث الخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (لا يحل (٤٥/ ب) لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر؛ أن تسافر مسيرة ويوم وليلة، وليس معها محرم).
وفي رواية: (لا يحل لامرأة تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها).
وفي رواية: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم).
وفي رواية: (لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها).
وفي رواية: (لا يحل لامرأة تسافر ثلاثًا إلا ومعها ذو محرم منها)].
[ ٦ / ٢٧٣ ]
* قد سبق بيان هذا الحديث، وتكلمنا في سفر المرأة بغير محرم في مسند ابن عباس ومسند ابن عمر إلا أن الروايات في الصحيح اختلفت: وفي رواية: (ليلة)، وفي رواية: (يوم وليلة)، وفي رواية: (ثلاث)، وهي ممنوعة من قليل ذلك وكثيره.
-١٩٨٩ -
الحديث الحادي والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: (لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده؛ فلا شيء بعده)].
* في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - أقر لربه ﷾ بأنه لا إله إلا هو، ثم قال: (وحده)؛ فيجوز أن يكون توحيدًا للوحدة، ويجوز أن يكون وحده أعز جنده؛ أي إن اجتماع الأحزاب كان الكافي في هزيمتهم هو سبحانه وحده، و(لا شيء بعده): يعني أنه هو الآخر كما قال سبحانه.
-١٩٩٠ -
الحديث الثاني والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قيل: يا رسول، من أكرم الناس؟ قال: (أتقاهم)، فقالوا: ليس عن هذا نسألك؛ قال: (فيوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله)، قالوا: ليس عن هذا نسألكم، قال: (فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا (٤٦/ أ)
[ ٦ / ٢٧٤ ]
فقهوا)].
* في هذا الحديث ما يدل أن الكرم الذي يعنيه العرب: الشرف، وإنما هو التقوى؛ لقول الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، وقوله - ﷺ -: لما سئل عن أكرم الناس؟ قال: (أتقاهم)، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، إنما يريدون عادتهم، فقال لهم: (فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)، وكأنهم أرادوا من النبي - ﷺ - أن يعين لهم فخرًا في العرب خاصة، فإن إمساكهم عن ذلك موافقة للنبي - ﷺ - في المسلمين، وإنما كان النبي - ﷺ - قد فهم مقصودهم، فلما قالوا في المرة الثانية: ليس عن هذا نسألك، أجابهم بأن قال: (فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)، يعني - ﷺ -: من كنتم تعدونهم خيارًا في الجاهلية فلا اعتبار بذلك، فإنهم إذا أسلموا وفقهوا كانوا خيارًا.
فأما إخبار النبي - ﷺ - ليوسف من بين الأنبياء؛ فلأنه معرق في الكرم؛ فإنه نبي، ابن نبي، ابن نبي، ابن نبي.
[ ٦ / ٢٧٥ ]
-١٩٩١ -
الحديث الثالث والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (تنكح المرأة لأربع: لمالها، لحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)].
* في هذا الحديث تفضيل ذات الدين من النساء على غيرها.
* وقوله: (إن المرأة تنكح لمالها، ولحسبها، وجمالها، ودينها)، فإنه لم يأمر أن تنكح المرأة لمالها فحسب، غير أن هذا اختار منه أنه قد يقصد، ولكن ليس بالجيد ولا بالأفضل، فلما وصل بذات الدين أمر ثم حض (٤٦/ ب) وسماه ظفرًا، والظفر لا يشتمل إلا عند كشف شدة وإدراك مطلب سني.
* وقوله: (بذات الدين) (بالألف واللام)؛ يعني به الدين المعروف، وأن تكون مشهورة به.
* وقوله: (تربت يداك)، لفظه لفظ الدعاء، وليس المراد به الدعاء، إلا أنه يستعمل للبعث والحض والإغراء.
* ومن مفهوم هذا الحديث أن المرأة إذا نكحت لمالها، كان ذلك قدحًا في معنى المروءة، من جهة أن الله تعالى جعل الرجل هو المنفق على المرأة؛ فقال تعالى: ﴿قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من
[ ٦ / ٢٧٦ ]
أموالهم﴾، فمن تزوج المرأة لمالها؛ فكأنه قلب ما خلق له إلى المرأة، ورضي بالمقام الأدنى.
* فأما التي تنكح لجمالها؛ فإن الجمال بانفراده من غير دين يكون مجسرًا لها على الصلف؛ فلا يفيد إلا أن يضم إليه الدين؛ بل يكون بلية.
* وكذلك الحسب، فإنها تفتخر عليه، وتتطاول، كما جرى، لاسيما بنت الجون الكندية في قولها للنبي - ﷺ -: وهل تهب المرأة نفسها للسوقة؟!، فشقيت بذلك، فلا يسعد الرجل بذلك إلا بصحبة ذات الدين.
-١٩٩٢ -
الحديث الرابع والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة: (أن رسول الله - ﷺ - دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، فسلم على النبي - ﷺ - فرد، وقال: (ارجع فصل؛ فإنك لم تصل)، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء، فسلم على النبي - ﷺ -، فرد وقال: (ارجع فصل، فإنك لم تصل) ثلاثًا. فقال: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غيره، فعلمني، فقال: (إذا قمت إلى الصلاة، فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد
[ ٦ / ٢٧٧ ]
حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها).
وفي رواية: (٤٧/ أ) (وعليك السلام)، وفيها: (إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن).
وفي رواية: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)].
* قد سبق وصف الصلاة في مسند أبي حميد، ومسند أنس وغيرهما.
* وهذا الحديث يدل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع
[ ٦ / ٢٧٨ ]
منهما، وهذا مذهب أحمد والشافعي وداود رحمهم الله تعالى خلافًا لأبي حنيفة ومالك.
-١٩٩٣ -
الحديث الخامس والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا زنت الأمة، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فليبعها، ولو بحبل من شعر).
وفي رواية عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني، عن رسول الله - ﷺ - أنه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: (إن زنت فاجلدوها؛ ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها؛ ثم بيعوها ولو بضفير)، قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة. قال ابن شهاب: والضفير: الحبل المفتول من الشعر)].
* التثريب: التعيير؛ وهذا لأن الله سبحانه لم يشرع إلا الحد، فإذا استوفاه منها لم يبق عليها شيء، فلا يتسلط عليها التعيير؛ فتصير
[ ٦ / ٢٧٩ ]
عقوبتين، وإنما أمره ببيعها؛ لأنه ربما يكون سيدها يعفها؛ أو ربما يكون ذا زوجات أو ذا سن، فأمر أن يبيعها من يعفها. وقد سبق هذا الحديث (٤٧/ ب) في مسند زيد بن خالد، وقد تكلمنا عليه هنالك.
-١٩٩٤ -
الحديث السادس والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه؛ فلينفش فراشه بداخله إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلف عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين).
وفي رواية لمسلم: (فليأخذ داخلة إزاره؛ فلينفض بها فراشه، وليسم الله ﷿، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه؛ فإذا أراد أن يضطجع، فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك ربي، لك وضعت جنبي، وبك أرفعه)].
[ ٦ / ٢٨٠ ]
* أما قوله: (فلينفض فراشه بداخلة إزاره)، فقد دل على جواز اتخاذ الفراش، فقد نبه - ﷺ - لإشفاقه على أمته على ما يجوز أن يتخذ من فراش وأمره بنفضه بداخلة الإزار، وهي طرف الإزار ليدفع عنه هامة أو عودًا صغيرًا يؤذي النائم.
* وقد سبق ما يقوله النائم عند نومه في مسند علي بن أبي طالب ﵁ وفي مسند أبي ذر، وفي مسند البراء بن عازب، وفي مسند حذيفة، وفي مسند أنس بن مالك ﵃، فمن جمعه من هذه المسانيد وقاله عند النوم، نال أعظم أجر.
-١٩٩٥ -
الحديث السابع والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: (بعث رسول الله - ﷺ - خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، سيد اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه (٤٨/ أ) رسول الله - ﷺ -، فقال: (ماذا عندك يا ثمامة؟)، قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله، حتى إذا كان الغد، قال: (ما عندك يا ثمامة؟) قال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال، فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله - ﷺ -: (أطلقوا ثمامة)،
[ ٦ / ٢٨١ ]
فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، والله ما كان على الأرض أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين كله إلى، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي، وإن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟، فبشره رسول الله - ﷺ -، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: أصبوت؟ قال: لا، ولكني أسلمت مع رسول الله - ﷺ -، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها رسول الله - ﷺ -)].
* في هذا الحديث من الفقه أن ثمامة لم ير أن يسلم وهو في الأسر؛ ولكنه صبر، وبدل ما يلائم الحال حينئذ، فقال: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن رسول الله - ﷺ - لم يقبل منه واحدة من الكلمات التي بذلها؛ لكنه لما رأى كرم ثمامة، وصبره (٤٨/ ب) على الأسر صبرًا، لم يضعف عند تخويف القتل وذهاب المال، واستمر على ذلك يومًا، فرأى رسول الله - ﷺ - أن مثل هذه
[ ٦ / ٢٨٢ ]
النفس تأتي على الجميل والإحسان خلاف ما يأتي على العنف والشدة، فأمر رسول الله - ﷺ - بإطلاقه من غير فداء ولا من؛ لأنه - ﷺ - عرف أن عقل ثمامة عقاله، فلما أطلق عنه الأسر من يديه ورجليه، نقل الصنيعة غلا في عنقه، فأقر بإسلامه عند رسول الله - ﷺ -، كما قال الشاعر:
إذا أطلقوا عنه جوامع غله تيقن أن المن أيضًا جوامع
ويدلل على حسن إسلامه صدقه رسول الله - ﷺ - في قوله: ما كان عندي وجه أبغض، ولا بلد، ولا دين، ثم صدقه في انقلاب تلك الحال.
* وقد دل هذا الحديث على أن اقتناء ثمامة أفضل من اقتناء المال؛ فإن رسول الله - ﷺ - رأى أن اقتناء ثمامة خير من أن يأخذ ماله.
* وفيه أيضًا: أنه بشره، وبشرى رسول الله - ﷺ - لا تنصرف إذا لم يذكر وجهها إلا إلى الأرفع، وهو الجنة، وأنه استأذنه في العمرة، فأذن له، وكان مقام جيش في قطع المادة عن قومه من المشركين.
* وفيه أيضًا جواز قطع المادة عن المشركين حتى يفيئوا إلى أمر الله.
* وقوله: (حبة حنطة) معناه فما فوقها.
-١٩٩٦ -
الحديث الثامن والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -: (لا يمنع جار جاره؛ أن يغرز خشبة في جداره) ثم يقول أبو هريرة: (مالي أراكم عنها معرضين؟ (٤٩/ أ) والله لأرمين بها بين أكتافكم).
[ ٦ / ٢٨٣ ]
وفي رواية عن عكرمة قال: (ألا أخبركم بأشياء قصار، حدثنا أبو هريرة، قال: نهى النبي - ﷺ - عن الشرب من فم القربة، والسقاء، وأن يمنع جاره أن يغرز خشبة في جدار داره)].
* لم يجز لصاحب الحائط أن يمنعه، وهذا لأن المسلم أخو المسلم، فلا ينبغي أن يتلاحيا فيما هذا قدره، ولاسيما مثل قد يفيد الجدار ولا يضره، ولأنه يقويه، وقد يكون وصلة بين الجارين، فإذا أباه الجار أبان عن لؤم ودناءة.
* وقد روي: خشبة، وقد روي: خشبة، توحيدًا وجمعًا، والتوحيد عائد إلى معنى الجمع.
-١٩٩٧ -
الحديث التاسع والخمسون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أنه كان يقول: (بئس الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليه الأغنياء، ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوى فقد عصى الله ورسوله).
وفي رواية لمسلم: (شر الطعام طعام الوليمة).
ومن حديث سفيان بن عيينة، قال: قلت للزهري: يا أبا بكر، كيف هذا الحديث (شر الطعام طعام الأغنياء)؟، فضحك، وقال: ليس هو شر الطعام طعام الأغنياء، قال سفيان: وكان أبي غنيًا فأفزعني هذا الحديث
[ ٦ / ٢٨٤ ]
حين سمعت به، فسألت عنه الزهري، فقال: (حدثني عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة يقول: شر الطعام طعام الوليمة ) ثم ذكر نحو ما تقدم.
وفي رواية: (شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله)].
* في هذا الحديث أن الأطعمة على كونها تتساوى في الأسماء (٤٩/ ب) والأجناس، وأنها تتفاوت من حيث المعاني ومقاصد أربابها، فمن صنع طعامًا ليخص به الأغنياء المستغنين عنه، متكلفًا لهم حضورهم إليه، مع تركه من هو أشد منهم حاجة فذلك منه هو خسران، فمن أعانه على هذا المقصد بإجابته إلى هذا الطعام من الأغنياء فإنه قد شاركه بحصة من سوء مقصده، ولكن إذا صنع طعامًا فحضره الأغنياء والفقراء، كانت تلك الدعوة يتعين الإجابة إليها؛ لأن الطعام أصل وضعه أن يجود به من فضل عنه على من أعوزه، فإذا قلب المعنى فيه وعكست، اختل أصل الوضع.
-١٩٩٨ -
الحديث الستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان)، قيل: وما القيراطان؟ قال: (مثل الجبلين العظيمين).
[ ٦ / ٢٨٥ ]
قال سالم: وكان ابن عمر يصلي عليها ثم ينصرف، فلما بلغه حديث أبي هريرة، قال: أي هريرة، قال: (لقد ضيعنا قراريط كثيرة).
وفي رواية: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (من تبع جنازة فله قيراط من الأجر)، فقال: ابن عمر: أكثر علينا أبو هريرة، فبعث إلى عائشة فسألها، فصدقت أبا هريرة، فقال ابن عمر: (لقد فرطنا في قراريط كثيرة).
وفي رواية: (حتى يفرغ منها).
وفي رواية: (حتى توضع في اللحد).
وفي رواية: (من اتبعها حتى تدفن).
وفي رواية: (من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، (٥٠/ أ)، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن؛ فإنه يرجع بقيراط).
وفي رواية: (من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط، ومن تبعها فله قيراطان)، قيل: وما القيراطان، قال: (أصغرهما مثل أحد).
وفي رواية: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتبعها حتى توضع في القبر فقيراطان)، قال: قلت لأبي هريرة: وما القيراط؟ قال: مثل أحد.
وفي حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص: أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر، إذ طلع خباب صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا
[ ٦ / ٢٨٦ ]
تسمع ما يقول أبو هريرة، يقول: إنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: (من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم تبعها، حتى تدفن، كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد)، فأرسل ابن عمر إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع، فقال: قالت عائشة: صدق أبو هريرة، فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في كفه الأرض، ثم قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة)].
* وقد سبق بيان هذا الحديث في مسند ابن عمر، وهذا المقدار الذي هو القيراط خطاب للناس بما يعرفونه، إلا أن الذي أرى فيه قيراط من قراريط الأجر ووزنه يكون في الأجرة، فهي من حيث ثقلها في الحق وخلوصها في
[ ٦ / ٢٨٧ ]
تبع الجنازة والصلاة على الميت، وشهود دفنه، من الأحوال التي كلها عظة وعبرة وتذكرة، فالحال إذا قمنة بالإخلا؛ فلذلك (٥٠/ ب) ثقلت حتى كان القيراط منها يرجح بأحد.
-١٩٩٩ -
الحديث الحادي والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في الفجر يوم الجمعة: (﴿آلم (١) تنزيل ﴾، ﴿هل أتى على الإنسان ﴾)].
* في هذا الحديث استحباب قراءة هاتين السورتين في يوم الجمعة في صلاة الفجر، و﴿آلم (١) تنزيل ﴾ سجدتها على نحو من نصف السورة، فيكون أدعى للحاق المسلمين معه الركعة والسجدة؛ ولأن توخي قراءة سورة فيها سجدة مستحب يوم الجمعة.
* وأما ﴿هل أتى﴾ فيها توبيخ لمنكري الإيجاد بعدم العدم، لقوله: ﴿هل أتى على الإنسان ﴾، وقيل: هاهنا على وجهها، وليست كما يقول بعض المفسرين: إنها بمعنى قد؛ ولكنها بمعنى السؤال عن المتيقن ليكون
[ ٦ / ٢٨٨ ]
المسؤول ينطق به بلسانه، فيقال: هل مضى عليك حين من الدهر، وما كنت شيئًا مذكورًا؟ فيقول: نعم، فيكون الحجة عليه بإقراره، فهو أبلغ في إثبات الحق.
* وفيها أيضًا: صفة الجنة والمعاد وغير ذلك.
-٢٠٠٠ -
الحديث الثاني والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (قريش والأنصار وجهينة، ومزينة، وأسلم، وأشجع، وغفار موالي، ليس لهم مولي دون الله ورسوله).
وفي رواية: (والذي نفس محمد بيده، لغفار، وأسلم، ومزينة، ومن كان من جهينة- أو قال: جهينة، ومن كان من مزينة- خير عند الله يوم القيامة من أسد، وطيئ، وغطفان).
وفي رواية: (لأسلم، وغفار، وشيء من مزينة (٥١/ أ) - أو شيء من جهينة ومزينة- خير عند الله- قال: أحسبه قال: يوم القيامة- من أسد وغطفان، وهوازن، وتميم).
وفي رواية لمسلم: (أسلم، وغفار، ومزينة، ومن كان من جهينة- أو جهينة- خير من بني تميم، وبني عامر، والحليفتين أسد وغطفان)].
[ ٦ / ٢٨٩ ]
* قد مضى ذكر هذا الحديث في مواضع، وبينا أن الفضل لهما يكون بالإيمان والعمل لا بالأنساب؛ فإن الإيمان يرفع الوضيع والكفر يحط الرفيع.
-٢٠٠١ -
الحديث الثالث والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)].
* قد سبق هذا الحديث بعد الحديث السبعين من هذا المسند، وتكلمنا عليه هنالك.
-٢٠٠٢ -
الحديث الرابع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إذا سمعتم نهاق الحمير، فتعوذوا
[ ٦ / ٢٩٠ ]
بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانًا، وإذا سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأت ملكًا)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لما كان صوت الحمار أنكر الأصوات كان الشيطان وشيكًا بالتعرض له ليثير من النهاق الذي يزعج المسلمين فتنكره نفوسهم؛ فأمر رسول الله - ﷺ - بالتعوذ من الشيطان؛ ولما كانت الديكة يؤنس إلى أصواتها من حيث إنها في الليل توقظ (٥١/ ب) النائم لأفضل الأوقات للذكر، وهو وقت السحر، كانت عند رؤية الملائكة يثور صاحبها، فيذكر الله سبحانه حينئذ، ويسأل من فضله.
-٢٠٠٣ -
الحديث الخامس والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: (اركبها)، فقال: إنها بدنة؛ فقال: (اركبها)، فقال: إنها بدنة، فقال: (اركبها ويلك)، في الثانية أو في الثالثة.
وفي رواية للبخاري: رأى رجلًا يسوق بدنة، قال: (اركبها)، قال: إنها بدنة، قال: (اركبها)، قال: فلقد رأيته راكبها يساير النبي - ﷺ -، والنعل في عنقها).
[ ٦ / ٢٩١ ]
وفي رواية: بينما رجل يسوق بدنة مقلدة.
وفي رواية: أنه - ﷺ - قال: (ويلك، اركبها)، فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: (ويلك، اركبها)].
* قد سبق ذكر هذا الحديث في مواضع.
-٢٠٠٤ -
الحديث السادس والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا يمش أحدكم في نعل واحدة، ولينعلهما جميعًا، أو ليخلعهما).
وفي رواية: (ليحفهما جميعًا أو لينعلهما جميعًا).
وفي رواية لمسلم: خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته، فقال: ألا إنكم تحدثون إني أكذب على رسول الله - ﷺ - لتهتدوا وأضل، ألا وإني أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها).
وفي رواية: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ
[ ٦ / ٢٩٢ ]
بالشمال، ولينعلهما جميعًا أو ليحفهما جميعًا)].
* في هذا الحديث كراهية أن يمشي الرجل في نعل (٥٢/ أ) واحدة، وذلك مناف لاستعمال العدل بين الرجلين، والعدل في ذلك أن ينعلهما معًا أو يحفهما معًا؛ ولأن الشيطان قد يمشي في نعل واحدة.
وقد حكى الشيخ محمد بن يحيى ﵀، قال: خرجت من مكة إلى المدينة قاصدًا زيارة رسول الله - ﷺ - وحدي، وكنت عزمت ألا أستصحب معي زادًا ولا ماءً، قال: فجئت إلى قرية هنالك، فدخلت إليها، فأعطيت زادًا في جراب، فحملته معي، وذهبت متوجهًا إلى المدينة، قال: فأخذني الصداع، فقلت: من أين هذا الصداع؟ فنظرت فقلت: من حملي الزاد، فعزمت على أن ألقيه مكاني وأمشي، ثم قلت: لا يحل لي أن ألقيه، ولكن أرجع إلى هذه القرية فأتصدق به وأرجع، فحملته ورجعت إلى القرية، فلقيني شيخ لا أحسب إلا أنه قال: في رجله نعل واحدة، فوقف لي في الطريق، فقال: هيه رجعت، فقذف في روعي أنه الشيطان، فقلت: يا عدو الله، إنما رجعت لأتصدق بهذا، وأمضي في طريقي.
والذي أراه أنا في الشيخ ﵀ كان ذلك في عنفوان شبابه، وإلا فما كنت أراه حين علم العلم يسافر إلا ومعه الزاد عملًا بالسنة؛ لأنه حدثني أنه صحب رجلًا يقال له: (محمد) في مركب، وأنهما نزلا من المركب على أن يمشيا على الماء، فقيض الله لهما سفينة فركبا فيها ووصلا إلى الساحل إلى
[ ٦ / ٢٩٣ ]
موضع يقال له: السرين، وأنهما لما صعدا من السفينة إلى ساحل البحر، أجمع عليهما جماعة من المستسلحة لصاحب مكة، يريدون أن يمسكوا من وصل في صحبتهما، قال: فجلس الشيخ إزائي وغمضت عيني- أو قال: أغفيت فاستيقظت- أو قال: (٥٢/ ب)، فتحت عيني، فإذا أنا وصاحبي في أرض غير تلك الأرض.
قال يحيى بن محمد ﵀: فسألته: كم كان من الموضع الذي كنتما فيه جالسين، والموضع الذي صرتما إليه؟ فقال: مسيرة ثلاثة أيام، وكان يقول ﵀: إلى ساعتي هذه- يعني وقت حكايته لي- ما أشك أن الله أوجدنا هناك وأعدمنا من الموضع الأول؛ لأن الحال كانت أسرع من أن يكون فيها سير وحركة، قال: فعطشت عطشًا شديدًا، فجعلت أصيح: اللهم اسقني ماء!، فالتفت الشيخ إلي وقال: يا محمد، ما هذا سوء الأدب. ثم مد يده إلى الأرض، فأخرج قرصًا، فقال لي: خذ، فقلت: ما أصنع بالطعام، وإنما أريد الماء؟؛ قال: فو الله الذي لا إله إلا هو لقد رأيت في الحال سقيفة دارت علينا وحلف لي فقال: لقد رأيتها مرشوشة، وفيها سقاء مترع، فقال لي: اشرب من هذا، فشربت. قال: فقال لي حينئذ: قد تركنا كوزًا كنا نحمل فيه الماء، وجرابًا فيه دقيق، قال الشيخ محمد بن يحيى ﵀، ومن كانت حالته تلك الحالة، فما أراه أراد استصحاب الزاد إلا اتباعًا للسنة.
* وفي هذا الحديث من السنة أن يبتدئ المنتعل باليمنى إذا انتعل؛ وباليسرى إذا خلع.
[ ٦ / ٢٩٤ ]
-٢٠٠٥ -
الحديث السابع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه).
وفي رواية لمسلم: (والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر، فيتمرغ عليه، فيقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء)].
* في هذا الحديث (٥٣/ أ) إنذار بشدة تشتد على المسلمين حتى يفزع منها الناس إلى الموت، ويتمنونه، فأما سفهاؤهم فللضجر من البلاد، وأما ذوو الأحلام فللخوف من الفتنة في الدين.
-٢٠٠٦ -
الحديث الثامن والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار).
وفي رواية: (طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب).
[ ٦ / ٢٩٥ ]
وفي رواية: (طهور إناء أحدكم، إذا ولغ فيه الكلب: أن يغسله سبع مرات).
وفي حديث ابن المغفل: (وعفروه الثامنة بالتراب)].
* في هذا الحديث تخصيص للكلب بهذا العدد في الغسل من ولوغه.
* وفيه إشارة إلى النهي عن اقتنائه بتغليظ أمر نجاسته فوق غيره من النجاسات؛ ليكون مقتنيه لنفعه، من رعاية ماشية أو حرث أو صيد، معلنًا بين ما ينتفع به في تلك الحالة وبين ما يتكلف من تكرير طهارة الآنية من ولوغه سبعًا إحداهن بالتراب.
فهو إما أن يكره اقتناؤه فيتخلص من ذلك، وإما أن يكون تكريره هذه العبادة مكفرًا لاقتنائه؛ لأنه في الجملة يروع المسلم ويقهر الغريب، ويزعج صوته في الليل والنهار، ويتعرض منه عند شدة العطش الذي يفضي به إلى الكلب، أن يكون في عضته الحتف المرجئ.
* فأما كون الثامنة هي التعفير بالتراب؛ فإن هذا يعرض الإناء لأن يغسل مرة أخرى؛ لأنه إذا أراد استعمال الإناء لطعامه فإنه لابد أن يزيل عنه التراب، ويغسله، وقد سبق شرح هذا الحديث وذكره، في مسند ابن (٥٣/ ب) مغفل.
[ ٦ / ٢٩٦ ]
-٢٠٠٧ -
الحديث التاسع والستون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لا تتلقى الركبان للبيع، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر).
وفي رواية: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعًا من تمر).
وفي رواية: (من اشترى غنمًا مصراة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر).
وفي رواية: (من اشترى شاة مصراة، فلينقلب بها فليحلبها، فإن رضي حلابها أمسكها، وإلا ردها ومعها صاع من تمر).
وفي رواية: (من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام؛ إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر).
[ ٦ / ٢٩٧ ]
وفي رواية: (من اشترى شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من طعام لا سمراء).
وفي رواية: (فإن شاء ردها، ورد معها صاعًا من تمر لا سمراء).
وفي رواية: (من اشترى من الغنم، يعني مصراة فهو بالخيار).
وفي رواية: (إذا ما اشترى أحدكم لقحة مصراة؛ فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إما هي وإلا فليردها وصاعًا من تمر)].
* أصل التصرية: الحبس والإمساك، والمصراة: الناقة أو البقرة أو الشاة التي قد صري اللبن في ضرعها، أي حبس فلا يحلب أيامًا ليعظم ضرعها، فيظن المشتري أن ذلك منها كل يوم لا يتغير فيغتر بذلك، فيشتري، وهذا الفعل سبب (٥٤/ أ) لإثبات خيار الرد، وهو قول مالك والشافعي وأحمد ابن حنبل ﵃، خلافًا لأبي حنيفة ﵀، والحديث نص لا يمكن تأويله.
* وقد سبق الكلام في تلقي الركبان في مواضع.
[ ٦ / ٢٩٨ ]
-٢٠٠٨ -
الحديث السبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - ذكر يوم الجمعة، فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، فيسأل الله شيئًَا إلا أعطاه إياه)، وأشار بيده- يقللها.
وفي رواية: (إن في الجمعة ساعة)، وقال بيده، قلنا: يقللها يزهدها).
وفي رواية مسدد: قال بيده، ووضع أثملته على بطن الوسطى والخنصر- قلنا: يزهدها.
وفي رواية: (إن في الجمعة لساعة، وهي ساعة خفيفة)].
* وقد اختلفت الأحاديث في هذه الساعة، وقد سبق في مسند أبي موسى أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة.
[ ٦ / ٢٩٩ ]
وجاء في حديث جابر أنه قال: (التمسوها آخر الساعات بعد العصر). وفي حديث آخر: (إذا تدلى نصف عين الشمس للغروب).
قال أبو بكر الأثرم: فلا تخلو هذه الأحاديث من وجهين:
إما أن يكون بعضها أصح من بعض.
وإما أن تكون هذه الساعة تتنقل في الأوقات، كانتقال ليلة القدر في ليالي العشر.
-٢٠٠٩ -
الحديث الحادي والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (هل ترون قبلتي هاهنا؟، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم، وإني لأراكم من وراء ظهري)].
[ ٦ / ٣٠٠ ]
* هذه معجزة من معجزات نبينا - ﷺ - قد سبق ذكرها، وأنه كان يرى من وراء ظهره كما ينظر من بين (٥٤/ ب) يديه.
-٢٠١٠ -
الحديث الثاني والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر، وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهو يصلون، وأتيناهم وهم يصلون).
وفي رواية: (والملائكة يتعاقبون فيكم)].
* قد سبق أن الملائكة يجتمعون عند الفجر وعند المغرب، وشرحنا هذا فيما مضى.
[ ٦ / ٣٠١ ]
-٢٠١١ -
الحديث الثالث والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه يجوز أن يكون المراد بالغني: الذي عليه الدين، فلا يحل له المطل مع قدرته على الأداء. وقد يكون المراد بالغني: صاحب الدين، فيقول رسول الله - ﷺ -: إن مطلك إياه، وإن كان غنيًا عنه ظلم.
* وقوله: (من أحيل على مليء فليتبع) أي: ليحتل؛ وذلك أنه إذا أحيل صاحب الدين على ذمة قابلة للأداء لم يجز أن يمتنع من قبول الإحالة، وإن أشرف الذمم وأجلها أن يقول الله ﷿ لعبده المظلوم في القيامة مظلمتك على أخيك هذا علي، فليس له أن يمتنع، لأنه إذا كانت الإحالة على مليء من أهل الدنيا تلزم قبولها، فكيف الإحالة على خالق الخلق ﷾.
[ ٦ / ٣٠٢ ]
-٢٠١٢ -
الحديث الرابع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (٥٥/ أ) (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة)].
* الإشارة بهذا الحديث إلى الإيثار، وأن ما يكتفي به الشخص يكفي شخصين.
* وفيه تنبيه على البلغة وقدر الكفاية.
-٢٠١٣ -
الحديث الخامس والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي، فهو صدقة)،
وفي رواية: (لا نورث؛ ما تركناه صدقة)].
[ ٦ / ٣٠٣ ]
* هذا الحديث قد سبق في أول الكتاب، وشرحناه شرحًا بليغًا، والحمد لله وحده.
-٢٠١٤ -
الحديث السادس والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اختتن إبراهيم ﵇ بالقدوم). قال أبو الزناد: القدوم، مخفف، هو موضع)].
* قال أبو سليمان الخطابي: وكذلك القدوم الذي يعمل به خفيف أيضًا.
* وفي هذا الحديث الحث على الختان على اختلاف بين الناس في وجوبه.
-٢٠١٥ -
الحديث السابع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لا تمنوا لقاء العدو، فإذا
[ ٦ / ٣٠٤ ]
لقيتموهم فاصبروا)].
* اعلم أن تمني لقاء العدو يتضمن الدعوى للصبر؛ فلهذا نهى عن تمني ذلك؛ لأنه ربما وكل المتمني إلى دعواه، ولأن الإنسان لا يعلم المصلحة في أي شيء هي، فأما إذا جرى القضاء بلقاء العدو، كان الصبر معينًا.
-٢٠١٦ -
الحديث الثامن والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة؛ لا يزن عند الله جناح (٥٥/ ب) بعوضة)، وقال: (اقرؤوا إن شئتم: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا﴾].
* اعلم أن أوزان القيامة إنما تثقل بالمعاني لا بالصور؛ فإذا كان صاحب جثة وليس فيه من معاني الإيمان ما يثقل الميزان لم يكن له وزن.
* وفي هذا الحديث أن السمن ليس مما يمدح به الرجل؛ لأنه من ممادح النسوان، فهو على نحو الحلية التي قال الله ﷿: ﴿أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾.
[ ٦ / ٣٠٥ ]
-٢٠١٧ -
الحديث التاسع والسبعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لما قضى الله الخلق- وفي رواية- لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي).
وفي رواية: (لما قضى الله الخلق، كتب عنده- وفي رواية- لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب كتبه على نفسه، فهو موضوع عنده على العرش: إن رحمتي تغلب غضبي).
وفي رواية: (إن الله كتب كتابًا، قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش).
وفي رواية: (لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي)].
[ ٦ / ٣٠٦ ]
* هذا الحديث يتضمن سعة رحمة الله، وكثرة فضله في حلمه قبل انتقامه، وعفوه قبل عقوبته، وذكر الكتاب تأكيد بالغ في معناه؛ لأن ما زاد تأكيده يثبت في كتاب.
* وفي هذا الحديث (٥٦/ أ) من الفقه أن رسول الله - ﷺ - أعلم أمته، أن الله تعالى كتب على نفسه، في كتاب شرف عنده، حتى لم يول خزنه ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، ولم يرض في مكان خزنه إلا أن جعله فوق العرش؛ وذلك أن غضبه ﷻ لم تكن لتقوم له السموات والأرض لولا أنه غلبته رحمته، فدفع العظيم بالعظيم، وكان هذا مما لولا أنه سبق، كما قال سبحانه: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ وإلا فإنما كانت أحوال بني آدم تكون في كفة رجحان الغضب؛ لأنه سبحانه لما خلق آدم رافعًا له على الملائكة، وأسجد له الملائكة فسجدوا كلهم، فلما امتنع منهم واحد من أن يسجد لآدم لعنه وطرده وأوجب له النار، وقضى عليه بسخطه، وجعله عذرًا لكل عاص، ومنصرفًا للمذام إلى يوم القيامة، فكان من الحق أن بني آدم يكونون لهذا الشيطان وذريته على أشد عداوة، وأعظم إرغام؛ لأن الله سبحانه إنما لعنه وطرده فيهم، ولأجلهم، فلما اتبعوه إلا فريقًا منهم كان ذلك من موجبات الغضب، وقد قال سبحانه: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا﴾.
وهذه الآية مما عد العلماء أنه يذاق منها حلاوة القرآن، ألا ترى إلى ما قد استحوذ عليه الشيطان من إغواء هذه البرية، حتى إذا نظر الناظر من بني آدم
[ ٦ / ٣٠٧ ]
إلى ما قد اجتالت الشياطين من إخوته الذين هم صلب أبيه آدم، وكيف صدق عليهم إبليس ظنه (٥٦/ ب)، وصح فيهم حديث، وأنه أغوى من أغوى من الأمم الماضية والقرون الخالية، مذ عهد نوح ﵇ والأنبياء بعده، قرنًا بعد قرن، وجيلًا على أثر جيل، حتى لم يتخلص من أن يتابعه منهم إلا من اتبع المرسلين على قلة عددهم، بالإضافة إلى تبليغ الخلائق في كل وقت إلى أن انتهى الوقت إلى مبعث المصطفى محمد - ﷺ -، فكيف أقام الحجة، وأوضح السبيل، وبصر من كل عمى، وهدى من كل ضلالة، وأبان من مكايد الشيطان ما لم يبق معه عدد لتابع غواية، وأنه على ذلك كان الذين اتبعوه وصحبوه، إلى أن توفاه الله ﷿، وخلفه الهداة من أصحابه، المدة التي علم مقدارها.
ثم إن الشيطان أدب عقارب كيده، وأوقع من الفتن ما وقع من كل فتنة هي، وإن كانت قد وقتها وانطفأت في العيان شرها، فإن سمها ليعاذ كل لديغ بشيء من أنبائها إلى يوم القيامة، وإن وقتنا هذا من بني آدم؛ إذا فكر فيهم ذو اهتمام بأمر الكل، وأخو حزن من الحياء من موافقة الجنس فيما يسيء أدبه به بين يدي ربه ﷻ في قوله الذي أخبرنا الله سبحانه به عنه؛ إذ يقول: ﴿قال أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلًا﴾، فكيف لا يجد المؤمن من هذه الوصمة خلاصًا لغمة إخوته من بني آدم عن مرارة عارها وشنارها، إذا نظرنا إلى ما عليه أهل الأطراف في أكناف الدنيا من مخالفة الأوامر؛ وارتكاب المناهي، ثم دنى
[ ٦ / ٣٠٨ ]
عن أولئك البعداء إلى أهل القرى والمدن، فنظر إلى ما فيه أهل القرى من اطراح أمر الدين، والإضراب عن التفقه والعلم، (٥٧/ أ) وما عليه أهل المدن من تطفيف المكاييل، ونقص الموازين، واطراح أمر الشرع في العقود والبياعات، وأكل الربا، والمرخص في النجاسات والاستخفاف بأمرها، والتظالم بين الخلطاء، والغل والغش إلى ألا يكاد يرضى منهم عن أحد إلا من انقطع إلى العلم؛ أو عزفت نفسه عن هذه الدنيا.
ثم إنه يسوءه فيهم ما يرى عليه أهل العلم من التنافس والذم، ذم بعضهم بعضًا، والطعن من كل منهم فيمن يخالفه، وتنافس أهل الانقطاع منهم أيضًا في أشياء تفصح عن مقاصدهم فيها، عزيز على المؤمن أن يراهم أو يجدهم عندها من كل حال يشمت بها إبليس، فيرى المؤمن أنه لولا أن الله ﷿ سبقت رحمته غضبه، وغلب عفوه عقوبته؛ لكان أن يخسف الأرض بمن عليها من بني آدم، ويضرمها بهم نارًا، غير جور منه سبحانه، ولا حيف، لكن لما سبقت رحمته غضبه في كتاب كتبه على نفسه، لما علم ﷻ أن ذلك لا يكون منهم إذا خلقهم.
ثم إنه ﷾ خلقهم على علمه بهم، فهو ﷾ يرعى فيهم سوابق اختياره، ويلاحظ منهم مواضع آثاره، وأنهم على ما كان منهم؛ فإنهم بأقرانهم شهود خلقه لهم، وفعله فيهم، وأن منهم المخلصين له، والمجاهدين فيه، والمؤثرين سبحانه بأرواحهم، والمنفقين فيه حياتهم، فيكون أولئك حماة لجنسهم، وأمانًا لسائر بني أبيهم، ممن يرتضي الله ﷿ إن شاء الله تعالى.
[ ٦ / ٣٠٩ ]
-٢٠١٨ -
(٥٧/ ب) الحديث الثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا فقهوا، تجدون من خير الناس، أشد الناس كراهية لهذا الشأن حتى يقع فيه).
وفي رواية: (تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشد كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه).
وفي رواية: (أن شر الناس ذو الوجهين؛ الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه).
وفي رواية: (تجدون من أشر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه).
وفي رواية: (تجدون من خير الناس في الأمر أكرههم له قبل أن يقع فيه)].
* قوله: (الناس تبع لقريش)، فيه تفضيل قريش على سائر العرب، وتقديمهم في الإمامة والإمارة.
[ ٦ / ٣١٠ ]
* وقوله: (في هذا الشأن)؛ يعني الإمارة.
* وقوله: (وكافرهم تبع لكافرهم)؛ حكاية للحال التي كانت في الجاهلية.
* وقوله: (الناس معادن)؛ قد سبق قبل أحاديث يسيرة في هذا المسند.
* وقوله: (تجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الشأن)؛ يعني الإمارة، وإنما يكرهها المؤمن من حيث الحذر على دينه؛ فإذا وقع فيها يشتهي العزل، ولذلك قال بعض الصحابة لعمر ﵁: ما سرتني الولاية؛ ولقد ساءني العزل.
(٥٨/ أ) وقال الخطابي: معنى الكلام: إذا وقعوا فيها لم يجز أن يكرهوها؛ لأنهم إذا كان قيامهم بها عن كره ضيعوا حقوقها، فليقبلوا عليها وليجتهدوا فيها.
* وقوله: (تجدون من شر الناس ذا الوجهين)، وهذا هو المنافق، وقد شرحنا معنى هذا الحديث في مسند ابن عمر.
-٢٠١٩ -
الحديث الحادي والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لو أن رجلًا اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح).
[ ٦ / ٣١١ ]
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون، وقال: لو اطلع في بيتك أحد، ولم تأذن له، حذفته بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح).
وفي رواية: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم؛ فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند سهل بن سعد، وشرحناه هنالك.
-٢٠٢٠ -
الحديث الثاني والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (إن أخنع اسم عند الله، رجل تسمى ملك الأملاك)، زاد أبو بكر بن أبي شيبة في روايته: (لا مالك إلا الله).
قال الأشعثي: قال سفيان: مثل شاهان شاه.
وقال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمرو عن أخنع؟ قال: أوضع.
[ ٦ / ٣١٢ ]
وفي رواية: (أخنى الأسماء يوم القيامة عند الله ﷿ رجل تسمى ملك الأملاك).
وفي رواية لمسلم: (أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه، رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله ﷿)].
وقد ذكرنا عن أحمد بن حنبل ﵁ أنه قال: عن أبي عمرو: أخنع بمعنى أوضع، وقد قال أبو عبيد: أشد الأسماء ذلًا وأوضعها: الخانع الذليل (٥٨/ ب) الخاضع. قال أبو عبيد: وقد روي: (أخنع)، ومعناه: أقتل الأسماء وأهلكها. والنخع: هو القتل الشديد.
وأما أخنى ففيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن يكون من الخنا في الكلام وهو الفاحش، فيكون المعنى: أفحش الأسماء وأبشعها.
والثاني: بمعنى الهلاك، يقال: أخنى عليهم الدهر.
والثالث: بمعنى الفساد، يقال: أخنيت عليهم، أي أفسدت.
-٢٠٢١ -
الحديث الثالث والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (قال الله ﷿: أعددت
[ ٦ / ٣١٣ ]
لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرًا، بله ما أطعكم عليه)، ثم قرأ: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾.
* وفي رواية أبي معاوية: ﴿من قرأت أعين﴾.
* وفي رواية: (بله ما أطلعكم الله عليه)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لما كانت الدنيا دار ضيق وحرج، وكانت الآخرة دار إكرام الله تعالى لأوليائه، ومستقرًا لمن رضي عنه، أعد لهم الله فيها ما لم تر عين، وما لم تسمع أذن، ولا خطر على قلب بشر، صونًا لعطائه في الآخرة، وعن أن يوصف على جهته، فلا تصدقه النفوس لعظمته؛ لأن هذه الأعين ضيقة، وهذه النفوس نشأت في محل صغير، فإذا حدثت بما يتجاوز مقدار عقولها أو مبلغ إحساسها، مما ليس عندها أصل تقيسه عليه إلا ما تشاهده وتراه وتألفه، عجلت إلى الارتياب فيه، وسارعت إلى الشك في الخبر عنه؛ فلذلك أرى أن الله ﷾ قال: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾.
[ ٦ / ٣١٤ ]
وعلى أن مما أخبرنا به عن ذلك المقر الذي هذا الحديث يدل على (٥٩/ أ) أنه أخفى أضعاف ما أظهر نفاسة وشرفًا، أن منه أن يأتي الولي في الجنة ملك من عند ربه ﷾، فيقول لبعض خول الولي وحشمه: إني رسول الله من عند الله إني الملك، فاستأذنوا عليه، فيقولون له: وأين أنت من الملك الآن؟ فلا يخبره بحضوره إلا شجرة تكلم شجرة حتى يتصل ذلك إليه، فيقول: ائذنوا لرسول ربي، فيدخل إليه الملك، فيسلم عليه، ويحمل له من عند ربه تحفة في تفاحة، إذا أخذها، انصدعت عن جارية مكتوب بين عينيها: من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت، وإن مما أظهر أن الله سبحانه يقول لأهل الجنة إذا رأوه، خلعت عليكم أن تقولوا للأشياء: كوني فتكون، فما الظن بما وراء هذا؟.
* وقوله: (بله ما أطلعكم عليه) أي: سوى ما أطلعكم عليه.
وقال أبو عبيد: دع ما أطلعكم عليه.
-٢٠٢٢ -
الحديث الرابع والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: (لله تسعة وتسعون اسمًا، مائة إلا واحدًا، لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر، يحب الوتر).
وفي رواية: (من أحصاها).
وفي رواية: (إن لله تسعة وتسعون اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة).
[ ٦ / ٣١٥ ]
وفي رواية: (إنه وتر يحب الوتر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن أسماء الله تعالى دالة على صفاته، فمن أحصاها دخل الجنة. واختلفوا في معنى (أحصاها)، فقيل: حفظها، كما روي في بعض الألفاظ، وقيل: عدها، وهذه الأسماء إذا حفظها أو عدها وفهم معانيها، وكان من العلماء بالله سبحانه فإياه الخير من قبل ذلك.
* فأما كونها تسعة وتسعين اسمًا: فإن التسعة (٥٩/ ب) نهاية الآحاد، والتسعين نهاية العشرات، وليس وراء هذين عدد يشير بنطقه المنفرد إلى أكثر من ذلك، والتسعة والتسعون وتر، والله يحب الوتر، من أجل أنه يذكر ربه سبحانه ويشعر به هذا الذاكر، أن ربه ﷻ مستغن منفرد غير محتاج إلى غيره ﷻ.
* فمن ذلك: أن من أسمائه: الله، وهذا اسم علم لم يتسم به غيره ﷻ. وقال أهل العربية فيه أقوالًا، رأيت أن مجموع معانيها في النطق الذي يخلص عن سوء الأدب فيها: هو أن يقال: إن الله اسم يستنبط منه استحقاقه العبودية، وأنه محبوب القلوب التي لا تزال تتوله إليه، وأنه الرفيع والمعبود، فسمى الله سبحانه نفسه هذا الاسم الذي يتجلى عن هذه المعاني كلها، قبل أن يخلق خلقه، وقبل أن ينطق بشر اللسان العربي،
[ ٦ / ٣١٦ ]
لعلمه سبحانه أنه سيخلق بشرًا منهم العرب؛ الذي ينتهى الأمر إليهم. وتقوم الساعة عليهم، فيستدلون من لغتهم على معاني هذا الاسم العظيم.
* ولا أرى أن أقول كما تقول النحاة من أن هذا كان أوله إله نكره، ثم كثر استعماله، فعرف بالألف واللام، فصار الإله ثم فخمت اللامان فصار الله؛ لأن الله اسم قديم قبل خلق الخلق؛ بل إن هذه المعاني تستنبط منه، وتستفاد عنه.
وهذا الاسم فهو الذي كان يقول الشيخ محمد بن يحيى ﵀ أنه هو المراد بقوله: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ معنى هذا الاسم، وذكر له خصائص فمنها: إنه لا يثنى، ولا يجمع، ولا تلحق اليا من الأسماء الحسنى إلا له، ولا الميم في النداء، إلا إياه، إلى غير ذلك من الخصائص.
* وأما الرحمن: فهو الذي عظمت رحمته.
* والرحيم: أرق من (٦٠/ أ) الرحمن وأبلغ في اللطف، كما أن الرحمن أبلغ في الكثرة.
* والرب: المالك، ولا يطلق الرب إلا على الله ﷿؛ فأما إذا ذكر لغيره، ذكر مقيدًا؛ كقولهم: رب الدار.
* وأما الملك: فهو المالك المتصرف بمقتضى سلطانه.
* وأما القدوس: فهو المتنزه عن كل نقص.
* والسلام: السالم من كل عيب.
[ ٦ / ٣١٧ ]
* والمؤمن: الذي يصدق ما وعد.
* والمهيمن: أصله المؤتمن.
* والعزيز: المنيع.
* والجبار: فعال من الجبر أي يجبر الكسر.
* والمتكبر: المستحق للتعظيم، وهذه تاء التفرد لا تاء التعاطي والتكلف.
* الخالق: الفاطر المبتدئ.
* والمصور: مرتب الأشكال والصور.
* والحليم: الذي لا يعجل.
* والعليم: فعيل من العلم، بمعنى عالم.
* والسميع: فعيل من السمع، بمعنى سامع.
* وكذلك البصير.
* والحي: الدائم الحياة.
* والقيوم: فعول من القيام بالقسط للمبالغة.
* والواسع: الغني، على أنه واسع العفو والغفران.
* واللطيف: الرفيق بخلقه، وهو المحيط بكل دقيق من الأمور، كما يحيط بكل جليل.
* والخبير: المطلع على دقائق الأمور.
* والحنان: الذي يحنو على عباده.
[ ٦ / ٣١٨ ]
* والمنان: الذي يتابع عطاياه.
* والبديع: المبتدع.
* والودود: الذي كلما قوطع وصل، وكلما عصي رزق.
* والغفور: من الغفران.
* والشكور: فعول من الشكر.
* والمجيد: فعيل من ماجد للمبالغة.
* والمبتدئ: المنشئ لكل خلق.
* والمعيد: لكل ميت؛ ولكل خير بدأ به.
* والنور: لأنه نور كل موجود؛ فمن ذلك أن حقه ودينه وشرعه، كل ذلك ليس في شيء منه خفاء ولا إشكال.
* والبادي: هو الظاهر لخلقه من آثاره في صنائعه.
* والأول: هو السابق لكل أول.
* والأكرم: الأفعل من (٦٠/ ب) الكرم.
* والرؤوف: فعول من الرأفة.
* والمدبر: هو المنفرد بتدبيره في عباده وأرضه وسمائه.
* والمالك: هو الذي يملك كل شيء مالك وما يملك ذلك المالك.
* والقاهر: الذي يقهر كل جبار وعات ومعاند.
* والهادي: فهو الذي يهدي كل ضال.
[ ٦ / ٣١٩ ]
* والشاكر: فهو سبحانه يشكر على ما هو المنعم به.
* والكريم: الجواد، والكريم: العزيز.
* والرفيع: هو المرتفع عن كل دناءة.
* والشهيد: فهو الذي لا يغيب، ولا يغيب عنه شيء.
* ذو المعارج: إنه سبحانه تعرج إليه أعمال بني آدم.
* ذو الفضل: ذو الخير الدائم المعروف بالفضل.
* والخلاق: فعال من الخلق، للتكثير.
* والكفيل: هو الذي تكفل بكل ضائع، وبكل ما وعد على لسان رسله.
* والجميل: هو الجميل الصنع، جميل الستر، جميل الصفح، جميل الأخذ، جميل الذكر جميل العادة.
* فهذا تفسير الأسماء على الاختصار.
-٢٠٢٣ -
الحديث الخامس والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: خرج النبي - ﷺ - في طائفة من النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة، فقال: (أثم لكع)، فحسبته شيئًا، فظننت أنها تلبسه سخابًا أو تغسله، فجاء يشتد حتى عانقه، وقبله، يعني قال: (اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه).
وفي رواية: أن أبا هريرة، قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - في سوق من أسواق المدينة، فانصرف وانصرفت، فقال: (أي لكع)، ثلاثًا، ادع الحسن
[ ٦ / ٣٢٠ ]
ابن علي، فقام الحسن بن علي يمشي في عنقه السخاب، فقال النبي (٦١/ أ) - ﷺ - بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه، وقال: (اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه). قال أبو هريرة: فما كان أحد أحب إلي من الحسن بن علي بعدما قال رسول الله - ﷺ - ما قال].
* في هذا الحديث من الفقه أن قوله: (أثم لكع) يعني باللكع: الصغير.
قال أبو سليمان الخطابي: اللكع يقال على وجهين: أحدهما، الاستصغار، والثاني: الذم. والذي أراده الرسول - ﷺ - للاستصغار. والسخاب: قلادة يتخذ خرزها من الطيب من غير ذهب ولا فضة.
* وقوله في الحسن: (اللهم إني أحبه)، إنما اشتد حبه له؛ لأن الله تعالى أصلح به بين أمته، فصان به دماءها، وأصلح به دهماءها.
* وقوله: (فأحبه)، الذي أرى فيه أنه إشارة من رسول الله - ﷺ - إلى ربه جل وعز أني أحبه يا رب يكون مصلحًا بين أمتي، تاركًا الأمر لمن يجوز أن يتركه له، راغبًا بذلك عن أن يسفك دم أو تزل بعد الثبوت قدم، (وأحب من يحبه) أي؛ حينئذ فإنه لا يحبه إلا مريد.
[ ٦ / ٣٢١ ]
* وفيه أيضًا: استحباب لطف الرجل بولده، ورفقه به، ومد يده إليه حتى يعتنقه الصبي.
* وفيه أيضًا: أن هذه قد كانت عادة لرسول الله - ﷺ - حتى قد ألفها الصبي منه.
* وفيه أن الحسن من أهل الجنة؛ لأنه أخبرنا بأنه يحبه، وسأل ربه ﷻ أن يحبه، وأن يحب كل من يحبه، وهذه الحال تكون للملوك من أهل الجنة، وأن الحسن بن علي (٦١/ ب) ﵁ لهنالك.
* وفي الحديث دليل على أن كل من أحب الحسن بن علي ﵁ من هذه الأمة إلى يوم القيامة؛ فإنه تشمله دعوة رسول الله - ﷺ - بأن الله تعالى يحبه.
* وفيه أيضًا من مفهوم الخطاب أن الله يبغض من يبغضه.
* وفيه أيضًا جواز أن يلبس الصبي السخاب، وهو القلادة.
-٢٠٢٤ -
الحديث السادس والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له؛ فغدا لليهود، وبعد غد للنصارى) فسكت، ثم قال: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يومًا، يغسل فيه
[ ٦ / ٣٢٢ ]
رأسه وجسده).
وليس فيه عند مسلم ذكر الغسل.
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له؛ فالناس لنا فيه تبع؛ اليهود غدًا، والنصارى بعد غد).
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة؛ بيد أن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا اليوم الذي كتب الله علينا، هدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد)؛ ولم يذكر الغسل.
وفي رواية: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول من يدخل الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا).
وفي رواية: (نحن الآخرون السابقون يقوم القيامة (٦٢/ أ) بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد).
وفي رواية عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله - ﷺ -: (أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم
[ ٦ / ٣٢٣ ]
القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق).
وفي رواية: (المقضي بينهم)].
* قد سبق الكلام على هذا الحديث في مسند حذيفة، وسبق بيان تفضيل هذه الأمة أيضًا في مسند ابن مسعود على أنا نشير إليه هاهنا، فنقول: المعنى: نحن الآخرون في الزمان، السابقون في دخول الجنة.
* وقوله: (بيد أنهم). قال أبو عبيد: غير أنهم، وعلى أنهم، ويقال ميد بالميم، والميم تدخل على الباء، نحو قولهم: أغمطت الحمى، وأغبطت، وسبد رأسه وسمده.
* وقوله: (فهذا يومهم)، يعني الذي فرض تعليمه والتعبد فيه.
* وقوله: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام)، لا يخلو هذا من أمرين: إما أن يكون على وجه الوجوب، وذلك منسوخ بما قدمنا بيانه، أو أن يكون على وجه الندب، فهو باق على الندب.
[ ٦ / ٣٢٤ ]
-٢٠٢٥ -
الحديث السابع والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (ضرب رسول الله - ﷺ - مثل البخيل والمتصدق، كمثل رجلين عليهما (٦٢/ ب) جنتان من حديد، قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله، وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة بمكانها) - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يقول بإصبعه في جيبه: (فلو رأيته: يوسعها ولا توسع).
وفي رواية: فسمع النبي - ﷺ - يقول: (فيجتهد أن يوسعها، ولا تتسع).
وفي رواية: (مثل البخيل والمتصدق كمثل رجل عليه جنتان أو جبتان)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - ضربه مثلًا للبخيل والمتصدق، في أن البخيل كلما قبض يده، ضيق الله عليه، وملأ قلبه خوفًا من الفقر، ويأسًا من الخلف، وأن المتصدق كلما بسط يده بالخير، بسط الله عليه فضله
[ ٦ / ٣٢٥ ]
حتى يخلف عليه أضعاف ما ينفق.
وقوله: (جبتان أو جنتان)؛ فإنه مثل شديد الموقع في موضعه؛ من حيث أنهما للمتصدق جنة من كل سوء، تقيه الآفات، وتحول بينه وبين مصارع السوء، وتصفو عليه حتى تغطي أنامله، وتعفو آثاره، فلا يترك منه جزءًا إلا كانت حائلة بينه وبين ما يكره.
ومثل البخيل كمثل من كانت له جنة ممكنة أن يتعرض لأن يضيقها الله عليه، ويستره بها، فقبض الله جبته حتى حصلت عند ثدييه منحسرة عن مقابله، وكانت في عنقه غلًا عليه، وثقلًا معلقًا في رقبته، يحرص حتى يوسعها، وهي لا تتسع عليه، والجنة كلما استترت به، وتعفي أثره أي: تمحو، وتقلصت: اجتمعت. والتراقي: جمع ترقوة، وللإنسان ترقوتان، وهما العظمان المشرفان (٦٣/ أ) في أعلى الصدر.
-٢٠٢٦ -
الحديث الثامن والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا)].
[ ٦ / ٣٢٦ ]
* قال الخطابي: هذا الحشر قبل يوم القيامة، تحشر الناس أحياء إلى الشام. فأما الحشر الذي يكون بعد البعث من القبور، فإنه على خلاف هذه الصورة من ركوب الإبل، بل يحشرون حفاة عراة، كما سبق في حديث ابن عباس.
قال يحيى بن محمد ﵀: ويحتمل أن يشار بهذا إلى حشر يوم القيامة؛ أي أن القوم يحشرون يوم القيامة متفاوتي الأحوال، (راغبين)؛ وهو منصوب على الحال، أي الذين سبقت لهم البشرى، فهم يذهبون في حال رغبة وطمع، و(راهبين) حال أيضًا؛ وذلك لأنه سبق إليهم المنذرون بالمخاوف فيردون القيامة راغبين وراهبين، ويكون أعمال بعضهم مقصرة، فلا يفرد على بعير، وقوله: (عشرة على بعير)، وهذا لا يمكن إلا أن يتعلق بعضهم ببعض، ثم يبقى أقوام ليس لهم ما يحملهم، فتحملهم النار، فتسير بهم على قدر طاقتهم في منازلهم ومقادير السير فيها؛ إذ ليس هناك ليل ولا نهار. إنما ذلك على تقدير ما كانوا عليه في أسفار الدنيا.
* وفيه ما يدل على أن الدواب تحشر، ومنها الإبل، قال الله تعالى (٦٣/ ب) ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾.
[ ٦ / ٣٢٧ ]
-٢٠٢٧ -
الحديث التاسع والثمانون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: (أرسل ملك الموت إلى موسى ﵇، فلما جاءه صكه، ففقأ عينه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه، وقال: ارجع إليه، فقل له: يضع يده على متن ثور، وله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر)، فقال رسول الله - ﷺ -: (فلو كنت ثم لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، تحت الكثيب الأحمر).
وفي رواية عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: (جاء ملك الموت إلى موسى ﵇، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها) فذكر بمعناه].
* هذا الحديث قد ذكر فيه على بن عقيل كلامًا لم أرضه له، ولم أرضه لنفسي أن أترك الرد عليه، فإنه قال فيه قولًا يشير به إلى تخطئة موسى، وإلى خطأ ملك الموت، كيف لم يطرح موسى ميتًا، ولا يعود إلى ربه شاكيًا؟، ثم خلط القول إلى داخل التدبير الإلهي برأيه القليل، وسبب ذلك أنه ضاق فطنته عن فهم الحديث، فحمله على أفظع محمل؛ فلم يكن في
[ ٦ / ٣٢٨ ]
هذا الحديث من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، على كونه كان في كثير من المسائل ذا فطنة وبلاغة وأقوال صالحة.
* وإنما وجه الحديث عندي أن موسى ﵇ كان من الدنيا في دار عبادة وخدمة (٦٤/ أ)، فجاء ملك الموت لينقله إلى دار راحة ونعمة، فكره أن يراه الله تعالى مسرعًا إلى الخلاص من خدمة ربه، وحمل أعباء الأثقال من مدارة خلقه، طالبًا تعجيل الراحة بالتنعم في دار الخلد بالعطايا السنية، فلطم ملك الموت، فعاد ملك الموت ﵇ في صورة شاك، فقيل له: يضع يده على متن ثور، فله بكل شعرة سنة، فلو كان موسى ﵇ إنما فرق من الموت لقبل ما أنعم به عليه من كثرة السنين، ولكنه قال: من الآن، وأراد أن موافقتي لاختيار ربي خير من موافقتي لاختيار نفسي.
* فأما فقؤه لعينه لما أظهر من إيثاره كلف الخدمة على راحة النعمة، أنه يخجل الملك حتى لم يبق له عين ينظره بها، فكان على معنى ما يقول الرجل إذا اشتد خجله: ما لي عين أنظرك بها، ويجوز أن يكون على وجهه.
-٢٠٢٨ -
الحديث التسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا؛ يقاتل في سبيل الله، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ونسي، فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان. قال النبي - ﷺ -: (لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان أرجى لحاجته).
[ ٦ / ٣٢٩ ]
وفي رواية: (تسعين امرأة، وقال: لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا لحاجته).
وفي رواية: (لو استثنى).
وفي رواية: (سبعين).
وفي رواية: (كان لسليمان ﵇ ستون امرأة، فقال: لأطوفن (٦٤/ ب) عليهن الليلة )، وفيه: (لو كان استثنى لولدت كل واحدة منهن غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله تعالى).
وفي رواية: (قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسعة وتسعين كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعين).
وفي رواية: (قال سليمان بن داود ﵇: لأطوفن الليلة في سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسًا يجاهد في سبيل الله، قال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحمل شيئًا إلا واحدًا ساقطًا أحد شقيه)، فقال النبي - ﷺ -: (لو قالها لجاهدوا في سبيل الله).
وفي رواية: (لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، كل امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ) فذكره، وفيه: (وايم الذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون).
وفي رواية: (كلها تحمل غلامًا يجاهد في سبيل الله)].
[ ٦ / ٣٣٠ ]
* في هذا الحديث استجاب القوة على النساء لمن أطاق ذلك واتسع له خلقه.
* وفيه أيضًا طلب الولد، والوطء لأجله.
* وفيه إرادة الولد لعبادة الله ﷿.
* وفيه أن سليمان كان ينزل مع كل امرأة منهن؛ لأن الولد لا يأتي إلا من الإنزال.
* وفيه أيضًا: أن ترك الاستثناء بالنطق ورد الأمر إلى الله تعالى وإلى مشيئته مظنة للنجح.
* وفيه أيضًا: أن ترك الاستثناء بالنطق مع كون العقيدة سليمة (٦٥/ أ) يخل بالمقصد، ويؤثر فيه، فإن سليمان ﵇ لم يخل بالاستثناء إلا شذوذًا عنه، ونسيانًا له، وإلا فهو كل المعتقد لموجبه.
* وفيه أيضًا: دليل على جواز أن يقول الرجل: لو كان كذا لكان كذا لقوله - ﷺ -: (لو كان استثنى لجاهدوا في سبيل الله)، وعلى أن رسول الله - ﷺ - لم يقل في هذا الحديث أن سليمان ﵇ لم يحصل له ثواب مائة فارس يجاهدون في سبيل الله، ولكن صورتهم لم تحصل له، فأما ثواب ذلك فقد حصل له فيما أرى.
[ ٦ / ٣٣١ ]
-٢٠٢٩ -
الحديث الحادي والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (فتح اليوم من ردم يأجوج مثل هذه)، وعقد وهيب بيده تسعين.
وفي رواية: (فتح الله من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، وعقد بيده تسعين)].
هذا الحديث يدل على أن ردم يأجوج الذي شيده ذو القرنين سيجعله الله دكًا، إذا جاء وعده. الوعد في لغة العرب لا يستعمل إلا فيما كان خيرًا، فلعله إن شاء الله يفتحه لعصر الإسلام وظهور كلمة الحق، إلا أنه من أشراط الساعة، فقد كان في زمن رسول الله - ﷺ - فتح منه قدر عقد تسعين كما أخبر - ﷺ -، وذلك أن عقد التسعين في غاية الضيق، ثم يتبعها عقد المائة، وهو أوسع، وهو تحليق الأصبع مع الإبهام.
-٢٠٣٠ -
الحديث الثاني والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - (٦٥/ ب) أنه قال: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته
[ ٦ / ٣٣٢ ]
فليفعل).
وفي رواية عن نعيم قال: (رأيت أبا هريرة يتوضأ، فغسل وجهه؛ فأسبع الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال لي: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أنتم الغر المجلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله).
وفي رواية عن نعيم: أنه رأى أبا هريرة يتوضأ، ويغسل وجهه ويديه، حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل).
وفي رواية لمسلم عن أبي حازم أنه قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، وكان يمد يده حتى تبلغ إبطه الحديث. فقلت له: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروح أنتم هاهنا! لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت هذه الوضوء، سمعت خليلي - ﷺ - يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء). لم يزد.
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ -، قال: (ترد علي أمتي الحوض، وأنا أذود الناس عنه، كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله) قال: يا نبي الله أتعرفنا؟ (٦٦/ أ)، قال: (نعم، لكم سيماء ليست لأحد غيركم، تردون
[ ٦ / ٣٣٣ ]
فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك، ويقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟).
وفي رواية: (إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، لأصد الناس عنه، كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه) قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذ؟ قال: (نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون على محجلين من أثر الوضوء).
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - أتى المقبرة، فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله، قال: (أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، قالوا: كيف تعرف من لم يأت من أمتك يا رسول الله؟، قال (أرأيت لو أن رجلًا له خيل غر محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرًا محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا).
وفي حديث مالك: (فليذادن رجال عن حوضي)].
[ ٦ / ٣٣٤ ]
* قد مضى في إسباغ الوضوء في مسند عمر بن الخطاب، وفي مسند عثمان بن عفان، وفي (٦٦/ ب) مسند ابن مسعود ﵃.
* وآثار الوضوء علامة تظهر لهذه الأمة خاصة في القيامة تدل على فضيلتها.
* فأما الذياد عن الحوض فقد سبق الكلام عليه في مسند ابن مسعود، ومسند سهل بن سعد الساعدي، وفي مسند حذيفة، وفي مسند أنس بن مالك ﵃ أجمعين.
-٢٠٣١ -
الحديث الثالث والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال).
وفي رواية، قال: (يأتي المسيح من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهنالك يهلك)].
* هذا الحديث يدل على فضيلة المدينة. وقد سبق الكلام في فضلها في مسند سعد بن أبي وقاص، وفي مسند أنس بن مالك ﵃.
[ ٦ / ٣٣٥ ]
-٢٠٣٢ -
الحديث الرابع والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر).
وفي رواية: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ثم لينتشر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة: يبلغ به النبي - ﷺ - قال: (إذا استجمر أحدكم فليستجمر وترًا، وإذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثر)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الاستجمار يستحب فيه الوتر.
* وقوله: (٦٧/ أ) (فليوتر)، بلام الأمر، يدل على الوجوب.
* وقوله: (فلينتثر)، يدل على وجوب الاستنثار؛ لأنه ذكره بلام الوجوب، والاستنثار: إيصال الماء إلى النثرة، وهو طرف الأنف.
* وأما غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم فإنه مستحب، وعند أحمد
[ ٦ / ٣٣٦ ]
واجب، وذلك فيما أرى أنه بغسله يديه عند قيامه من نوم الليل يأخذ بالأحوط؛ فإنه لو قد غمس يده في ماء قبل أن يغسلها، ثم ذكر أنه كان قد أصاب بيده فرجه وعليه نجاسة، لأفسد ذلك الماء، واحتاج إلى غسل الإناء الذي كان فيه، فإذا قدم غسل يديه من نوم الليل استراح من مثل هذه الحال.
-٢٠٣٣ -
الحديث الخامس والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ليس على المسلم صدقة في عبده، ولا فرسه).
وفي رواية: (ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر)].
* في هذا الحديث من الفقه أنه لا زكاة في رقيق ولا في خيل، والفقه في ذلك أن الرقيق والخيل للابتذال، والمبتذل لا يرصد للنماء، والزكاة إنما تكون في النامي.
-٢٠٣٤ -
الحديث السادس والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب
[ ٦ / ٣٣٧ ]
عن أبيه، فهو كفر)].
* هذا الحديث وارد في الانتساب إلى غير الوالد، وذلك كفر؛ أي تغطية للحق.
-٢٠٣٥ -
الحديث السابع والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة، قال: (رخص رسول الله - ﷺ - في بيع العرايا بخرصها من التمر ما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق) شك الراوي].
* قد سبق الكلام في العرايا في مسند رافع بن خديج وغيره.
[ ٦ / ٣٣٨ ]
-٢٠٣٦ -
(٦٧/ ب) الحديث الثامن والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الرجل إذا لقي الرجل في الطريق فسلم عليه؛
[ ٦ / ٣٣٩ ]
فقد أمنه؛ فلكون الفارس أقوى من الراجل أمر رسول الله - ﷺ - بأن يسلم الأقوى على الأضعف ليكون الأمان من الأقوى.
* وكذلك الماشي على القاعد؛ لأن الماشي يأتي على القاعد ويمر به.
* فأما تسليم القليل على الكثير؛ فإنه إذا نطق القليل بما يواجه به الكثير شملهم، ولو كان ذلك واجبًا على الكثير؛ لكان كل واحد منهم بمفرده يحتاج أن يسلم على القليل، وكان ذلك يطول ويؤدي إلى حرج، وهو في القليل أيسر.
-٢٠٣٧ -
الحديث التاسع والتسعون بعد المائة:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (صلاة الرجل في الجماعة تضعف صلاته في بيته وسوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة).
وفي رواية: (فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحسبه)، وزاد في دعاء الملائكة: (اللهم اغفر له، اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه).
وفي رواية: (لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، ولا تمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة).
[ ٦ / ٣٤٠ ]
وفي رواية: (٦٨/ أ) (أن رسول الله - ﷺ - قال: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاة، ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه).
ثم قال متصلًا به: (لا يزال أحدكم في صلاة).
وفي رواية: (فإن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تقول: اللهم اغفر له وارحمه، ما لم يقم من مصلاه أو يحدث).
وفي رواية: (لا يزال العبد في صلاة ما كان في المسجد ينتظر الصلاة، ما لم يحدث)، فقال رجل أعجمي: ما الحدث يا أبا هريرة؟، قال: الصوت؛ يعني الضرطة.
وفي رواية: (الملائكة تصلى على أحدكم ما دام في مجلسه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث، وأحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه).
وفي رواية: (لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يحدث)، قلت: ما يحدث؟ قال: (يفسو أو يضرط).
وفي رواية: (أحدكم ما قعد ينتظر الصلاة في صلاة، ما لم يحدث، تدعو له الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه).
وحكى أبو مسعود أن فيه أن النبي - ﷺ - قال: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه)].
[ ٦ / ٣٤١ ]
* أما مضاعفة صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده، فقد تكلمنا عليها في مسند ابن عمر، وقلنا: إنه لما كانت الصلوات في اليوم والليلة خمس صلوات، وكان نهاية التضعيف في ضرب العدد في نفسه، أن ينتهي من خمس إلى خمس وعشرين؛ كان المصلي في جماعة فاضلًا من يصلي وحده بخمس وعشرين درجة.
وأما ما جاء في موضع آخر بسبع وعشرين فإنه هو معنى الخمس والعشرين، ولكن فيه تبيين أن صلاة المصلي بصلاة (٦٨/ ب) الإمام الذي به تتم الجماعة يكتب الله لهما أصلًا ثم يجعل التضعيف خارجًا عن ذلك؛ لئلا ينقصه ذلك من حساب التضعيف، فيكون ذلك سبعًا وعشرين.
* وأما انتظار الصلاة، فإن انتظار العبادة عبادة.
* وقوله: (ما لم يحدث) المعنى: إنه إذا لم يحدث، فهو على هيئة الانتظار لا يمنعه من الصلاة إلا حضور وقتها؛ فإذا أحدث فقد نافى بحدثه حال المتأهبين للصلاة؛ فلذلك كان الدعاء من الملائكة له.
-٢٠٣٨ -
الحديث المائتان:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده).
قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم)].
[ ٦ / ٣٤٢ ]
* إن قال قائل: الناس مع اختلافهم فيما يقطع به يد السارق يتفقون على أنه لا يقطع بسرقة بيضة ولا حبل، فما وجه ذلك؟
الجواب من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها البيضة من بيض الحديد كما ذكرنا عن الأعمش، والحبل من حبال السفن، وله قيمة تبلغ ما يقطع به السارق، وقد كان يحيى بن أكثم القاضي يذهب إلى هذا التفسير ويعجبه.
والوجه الثاني: أن الرسول - ﷺ - لما أنزل عليه ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ قال هذا الحديث أخذًا بظاهر الآية، ثم اعلم بالوحي بعد أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فما فوقه، وهذا اختيار ابن قتيبة، قال: ولا يجوز الوجه الأول إلا على من لا معرفة له باللغة ومخارج الكلام؛ فإن هذا ليس بموضع تكثير لما يأخذه السارق وليس من عادة الناس أن يقولوا: قبح الله فلانًا (٦٩/ أ)؛ عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وجراب مسك، إنما العادة أن يقال: تعرض لقطع اليد في حبل رث، ولما ذكر ما يحتقر هاهنا كان أبلغ.
والوجه الثالث: أن المراد أنه يقطع في السرقة حتى في الشيء المحتقر إذا بلغ نصابًا، ذكر البيضة والحبل لبيان جنس المحتقرات لئلا يظن أن القطع يختص بنفائس الأموال.
[ ٦ / ٣٤٣ ]
-٢٠٣٩ -
الحديث الأول بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيها، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سما فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)].
* في هذا الحديث ما يدل على ما تقدم ذكرنا له من أن نفس المرء ليست له، وإنما هي وديعة عنده لله سبحانه، فإذا فرط في وديعته منها كان ذلك من أقبح الخيانة.
* وقوله: (من تردى من جبل)، ربما جاء الشيطان فأوهم بعض العباد أنك قد بلغت من التوكل إلى أن تلقي نفسك من شاهق فلا يضرك، فحرام عليه أن يتبع الشيطان في ذلك؛ فإن هو خالف أمر الله وأمر رسوله - ﷺ - واتبع الشيطان؛ فقد أخبره رسول الله - ﷺ - بما له من عذاب الآخرة.
* وكذلك من تحسى سمًا فقتل نفسه، فإن حاله كحال المتردي
فأما ما يروى عن خالد بن الوليد ﵁؛ فإن صح لم يتبين أنه سم، وكانت سلامة خالد آية من آيات الله (٦٩/ ب) ﷿ خص بها خالدًا، ولا يسوغ للعموم اتباع خالد فيها.
[ ٦ / ٣٤٤ ]
* وكذلك من قتل نفسه بحديدة: فإن حاله عند الله ﷿ مثل حال الأولين.
* ومعنى ذلك أن يتعرض الإنسان بالمآكل التي الغالب فيها إيذاء آكلها، فيكون الإثم والحرج فيها على مقدار ما ينكأ في بدن آكلها.
* وعلى هذا كان الكراهية للإفراط في الشبع، وإدخال الطعام على الطعام، ومطاوعة الشره، والتعريض بالنفوس للغرر في المتالف، وما الغالب منه التوى والعطب مما لا يبعد أن يداني فاعله أصحاب هذا المقام.
ومن ذلك أن يستلقي تحت هدف مائل أو ينام على سطح ليس له حاجزًا، ويركب البحر عند ارتجاجه، أو يتعرض من البلاء لما لا يطيقه؛ فإن ذلك كله مما يخاف على فاعليه مداناة مقام القاتلين لنفوسهم؛ فإن تصرف الإنسان في نفسه تصرف المالكين يوهم أنه تعرض لدعوى الملكية فيه على الله. والذي يحمل الفاعلين لهذه الأفعال عليها؛ فإنه إما لضيق نزل بهم، أو غيظ استولى عليهم أو تعاط يراءى به الخلق، أو استلذاذ لما يتوهم بعده من طيب الذكر؛ فإن ذلك كله من الحرام الذي لا يسوغ ولا يحل.
* وقوله: (خالدًا مخلدًا)، قد كان قوله: (خالدًا) يكفي في معنى الخلود والمقام، ولكنه جاء بعده بذكر التخليد، فهو على معنى المراغمة للخالد والقهر له.
فإن قال قائل: إن الذي تحسى سمًا أو يقتل نفسه بحديدة أو يتردى من رأس جبل لا يخرجون بهذه الأفعال من الإسلام، وقد ثبت أنه لا يخلد في النار إلا الكافرون، فكيف قطع لهم بالتخليد؟
فالجواب أن هذا محمول على أنه يستحل (٧٠/ أ) ذلك.
[ ٦ / ٣٤٥ ]
-٢٠٤٠ -
الحديث الثاني بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر، فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا؛ فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا؛ فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه لم يوف).
وفي رواية: (ورجل ساوم رجلًا سلعة).
وفي رواية: (فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعطه منها سخط).
وفي رواية: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر يقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء، فيقول الله له: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)].
* قوله: (ثلاثة) يعني: ثلاثة أصناف من الناس، كل واحد منهم صنف في جنس عمله:
[ ٦ / ٣٤٦ ]
* أحدهم: مانع فضل الماء بالفلاة، يعني أنه بالفلاة التي هي غير مملوكة؛ لأن حكم ما في الأرض المملوكة يخالف حكم غيره؛ لأن لصاحب الأرض المملوكة أن يمنع الدخول إليها، فإذا كان في فلاة فليس لأحد أن يتخصص به، وعلى هذا لم يقنع هذا بأن يأخذ حاجته من ابن السبيل المحتاج إليه؛ فكان هذا قد منع فاضلًا عن حاجته إنسانًا محتاجًا إلى ذلك الفاضل.
* وقوله: (رجع بايع رجلًا بسلعة بعد العصر) (٧٠/ ب)، وتلك هي الصلاة الوسطى التي أمر بالمحافظة عليها، وذلك الوقت وقت فراغ أصحاب الأعمال، واجتماع الأندية وشهود الناس، فإذا حملت إنسانًا جرأته على الله تعالى أن يحلف به كاذبًا في مشهد من المسلمين؛ فقد تعرض لسخط الله.
* وقوله: (بايع إمامًا لدنيا) يعني: لأجل دنيا، فهو ينوي وقت بيعه أنه إن أعطاه من الدنيا وفي له، وإن لم يعطه منها لم يف له؛ فذلك الذي لا ينظر الله إليه، فأما إذا بايعه قاصدًا بذلك الحق، وجمع كلمة الإسلام؛ فإنه لم يبق له خيار أعطاه أو منعه.
* في هذا الحديث ما يدل على أن مبايعة الإمام ينبغي ألا تكون راجعة إلى الدنيا؛ بل إلى مصلحة الدين.
* وفيه أيضًا: أنه لا يحل لأحد أن يغدر بمن يبايعه؛ لأن المبايعة مفاعلة لا تكون إلا بين الاثنين؛ فإذا بايع الإنسان فقد بايع طاعته ونصره بثواب الله ﷿، والمبايعة كحبل له طرفان: أحدهما في الدنيا، والآخر في الآخرة. فالإمام نائب عن رسول الله - ﷺ -، فإذا بايعه الناس فقد باعوه أنفسهم، يجاهدون بها في سبيل الله بين يديه، وأعطوه مقادتهم، وولوه أمرهم، وكان ثمن ذلك الجنة من الله ﷾، فعلق الرهن، وانعقد العقد، ولم يبق لعاقده فكاك منه في هذه الحياة الدنيا.
[ ٦ / ٣٤٧ ]
-٢٠٤١ -
الحديث الثالث بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (ما بين النفختين أربعون) قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت (٧١/ أ)، (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، وفيه يركب الخلق).
وفي رواية: (ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة).
وفي رواية: (كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب، منه خلق، وفيه يركب).
وفي رواية: (إن في الإنسان عظمًا لا تأكله الأرض أبدًا، فيه يركب يوم القيامة). قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ قال: (عجب الذنب)].
* أما قوله: (ما بين النفختين أربعون)، فإن الأظهر أن تكون سنين لا أيامًا ولا شهورًا، فإن النفخة من جملة آيات الله سبحانه؛ لأن أضعف ما يكون من بطش الآدمي هو النفخ، فأعلمنا رسول الله - ﷺ - بما نعرفه فيما بيننا أن أضعف
[ ٦ / ٣٤٨ ]
ما ترون من بطش الآدمي أن ينفخ، فهذه النفخة يموت بها الخلق كلهم، ثم ينفخ أخرى في الموتى بأسرهم ردًا بذلك على من زعم أن الموت أو الإحياء يكون من تأثيرات الطبع، فلما أميت الخلائق بالنفخ، وأحيوا بالنفخ، استدل بذلك المؤمنون على بطلان ما زعمه الطبائعيون، وهذا أمر يراه الكفار يوم القيامة رؤيا عين فيصدقون به حين لا ينفعهم تصديقهم.
* وأما امتناع أبي هريرة من تفسير الأربعين بسنة أو شهر أو يوم وقوله: (أبيت) عند سؤالهم إياه عن ذلك في المرات الثلاث؛ فإن قوله: (أبيت) إخبار عن نفسه بالإباء، ولعله (٧١/ ب): أبيت أن أخبر بشيء أنا على غير يقين منه، وليس هذا مما خصصتكم به الآن، وإنما هو عادتي من قبل ألا أذكر إلا ما أتيقنه.
إلا أنا إن صرفناه إلى أربعين سنة؛ فإنه من حيث إن بلوغ الإنسان أشده يكون في أربعين سنة كما قال الله ﷿، وإن قدرناه باليوم فالحديث الصحيح قد سبق في مسند ابن مسعود:
(يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك).
فكل طور من الأطوار أربعين يومًا.
* وأما عجب الذنب، فهو العظم الذي يجد اللامس سنه في وسط الوركين، وهو العصعص.
[ ٦ / ٣٤٩ ]
-٢٠٤٢ -
الحديث الرابع بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أثقل صلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفكر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار).
وفي رواية: (فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة ويقدر).
وفي رواية: (والذي نفسي بيده؛ لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا، أو مرماتين لشهد العشاء).
وفي رواية: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أخالف إلى منازل (٧٢/ أ) قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم).
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - فقد ناسًا في بعض الصلوات، فقال: (لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أخالف إلى رجال يتخلفون عنها، فآمر بهم، فيحرقوا عليهم بحزم الحطب في بيوتهم، ولو علم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا لشهدها؛ يعني: صلاة العشاء).
وفي رواية: (لقد هممت أن آمر فتياني أن يستعدوا إلى بحزم من الحطب، ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم تحرق بيوت على من فيها)].
[ ٦ / ٣٥٠ ]
* هذا الحديث يدل على وجوب صلاة الجماعة إلا أنه قد سبق في مسند ابن مسعود: (لا يشهدون الجمعة)، وقد تكلمنا عليه هنالك.
* والمرماة: تقال بفتح الميم وكسرها. قال أبو عبيد: وهي ما بين ظلفى الشاة.
قال الخطابي: وقال غير أبي عبيد: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي.
* والعرق: العظم الذي أخذ عنه اللحم، وبقيت عليه منه بقية.
-٢٠٤٣ -
الحديث الخامس بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله أو يصوم بعده).
وفي رواية: (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا
[ ٦ / ٣٥١ ]
يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم)].
* إفراد يوم الجمعة بالصوم مكروه بنص الحديث، وبه قال أحمد والشافعي ﵄ خلافًا لأبي حنيفة ومالك رحمهما الله.
* ومن حيث المعنى: فإن يوم الجمعة قد ناب فيه إلى أذكار وتعبدات ربما ضعف الصائم عنها، فأشبه يوم عرفة عند الحاج؛ ولأنه لما سن له التطيب والزينة، واجتمع الناس فيه (٧٢/ ب) أشبه يوم العيد، فإذا صامه الإنسان خالف ما عين هذا اليوم له، فإذا صام قبله يومًا أو بعده يومًا خرج من ذلك المكروه؛ لأنه لم يفرده بالصيام.
* وكذلك إذا سهر ليلة الجمعة دون غيرها، فأصبح وقد أثر السهر فيه، فيمنعه ذلك من أداء وظائف الجمعة: أن يغتسل ويغسل زوجته وغير ذلك، فإن جرى في ليلة الجمعة على عادته من القيام، لم يتناوله النهي.
-٢٠٤٤ -
الحديث السادس بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا)].
[ ٦ / ٣٥٢ ]
* هذا الحديث قد سبق في مسند سعد بن أبي وقاص وفسرناه ثم، وعاد ذكره في مسند ابن عمر ﵁ على ما تقدم ذكره.
-٢٠٤٥ -
الحديث السابع بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: (الإيمان بضع وستون شعبة).
وفي رواية: (بضع وسبعون أو بضع وستون، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)].
* في هذا الحديث أن الإيمان كما عد رسول الله - ﷺ - بضع وسبعون شعبة في هذا الحديث، فهو وإن كان ﵇ ذكرها هاهنا مجملة، فقد أبان بذكره عددها ومقدارها، وأشار إلى كل سامع بأن يتبعها، ويتصف بها، وهي بأسرها مبثوثة في حديث رسول الله - ﷺ -، فرواية أبي هريرة مجملة للتفصيل، وإن كانت أكثر الشعب من رواية أبي هريرة جاءت أيضًا، وما فيها جاء من رواية أنس بن مالك ﵁ وغيره.
* وهذه الشعب (٧٣/ أ) هي ثلاث وسبعون شعبة بمقتضى ما رويناها كلها بالإسناد المتصل إلى النبي - ﷺ - إلا أحاديث يسيرة جاءت عن عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي الدرداء ﵃
[ ٦ / ٣٥٣ ]
موقوفة عليهم من أقوالهم، وقد جاء بعضها عنهم مسندًا إلى المصطفى - ﷺ - فيما رويناه أيضًا.
* فأول الأحاديث، هو الذي نحن في الكلام عليه، وهو المفصح بجملتها، وهو ما رواه أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة: أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) - ففي هذا الحديث من الخصال المذكورة ثلاث خصال.
ونحن الآن نتلوه ببقية الأحاديث محذوفة الأسانيد إلا من أسماء رواتها ﵃، حتى نأتي على آخرها إن شاء الله، ثم نتبع ذلك بذكر خصلة خصلة منها، مشيرين فيها إلى نبذة من عملها الذي يناسب الإيمان، على أنها جميعها إنما تتشعب عن الإيمان، الذي هو التصديق، فهو على نحو عين تتشعب عنها شعب، يكون انبعاث كل شعبة عنها، فهي تمده وتبعثه، وهو يدل عليها، ويفصح عنها، وذلك كله دليل قاطع على أن الإيمان قول وعمل ونية.
* الحديث الثاني: هو ما رويناه عن عبد الله بن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - علم وفد (٧٣/ ب) قيس الإيمان، ثم فسره لهم فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأن تؤمنوا بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، والقدر كله خيره وشره) ففي هذا الحديث بعد ما تقدم من ذكر التوحيد اثنتا عشرة خصلة، وقد تقدم في
[ ٦ / ٣٥٤ ]
الحديث الأول؛ حديث أبي هريرة ثلاث خصال، فصارت خمس عشرة خصلة.
* وروى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - فيما رويناه عنه أن النبي - ﷺ -: سئل عن الإيمان؟ فعد خصالًا ثم قال: (الجهاد)، فهذه الخصلة السادسة عشر.
* وروي عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) فهذه السابعة عشر.
* وروينا عن أنس بن مالك أيضًا عن النبي - ﷺ - أنه قال (ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يرجع في الكفر؛ كما يكره أن يقرب له نار، فيقذف فيها)، فهذا الحديث فيه ثلاث خصال، تمام عشرين خصلة.
* وروينا عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: (آية الإيمان: حب الأنصار، وآية النفاق: بعض الأنصار) فهذه الحادية والعشرون.
* وروينا عن أنس أيضًا عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) الثانية والعشرون.
* (٧٤/ أ) وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره،
[ ٦ / ٣٥٥ ]
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) فهذا الحديث فيه ثلاث خصال، فيكون وفاء لخمس وعشرين خصلة.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) فهذه السادسة والعشرون.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه) ففي هذا الحديث ثلاث خصال، تكمل تسعًا وعشرين خصلة.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من شيع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وصلى عليها، ثم اتبعها حتى توضع في اللحد، كان له من الأجر قيراطان، أحدهما مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له قيراط) فهذه ثلاثون خصلة.
[ ٦ / ٣٥٦ ]
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان به، وتصديق برسله، أنه ضامن أن يدخله الجنة أو أن يرده إلى المسكن الذي خرج منه نائلًا (٧٤/ ب) ما نال من أجر أو غنيمة)، وهذا قد تقدم ذكره، وأنه الجهاد، وهي الحادية والثلاثون.
* وروينا عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال لرجل سأله عن الرجل يحدث نفسه بالشيء ما يود أن تكلم به، وأن له ما على وجه الأرض قال: (ذلك محض الإيمان)، فهذه الخصلة الثانية والثلاثون.
* وروينا عن أبي أمامة أن أصحاب النبي - ﷺ - ذكروا عنده الدنيا فقال: (ألا تسمعون، ألا تسمعون، إن البذاذة من الإيمان، إن البذاذة من الإيمان)، فهذه الثالثة والثلاثون.
*روينا عن أبي أمامة أيضًا عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من سرته حسنته، وساءته سيئته فهو مؤمن)، فهذه الرابعة والثلاثون.
* وروينا عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: (إن أكمل المؤمنين إيمانًا، أحسنهم خلقًا، وإن حسن الخلق ليبلغ درجة الصوم والصلاة)، فهذه
[ ٦ / ٣٥٧ ]
الخامسة والثلاثون.
* وروينا عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا الإيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)، فهذا خصلتان: سادسة وثلاثون وسابعة وثلاثون.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (أي شيء أعجب إيمانًا؟) فقالوا: الملائكة. فقال: (كيف وهم في السماء يرون من أمر الله ما لا ترون). قالوا: فالأنبياء، قال: (هم يأتيهم الوحي) قالوا: فنحن. قال: (وكيف وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، ولكن قوم يكونون أو (٧٥/ أ) يأتون من بعدى، ولم يروني، أولئك أعجب إيمانًا، أولئك إخواني وأنتم أصحابي)، فهذه الثامنة والثلاثون.
* وروينا عن عبيد بن عمير عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن الإيمان والإسلام؟ فقال: (إطعام الطعام، والسماح، والصبر)، فهذه ثلاث خصال فتكمل إحدى وأربعين خصلة.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن). قالوا: من ذاك يا رسول الله؟ قال: (جار لا يأمن جاره بوائقه)،
[ ٦ / ٣٥٨ ]
فهذه الثانية والأربعون.
* وروينا عن أبي أمامة أن النبي - ﷺ - قال: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)، فهذا الحديث خصلة واحدة، وهو العي، فهي الثالثة والأربعون، والحياء قد تقدم ذكره.
* وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد، فاشهدوا له بالإيمان)، قال الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾)، فهذه الرابعة والأربعون.
* وروينا عن النعمان بن بشير عن النبي - ﷺ - أنه قال: (مثل المؤمنين توادهم وتراحمهم مثل الجسد، إذا اشتكى شيء منه، تداعى سائره بالسهر والحمى).
* وروينا عن أبي موسى أن النبي - ﷺ - قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا)، فهذه السادسة والأربعون.
* وقد روينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (المؤمن يألف، ولا خير
[ ٦ / ٣٥٩ ]
فيمن لا يألف ولا يؤلف)، فهذه السابعة (٧٥/ ب) والأربعون.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (من تمام إيمان العبد أن يستثني في كل حديثه) فهذه الثامنة والأربعون.
* وروينا عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: (الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله)، فهذه التاسعة والأربعون.
* وروينا عن أبي قلابة عن رجل من أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أسلم تسلم، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك، وأن تهجر السوء) في حديث طويل، ففيه خصلتان: الخمسون والحادية والخمسون.
* وروينا عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - أنه قال: (مثل المؤمن مثل السنبلة، تميل أحيانًا، وتقوم أحيانًا) فهذه الثانية والخمسون.
* وروينا عن علي﵇- أنه قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة،
[ ٦ / ٣٦٠ ]
لعهد إلي نبي الله - ﷺ - أنه: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) فهذه الثالثة والخمسون.
* وروينا عن عبادة بن الصامت أن النبي - ﷺ - قال: (إن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان) فهذه الرابعة والخمسون.
* وروينا عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لنعرف الضغائن من وجوه ناس من أصحابك من وقائع أوقعنا فيهم، فقال رسول الله - ﷺ - (قد فعلوا؟) قال: نعم. قال: (ما هم ليؤمنوا حتى يحبونكم لله ولرسوله ) الحديث بطوله، فهذه الخامسة والخمسون، والسادسة والخمسون، والسابعة والخمسون، والثامنة والخمسون، والتاسعة (٧٦/ أ) والخمسون؛ الخصال الأربع كلها في حديث.
* روينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه ذكر خصالا تقدمت ثم قال: (والأمر
[ ٦ / ٣٦١ ]
بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على المرء إذا مررت بهم).
* والخصلة الستون في حديث طويل رويناه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (والطهور شطر الإيمان).
* وروينا عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنك لن تجد طعم الإيمان حتى تكون كذلك، ولن تنال ولاية الله إلا بذلك ثم قرأ: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ وقرأ ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ﴾ الآية. فهذه الخصلة الحادية والستون.
* وروينا عن أنس عن النبي - ﷺ - أنه قال: (لا يستكمل العبد الإيمان حتى يحسن خلقه، ولا يشفي غيظه) فحسن الخلق قد تقدم ذكره، وإنما الخصلة الثانية والستون هي ألا يشفي غيظه.
[ ٦ / ٣٦٢ ]
* وروينا عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي - ﷺ -: (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم)، فهذه الثالثة والستون.
* وروينا عن ابن عباس قال: (لا يصيب عبد- أو قال: رجل- حقيقة الإيمان، حتى يرى الناس كلهم حمقى في دينهم)، فهذه الرابعة والستون.
* وروينا عن عبد الله بن مسعود في حديث طويل عنه (٧٦/ ب): (واستكثر من قول: سبحان الله، والحمد لله) في حديث ذكر فيه الإيمان وخصاله، فهذه الخامسة والستون.
* وروينا عن أبي الدرداء أنه قال: (ذروة الإيمان أربع: الصبر بالحكم، والرضا بالذكر، وإخلاص التوكل، والاستسلام للرب)، فهذه خصال أربعة هي: السادسة والستون، والسابعة والستون، والثامنة والستون، والتاسعة والستون.
* وروينا عن عمار بن ياسر ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ثلاث من استكملهن فقد استكمل الإيمان: الإنصاف من نفسك، والإنفاق من الإقتار،
[ ٦ / ٣٦٣ ]
وبذل السلام للعالم) فهذه خصال ثلاثة هي السبعون والحادي والسبعون، والثاني والسبعون.
* وروينا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: (من حبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بموعد الله، كان شبعه وبوله، وروثه، حسنات في ميزانه يوم القيامة)، وهذه الخصلة الثالثة والسبعون، فقد تمت بهذه الخصلة ثلاثًَا وسبعين كما ذكرها المصطفى - ﷺ - في حديث أبي هريرة: إنها بضع وسبعون، وإنما ذكرنا هذا التفصيل على حسب ما وقع إلينا، وتأدى بالرواية إلينا.
ونحن الآن بعون الله وحسن توفيقه نذكر الخصال المذكورة خصلة خصلة، ونشير إلى كل منها، بما وفقنا الله ﷾ لإيراده، وأنطقنا به، وما توفيقنا إلا بالله سبحانه.
* فأولها: قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وهذه أصل الأصول، والعماد التي تقوم به الأشياء، وعليه يبنى، وقد عمل شيخنا محمد بن يحيى ﵀ في (لا إله إلا الله) خمسين بابًا، منها أربعة وعشرون (٧٧/ أ) في إعرابها، وستة وعشرون في ديانتها، فهي التي تنبني عليها الأركان، وهي العروة الوثقى لا انفصام لها، وأما محمد رسول الله - ﷺ - عن إيمان قائلها، بأن محمدًا رسول الله - ﷺ - إلى خلقه، وأنه - ﷺ - رسول ربه، فلا يقال فيه ما قالت النصارى في عيسى مما لم يكن له
[ ٦ / ٣٦٤ ]
بحق؛ بل هو رسول الله - ﷺ - وبعده، بلغ ما أرسله به، وشرع ما أمره بشرعه مصدقًا فيه للأنبياء قبله.
* الخصلة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله.
والإيمان بالله سبحانه هو معتمد هذه الخصال كلها، وقاعدة الباب بأسره، وإنما جاء هكذا؛ لأنه ينبني عليه ما بعده من الإيمان: بكتب الله ورسله وملائكته حتى تكون الهاء في كتبه ورسله، راجعة إليه ﷾، وهي من الفروض التي يجب اعتقادها في جميع الأوقات والأحوال، لا تتخصص بزمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل هي الأس الذي تزكو الأعمال به، وتصح بوجوده، وتبطل بعدمه، فهو الأصل الذي تقع المحافظة عليه، وتحديده، والنظر في أدلته وبراهينه أبدًا.
* وأما قوله: وبملائكته، فإنه لما كان من إيمان المؤمن أن يؤمن بما أخبره الله به على لسان رسوله - ﷺ -، أنه مع كل آدمي ملكان: ملك يمين وملك شمال، وكذلك يؤمن بملائكة العذاب، وملائكة الرحمة، وملائكة الجنان، وملائكة النيران، وبالسفرة الكرام البررة، وبالصافين المسبحين، وملائكة السموات والأرضين الذين ذكروا في (٧٧/ ب) القرآن والأخبار الثابتة عن الرسول - ﷺ -، فيجب عليه أن يؤمن بالملائكة وإن لم ترهم عينه، فإنه إنما يرى بعينه ما أراه الله إياه، ويؤمن أن جبريل كان ينزل إلى النبي - ﷺ - بالوحي، وإن الملائكة نزلوا يوم بدر، وقاتلوا، ويؤمن بكل ما جاءت به الأحاديث الصحاح في ذلك، وأن جبريل طلب من النبي - ﷺ - أن يسلم على عائشة، فقال لها النبي - ﷺ -: (يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام). قالت: وعليه السلام
[ ٦ / ٣٦٥ ]
ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى.
* ولقد قلت يومًا لرجل كان عندي أن عن يمينك وشمالك ملكين لله، وإن لم ترهما، فلا تستبعد ذلك من أجل أنك لا تراهما بعينك، فهل ترى ظل شخصك هاهنا عندي في الظل. فقال: لا. فقلت له: اخرج إلى الشمس؛ فإنك ترى ظل شخصك. المعنى في ذلك: أنه إنما منع الإنسان من أن يرى ملائكة ربه ظلمته، ولو قد أضاءت له شمس البصيرة، لرآهم بإذن الله، كما أن ذلك الشخص لم ير ظل نفسه ف الظلمة، فلما غشيه نور الشمس رأى ذلك.
* وكنت مرة أصلي على النبي - ﷺ - وعيناي منطبقتان، فرأيت من وراء جفني كاتبًا يكتب بمداد أسود في قرطاس أبيض صلاتي على النبي - ﷺ -، وأنا أنظر مواقع الحروف في ذلك القرطاس، ففتحت عيني لأنظره بحاسة بصري، فرأيته وقد توارى عن يميني حتى رأيت بياض ثوبه، وقد أشرت إلى هذا فيما قبل في موضع اقتضاه في كتابنا، ورأيت أن الله إنما أراني ذلك في صلاتي على النبي - ﷺ - ليثبت عندي صحة الإسلام (٧٨/ أ) فكان الإيمان بملائكة الله ﷿ من أركان الإيمان.
* وأما قوله: وكتبه، فأن تؤمن بكتب الله المنزلة على رسله، المتضمنة للشرع والتحليل والتحريم، والقضايا والأحكام، والحظر والإباحة، وقسمة المواريث وتنزيل أهل الجنة والنار، وأخبار الأمم الماضية، وما يكون بعد الموت. فيكون
[ ٦ / ٣٦٦ ]
الإيمان بكتب الله سبحانه لا بكتب الأوائل، وقد تكون الكتب أيضًا كتب الأعمال، والإيمان بأن ما يعمله الإنسان من عمل، فإنه يكتب عليه، وأن كل مؤمن يعمل عملًا صالحًا، فإنه يكتب ولا يضاع، وأن كل من يعمل سيئًا؛ فإنه يكتب عليه ولا يهمل، ويكون أيضًا في كتبه أنه في كتب الأقدار، وأن الأشياء مكتوبة مقدرة، سبق بها القلم، وأنها كتبت ونفدت ومضت.
* فأما قوله: (ورسله)، فأن يؤمن بأن المرسلين كلهم رسل الله، وأن دينهم واحد، وإن كانت أمهاتهم شتى، وأنه يتعين على كل مؤمن أن يؤمن برسل الله كلهم إلى خلقه، وأن يؤمن برسل الله وملائكته إلى رسله وأنبيائه.
* الخصلة السادسة: الإيمان بعد الموت بالبعث.
وهذا فإنه يقتضي من كل مؤمن به، أن يكون عمله على مقتضى إيمانه، وأنه كما يموت، فإنه يبعث.
وهذه الخصلة فهي القرحة التي تغلب في صدور المشركين، فيها كفر من كفر من المغضوب عليه والضالين، ولذلك كرر الله سبحانه الدلائل عليها، وكثر البراهين فيها، حتى إنه ﷾ جعل نصف زمان الآدمي على التقريب موتًا، ونصفه بعثًا؛ ليكون مستدلًا بنومه على موته، وبيقظته على بعثه عند ممسى كل يوم ومصبحه، وإقبال كل ليل وانقضائه، فهذا بعث بعد موت يراه الآدمي في كل ليلة ويوم.
ثم جعل له (٧٨/ ب) سبحانه بعثًا آخر في كل شهر، وهو أنه ﷾ لما قدر على القمر ما قدر حتى أعاده كالعرجون القديم حتى تلاشى واضمحل وغاب، ثم إنه بعثه حتى استوى وعاد إلى إبداره؛ لينظر الخلائق أنه بعثه بعد ذهابه، واطلع عليهم بعد مغيبه.
ثم إنه ﷾ جعل بعثًا آخر في كل عام، وهو أنه ﷾
[ ٦ / ٣٦٧ ]
إذا ألبس الأرض كسوتها، وازينت في حللها، وأندب ثمارها من أكمامها، وأوجدت عجائب صنع الله ﷾ ما بين ألوانها وطعومها وأراييحها ذائعا لها حتى إذا أنس من أربابها، وتوهموا استمرار دوامها، سلط عليها ﷾ من انقضاء آجالها، ونفض أوراقها، واقشعرارها وذهابها، حتى تبدلت الأرض من خضرتها بالغبرة، وتعرت القضبان من أوراقها بالتجريد عنها فيما تدركه المشاهدة، أرسل عليها سبحانه من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وكانت على حالة من يبعث بعد موته.
فهذا بعث في كل يوم وليلة، وهذا بعث في كل شهر، وهذا بعث في كل عام.
* ولقد كنت يومًا جالسًا بالديوان، فحضر عندي قارئ فقرأ سورة الدخان من أولها إلى آخرها، وكان يحضر في جماعة، فيهم من كنت ربما ارتبت بحاله في دينه، فلما أتى القارئ على قوله سبحانه: ﴿إن هؤلاء ليقولون (٣٤) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (٣٥) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (٣٦) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين (٣٧) وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين﴾ لمحت من القوم أو خفت أن يعرض عليهم ظن غير صالح من كونهم إن الجواب الذي أجيبوا به عن قولهم: ﴿فأتوا بآبائنا (٧٩/ أ) إن كنتم صادقين﴾ من قوله سبحانه: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ إن هذا ليس بالجواب المقنع، فقلت لهم في الحال: لا تظنوا أن الله سبحانه إذا ذكر لنا شبهة خصم ثم أتبعها بجواب منه سبحانه، إلا أن جوابه سبحانه هو الجواب المقنع الكافي المغني؛ لأن الله سبحانه أنزل كتابه هاديًا مرشدًا.
[ ٦ / ٣٦٨ ]
ثم ذكرت لهم في ذلك بيانًا حررته بعد ذلك، وأوسعت القول لحواشيه، وأنا ذاكره، وهو أنه ذكر لي عن أبي الحسن علي بن عيسى الرماني أنه قال في هذه الآية: إن الله سبحانه حكى لنا سؤال الكفار على فساده فقلت أنا من عندي: إنما حكى الله لنا سؤال الكفار على فساده ليعلمنا وجه القول لجواب السؤال الفاسد، ثم قلت: فما الذي في هذا السؤال من الفساد؟ فنظرت فإذا هو فاسد كما قال، وهو أنهم قالوا: ﴿ما نحن بمنشرين﴾ ثم قالوا: ﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾ فادعوا دعوى ثم طلبوا الدليل من غيرهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ما نحن بمنشرين﴾ وهذه دعوى منهم، فعليهم البينة، أن يقيموها، إنهم ليسوا بمنشرين، فقالوا للمرسلين: (فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾، ولم يحكوا هاهنا عن المرسلين قولًا يعطفون هذا الكلام عليه، فكأنهم إذا أرادوا أن يقولوا: (ما نحن بمنشرين فأتوا بآبائنا إن كنا كاذبين) فلم يوفقوا لذلك فانفسد سؤالهم به، فقد بان فساد سؤالهم به، فقد بان فساد سؤالهم إذًا.
فلو جاز أن يسوى لسائل فاسد السؤال سؤاله، ويقال: إن معنى هذا أنكم يا معشر المرسلين (٧٩/ ب) تزعمون أنا نبعث بعد الموت ﴿فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين﴾؛ إذ قد عرف ذلك من مذهبكم فيقال: إن إجابة السؤال غير لازمة إلا إنا لو سويناه لهم فالجواب عنه: إن الذي التمسوه دليلًا في المسألة، إنما هو
[ ٦ / ٣٦٩ ]
لجهلكم الذي تعالى جلال الله أن يرضى أن يحتج لحقه مثله، فإنه لو قد أنشر أبا السائلين كان ذلك في زمان رسول الله - ﷺ - لم يكن ذلك دليلًا على البعث بعد الموت إلا من حيث إحياء الجنس، وليس من ضرورة إحياء زيد أن يحيا عمرو.
فيقال للسائلين في هذا: تبًا لعقولكم، فإنكم أنتم كل منكم قد أوجد بعد العدم، وسيحيا بعد الموت، وأنتم لا تصدقون بذلك، فكيف تصدقون به إذا رأيتموه بغيركم، وأنتم الأدلاء في هذه المسألة على أنفسكم، وكل مخلوق فهو دليل في هذه المسألة على نفسه، وشاهد فيها بجملته وأجزائه، فكيف يرجى لمن لا يؤمن بذلك مع شهادة نفسه به، أن يؤمن به مع شهادة غيره؟!
* وفيه أيضًا وجه آخر، وهو أنه إذا أحيي لكم آباؤكم مع قريش، فماذا يكون فيه من الحجة على باقي الخلق إلى يوم القيامة؟؛ لأنه لا يعود إلا خبرًا لمن يأتي بعدكم، يجوز عليه ما يجوز على الخبر، وكيف يكون حجة على من تقدمكم من لدن آدم إلى زمانكم؟، وهل كان يزيد على أنهم إذا طلبوا الحجة على البعث أنه كان يقال لهم: سيأتي في آخر الزمان نبي يطلب منه قومه الحجة على البعث، فيحيي لهم آباءهم، فيكون وعدًا يدخل عليه ما يدخل على الوعد؟، اللهم إلا أن يحيا لكل مخلوق في هذه الدنيا أبوه مع (٨٠/ أ) أن كل واحد يجوز أن يكون أبًا لولده، فكانت تكون هذه الدار، هي دار البعث، ولا تكون دار أخرى تحتاج إلى الإيمان بها، ويبطل الإيمان بالغيب في ذلك كله، فصار هذا أيضًا فاسدًا من هذه الطريق الأخرى.
وأيضًا فإن قولكم يا معشر قريش مع كونكم لستم أكثر الخلائق عددًا، وما مقداركم في الخلائق؟ ومن ذا الذي كان يعرفكم قبل أن نتصل به أخباركم أو
[ ٦ / ٣٧٠ ]
ينتهي إليه أنباؤكم؟، وإنما هذا لو كان مما يصلح أن يكون دليلًا في هذه المسألة لكان ذلك يكون في كل من تيسر أخباره، ويسير في الدنيا ذكره، ويتهادى أهل المشارق والمغارب أحاديثه، نحو الملوك الذي تقدموا، فإن كل واحد منهم، تطيف به الأمم من الجنود والعساكر في وقته، وتدخل النواحي الكثيرة من الأرض في قبضته، فتبقى على طول السنين والأحقاب أخباره، ويتمسك أهل المدن بوعوده، وما يتعاملون به من شروطه وطسوقه وتقديراته.
فلو جاز أن يكون إحياء الآباء دليلًا في مسألة البعث بعد الموت؛ لكان يكون ذلك في بعض أولئك كتبع، وذلك قول الله سبحانه: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ فإن تبعًا ملك الأرض من بلاد العرب والعجم، فلما بطل دليلهم، الذي طلبوه، واستحكم فساده، تطلعت القلوب إلى معرفة الحجة عليهم فيما أخبروا به من البعث بعد الموت، جاء ﷾ بالدليل الواضح البين المكشوف الذي يستوي في قيام الحجة به عليه الأولون والآخرون، والمحقون والمبطلون، وهو قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين (٣٨) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ (٨٠/ ب).
يعني سبحانه أنه خلق السموات والأرض وما بينهما من إحكام الصنعة، وإتقان الخلق، مع ما قدره الله ﷾ من ورفع ووضع، وتفريق وجمع، فرفع السماء، وزينها بالأنوار، ووضع الأرض، وجعلها من جنس قابل للسير في أرجائها، والحرث فيها لإنبات النبات، وجريه الأنهار، وتلقي
[ ٦ / ٣٧١ ]
الغيوث، ودفع السيول، وخزن الثلوج، من أجناس كل منها، لو كان على شكل الآخر لبطل المعنى المراد به فيه، ثم لما عدل فيها الهواء، لما جعله غذاء للأرواح بأن أجراه على يبس وبلل، معتدل ما بين بر وبحر، ليكون صالحًا لإنشاق الآدمي له، من حيث إنه يلائم طبعه، وجعل في هذه الدار قوت الآدمي، وسخر الشمس والقمر، والنجوم والكواكب، والليل والنهار، وجميع ما في هذه الدار لأجله وسببه.
فهي إذا نظر فيها المؤمن رآها كلها خدمًا له، ومسخرة لأجله، ثم إنه مع ذلك ينزعج عنها، وينقل منها، ولا يمكن من سكناها، فدل ذلك على أنها إذ ثبت فيها من الحكمة ما دل على حكمة صانعها، وأنه لا يخلق مثلها باطلًا ولا عبثًا، أنها ناقلة إلى دار أخرى مؤدية إلى مقر غير هذا المقر؛ لأنه إذا عمل عامل من الآدميين مأدبة، ثم لم يمكن أحدًا أن يأكل منها شيئًا، قالت له عقول العقلاء: لقد أضعت ما عملت، وأبطلت ما صنعت، فقال ﷾: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار﴾.
وكذلك قال سبحانه: ﴿وما خلقنا السموات (٨١/ أ) والأرض وما بينهما لاعبين﴾ أي: إن لم تكن ناقلة إلى البعث فذلك يكون- معاذ الله- لعبًا، فثبت حينئذ أن خلق السموات والأرض دال بمعنى وجوده على البعث بعد الموت، ثم تتبعت ما في القرآن من ذلك فوجدته بحمد الله شاهدًا صادقًا على ما ذهب إليه من ذلك.
[ ٦ / ٣٧٢ ]
فمن ذلك قوله سبحانه في سورة الحجر: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية﴾ الآية.
وقوله سبحانه في صورة ص: ﴿يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (٢٦) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلًا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾ ثم أتبع ذلك بدليل آخر من جنسه فقال سبحانه: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعلموا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾ أي: لو لم يبعث الناس لاستوى المؤمنون والكافرون في أن هؤلاء لم يبعثوا، وهؤلاء لم يبعثوا. ثم قال سبحانه: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا لآياته وليتذكر أولوا الألباب﴾.
وقال سبحانه في سورة الجاثية: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ ثم قال سبحانه: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون﴾.
وقال سبحانه في سورة الأحقاف: ﴿حم (١) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (٢) (٨١/ ب) ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل
[ ٦ / ٣٧٣ ]
مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون﴾.
قال ابن سلام في تفسيره في قوله ﷿: ﴿وأجل مسمى﴾: البعث.
وقال سبحانه في سورة سبأ: ﴿وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (٧) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (٨)﴾، ثم قال ﷿ ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب﴾.
وقال سبحانه: ﴿ق والقرآن المجيد (١) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب (٢) أئذا متنا وكنا ترابًا ذلك رجع بعيد (٣) قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ (٤) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج (٥) أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (٦)
[ ٦ / ٣٧٤ ]
والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (٧) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (٨) ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد (٩) والنخل باسقات لها طلع نضيد (١٠) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج﴾.
وقال سبحانه: ﴿عم يتساءلون (١) عن النبأ العظيم (٢) الذي هم فيه مختلفون (٣) كلا سيعلمون (٤) ثم كلا سيعلمون (٥) ألم نجعل الأرض مهادًا (٦) والجبال أوتادًا (٧) وخلقناكم أزواجًا (٨) وجعلنا نومكم سباتًا (٩) وجعلنا الليل لباسًا (١٠) وجعلنا النهار معاشًا (١١) وبنينا فوقكم سبعًا شدادًا (١٢) (٨٢/ أ) وجعلنا سراجًا وهاجًا (١٣) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجًا (١٤) لنخرج به حبًا ونباتًا (١٥) وجنات ألفافًا (١٦) إن يوم الفصل كان ميقاتًا﴾ حتى إنني لا أحسب في القرآن موضعًا فيه ذكر السموات والأرض إلا وقد ذكر سبحانه قبله أو بعده أو في أثنائه ما يدل على أنه الآية على البعث، فتبارك الله رب العالمين.
* الخصلة السابعة: الإيمان بالجنة.
ولما كان وعد الله الصادق من الأجرة يشتمل على أشياء تضيق الدنيا عن أن يضرب منها أمثلة القياس لها، وما كان من رحمة الله التي أخبر بها رسوله - ﷺ - وهو ينشر في القيامة، كان من ذلك ما يستبعده عقول الجاهلين، من حيث إنه إذا قاسوه بما شاهدوه؛ خرق عقولهم الأخبار، على نحو ما روي أن شجرة واحدة من شجر الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وهذه
[ ٦ / ٣٧٥ ]
الشجرة يكون مقدارها على التقريب مثل الدنيا مائة مرة، وكان من الإخبار عنها أن أهلها يأكلون، ولا يتغوطون، وأنهم لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم إلى غير ذلك من عجائب الآخرة، فأي مؤمن سكن قلبه على ذلك، وصدق ما وعد به، ولم يستبعد ذلك في قدرة الله ولا سعة فضله فهو المؤمن، فلذلك كانت هذه الخصلة من خصال الإيمان.
* الخصلة الثامنة: الإيمان بالنار.
ولما كان ما توعد الله به العصاة من خلقه في الآخرة في عذاب النار، مما تستبعده عقول الجاهلين، من أنه كيف يبقى نفس على عذاب النار ولا تطفى؟! (٨٢/ ب) وكيف تسلم فيها الحيات والأفاعي التي ذكر كونها فيها؟! وكيف تجدد الجلود فيها، وهي تحرق كل ما مرت به؟! ويأكل بعضها بعضًا؟! وكان المؤمن يرى أن ذلك في قدرة الله غير ممتنع ولا مستحيل، بل قدرة الله تتسع له ولأضعافه، وأن ما أخبر الله به ﷿ كما أخبر، وكان من إيمان المؤمن أن يؤمن بما أخبره الله ورسوله، وأنه على وجد لابد منه ولا محيد عنه، فكان هذا ركنًا من أركان الإيمان.
* الخصلة التاسعة: الإيمان بالقدر خيره وشره.
ولما كان القدر قد سبق بما الخلق فاعلوه إلى يوم القيامة، وعلم الله قد سبق بتفصيل ذلك وجملته، فكان من تعلقات الآدمي واستراحاته إلى العجز أنه يحاج ربه، فيعارض نفسه بأنه إذا كان قد قدر علي كذا، فكيف أنهى عن فعل ما قدر على فعله؟! وكانت هذه من أشد المسائل غموضًا إلا لمن هداه الله، فأخبر رسول الله - ﷺ -: أن الإيمان بالقدر مع الاعتقاد أن عدل الله ﷾ فيما يأتيه من عذاب من يعذبه على معصيته التي قدرها سبحانه عليه
[ ٦ / ٣٧٦ ]
من أبلغ العدل وأعظم الإنصاف، فكان هذا ركنًا أيضًا من أركان الإيمان.
فأما ما يقذفه الشيطان في القلوب في هذه المسألة؛ فإنه قد أشرنا إليها في كتابنا هذا في موضع إشارة على سبيل، لكنا نقول في هذا الموضع: إن علم الله سبحانه السابق لخلقه وما يكون منهم، هو يفصح عن كماله سبحانه، ولا حجة على الله ﷿ لأحد فيما سبق من علمه فيه، فإنه ﷾ (٨٣/ أ) علم الأشياء قبل كونها، ثم خلقها على علم منه بها، وأنه خلق خلقه، فمن عصاه وأفحش المخالفة لأمره سبحانه وبالغ في العدوان، فليكن العجب من حلم الله في إيجاده خلقًا قد علم أنهم سيفعلون ذلك، ولم يمنعه علمه بما يصيرون إليه من مخالفته أن يخلقهم أيضًا لسابق علمه، وما اقتضته صفاته سبحانه من إكرام المطيع وتعذيب الكافر.
فأما ما خلق للنار من هذه البرية، فإن الله خلقهم للنار لمصالح؛ منها:
- تخويف المؤمنين كما قاله سبحانه: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده﴾، وليكون تعذيبه سبحانه من عذب من خلقه الذين خلقهم للنار سوطًا يسوق به عباده المؤمنين إلى الجنة.
- ومن الفوائد في ذلك: أنه سبحانه لو أدخل الجنة ولم يروا من جنسهم من دخل النار، حتى يرى الوالد ولده في النار، والأخ أخاه، لم يكن شكرهم بالاعتداد بالجنة بالغًا مبلغه؛ حيث زحزحهم عن النار وأدخلهم الجنة.
- ومنها أن كل من يدخل النار ممن خلق للنار، فإنما هو كرامة لمن يدخل الجنة؛ لأن الله ﷾ خلق ممن خلق للنار مشركين به، يقاتلهم الموحدون له، ليحظى المؤمنون بالشهادة في سبيله، ولو لم يخلق الله خلقًا
[ ٦ / ٣٧٧ ]
للنار، ولم يحظ واحد من المؤمنين بالشهادة أبدًا، وهكذا لو لم يخلق الله ظالمًا يدخله النار، لم يكن في الأرض مظلوم يدخل نصيره على ذلك الجنة، وهكذا لو لم يكن في الأرض غني يطغى إذا استغنى فيراه الفقير (٨٣/ ب) فيصبر انتظارًا للعقبى، لم يكن ذلك ليتم فيهما.
- ولقد كنت مرة أسير فقدر الله لي أن تدبرت قوله ﷾: ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها﴾، ومجرميها هاهنا منصوب على البدل من أكابر، وأكابر لا ينصرف على وزن مساجد، تقديره: جعلنا مجرميها أكابر ليمكروا فيها، فأخطر الله في قلبي- وكنت سائرًا راكبًا- حديث مسعود بن محمد الذي كان ملكًا في ذلك الوقت، فأوقع الله في قلبي أنه من المجرمين الأكابر، وأن الله سبحانه قدر فيه ما قدر؛ ليثاب عليه الصابرون، ويؤجر على إنكارهم عليه المنكرون، فرأيت وإذا هو على نحو الشمعة التي تحترق بالنار ليضيء المجلس لأهله، وليس كذلك، وإنما خلقت الشمعة للوقود؛ وكذا كل من خلق للنار.
فأما حالة المؤمن إذا واقع الخطيئة؛ فإنه لو قد احتج عليه بأن قيل له: يا هذا؛ كنت تود أن لو خلقك الله أعمى، أصم، لا تحس، ولا تنظر، ولا تستحسن الحسن؛ لكان من شأنه أن يقول: لا، ثم يقال له: فلما خلقك تنظر وتشم وتذوق أكنت تحب أن الله يحول بينك وبين أن تنظر شيئًا أبدًا، فإنه
[ ٦ / ٣٧٨ ]
يقول: لا. فيقال له: أفكان من شأنك أنك لما رأيت الحسن أكنت تحب أن الله تعالى يبغضه إليك فكان يقول: لا، فيقال له: فهذا الحسن لما أراك الله إياه، أكنت تحب أن الله يطلعه لمن رآه منك ومن غيرك، فكان يتطرق مثله على أهلك وأقاربك وبنتك وزوجتك (٨٤/ أ) ويلذ ذلك لك؟ فيقول: لا.
فيقال له: والذي نقمت من أن الله أعطاك من نظر المستحسن ما طلبت، ومنع من الحرام في ذلك ليحفظ عليك في مثله من أهلك وأقاربك في بقاء غيرتك وسلامة أنفتك ما عليه جبلت، فالقدر قد أجرى الأمور على اختيار، ولم تكن تحسن أنت أن تتمناه، ثم أنه تداركك بعد ذلك بأن قال: إن خطرت منك زلة أو هفوة فمن ورائك التدارك لك بتوبة وكلمة وإنابة ورجعة وأوبة، فإنه سبق مني القول بأني أحب التوابين، فكان ما أتيته من ذلك ثم تداركتك بتوفيقي إياك للتوبة، فألحقتك بمن وعدت أني أحبه؛ فما هذه الغوغاء على الأقدار.
وإنما جرى ما جرى منها على سبيل اختيارك، وتكميل لذاتك، وحفظ غيرتك عليك، ومع هذا فيا محتجًا بالأقدار بزعمه، قائلًا بلسان حاله: أنه لا حيلة لك فيما تأتيه من المعصية، هلا احتسبت في ذلك في مثل هذا بما تأتيه بمن الطاعة، وكيف تحسب ذلك أنه لك، ولا تخرج منه حولك وقوتك وتنسبه إلى الفاعل الحقيقي سبحانه، بل لا تنسب إليه إلا المعصية خاصة، وتحتسب لنفسك بالطاعة فيالجورك وحيفك وميلك، فكان هذا ركنًا وأي ركن من أركان الإيمان.
[ ٦ / ٣٧٩ ]
* الخصلة العاشرة: الصلاة.
فأما الصلاة من حيث إنها شعار المؤمنين الدال على إيمانهم بربهم، الذي يصلون له، وينقطعون عن الخلق في صلاتهم إليه، ويمتنعون في كلام الأغيار في حالة وقوقهم بين يديه مستقبلي كعبته بوجوههم زحًا على المشرق (٨٤/ ب) والمغرب، اللذين هما خافقا الشمس التي كانت تعبد من دون الله، عن يمين وشمال، مفتتحي صلاتهم بتكبير الله عن أن يبعدوا غيره، أو يتوجهوا لسواه، ثم متبعي ذلك باستعاذتهم ربهم من الشيطان الحاسد لهم على صلواتهم؛ كما حسد أباهم على رفع الله سبحانه له عليه، ثم التحصن ببسم: الله الرحمن الرحيم، متلقين بشراه سبحانه الذي يفصح عنها نطق بسم الله الرحمن الرحيم، من كون الرحمة أتت في الصيغة بكلا النطقين المشتملين على أبعد غايات الرحمة في الكثرة والرأفة، ثم ذكر الحمد لله، ثم الإيمان بأنه ﷾ رب العالمين، وأنه ﷻ على كونه رب العالمين، فإنه الرحمن الرحيم، فكان يعيد ذكر الرحمة مسكنًا للناطق عما كان يستدعيه من استشعار الهيبة.
ثم ذكر ملك يوم الدين، فأشعر بإيمانه بيوم الحساب، وأن الملك يومئذ لله وحده، ولما تكررت هذه الأوصاف التي تناهت في التعريف، انتقلت حالة الناطق بها عن المغايبة إلى المشاهدة فقال: ﴿إياك نعبد﴾ بكاف الخطاب، ﴿وإياك نستعين﴾ على عبادتك؛ إذ لولا إعانتك على عبادتك لم يقم بها أحد، ثم طلب بعد ذلك الهداية لطريق الحق، وهي: ﴿الصراط المستقيم﴾،
[ ٦ / ٣٨٠ ]
والمستقيم الأقرب، ثم ذكر ما يدل على أنه سأل توفيقه للاتباع في أن يسألك صراط الذين سبقت إليهم المنة، وتمت لديهم النعمة، فقال: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾.
ثم عرف أنه بعد السؤال تعرض عوارض الغضب (٨٥/ أ) والضلال، وأن ذلك قد جرى على من كان قد تقدم فاستثنى ب ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾. ثم ختم بعد ذلك بآمين.
ثم يقرأ شيئًا من القرآن، ثم ركع ليعبد الله ﷿ راكعًا كما عبده قائمًا، فيخضع بالركوع لعظمة ربه، ويمد عنقه بين يديه، ثم يعيد بعد ذلك ذكر التكبير مجددًا تعظيم ربه سبحانه عند ابتدائه بهذه الحالة؛ حيث انتقل فيها من صورة إلى صورة، فإذا اطمأن راكعًا قال حينئذ بعد طمأنينته؛ لئلا تختلط عليه أذكاره: سبحان ربي العظيم، فنزه ربه بالتسبيح وشهد له بالعظمة.
ثم كرر ذلك تكرير أدنى الكمال منه أقل الجمع، ثم عاد انتصابه ليشعر أنه إنما ركع خضوعًا ليميز ذلك عن هويه للسجود، فيكون عائدًا لله بركوعه، وعائدًا لله بسجوده، فإذا انتصب قائمًا قال: ربنا ولك الحمد، على نعم منها: هدايته لذلك، ومنها: عافيته التي تمكن بها من ذلك، ثم خر ساجدًا، فوضع أشرف شيء فيه بين يدي ربه على التراب، ثم نزه الله ﷾ فقال: سبحان ربي الأعلى، فاعترف لربه حين سجد على الأرض، ثم إنه لم يسجد
[ ٦ / ٣٨١ ]
على الأرض إلا على اليقين منه أن ربه الأعلى، وكرر ذلك كتكريره في ركوعه.
وهكذا حتى انتهى إلى تشهده، فجلس جلوس محتشم غير مبتذل ولا متبدد ثم قال: (التحيات لله) وهي جمع تحية، فكأنه لم يرض بتحية واحدة حتى أتى بالجمع من ذلك، ثم قال بعده: (والصلوات)، فيقتضي أن يعني بها مجتمع أذكاره ومحامده سبحانه، وكذلك (٨٥/ ب) أتبعها بقوله: (والطيبات) وهي الكلمات المطيبات.
ثم قال: (السلام عليك أيها النبي)؛ فكأنه في مقامه ذلك استشعر قربه من ربه سبحانه، فكان من أدبه أن يكون سلامه على رسوله إجلالا وإكرامًا، ثم قال: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فتصيب كل عبد صالح في السماء والأرض.
ثم جدد الشهادة فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، وذكر العبودية هاهنا قبل ذكر الرسالة إشارة إلى ما ذكرناه من السلام عليه - ﷺ -، ثم استعاذ من العذاب والفقر والفتن ثم سلم تسليمتين عن يمينه وشماله مشعرًا بسلامه أنه على نحو القادم من الغيبة، والراجع إلى الخلق من الملائكة وبني آدم وغيرهم.
فهذه الصلاة بسائر أجزائها تدل على الإيمان من حيث تكبيره، والاستعاذة به، وقبول بشراه، والحمد لله، والاعتراف بربوبيته، وملكه يوم القيامة، وإفراده بالعبادة، وطلب الاستعانة منه، وسؤال الهداية للطريق المستقيم، وتجنب الضلالة من حالة المغضوب عليهم والضالين، وتكبيره عند ركوعه وتعظيمه وتسبيحه في السجود، والإيمان بأنه الأعلى إلى غير ذلك، فهذا
[ ٦ / ٣٨٢ ]
كله إيمان فثبت حينئذ أن هذه الصلاة خصلة- وأي خصلة! - من الإيمان، وقد سمى الله ﷿ الصلاة إيمانًا بقوله سبحانه: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ أي: صلاتكم، قاله أكثر المفسرين.
* الخصلة الحادية عشرة: الزكاة.
وهي أنه لما كان المال قوامًا للآدمي كما قال الله (٨٦/ أ) ﷿: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا﴾ وكانت النفوس كما أخبر الله عنها، أنها أحضرت الشح، وكان فيما يتعادى الناس فيه، ويتقاتلون عنه، ويزدهون به، ويتنافسون فيه، هو هذا المال، فأخرج المؤمن ما أخرج منه طيبًا بذلك نفسه وتماكيا عليه قلبه، وهو قد يأتي على النفيسة من أمواله، والمرغوب فيها من عباده، فأخرج ذلك راضيًا بإخراجه ومحتسبًا ما عند الله في أدائه، وصارفًا ذلك إلى مصارفه، مما يكون متباعدًا عن مظان التهم فيه، فلما فعل ذلك أشهر بأنه عن إيمان بربه، ويقين استقر في صدره، فأخرج له المال، وأحسن في توخي حسن مصرفه، فكانت هذه الخصلة مؤذنة بأنها من خصال الإيمان.
* الخصلة الثانية عشرة: الصوم.
وذلك أن الصوم لما كان مما لا يظهر عليه آدمي، من حيث أنه تستدام صحته باستدامة النية فيه فكان محضًا في الإيمان، وقد تقدم ذكرنا لما ذكرنا من تمخضه في ذلك في مواضع عدة من كتابنا هذا، فلا يحتاج إلى ذكرها
[ ٦ / ٣٨٣ ]
هاهنا، فهو من خصال الإيمان الواضحة البينة.
* الخصلة الثالثة عشرة: الحج.
وذلك أنه لما جعل الله ﷿ بيته الحرام، بحيث جعله من أرضه، بواد غير ذي زرع، لا يوصل إليه إلا بشق الأنفس، وحملها على الأخطار، وتعريضها لأنواع المخاوف من احتمال الظمأ والجوع والسير في أرض قفر، من بر وبحر؛ لأن سائر نواحي الدنيا كلها مسلكها إلى البيت الحرام في شق وجهد، فكان إيثار المسلم احتمال هذه الأخطار وانتهاضه إلى هذا البلد؛ الذي ليس بذي ريف وأشجار وثمار، (٨٦/ ب) فكان يتهم القاصد إليه من أجل ريفه وثماره؛ ولا هو بلد رخي العيش رخيص السعر، فكان يخال في قاصده أنه نهض إليه لطلب الرفق.
فلما نهض المسلمون محتملين لما قدمنا ذكره إلى قصده، حتى وقفوا في عرفات بين جبال موقفًا تشهد الفطرة فيه أنه عن إيمان من الواقفين في امتثال لأمر الآمر به، ثم دفعوا إلى منى لرمي الجمرات، وقصد البيت للطواف والسعي مشعرين بكل ذلك أنه لمحض الإيمان بشارع ذلك سبحانه، ومختارين له على تحسين عقولهم وتقبيحها، وإن كان في إحرام الحاج عند ورودهم إلى أول المواقيت من مضيق يشبه دركاء الملك، فيحرمون من هناك خالعين عنهم أثواب الحياة، داخلين في لبس الأكفان بعد الاغتسال الذي يشبه اغتسال الميت، ضاجين بالتلبية كأنهم مجيبين إبراهيم؛ إذ ينادى في الناس بالحج، فلو مثل الإنسان نفسه أنه في مكان كوكب من السماء على مقدار ظهر الكعبة ينظر إلى الحاج كلهم حين أحرموا، يقصدون البلد الحرام محرمين صائحين بالتلبية من سائر نواحيه لرأى تمثالًا عجيبًا، وهذا كله دليل صريح واضح على أنه إيمان كله.
[ ٦ / ٣٨٤ ]
* الخصلة الرابعة عشرة: الجهاد.
وهو أن الآدمي إنما يريد الأشياء في هذه الدنيا لبقاء نفسه، ويحامي بها جميعًا عن سلامة مهجته، فإذا نهض المؤمن من أهله غازيًا في سبيل الله مجاهدًا أعداء الله، طالبًا أن تكون العليا هي كلمة الله، واجدًا من الكمد في باطنه، والمغيظة على من كفر بالله، وجحد برهان الله، وكذب بما جاء به رسول الله - ﷺ -، ما أثار منه (٨٧/ أ) إزعاجًا أقلقه حتى استسهل فراق أهله وإنفاق ماله، وتعريض نفسه لأن تعطب في سبيل الله ربه، موقنًا بأنه ثبت عنده المقر الذي بين يديه، فهو كما تقدم من قولنا: شهيد، أي: شاهد بحاله لا إله إلا هو سبحانه، فهذه حالة دالة بجملها على أنها محض الإيمان ولبابه وصفوه.
الخصلة الخامسة عشرة: أداء الخمس من المغنم.
وهذه الخصلة هي ذات معنى راجع إلى أنه أعطى مما حصل عنده على نحو الفريسة بين يدي الأسد، فهو له عنده من الموقع خلاف مال التاجر والوارث، فإنه إنما غنم ما غنم من ذلك تحت ظلال السيوف، ومن بين رءوس الأسنة وسنابك الخيل، فلما أعطى الخمس من المغنم، طيبة بذلك نفسه، وراضيًا عن إخراجه ذلك قلبه طاعة لله ولرسوله كان ذلك دليلًا واضحًا أنه من خصال الإيمان.
* الخصلة السادسة عشرة: الأمر بالمعروف.
ولما كان الأمر بالمعروف هو الذي يقتضيه إيمان المؤمن بالله؛ لأن الله سبحانه، هو الذي أقر المعروف، وأوصى به، فإذا أمر الإنسان بالمعروف، الذي أقره الله تعالى، وصلح عليه عباده، وغمرت به أرضه وبلاده، كان أمر
[ ٦ / ٣٨٥ ]
الآمر بذلك دليلًا على أنه آمن بمن هذا المعروف رضي عنده.
* الخصلة السابعة عشرة: النهي عن المنكر.
ولما كان المنكر، هو الذي أنكره الشرع، ونهى عنه الرسول - ﷺ -، فكان من المؤمن إنكار ذلك من حيث إنه كان بإنكاره مؤمنًا يصدق الرسول الذي شرع إنكاره؛ إذ لو كان إنما أنكر ما يستقبحه العقل خاصة لكان غير منكر لما شرع الرسول - ﷺ - (٨٧/ ب) إنكاره، فحينئذ استدل لكل منكر بما أنكره الشرع وحرمه الله على لسان رسوله - ﷺ - أنه يتضوع أمر منكره عن أرج إيمانه.
* الخصلة الثامنة عشرة: الموالاة في الله.
وذلك أنه لما كانت الموالاة لها أسباب تستدعيها ما بين لحمة نسب أو طول صحبة أو اجتلاب نفع أو دفع ضرر، ثم كانت الموالاة في الله سبحانه هي التي تخلص عن ذلك كله، وتصفو عن شوائبه، فكون إذا والى المؤمن المؤمن لا عن قرابة بينهما، ولا عن منفعة يرجوها من صاحبه أو لا لاستجلاب نفع الدنيا ولا دفع ضرر منها؛ بل لأجل أنه مؤمن بالذي هو أيضًا مؤمن به، ومحب لمن هو أيضًا محبوبه، كان ذلك أيضًا دليلًا واضحًا ظاهرًا من أدلة الإيمان.
* الخصلة التاسعة عشرة: المعادة في الله.
ولما كانت العداوة من الناس تستدعيها أسباب ما بين ترات متقدمة أو إحن سابقة، أو تنافس على منزلة، أو نزاع في مال، أو ملاحاة في قول، أو مشاجرة على رتبة، كان من يعادي عدوًا في الله ﷾ من أنه يراه
[ ٦ / ٣٨٦ ]
على معصية له ﷻ، أو بدعة في دينه، أو ظلم لعباده، ولا موجب أسخطه عليه غير ذلك، فثار من عزمه معاداته في الله، واغتفار ما عساه تجره عليه عداوته من شره، ويجلبه إليه نزاعه من أذاه لأجل الله تعالى وفي سبيله، وكان ذلك دليلًا تشاركه الشمس وضوحًا في كونه نشأ عن إيمان به.
* الخصلة العشرون: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
ولما كان مقتضى الإيمان بالله، وأنه الموجد سبحانه أوسع فيما أنعم به على عبده حتى أعد له (٨٨/ أ) الجنة نزلًا، على ما تحت هذا الإجمال من كثير لتفصيل، وكان رسول الله - ﷺ - هو الهادي إلى ربه، والمبلغ عنه، ودليل الخلق إليه، التي كانت منافع الدنيا والآخرة حاصلة عن بركة دلائله، كان من الضرورة عند كل مؤمن أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فثبت حينئذ أن هذا ركن من أركان الإيمان، ومن مقتضيات هذا الإيمان ومجال اعتباره ألا يؤثر على الله غيره، ولا يراجع رسوله في حكمه، ولا يكون في صدره حرج مما قضى به، بل يسلم تسليمًا لأوامره.
* الخصلة الحادية والعشرون: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله تعالى.
ولما كان الآدمي قد يستدعي حبه آدميًا آخر أشياء كثيرة، ما بين اجتلاب نفع أو دفع ضرر، أو لحمة نسب، أو حسن صورة أو غير ذلك، وكان المؤمن إذا أحب مؤمنًا آخر لا لشيء مما ذكرناه؛ بل لأجل أنه مؤمن بالله ﷾، كان معدودًا من خصال الإيمان.
* الخصلة الثانية والعشرون: أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله تعالى منه؛ كما يكره أن يعود في النار.
ولما كان الشرك بالله على معنى النار التي يرى المؤمن حال المشركين فيها،
[ ٦ / ٣٨٧ ]
وأنهم يحترقون إذا مثلهم لعينه، وتصورهم بقلبه إلا أنها نار لا تنقضي ولا تخبو ورأى أنه قد تخلص منها، ثم قد عرض لأن يعود إلى النار الكبرى أو يقذف في نار صغرى تنقضي وتخبو؛ فإن من ضرورة إيمانه أن يختار أن يقذف في النار الصغرى؛ لأن الشري أري عند طعم الحنظل، وكان هذا من خصال الإيمان.
* الخصلة الثالثة والعشرون: أن يكون النبي - ﷺ - أحب (٨٨/ ب) إلى المؤمن من ولده ووالده والناس أجمعين.
ولما كان حب المؤمن للنبي - ﷺ - فاصلًا كاملًا تامًا بالغًا، حسن أن يعتبره بمن يحبه بمقتضى الطبع من والده وولده والناس أجمعين، فهو المؤمن وإلا فهو بضده، فكانت هذه من خصال الإيمان.
* الخصلة الرابعة والعشرون: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
ولما كان الإيمان يقتضي من كل مؤمن أن يكون ناظرًا إلى نفسه في صورة أخيه، وإلى أخيه في صورة نفسه، من حيث يود أن أخاه أحب له ما يحب لنفسه، تعين عليه هو أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وكان ذلك مما لا يطلع عليه أخوه كما لا يطلع هو على ما في نفس أخيه، فكان مما يعامل به كل منهما ربه ﷾؛ فكان ذلك ناشئًا عن الإيمان.
* الخصلة الخامسة والعشرون: حب الأنصار.
ولما كان الأنصار قد أسدوا إلى كل مسلم يدًا بيضاء، وفعلة زهراء، من حيث إنهم آووا رسول الله - ﷺ -، ونصروه، وصبروا على حرب الأحمر والأسود معه، فكانت الهجرة إليهم، ونزول الوحي عليه في دارهم، وود كل مؤمن أن يقدر له أن يحسن جزاءهم، فلما فاته ذلك عدل عنه إلى حبهم، فلا
[ ٦ / ٣٨٨ ]
يحبهم إلا عن إيمان منه برسالة محمد - ﷺ -، كما أنه إذا أبغضهم دل ذلك على نفاقه، فكان حبهم ناشئًا عن محض الإيمان.
* الخصلة السادسة والعشرون: حب الطهور.
ولما كان الطهور مما يدخل فيه الغسل من الجنابة، وهي أمانة، والاحتراز من الأحداث التي تنقض الطهارة من الخارج من السبيلين، ولمس النساء لشهوة وغير ذلك، وإنها كلها على سبيل الأمانة عند العبد، لم يكن على العبد فيها (٨٩/ أ) رقيب غير إيمانه، فمن أدى طهارته بكمالها، وحافظ عليها، كان ذلك من دلائل إيمانه.
* الخصلة السابعة والعشرون: إفشاء السلام.
ولما كان السلام من المسلم أمانًا له، وتأنيسًا منه، وطردًا للكبر عن كل تأذ به، وهو الأمارة على صلح المتهاجرين، والآية عند تلاقي الغائبين كان إفشاؤه وإظهاره لما فيه من هذه الفضائل المذكورة ما يجري مجراها ناشئًا عن الإيمان، لإيثار جمع كلمة المسلمين ولإصلاح ذات بينهم.
* الخصلة الثامنة والعشرون: صوم رمضان إيمانًا واحتسابًا.
ولما كان شهر رمضان يدور على المؤمن شتاءً وصيفًا، ولا يدخل في شيء منه تبديل كما فعلت النصارى بصومهم، حتى زادوا فيه؛ لأنهم جعلوه في الفصل المعتدل وثبت المؤمنون على صيام هذا الشهر في كونه يأتيهم أحيانًا في حمارة القيظ وأحيانًا في الشتاء، غير ناظرين إلى ما يستصوبه أهل الأبدان، مع سلامة اليقين في الإيمان، كان إيمانهم بأن هذا الشهر، وفرضه الذي فرضه الله عليهم، واحتساب ما يلقونه من الصبر عن الطعام والشراب والجماع من أركان الإيمان.
[ ٦ / ٣٨٩ ]
* الخصلة التاسعة والعشرون: قيام ليلة القدر.
ولما كانت ليلة القدر؛ هي التي أخبر الله أنها خير من ألف شهر، كان مقتضى الإيمان لذلك فيها، الجد في الحرص عليها، والدأب في التعرض للقائها، فمن وفقه الله تعالى ليقومها، فإن ذلك يقومها إيمانًا واحتسابًا، فإن ذلك من مقتضيات الإيمان.
والحديث في هذا الأمر المحضوض عليه، هو مصادقة قيامها، فإن كل مسلم يراها من حيث إنها تمر عليه (٨٩/ ب)؛ إذ هي ليلة من شهر رمضان، فمن مر عليه شهر رمضان كله، وهو صحيح لم يغب عقله في ليلة منه، يجوز أن يكون هي التي قد كان يطلبها، فإنه قد رآها إلا أنها لم تتعين له أي الليالي هي، وقد يقومها الإنسان ولا يرى شيئًا من ملكوت السموات، إلا إنني قد تقدم إخباري بأن رأيت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان، وكنت واصلت القيام فيها، فرأيت في السماء بابًا مفتوحًا ولم أزل أشاهده حتى التفت إلى الفجر، فكان أول طلوعه فحينئذ غاب ما كنت أراه، فكان الحرص عليها والطلب لها من خصال الإيمان.
* الخصلة الثلاثون: اتباع الجنائز.
ولما كان الموت محتومًا على بني آدم، وكان مما شرع الله لعباده منبهًا بذلك على فضله وجوده على المسلمين من أمة محمد - ﷺ - أنه شرع الصلاة على الميت، ثم شرع في أذكار هذه الصلاة أن يقول المصلون: اللهم نزل بك، وأنت خير منزول به، كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولا
[ ٦ / ٣٩٠ ]
نعلم إلا خيرًا. اللهم إن كان محسنًا فجازه بإحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عنه، جئناك شفعاء فيه طالبين له، فمن تنبه لجود الله وفضله، علم أنه لم يشرع هذا بهذه الأذكار إلا وهو سبحانه يقبل شفاعة الشافعين، ويرحم المشفوع فيه.
ثم لما كان مواراة المسلمين، وشهود جنائزهم من فروض الكفايات وقد وعد رسول الله - ﷺ - في ذلك بما وعد من الأجر، وهو قيراطان، كل منهما مثل جبل أحد، (٩٠/ أ) كان اتباع الجنائز إيمانًا بحصول ذلك يبلغه مع الإيمان بثقل صنجته أيضًا من خصال الإيمان.
* الخصلة الحادية والثلاثون: ألا يؤذي جاره.
ولما كان الجار، إما اللاجئ وإما القريب بالمنزل، كلاهما فمن من ذوي النفوس الأبية بإسعافه، والمناضلة عنه، والمراماة دونه، وأن يكون المؤمن لا يتقصد أذية المؤمن، فإن قارف أذية لمؤمن فليكن صارفًا لذلك الأذى عن جاره؛ إذ قد أوصاه الله به في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ -، فكان كف الأذى عن الجار من مقتضيات الإيمان.
* الخصلة الثانية والثلاثون: إكرام الضيف.
ولما كان الضيف من حيث إنه يأوي إلى مضيفه في حالة يتعين على المضيف أن يقوم منها بمبلغ وسعه إيمانًا بأن الله ﷾ سيخلف عليه ما أنفق على ضيف قصده، لا قرابة بينه وبينه، ولا يرجوه ولا يخافه، بل من حيث إنه يأوي إليه، فكان ذلك من خصال الإيمان؛ لأن الضيف قد يأتى في وقت، وهو ملك في زي مسكين؛ لأنه قد يأتي في وقت لا يمكنه أن ينتفع بملكه في موضع لا يمكنه أن يبتاع ما يريده، فيكون المضيف له كالمتصدق عليه
[ ٦ / ٣٩١ ]
إلا أنها صدقة كريمة، أخرجت مخرج الضيافة ليقبلها الغني، ولا يستنكف عنها ذو الوجد، فكان المؤمن إذا رأى ذلك من أسرارها، رأى أن الله ﷿ ساق إليه ذلك الغني ليضيفه، فتصدق عليه بفضله، فهو من محاسن فقه الإيمان.
* الخصلة الثالثة والثلاثون (٩٠/ ب): أن يقول خيرًا أو ليصمت.
ولما كان القول هو الذي تركب عليه أرواح المعاني، حتى يوصلها القول إلى أوكد الأذكار، وكان مما هدى الله به إلى الحق، هو القول الطيب، وكان مما يوصل إلى النار، هو القول الخبيث، كان قول المؤمن الخير إن قدر عليه، أو الصمت عن الشر إن لم يقدر على قول الخير، من خصال الإيمان إلا إنه يدلك هذا أن قول الخير؛ هو أعلى وأرفع وأكمل، فإن لم يقدر على ذلك انتقل عنه إلى الصمت قانعًا فيه بالسلامة؛ إذ لم يتهيأ له الربح في قول الخير.
* الخصلة الرابعة والثلاثون: انتدب الله لمن خرج في سبيله.
ولما كان انتداب المؤمن ونفس انتهاضه محصلًا له إحدى الحسنيين بيقين: إما الشهادة المحصلة لفوز الآجل، وإما الغنيمة المحصلة لفوز العاجل، كان نفس إيمانه بهذا الذي اقتضى نهضته ناشئًا عن إيمانه.
* الخصلة الخامسة والثلاثون: البذاذة.
ولما كان اهتمام الرجل غير مستحسن منه أن يكون مقصورًا على تحسين ثوبه أو تسوية عمته، وأن المستحب من أحواله أن يكون ساعيًا في تسوية مغابنه غير معوج على تسوية ظاهره إلا لمعنى غير راجع إلى هذه العاجلة، كانت البذاذة، وهي تجنب الزينة في الملبوس، والعدول إلى طهارة الثوب
[ ٦ / ٣٩٢ ]
وحله، عن حسنه وصقالته، من دلائل الإيمان.
* الخصلة السادسة والثلاثون: أن تسره حسنته وتسوءه سيئته.
ولما كان من مقتضيات إيمان المؤمن أنه إذا وفقه للحسنة، رأى أن الله قد أنعم عليه بتوفيقه لها، فسره توفيق الله له (٩١/ أ) للحسنة فسرته، وإذا قارف خطيئة رأى أنه قد عداه الصون والحماية حتى واقعها فساءه ذلك، وكان نفس إيمانه بأن الحسنة حسنة، والسيئة سيئة، بالتوفيق للحسنة وبالخذلان في السيئة، هو الذي أثار سروره بالحسنة ومساءته بالسيئة، فكان ذلك من دلائل الإيمان.
* الخصلة السابعة والثلاثون: مدافعة الوسواس.
ولما كان المؤمن رقيبًا لربه على قلبه، من حيث إن إيمانه بربه يستدعي ذلك منه، فلا يطمئن إلى أن يراه الله ﷿ قد سكن مع عدوه، وساكنه لمحادثة أو مقاولة في غير غضب عليه، وزجر له، فإنه على نحو ما يدخل الرجل من أهل الفسق إلى بلده، فلا يسكن إلا في دار رجل من أهل الفسق، فالمؤمن يقول للشيطان: وماذا الذي جاءك إلي؟ وماذا الذي يجمع بينك وبيني؟ وأنت عدو الله وأنا وليه، وكيف تطلع على قلبي، ويراك فيه ساكنًا سكون المطمئن؛ فيدفعه عن نفسه إن تهيأ له بالحجر، وإلا بالطرد والصياح عليه، والمجانبة له؛ فإنه لا يزال كذلك حتى يعلم الشيطان أنه ليس عنده مبيت ولا مقيل، فلا يكاد يعرج عليه، فكان هذا من خصال الإيمان.
* الخصلة الثامنة والثلاثون: أداء الأمانة.
ولما كان أداء الأمانة؛ من حيث إنها قد تكون إذا تمخضت أمانة بحيث لا يعلم بها إلا الله سبحانه، نحو أن يودع رجل رجلًا شيئًا لولده، قد يموت عنه، ولثقته بالمودع، لم يعلم الولد بما له عند المودع، فيحمل المودع إيمانه على أن يؤدي الأمانة (٩١/ ب) وقد كانت مما لا يعلم بها إلا الله سبحانه، فكانت من
[ ٦ / ٣٩٣ ]
خصال الإيمان.
* الخصلة التاسعة والثلاثون: حسن العهد.
ولما كان الكبر وغمص الحق، وإطراح الصحبة، ونسيان الجميل، من شعب النفاق، كان حسن العهد من المسلمين، وذكر ما سبق من الإحسان، أو تقدم من الصحبة؛ أو وجد المسلم بالمسلم من الراحة، مما إذا ذكره استدل به على أنه إنما أثار ذكره له الإيمان، فكان حسن عهده من الإيمان.
* الخصلة الأربعون: حسن الخلق.
ولما كان حسن الخلق، وهو الذي يخرج في الاعتدال من كل سجية عن طرفين مذمومين، نحو الشجاعة: بين الجبن والتغرير، والجود: بين البخل والتبذير، والعفة: بين العنة والغلمة، كان حسن الخلق، وهو الذي حماه الله ﷾ أن يميل بصاحبه إلى أحد الطرفين، بل وقفه على الاعتدال، فكان ذلك آية واضحة؛ أنه لم ينشأ إلا عن إيمان أراه الله به قبح الغلو والتقصير، وسوء الإفراط والتفريط، فوقف على الاعتدال مطرحًا للميل مع الهوى، فكان ذلك من دلائل الإيمان.
* الخصلة الحادية والأربعون: ثبوت الإيمان بعد موت النبي - ﷺ -.
ولما كان الإيمان برسول الله - ﷺ - بعد موته، من حيث إنه ظهر للمتأخرين من دلائل صدقه، وشواهد حقه، ما يناسب أن يكون إيمانهم على نهاية الكمال؛ فإنه لما أنزل الله على رسوله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾ الآية. فهذا الأمر وجبت فيه الحجة على من جاء (٩٢/ أ) بعد رسول الله - ﷺ - من أمته،
[ ٦ / ٣٩٤ ]
فوق ما وجبت على من كان منهم في زمانه؛ لأنه- أعني من جاء بعده- رأى صدقه في خبره، فلذلك قال الله ﷿ في آخر الآية المذكورة: ﴿ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾.
وكان الشيخ محمد بن يحيى ﵀ يقول: والله لئن كفرت؛ ليكونن كفري أقبح من كفر أبي جهل بن هشام؛ لأن أبا جهل لم ير من صدق رسول الله - ﷺ - في أخباره بعد موته ما رأيته أنا، وهذا فهو من حيث إنه أعجب؛ لأنه أمكن في الثبوت، فكان ذلك من الإيمان.
* الخصلة الثانية والأربعون: الحياء.
ولما كان الحياء ناشئًا عن عقل، عرف قبح القبيح الذي قبحه الشرع، فاستحيى من إتيانه، وكان المؤمن قد جبله الله على الحياء من حيث إنه ﷾ استنفذ وسع العبد بالحياء من تواتر فضل الله في الطاعة، أضعاف ما يستنفذ به وسع أهل القحة بالسياط، فجبلهم على الحياء؛ لأنه ﷾ ترك سياط سوق عباده إليه استحياؤهم منه، نحو الذي قد تقدم من قول الله سبحانه لعبده المستغفر مرة ثالثة: (غفرت لك، فاعمل ما شئت)، فكان هذا من أركان الإيمان.
* الخصلة الثالثة والأربعون: العي.
ولما كان العي من ثمار الحياء، وكون المؤمن يمنعه إيمانه من أن ينتحل الأقوال أو يخرجها مخرج التشدق، كان العي من المؤمن عن ترك الدخول فيما لا يعلم، والقول فيما لم يحط به، والفزع في جل أمره إلى قول:
[ ٦ / ٣٩٥ ]
(٩٢/ ب) لا أدري، دليلًا من أدلة الإيمان.
* الخصلة الرابعة والأربعون: اعتياد المسجد.
ولما كانت المساجد بيوت الله ﷿، وملتقى عباده الصالحين، ومحل أذكاره، ومواطن رفع اسمه سبحانه، منزهة عما لا يناسب عبادته، كان اعتياد المؤمن لها دليلًا واضحًا على إيمانه، فينبغي للإنسان أن يفرق بين الأعمال الصالحة والأعمال السيئة؛ بأن كل عمل لا يستحسن أن يعمله في المسجد فلتجنبه، ومن ذلك الرقص والتصفيق.
* الخصلة الخامسة والأربعون: إطعام الطعام.
ولما كان إطعام الطعام أبلغ وأشمل من إكرام الضيف، من حيث إنه يطعم الطعام لضيفه ولسائله ولأهله ولعياله، فكانت هذه من أخلاق المؤمن، من حيث إنها شاملة عامة واسعة إلا إنها تدل على الإيمان من حيث إنها تشعر باستيقان الخلف وكرم السجية.
* الخصلة السادسة والأربعون: الصبر.
ولما كان الصبر مما مدحه الله تعالى، وذكره في مائة موضع وأربعة موضع من كتابه، ولم يذكر شيء من القرآن بهذه العدة، كان كل صابر على ما يكره أو عما يحب في إيمان بالله أنه سيؤول صبره على حصول لما صبر عنه؛ أو راحة مما صبر عليه، أو تعويض منه في الدنيا والآخرة، دليلًا على الإيمان بمن صبر له وفيه ولأجله، وهذا الصبر قد يجل ويدق، فيكون منه صبرك على أخيك حتى يقضي كلامه، ويكون منه صبرك على المتنازعين حتى يصطلحا، وصبرك على المتعلم السيئ الفهم حتى يفقه، وصبرك (٩٣/ أ) على تجرم الطفل وتعنته، وصبرك على المراء وأنت محق، فأما صبرك عليه وأنت مبطل؛ فتلك فريضة، وكان ذلك من خصال الإيمان.
[ ٦ / ٣٩٦ ]
* الخصلة السابعة والأربعون: السماحة.
ولما كانت السماحة لا تخلو من أن تكون من المؤمنين بصدق الله في وعده؛ إذ يقول: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ فذلك صريح في الإيمان؛ إذ يكون ممن جبله الله من السماحة على ما يحب، وكلا الوجهين يدل على مثير من الإيمان، وهو بعرضة أن يؤول به إلى حقيقة الإيمان، وليس السماحة هي التبذير، والتبذير: أن يخرج الرجل ماله فيما لا يرجو به أجرًا في الآخرة، ولا حمدًا في الدنيا، وهذا هو حد حده الفقهاء، وهو كما ذكروا إلا إنه من قلة فقه المنفق أن ينفق شيئًا إلا وقد توجه له بوجه من وجوه الفقه إلى أن يكون الله، إذا لم يصرفه في محرم، فكانت السماحة حينئذ دليلًا واضحًا على الإيمان، لأن الله يرزق المنفق، ويجزي المتصدقين.
* الخصلة الثامنة والأربعون: اليقين.
ولما كان اليقين درجة في الإيمان، وهو تمكن الإيمان من القلب حتى لا يعارضه ارتياب في حسن خلق ولا نصر حق، ولا اضمحلال باطل، ولا سوء عاقبة مفسد، وحسن عاقبة مصلح، ولا يضطرب عند تأخر إجابة الدعاء، ولا يشك في أنه ربما يكره ما هو خير، ويحب ما هو شر؛ بل يؤمن بأن الله يعلم وهو لا يعلم، فكان هذا من الإيمان فوق أن يقال له: خصلة؛ لأنه من لباب الإيمان.
* الخصلة التاسعة والأربعون: مثل المؤمنين في توادهم
ولما كان الإيمان ضامًا شمل المؤمنين، يتراحمون به، ويتوادون (٩٣/ ب) فيه، ويتواصلون من أجله، كان تواصل المؤمنين، وتوادهم، وتراحمهم، دالًا
[ ٦ / ٣٩٧ ]
على إيمان كل منهم، ويدخل في هذا من كان يحب أن تجمع كلمة المسلمين، وأن ينصلح ذات بينهم، وأن يزول الشقاق عنهم والنفار، فإنه المؤمن حقًا، ومن كان بضد ذلك فهو بضده.
* الخصلة الخمسون: المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا.
ولما كان المؤمنون يرتفدون بالمؤمنين، ويتعاضدون ويتساعدون؛ فتقوى شوكتهم، ويعلو أمرهم، كان ذلك مشعرًا بإيمانهم، فإنهم على شكل البنيان الذي كل لبنة منه من حيث إنها تتصل بأختها، وأختها بأخرى وهكذا، وكل من المؤمنين مرتفد به، كل المؤمنين: الكبير والصغير، والعالم والمتعلم، والمصحوب والصاحب، فيكون مثلهم كمثل البنيان الذي كل شيء منه نافع لشيء منه، فكان ذلك من الإيمان.
* الخصلة الحادية والخمسون: المؤمن يألف.
ولما كان المؤمن يألف من يناسبه في إيمانه، صار إلفًا مألوفًا غير مرتاب من يصاحبه فيزور عنه، ولا شاك فيه، فيرتاب به، فلذلك كانت الألفة من أخلاق المؤمنين.
* الخصلة الثانية والخمسون: الاستثناء.
ولما كان المؤمن قد علم أن الله سبحانه سبقت مشيئته، ونفذ أمره بما يكون في أرضه وسمائه، وكان من مقتضى إيمانه وحسن أدبه، ألا يقول لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله، فإنه لا يدرى: هل يفعل الله سبحانه ذلك فيه وبه أم لا؟
وهذا يدل على ما يقوله أهل الحق من أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله ولا بعده؛ لأن الاستطاعة لو كانت وقت الفعل لكانت لا حرج على من يقول: (٩٤/ أ) أفعل ذلك في غد، ولا يقول: إن شاء الله، فهذا من خصال الإيمان.
[ ٦ / ٣٩٨ ]
* الخصلة الثالثة والخمسون: أن يسلم المسلمون من لسانه ويده.
ولما كان من مقتضيات الإيمان ألا يمد المسلم إلى عامة المسلمين يدًا، ولا يبسط إلى عامة المسلمين لسانًا، كان ذلك من دلائل الإيمان، وهذا قد يقتضي سلامة جميع المسلمين، وعلى هذا فمن نال بعض المسلمين بيده أو لسانه، لم يخرج من الإيمان، فيكون ما جرى من الصحابة ﵃، وما جرى من المسلمين بعضهم مع بعض لا يخرجهم من الإيمان.
* الخصلة الرابعة والخمسون: أن يكون مثل السنبلة.
ولما كان من مقتضيات الإيمان أن يكون المؤمن في هذه الدنيا مفتقرًا إلى مزعج له عن هذا المقر الدني، وكان من فضل الله تعالى عليه أيضًا ألا يشمت به عدوه، ولا يحبس عنه نصره، وأن العاقبة تكون له، كان من حاله أن يكون في معنى السنبلة؛ تميل أحيانًا، وتعتدل أحيانًا، ويجوز أن تكون مثله، أن تميل به الهفوة ميلًا إلا إنها لا تبلغ به إلى الانقطاع والانكسار، لم تعتدل اعتدالًا في لين، لا يؤمن عليه الميل أيضًا، فهو هكذا دأبه حتى يلقى ربه.
* الخصلة الخامسة والخمسون: أن يعلم أن الله معه حيث كان.
ولما كان من مقتضيات إيمان المؤمن أن يعلم أن الله سبحانه معه حيث كان، فلا يستوحش إذا خلا، ولا يخاف إذا انفرد، كما إنه لا ينبغي أن يتفسح في النطق إذا كان وحده، ولا يكشف عورته إذا لم يكن عنده غيره، كما إنه إذا كان في مواطن منها يشترك الحلم، ويضطرب العزم إلى أن يقول الكلمة التي هي (٩٤/ ب) غير صالحة، فينبغي له أن يؤمن أن الله معه، يسمع ما يقول، ويعلم ما عليه يعزم، فكان هذا من خصال الإيمان بل لبابه.
* الخصلة السادسة والخمسون: أن يهجر السوء.
ولما كان السوء كله سامه، اقتضى الإيمان أن يهجر كله، فكان هجران
[ ٦ / ٣٩٩ ]
السوء من خصال الإيمان على الإطلاق.
الخصلة السابعة والخمسون: حب (علي) ﵇.
ولما كان من مقتضيات الإيمان أنه لما علم رسول الله - ﷺ - ما سيكون بعده، وما سيقول الخوارج في علي ﵁، وما سيدفع إليه علي ﵇، ويمنى به من الاضطرار أو إلى أن يرى قتل البعض في مصلحة الكل، وعلم - ﷺ - أن هذا مما يتزلزل له قلوب الذين لا يفقهون، عد حب علي ﵇ ركنًا من أركان الإيمان.
* الخصلة الثامنة والخمسون: حب العباس.
ولما كان من علم رسول الله - ﷺ - الذي أعلمه الله به، من أن الأمر يعود إلى ذرية عمه العباس ﵁، وأن بنيه سيكون منهم الخلفاء إلى يوم القيامة إن شاء الله، وعرف - ﷺ - ما في الولاة من مقتضيات الموجدة، وثمرات الهيبة، ودوام الاستيلاء، جعل حب العباس الذي هو أصل ذريته المباركة الطاهرة ركنًا من أركان الإيمان، وينبغي للمسلمين أن يعرفوا قدر هذه الدولة المباركة، فإن الله سبحانه أصلح بها الأرض بعد فسادها.
فالقراءات السبع كان استبيانها وتمامها في أيامها، وهي قراءات الأمصار الخمسة: فبمكة ابن كثير، وبالمدينة نافع، وبالشام ابن عامر،
[ ٦ / ٤٠٠ ]
وبالبصرة أبو عمرو، وبالكوفة حمزة والكسائي وعاصم ﵃ أجمعين، وكذلك المذاهب الأربعة: وهي مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ﵃ أجمعين، وكذلك علوم النحو وعلماؤه كالخليل وسيبوبه وغيرهما.
وكذلك ما عمل الإمامان الكبيران صاحبا هذا الكتاب: البخاري ومسلم، اللذان أسندا الصحيح، فإنهما في هذه الدولة المباركة دوناه، وعلى ذلك فجمهور مصنفات الشريعة في هذه الدولة تمهدت، فكان حب العلماء من الإيمان.
[ ٦ / ٤٠١ ]
* الخصلة التاسعة والخمسون: السلام على أهله إذا دخل عليهم، والقوم إذا مر بهم.
ولما كان من مقتضيات الإيمان أن الرجل إذا دخل على أهله نزلهم في السلام عليهم ممن يأتيه، فإنه يحظى من ذلك أن يبشرهم منه بحسن الملقى، وبوجدهم فيه الروح لدخوله، ويؤمنهم به من بوادر سخطه.
ولما كان السلام على القوم إذا مر بهم يتضمن أمانهم مما يتخوفونه، وتأنيسهم به، وعلمهم أنه مسلم؛ لأن السلام تحية المسلمين، فكان هذا من خصال الإيمان.
* الخصلة الستون: يحب للناس ما يحب لنفسه.
ولما كان من مقتضيات الإيمان، أن المؤمن يحب المؤمنين كافة، أن يدخلوا في رحمة الله، إيمانًا منه بأن فضله سبحانه يسعهم، ورحمته تغمرهم، وجنته لا تضيق عنهم، كان يحب للناس من دخول الجنة، والأعمال الموصلة إلى دخول الجنة، ما يحب لنفسه، وهذا يدل على أن المؤمن لا يحسد المؤمن على عمل صالح، ولا يبخل المؤمن على المؤمن بفضل ربه، فكان هذا من الإيمان.
* الخصلة الحادية والستون: ألا يشفي المؤمن (٩٥/ ب) غيظه.
ولما كان المؤمن عالمًا من نفسه أنه قد تحمله المغيظة أحيانًا على فعل ما قد يندم عليه في مستقبل الحال، كان من إيمانه بربه أن يكظم غيظه، ولا يشفيه، متحرجًا أن ينفذ غيظه؛ فإنه لو جاز له إنفاذه في مقام ما، لفاتته فضيلة أنه لم يكن المؤمن الذي قال فيه النبي - ﷺ - أنه لا يشفي غيظه.
* الخصلة الثانية والستون: مخالطة الناس والصبر على أذاهم.
ولما كانت مخالطة الخلق في إجماع على الصبر على أذاهم، أفضل من
[ ٦ / ٤٠٢ ]
تركهم، كان احتمال مداراة الخلق، الصبر على تباين أخلاقهم، وعسر أخلاقهم، وبعد من يبعد عن الحق منهم، من جملة مقامات الجهاد في سبيل الله، فلأجل ذلك قال رسول الله - ﷺ -: (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم)؛ فكان ذلك من الإيمان.
* الخصلة الثالثة والستون: أن يرى الناس حمقى في دينهم.
ولما كان ما تناله استطاعة الخلق، وتبلغه مقادير همتهم دون ما يستحق الله تعالى عليهم وعندهم، فإنهم خلقه وملكه، وقد جمع بين ضروب الإحسان إليهم كما جمع بين ضروب الحلم عليهم، والأناة بهم، واللطف لهم، حتى إن الواحد منهم ليتجرم ويتنطع في الإساءة لربه إلى ما لا يتنطع فيه على أبيه، ولا على ولده، ثم إنهم بعد ذلك يدلون إدلال المحسنين على ما فيهم من الإساءة، وينبسطون تبسيط المجيدين على ما فيهم من مواصلة التقصير، يستكثرون لربهم قليل طاعتهم، ويستقلون لأنفسهم (٩٦/ أ) كبير نعمه، يغاضبون ربهم إن أخر إجابتهم لما دعوه فيما يضرهم لو أجابهم إليه، ويريد كل منهم ألا يتحرك في الوجود حركة إلا على حسب اختياره، ولا أن تسكن ساكنة إلا بمقتضى إيثاره، فإذا كان العبدان منهم، كل منهم يريد ضد ما يريده لصاحبه، فإذا أجرى الله سبحانه الحال في اقتراحهما رويدًا بهما، ورفقًا لهما، رأيت كلًا منهما يحمله جهله على الاشتطاط والقدح في حسن تدبير رب العالمين، حتى يظهر على جملته وأجزائه، وربما أداه إلى الارتياب، فالمؤمن يراهم من هذه الطريق كلهم حمقى في دينهم.
[ ٦ / ٤٠٣ ]
* الخصلة الرابعة والستون: قول: سبحان الله، والحمد لله.
ولما كان من مقتضيات إيمان المؤمن أن يديم ذكر تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به، خروجًا عن عالم الحس إلى عالم اليقين والإيمان، كما من هجيراه أن يقول دائمًا: سبحان الله، ثم يعطف عليه بما يدل عليه أنه إنما سبح هذا التسبيح بتوفيق الله له، فله المنة في ذلك لا له؛ فقال: والحمد لله.
* الخصلة الخامسة والستون: الصبر للحكم.
ولما كان من إيمان المؤمن ألا يقتضي إيمانه ألا يتهم ربه سبحانه في أقضيته، وأن يصبر لحكمه، ومن صبره لحكمه أن يصبر لأحكام شريعته، فذلك حكمه الذي حكم به سبحانه، فلا يتفسخ عند حمل شيء من أعباء الشرع، ولا يتطاول أيضًا بوساوسه إلى أن يريد أن يحدث ف يدين الله من الرهبانية ما لم يكتب عليه، فإذا صبر على حكم الله في اتباع الشريعة كان صابرًا لحكم الله تعالى.
* الخصلة السادسة والستون: (٩٦/ ب) الرضا بالقدر.
ولما كان القدر قد سبق كما ذكرنا بما هو كائن، كان إيمان المؤمن يستدعي منه أن يكون راضيًا بما قدره الله، والرضا مرتبة فوق الصبر، فكان ذلك من خصال الإيمان.
* الخصلة السابعة والستون: إخلاص التوكل.
ولما كان من مقتضيات الإيمان أن يتوكل المؤمن على من آمن به، في أنه إذا استعانه؛ أو انتصر به؛ أو اعتمد عليه، فإنه ﷾ كافيه في كل ذلك، فهذا يكون مع العبد في كونه يستعمل الأسباب، وفيها بمعنى إخلاص التوكل؛ لأن الأسباب تكون معه صورة، وهو معتمد على خالقها، فيخلص له التوكل في سره، ويخلص له أيضًا من أن يفسده الناظرون إليه بالتشنيع فيه
[ ٦ / ٤٠٤ ]
إلا إنه إذا أراد الله منه في حالة ما لا عن تقصد منه؛ أن يحول بينه وبين الأسباب فليثبت حينئذ مع الله ﷿، فإنه لم يذهب عنه إلا الشواغل، فكان ذلك من لباب لباب الإيمان.
* الخصلة الثامنة والستون: الاستسلام للرب.
ولما كان مقتضى الإيمان من المؤمن؛ أنه لا طاقة له بشيء من عذاب الله، ولا حيلة في استجلاب شيء من فضل الله إلا بالله فيهما؛ بمعنى اقتضى ذلك الاستسلام لله، فكان ذلك من الإيمان.
* الخصلة التاسعة والستون: الإنصاف من نفسك.
ولما كان الإيمان يقتضي أن تظهر ثمرته عند القدرة على الخصم، فيقين الإيمان في إنصاف الخصم بحيث يعود الإنسان ولا منتصف منه غير نفسه، فإذا أنصف من نفسه، ولم تأخذه العصبية لها على أخيه، كان ذلك آية من آيات الإيمان.
* الخصلة السبعون: بذل السلام للعالم.
ولما كان (٩٧/ أ) بذل السلامة من حيث إنه لا يخلو أن يكون في طرق المسلمين ومجالستهم غيرهم، كان الإيمان مستدعيًا ألا ينزل المسلم على المسلم من أجل جاره الذمي أو الكافر؛ لأن المسلمين هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، فكان من الإيمان بذل السلام للعالم.
* الخصلة الحادية والسبعون: حبس الفرس.
ولما كان من مقتضيات الإيمان ألا يخلو المؤمن من جهاز يعده لغزو أعداء الله، وكان من أصل الجهاز لذلك حبس الفرس، كان حبس المؤمن فرسه ليغزو عليه في سبيل الله أو يغزو عليه غيره إيمانًا بالله، وتصديقًا بوعده، دليلًا على الإيمان، فيكون ممن أعد لأعداء الله شيئًا مما يرغمهم به.
[ ٦ / ٤٠٥ ]
* الخصلة الثانية والسبعون: الإنفاق من الإقتار.
ولما كان الإنفاق من الإقتار، هو الذي لا تثبت فيه الأنفس، موقن بأن الله سبحانه إذا أصار المقتر إلى حالة تعرضه للانفاق فيها من إقتاره؛ فإنه قد أسر إليه بذلك إنني إنما رشحتك بهذه الحالة لمقام الملوك، حيث تنفق من إقتارك؛ إذ الذرة منك قائمة عندي مقام القنطار من الواجدين، فيرى المقتر ببصيرة إيمانه أنه هو الملك من حيث إنه أصاره الله إلى إقتار، يضاعف له يسير النفقة، وليس اليسير مع مضاعفة الله بيسير، كما أنه ليس الكثير مع محق الله ليس بكثير، فكان ذلك من لباب الإيمان.
* الخصلة الثالثة والسبعون: وهي أدناها؛ كما قال النبي - ﷺ -
لأن الطريق لما كانت يمر فيها المسلم والكافر، والعاصي والطائع، فرأى المؤمن أن إماطته (٩٧/ ب) الأذى عنها يثيره إيمانه، ليسهل سبيل المؤمنين، فإن مر بها غيرهم، كان ذلك على حكم التبع لهم، فكان ذلك من خصال الإيمان.
* ذكر رسول الله - ﷺ - هذه الخصال كلها، ليحرص المؤمن على جمعها، إلا إنه بحمد الله ليس فيها شيء من الترهبن ولا الابتداع في الأقوال والأحوال، فمن أراد الله به خيرًا جمعها له، أو جمع له منها حسب حاله، والحمد لله رب العالمين.
-٢٠٤٦ -
الحديث الثامن بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال:
[ ٦ / ٤٠٦ ]
فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين).
وفي رواية: (فكنت أنا اللبنة).
وفي رواية: (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل ابتنى بيوتًا، فأحسنها وأجملها وأكملها، إلا موضع لبنة من زواية من زواياها، فجعل الناس يطوفون، ويعجبهم البنيان، فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنياتك؟ فقال محمد - ﷺ -: فكنت أنا اللبنة)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله - ﷺ - تمم النقائص وسد الثلم، وكمل العوز، وليس هذا مما يدل على أنه مشبه في صغر البنيان بموضع اللبنة من ذلك البنيان؛ ولكنه شبه بأن البنيان تمم به، وكمل بشريعته، فلم يبق بعده إعواز، ولا وراءه نبي، وكان - ﷺ - الذي كتب له (٩٨/ أ) تكملة الأعمال كلها.
وقد جاء في غير حديث أن الاعتماد على الخاتمة.
وقد ذكرنا فيما مضى أنه خص بالخاتم بين كتفيه إشارة إلى أنه خاتم الأنبياء، ولذلك كان من ورائه؛ لأنهم ختموا به، فلم يبق وراءه غيره.
-٢٠٤٧ -
الحديث التاسع بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: (السفر قطعة من العذاب؛ يمنع
[ ٦ / ٤٠٧ ]
أحدكم نومه وطعامه، فإذا قضى نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله)].
* في هذا الحديث من الفقه أن المسافر على قلت وبعرضة؛ ولأنه يسبب همه في نفسه، وتكثر مؤنته، ويحتاج إلى حمل زاده، ومائه، وقل أن يمكنه إقامة فرائضه كاملة من جميع أقسامها، وأن يصلي الصلوات في جماعة، وأن يشتغل بالعلم والتعليم؛ كما كان في الحضر، فلا ينبغي له أن يتعرض له إلا لحاجة، فإذا قضاها، فأولى أفعاله، أن يسرع الكرة إلى أهله؛ ليكون مغتنمًا إنفاق عمره في الأربح فالأربح، من أحوال أوقاته.
-٢٠٤٨ -
الحديث العاشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء).
وفي رواية علي بن عبد الله قال: قال سفيان: الحديث ثلاث، زدت أنا واحدة، لا أدري أيتهن، وقال عمرو الناقد: أشك أني زدت واحدة (٩٨/ ب) منها)].
[ ٦ / ٤٠٨ ]
* في هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - أمر بالتعوذ في هذه الأشياء:
- وجهد البلاء: شدته، وقل ما يعرض البلاء لمؤمن إلا ويكفر حوبًا أو يرفع درجة، فإذا اشتد خيف منه، فلذلك استعاذ رسول الله - ﷺ - منه.
- ودرك الشقاء: هو لحوق الشقاء.
- وسوء القضاء، ضد حسن القضاء، فيجوز أن يكون المراد به الجور في الحكم، وأن يحكم الحاكم بأحكام زائغة عن الحق، فيكون على معنى قول من قال: والقضاء خطر؛ أي والحكم خطر.
- وأما شماتة الأعداء، فإن أعدى الأعداء إبليس، ولا شماتة له أعظم من دخول الإنسان النار، وأن ينصرف من بين يدي ربه، وقد يئس من رحمته، فهذا هو أقطع الشماتة، وما دون هذا من شماتة الأعداء أهل الدنيا؛ فإنه صعب مؤلم كنكاء القرح بالقرح، والله يعيذنا من ذلك في الدنيا والآخرة بكرمه وجوده.
-٢٠٤٩ -
الحديث الحادي عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
وفي رواية: (من حج لله ﷿، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه)].
[ ٦ / ٤٠٩ ]
* قوله: (العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما)، إشارة منه - ﷺ - إلى أن كبار الطاعات يكفر الله بها ما كان بين الطاعة منها والطاعة الأخرى؛ لأنه لم يقل: كفارة لصغار ذنوبه بل أطلق إطلاقًا يتناول الكبار والصغار.
* ثم قال: (والحج المبرور ليس (٩٩/ أ) له جزاء إلا الجنة)، يعني: أنه إذا زادت قيمته، وكثرة مقداره، وغلا ثمنه، فلم يكن يقاومه شيء من الدنيا، ولا نفيس من أعراضها، فلذلك قال: ليس له جزاء إلا الجنة، ومعنى ليس له جزاء إلا الجنة فهذا عقد يشتمل على أحكام كثيرة:
فإن الجنة هي دار النظر إلى الله تعالى، وهي مقر الأمن من كل مخوف، والنيل لكل مطلوب، والوصول إلى كل مشتهى، والاجتماع لكل مشتاق، إلى غير ذلك.
* وقوله: (من حج فلم يرفث)، أي امتنع عن الرفث والفسوق أيام الحج خاصة أزال ذلك كل وقت وفسوق سبق، فرجع إلى الصفاء والطهارة والخلوص كيوم ولدته أمه، لا ذنب له وبقي حجه فاضلًا له، وباقيًا عليه؛ لأن مما شرع الله ﷿ أن الحسنات يذهبن السيئات والمذهب الأول.
-٢٠٥٠ -
الحديث الثاني عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها؛ فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث،
[ ٦ / ٤١٠ ]
يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له)، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: (في كل كبد رطبة أجر).
وفي رواية: (أن امرأة بغيًا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له موقها، فغفر لها).
وفي رواية: (بينما كلب يطيف بركية، قد كاد يقتله العطش، (٩٩/ ب) إذ رأته بغية من بغايا بني إسرائيل، فنزعت له موقها، فاستقت له به، فسقته إياه فغفر لها به).
وفي رواية: (أن رجلًا رأى كلبًا يأكل الثرى من العطش، فأخذ الرجل خفه، فجعل يغرف له به حتى أرواه، فشكر الله له فأدخله الجنة)].
* في هذا الحديث من الفقه: اعتراض الشدائد للإنسان في أوقاته، وهي وإن كانت شدة في وقتها؛ فإنها سيقبلها الله نعمة في وقت آخر، فإن ذلك الإنسان لما اشتد به العطش، ذكر به غيره، فعرفه مبلغ الظمأ من الظمآن، فأوى إلى ذلك الكلب حين رآه في مثل حاله، فكان ذلك سببًا لرحمته الكلب، ورحمه الله به، من حيث إنه أبلاه أولًا حتى راضه وأدبه، فجعل
[ ٦ / ٤١١ ]
رياضته تلك سببًا لرحمته خلقه، فرحمه ﷾.
* وفيه أيضًا من الفقه: أن الرحمة في القلوب- حتى البهائم- سبب خيرة وأجر، واستعطاف لرب السماء والأرض؛ فإنه يرحم من عباده الرحماء.
* وفيه: أن رحمة الدواب- حتى الكلاب التي لا أجر في اقتنائها بل وزر- أجرًا، فدل على أن رحمة ما هو أكرم منها من الدواب كالشاة، والبقر وغيرها، فيها أجر، فذكر ذلك على عادته في الإتيان بجميع الكلم فقال: (في كل كبد رطبة أجر).
* وفيه أيضًا من الفقه: أن لطف الله ﷿ ورحمته عباده تبلغ إلا أن بغيًا من البغايا المسرفات على نفوسهن بفجورهن مدة عمرها، رحمت في وقت واحد كبدًا رطبة، جرى مكان ذلك لها وسيلة إلى الله ﷿ فأسقط عنها ما كان منها في عمرها لإنابة لحظة في رحمة (١٠٠/ أ) دابة غير كريمة، فكيف رحمة الآدميين المسلمين؟!، فجعل الله ﷿ هذا حيث قدره وقضاه منيهة لعباده إلى يوم القيامة.
-٢٠٥١ -
الحديث الثالث عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه؛ لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح؛ لأتوهما ولو حبوا).
[ ٦ / ٤١٢ ]
وفي رواية: (بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوط على الطريق، فأخذه فشكر الله له؛ فغفر له، ثم قال: (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله).
وقال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول) ثم ذكر مثل ما تقدم في مثل هذين وفي التهجير والعتمة والصبح.
وفي رواية: (لو تعلمون ما في الصف المقدم لكانت قرعة).
وفي رواية: (ما كانت إلا قرعة).
وفي رواية لمسلم: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)].
* في هذا الحديث ندب إلى الأذان، وإنه لكذلك؛ لأنه إعلان بتوحيد الله سبحانه، والمؤذن يبلغ جهده برفع صوته، فيذكر الغافلين، ويعود قدوة للذاكرين، فكل من يقول مثل ما يقول؛ فإنه يجدد إسلامه ليدخل في الصلاة بإسلام جديد غير منثلم بما عارضه في نفسه أو خالجه في قلبه من خاطر سيئ، فيكون أجره وأجر شهادته لمن سن هذه السنة (١٠٠/ ب) وبدأ بها، وهو المؤذن؛ لأن من سن سنة خير، فله أجرها، وأجر من عمل بها، فكيف بما في الأذان من الفضائل.
[ ٦ / ٤١٣ ]
* وأما الصف الأول، فللقرب من الإمام، واستماع القراءة، وسلامة من دخل الصف الأول من تخطي الناس، وتمكنه من الجلوس، ولا يخفى عليه شيء من أحوال الإمام، ويكون هو مقتديًا بالإمام، ومن وراءه يقتدي به، فيكون له ثوابه، وثواب من يصلي وراءه؛ لأنه هو الوصلة بينه وبين الإمام، وكذلك له ثواب من يصلي وراء من يصلي وراءه هكذا، ما اتصلت الصفوف؛ لأنهم به يقتدون، وعلى فعله يبنون.
* وأما الصبح والعتمة فإنهما يخلوان في الأكثر من رؤية أكثر الناس، فالمنافق والمرائي الذي لا يصلي إلا لأجل الناس، لا يمكنه في العصر والظهر ما يمكنه في الفجر، فإنه يغلظ في الفجر والعتمة.
* وأما التهجير، فهو التقدم في الوقت، كما أن التبكير كذلك.
* وفيه من الفقه أن الله ﷻ، لا يضيع مثقال ذرة، حتى إن هذا المار في طريقه، رأى غصن شوك في الطريق، فأخره عن المارين فأجر، ولم يذكر أنه قطعه، فشكر الله له تأخيره الغصن فغفر له.
* ثم ذكر الشهداء، ونزل آخرهم الشهيد في سبيل الله، ليعلم أن كلا منهم ليس بناقص الشهادة، ولا بمنزور الأجر، وإنما كانت هذه الأحوال توهم في الأكثر أن الميت قد أفلت أو قد نقص من أجله، أو لو لم يعرض به ذلك الأمر لم يمت؛ إذ ليس ما عرض له من الأمراض المعهودة التي تعاود الناس في الأكثر، فكان من ثبت إيمانه في مرض من هذه الأمراض، وعند الهدم، والغرق، يعلم أنه لم يمت إلا بأجله، فكان هذا الإيمان مبلغًا له إلى الشهادة.
* وقوله: (خير صفوف النساء آخرها)؛ وذلك (١٠١/ أ) لأن أواخرها
[ ٦ / ٤١٤ ]
أبعدها عن الرجال، وأوائل صفوف الرجال أبعدها من النساء، وكان هرب من تهرب من النساء من الفتنة أو لخوف الفتنة، وهرب من يهرب من الرجال لذلك هو الذي جلب الخير إليه.
-٢٠٥٢ -
الحديث الرابع عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل عمل أكثر منه. ومن قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه؛ وإن كانت مثل زبد البحر).
وفي رواية: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ذلك أو زاد عليه)].
* هذا الحديث مشروح الكلمات في مسند أبي أيوب، ونزيده هاهنا شرحًا فنقول: لما تكررت على لسان المسلم كلمة التوحيد، وهي: لا إله إلا الله،
[ ٦ / ٤١٥ ]
ومعناها نفي الإلهية بالتعميم؛ لأن لا إذا بنيت معها النكرة على الفتح دلت على تعميم النفي. ثم جاء الاستثناء المثبت بأقوى حروف الاستثناء وهي إلا التي هي معتمد بابه، وهي الكلمة إنما يقولها المؤمن إذا نظر حق النظر، فإنه يقولها عن يقين، ثم يقول: وحده لا شريك له، فيثبت له الوحدة، وينفي عنه الشركاء، ثم تبعها بأن له الملك، واللام في قوله: (له) لام الملك ولام الولاية، ثم قال بعد ذلك: وله الحمد، ولم يقل: (له الحمد (١٠١/ ب) والملك) ليدل على أنه ليس ملك يجمع الملك والحمد غيره.
* وقوله: (وهو على كل شيء قدير)، وذلك أنه أتى إلى عباده بما يحمدونه عليه مع كونه سبحانه كان قادرًا على أن يأتي إليهم غيره إلا أنه رفق بهم، ودليل الرفق قوله: (وهو على كل شيء قدير)، ليفهمها من فهمها، فهذه إذا قالها العبد عند مشاهدة مقتضياتها، والفكر فيها في كل يوم مائة مرة، فلابد في بعض المرار من إفاقة، وهي المقصود؛ لكن الشرع جعل نفس نطقها محصلًا لقائلها من الثواب ما ذكره أبو هريرة في روايته للحديث من حيث إن نطقها يعرضه الهداية إلى معرفة معانيها.
* فأما كونها بعشر رقاب، فإن العتق في لغة العرب أصله الخلوص؛ وقد تقدم ذكره كذلك، وتقدم ذكر كونها بعشر رقاب في مسند أبي أيوب، فلما كانت كلمة الإخلاص مناسبة للعتق، كان العتق مناسبًا لها، فأما عشر رقاب لمائة مرة، فإن لكل عشر مرار عتق رقبة.
* وقوله في تضعيف ثواب قائلها: (إلا رجل عمل أكثر منه)؛ أي قال أكثر من هذه الكلمات.
[ ٦ / ٤١٦ ]
* وأما قوله: (سبحانه الله وبحمده)، فقد بينا أنها تنزيه لله ﷿ من كل سوء، ومن كل ما لا يجوز عليه، فكانت منزهة لقائلها من خطاياه التي تجوز عليه وعلق به، فلما قال ما نزه الله ﷿ به عما لا يجوز عليه [إلا أن] نزهه من خطاياه كلها التي تجوز عليه.
-٢٠٥٣ -
الحديث الخامس عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، (١٠٢/ أ)، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن الملائكة تصلي مع المصلين رغبة في فضيلة الجماعة، فلهذا إن وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
* وفيه أن الملائكة تتبرك وتغتنم وتبادر إلى الدخول في جملة من دعا له الإمام عند قوله: (سمع الله لمن حمد) (ومن) تتناول من يعقل، فتبادر الملائكة إلى الجهر رغبة أن تشملهم الدعوة.
* وقوله: (من وافق قوله قول الملائكة، غفر له)؛ لأنه توافق قول غير متدنس بالذنوب، فيكون ضياء أقوالهم يشمل ما عساه أن يكون في قول غيرهم من ظلمة.
[ ٦ / ٤١٧ ]
-٢٠٥٤ -
الحديث السادس عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: (وما ذاك؟) قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله - ﷺ -: (أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟) قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: (تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة)، قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - ﷺ - فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله - ﷺ -: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (١٠٢/ ب) قال سمي: فحدثت بعض أهلي هذا الحديث، فقال: وهمت، إنما قال لك: تسبح ثلاثًا وثلاثين، وتحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وتكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فرجعت إلى أبي صالح، فقلت له ذلك فأخذ بيدي، فقال: الله أكبر، وسبحانه الله، والحمد لله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله حتى تبلغ من جميعهن ثلاثًا وثلاثين.
قال ابن عجلان: فحدثت بهذا الحديث رجاء بن حيوة، فحدثني بمثله عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -، لفظ حديث مسلم، وليس عند البخاري قول أبي صالح: فرجع فقراء المهاجرين وما قالوا، وقال لهم رسول الله - ﷺ - بعد قوله: (تسبحون، وتحمدون، وتكبرون، خلف كل
[ ٦ / ٤١٨ ]
صلاة، ثلاثًا وثلاثين)، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثًا وثلاثين، ونكبر أربعًا وثلاثين، فرجعت إليه فقال: (تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون).
وفي رواية للبخاري: قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات، والنعيم المقيم، وذكر نحوه إلى قوله: (أفلا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم، وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله؛ تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا).
وفي رواية لمسلم: (ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم)، ثم ذكر مثل ما في الحديث الأول، وأدرج في حديث أبي هريرة قول أبي صالح: ثم رجع فقراء المهاجرين، ولم يجعله من قول أبي صالح، وذكره وزاد في آخره يقول سهيل: إحدى عشرة، إحدى عشرة، إحدى عشرة).
وفي رواية له: قال رسول الله (١٠٣/ أ) - ﷺ -: من سبح الله في دبر كل صلاة، ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، قال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده؛ لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر)].
[ ٦ / ٤١٩ ]
* قد سبق في مسند أبي ذر؛ تفسير قوله: ذهب أهل الدثور بالأجور.
* والذي أرى في تفسير هذا الحديث: أن الفقراء لما سمت همتهم إلى ألا يقصروا عن فضيلة غيرهم، كان هذا منهم محمودًا، فعاضهم النبي - ﷺ - من الإنفاق هذا التسبيح، فلما سمعه الأغنياء وقالون، كان من حسن فقه الفقراء أن الله سبحانه سيكتب لهم مثل تسبيح الأغنياء من حيث إنهم عنهم تعلموه ومنهم أخذوه، وكان الفقراء هو الذين من رسول الله - ﷺ - أثاروه، فلهم من الثواب مثل من عمل به من الأغنياء وغيرهم، فلما لم يفقهوا، جاءوا إلى رسول الله - ﷺ - وقالوا: يا رسول الله، قد سمعوا التسبيح فقالوا؛ أخرجهم حرصهم إلى الخير إلى ما يشده عن حسن النظر في ثواب المقتدى بمن يقتدي، والتابع لمن يبتدئ، فكان جوابهم من النبي - ﷺ - أن قال لهم: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، يشير إلى الفقه، فإن الذي أعطاهم رسول الله - ﷺ - هو عطية لا تقبل إلا من أيديهم، ولا تحسب إلا في موازينهم، فالأغنياء لا ينقص أجورهم؛ ولكن الفقراء يتضاعف ثوابهم، والفضل الذي ذكره رسول الله - ﷺ - هو فضل الآدمي في عمله وفقهه من قول الله سبحانه: ﴿ويؤت (١٠٣/ ب) كل ذي فضل فضله﴾ كل ذي فضل فضله إن شاء الله تعالى.
-٢٠٥٥ -
الحديث السابع عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية، ولكن لا أجد حمولة، ولا أجد ما أحملهم عليه، ويشق علي أن يتخلفوا عني، فلوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت، ثم
[ ٦ / ٤٢٠ ]
أحييت، ثم قتلت، ثم أحييت).
وفي رواية: (والذي نفسي بيده لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم بأن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل).
وفي رواية: (والذي نفسي بيده لوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل)، فكان أبو هريرة يقولهن ثلاثًا (أشهد بالله).
وفي رواية: (والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدًا؛ ولكني لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل).
وفي رواية: (والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله، ولكني لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي)].
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - لما يعلم من فضل الشهادة،
[ ٦ / ٤٢١ ]
أحب أن يكون غازيًا في سبيل الله مع أصحابه المؤمنين؛ لأنه قال: (١٠٤/ أ) (لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة)؛ يعني فيحتملون، ولقد بين عظم أمر الشهادة، وفخم قدرها، حتى تمنى أن يبلغ فيها ما لم يبلغه أحد؛ فإنه لم يقتل أحدثم يعاد، فتمنى ﵇ مقامًا لم يبلغه أحد، وإن كان كل شهيد على وجه الأرض في ميزانه - ﷺ -، وثوابه له.
-٢٠٥٦ -
الحديث الثامن عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، زاد حفص بن مسيرة- لأهل الإسلام- فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنه انقطع طيلها، فاستنت شرفًا أو شرفين كانت له آثارها، وأرواثها حسنات، ولو أنها مرت بنهر، فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له، فهي لذلك الرجل أجر، ورجل ربطها تغنيًا وتعففًا، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء لأهل الإسلام- وقال حفص الصنعاني: على أهل الإسلام فهي على ذلك وزر، وسئل رسول الله - ﷺ - عن الحمر؟ فقال: ما أنزل على فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾).
وفي حديث حفص بن ميسرة: (فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها
[ ٦ / ٤٢٢ ]
حسنات، ولا تقطع طولها، واستنت شرفًا أو شرفين إلا كتبت الله (١٠٤/ ب) له عدد آثارها حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر، فشربت منه، ولا يريد أن يسقيها، إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات )، ثم ذكره نحوه.
في أول الحديث زيادة في مانع الزكاة تتصل به وأولها قال رسول الله - ﷺ -: (ما من صاحب ذهب ولا فضة ولا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وظهره، كلما ردت، أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار).
قيل: يا رسول الله، فالإبل؟ قال: (ولا صاحب إبل لا يؤذي منها حقها- ومن حقها حلبها يوم وردها- إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلًا واحدًا، تطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار).
قيل: يا رسول الله، فالبقر والغنم؟ قال: (ولا صاحب بقر ولا غنم، لا يؤدي حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤه بأظلافها، كلما مرت عليه أولاها رد عليه أخراها، في يوم كان مقداره
[ ٦ / ٤٢٣ ]
خمسين ألف سنه، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار).
قيل: يا رسول الله، فالخيل؟ قال: (الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، ولرجل ستر، ولرجل أجر). ثم ذكر الفصل الذي قدمناه إلى آخره.
وفي رواية: (تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت- إذا لم يعط (١٠٥/ أ) فيها حقها- تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها، تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها. قال: ومن حقها أن تحلب على الماء، قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته، لها يعار، فيقول: يا محمد! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت، ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء، فيقول: يا محمد! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت). وهذا المعنى الأخير، هو في حديث أبي زرعة عن أبي هريرة أتم.
وفي رواية للبخاري: (من حق الإبل أن تحلب على الماء).
وفي رواية له: (من آتاه الله مالًا، فلم يؤد زكاته: مثل له ماله شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أن كنزك ثم تلا: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ﴾ الآية.
وفي رواية: (يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعًا أقرع).
وفي رواية لمسلم: (ما من صاحب كنز، لا يؤدي زكاته، إلا أحمي عليه
[ ٦ / ٤٢٤ ]
في نار جهنم )، ثم ذكر نحوه. وقال في ذكر الغنم: (ليس فيها عقصاء ولا جلحاء) - قال سهيل: فلا أدري، أذكر البقر أم لا؟ - قالوا: والخيل يا رسول الله؟ قال: (الخيل في نواصيها) - أو قال: (الخيل معقود في نواصيها- قال سهيل: أنا أشك- الخير إلى يوم القيامة، الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر )، وذكر هذا الفصل إلى آخره على نحو ما تقدم، وفيه: (وأما الذي هي له ستر: فالرجل يتخذها تكرمًا وتجملا، ولا ينسى حق الله في ظهورها وبطونها، في عسرها ويسرها، وأما الذي عليه وزر: فالذي يتخذها أشرا وبطرًا، وبذخًا ورثاء الناس (١٠٥/ ب) فذلك الذي عليه وزر ) ثم ذكره.
وفي رواية: (إذا لم يؤد المرء حق الله أو الصدقة في الثلاثة: بطح لها)].
* في هذا الحديث من الفقه أن الأعمال بالنيات؛ لأن هذه الخيل من حيث صورها؛ فإنها في الملكة والاقتناء سواء، ومن حيث النيات في اقتنائها متفاوتة، فمن اقتناها لله، وحبسها في سبيل الله، فإنها له أجر كما قال رسول الله - ﷺ -، ثم فصل - ﷺ - هذا الإجمال بأن ذكر: أن مالكها يؤجر على أول نيته بما يتبعها، وإن لم تكن له نية مجددة؛ بأنها لا ترعى في الكلأ المباح
[ ٦ / ٤٢٥ ]
من روضة غير مملوكة إلا كان لصاحبها برعيها أجر؛ يعني - ﷺ - فكيف إذا أطعمها من ماله.
ثم قال: (ولو أنه انقطع طيلها) أي: حبلها الذي تشد به، وهو لغة في الطول (فاستنت شرفًا أو شرفين)، والاستنان: أن يحضر الفرس وليس عليه الفارس، وذلك من النشاط، وأراد هاهنا أنه يمرج في الطول. والشرف: الموضع، والشرف والمرج: أرض ذات نبات تمرج فيها الدواب؛ أي ترسل لترعى، والمراد أنها بسقيها بنفسها، وحركاتها من غير قصد صاحبها، تكتب لصاحبها حسنات، فكيف بالقيام عليها، ومراعاة إطعامها وخدمتها.
* وقوله: (أو مرت بنهر)، وهذا يصرح أن النية الأولى كافية؛ لأنه لما وردت على نهر فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها كان له حسنات.
* وقوله: (وهي لرجل ستر)؛ يعني - ﷺ - أن الكسب ستر؛ وذلك أن الكاسب قد ستر بكسبه فقره؛ لأن من عادة الناس أن يحيلوا الكاسب على كسبه، بخلاف (١٠٦/ أ) من لا كسب له، فنفس ترك الإنسان الكسب يكون سائلًا للناس بلسان حاله، وبنفس الكسب يتغانى عن سؤال الناس بلسان حاله، فأراد أن الخيل يسترها، ولا أن يسألوا بمقالهم أو بحالهم.
* وقوله: (ثم لم ينس حق الله في رقابها)، يدل على صحة ما ذهب إليه أبو حنيفة من إيجاب الزكاة في الخيل.
[ ٦ / ٤٢٦ ]
قوله: (ولا ظهورها)؛ يعني أن الله قد ندب إلى إعارتها للمحتاج إلى ذلك، إلا أن هذا الذي هي له ستر، بينه وبين الذي له أجر بون عظيم، إلا أن يكون ناويًا لتجارة فيها واستيلادها تكثير رباط الخيل في المسلمين للجهاد؛ فإنه يبلغ ثوابه في ذلك مبلغ نيته.
* وأما الذي ربطها فخرًا ورياء ونواء، فالمراد بالفخر: أن يفخر بها على من لا خيل عنده، ورياء: ليرى الناس قوته بها، ونواء: معادة للإسلام، وهذه هي شرهن، فصارت عليه وزرًا.
* وأما سؤاله - ﷺ - عن الخمر؟ فإنهم أرادوا بذلك هل فيها زكاة؟ فقال: (ما نزل على فيها شيء)؛ يعني من الزكاة (إلا هذه الآية الجامعة الفاذة) يعني الفردة التي جمعت على انفرادها حكم الحسنات والسيئات، وهي قوله ﷿: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾؛ يعني أنه ليس فيها فريضة، ولكن من يعمل فيها خيرًا؛ من عبادة أو صدقة أو غير ذلك، فإن الله تعالى يرى ذلك، ويجازي عليه، حتى مثقال ذرة من خير أو شر.
* وقوله: (ربطها نواء لأهل الإسلام) أي: معاداة لهم، يقال: ناويت الرجل نوًا إذا عاديته.
والعقصاء: الملتوية القرنين.
والجلحاء: الجماء التي لا قرن لها.
والعضباء: مكسورة القرن (١٠٦/ب)، والعضب في الأذن قطعها.
واليعار: صوت الشاء.
[ ٦ / ٤٢٧ ]
والشجاع الأقرع، قال أبو عبيد: الحية، وإنما سمي أقرع؛ لأنه يَقْرى السم، ويجمعه في رأسه حتى يتمعط منه شعره.
والزبيبتان: النكتتان السوداوان فوق عينه، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه، قال: ويقال في الزبيبتين: الزبيبتان اللتان تكونان في الشدقين إذا غضب الإنسان.
والأشر: التكبر والمرح والعجب.
والبطر: الطغيان عند النعمة، قال الزجاج: البطر أن يطغى فيتكبر عند الحق فلا يقبله.
الرياء: أن يظهر للناس من إرادته الجهاد بالخيل خلاف ما يضمر.
وقوله في المال: (يحمي عليه صفائح) وهو الذي لا يؤدي زكاته فكلما كثر المال كثرت الصفيحة، وكان وقعها في جلده أوسع، والثلة: الجماعة الكثيرة من الغنم.
-٢٠٥٧ -
الحديث التاسع عشر بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي،
[ ٦ / ٤٢٨ ]
ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوَّأ مقعده من النار) [.
* قد سبق هذا الحديث في مواضع.
-٢٠٥٨ -
الحديث العشرون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - لبلال: (سمعت الليلة خشف نعليك بين يدي في الجنة) قال بلال: ما عملت عملًا في الإسلام أرجى عندي منفعة، من أنِّي لم أتطهَّر طهورًا تامًّا في ساعة من ليلة أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.
وفي رواية: (سمعت دفَّ نعليك)، والدَّفُ: التحريك). [
[ ٦ / ٤٢٩ ]
-٢٠٥٩ -
الحديث الحادي والعشرون بعد المائتين:
[عن أبي هريرة، قال: كنا مع النبي - ﷺ - في دعوة، فرُفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، وقال: (أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُبْصرهم الناظر، ويُسمعُهُمُ الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم، ألا تنظرونَ منْ يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه، فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك (١٠٧أ) من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفعُ لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، وما بلغنا؟
فقال: إن ربي غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيتُ، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفعُ لنا إلى ربك؟
فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتُ بها على قومي، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم، أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربّك، أما ترى
[ ٦ / ٤٣٠ ]
إلى ما نحن فيه؟
فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات .. فذكرها أبو حيان يحيى بن سعيد في الحديث، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبكلامه إلى الناس، اشفع لنا إلى ربك، أما ترى إلى ما نحن فيه؟
فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم اُومرْ بقتلها، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا على عيسى، فيأتون عيسى: فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، (١٠٧/ب)، وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضبَ اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد - ﷺ -، فيأتون محمدًا.
وفي رواية محمد بن بشير: فيأتون فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلي ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟
فأنطلقُ، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي، ثم يفتح الله علي من محامده؛ وحسن الثناء عليه، شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا
[ ٦ / ٤٣١ ]
محمد، ارفع رأسك، سلْ تعطه، واشفع تُشفع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، وإن من ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصري.
وفي كتاب البخاري: كما بين مكة وحمير).
وفي رواية: (وُضِعتْ بين يدي رسول الله - ﷺ - قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذراع، وكانت أحبَّ الشاة إليه، فنهس نهسة، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم نهس أخرى، فقال: أنا سيد الناس يوم القيامة، فلما رأى أصحابه لا يسألونه قال: ألا تقولون: كيْفَهْ؟ قالوا: كيْفه هو يا رسول الله؟ قال: يقوم الناس لرب العالمين ). فساق الحديث بمعنى ما تقدَّم، وزاد في قصة إبراهيم وذكر قوله في الكوكب: هذا ربي، وقوله لآلهتهم: بل فعله كبيرهم (١٠٨/ أ) هذا.
وقوله: إني سقيم، وقال: (والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة إلى عضادتي الباب، لكما بين مكة وهجر، أو هجر ومكة)، لا أدري أيَّ ذلك قال؟).
وفي رواية عن أبي هريرة وعن حذيفة قالا: قال رسول الله - ﷺ -: (يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟ لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم
[ ٦ / ٤٣٢ ]
خليل الله، قال: فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلًا من وراءَ وراءَ، اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليمًا.
فيأتون موسى، فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا على عيسى، كلمة الله وروحه فيقول: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدًا فيقوم فيؤذّن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا، فيمر أولكم كالبرق. قال: قلت: بأبي وأمي، أي شيء كمر البرق؟، قال: ألمْ تروا إلى البرق، كيف يَمُرُّ ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، وشدّ الرِّحال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط، يقول: رب سلّم سلّم حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا.
قال: وفي حافتي الصراط كلاليبُ معلقة مأمورة، تأخذ من أمرت به؛ فمخدوش ناج، ومكدوس في النار، والذي نفس أبي هريرة بيده إن قعر جهنم لسبعون خريفًا) [.
* في هذا الحديث من الفقه أن رسول الله - ﷺ - كان يعجبه الذراع، وذلك أنه - ﷺ - (١٠٨/ ب) لم يتوخ من كل حال إلا الأصلح والأصوب، وذلك أن
[ ٦ / ٤٣٣ ]
الذراع أصلح مضغة في الشاة وأقلها فضولًا، من حيث إنها أكثر أعضائها حركة، فلذلك تتحلل فضلاتها فتكون أحمد أعضائها غذاءً، فيسرع هضمها، وتكون على البدن فيما تحلل منه أعجل أعضاء الحيوان إخلاقًا.
* ومنها: أنه - ﷺ - نهس الذراع نهسًا، وذلك أجود للهضم، وأبعث للقوة الطاعمة.
* وفيه من الفقه أن رسول الله - ﷺ - لما أجاب الدعوة، وأكل الذراع ناهسًا منها، أخبر بشرف مقامه ليعلم أن التواضع لا ينافي شرف المقام بل يلائمه.
* فأما قوله - ﷺ -: (أنا سيد الناس يوم القيامة)، فإنه يعني به - ﷺ -: أنا سيد السادات، وكبير الكبراء، وكريم الكرماء؛ حيث تجمع السادات من الأنبياء كلهم، فأكون حينئذٍ سيد الناس ذلك اليوم، الذي يعقب كل سيادة ولا يعقبه ما ينقضه.
* فأما قوله: (هل تدرون: ممَّ ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد)، والصعيد: الأرض المستوية.
* (يبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي)، ومعنى ذلك أن الصعيد يمتد من غير شرف يرد الطرف، ولا جبل يحول دون المرأى، فيكون بصر كل إنسان ذلك اليوم حديدًا؛ ليبلغ بصر كل واحد من أهل الموقف إلى كل أحد من أهل الموقف على كثرتهم حتى إن الواحد منهم لينظر من الأشكال مقدار البيضة، وبينه وبينها كما بين المشرق والمغرب، وذلك ليشاهد كل واحد من الجمع
[ ٦ / ٤٣٤ ]
عظمة الله تعالى، وكثرة من يقف في العرصة؛ فقال النبي - ﷺ -: (يبصرهم (١٠٩/ أ) الناظر، ويسمعهم الداعي)، ثم قال - ﷺ -: (تدنو منهم الشمس)؛ يعني تقرب، وقد يرون قربها، فإذا ارتفعت في طول أيام الصيف، وأنها على دنوها بينها وبين الأرض ألوف الفراسخ، كيف يكون حرها؟! فبماذا يوصف دنوها يوم القيامة، حتى تكون عند رؤوس الناس، على كثرة ذلك الزحام، وتصاعد الأنفاس الحرار.
ثم يطول المكث انتظارًا يستراح منه إلى دخول النار، حتى يأتون آدم - ﷺ -، فيعتذر إليهم بشدة غضب الله سبحانه في ذلك اليوم لقوله: إن ربي غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله.
وهذا فلا أراه إلا عن علم قد كان عنده منه، وعند الأنبياء كلهم حتى قالوه. ولا أراه إلا من حيث إن الله تعالى لما أمهل الخلائق، وأخر انتصار المظلوم مع تكرار استصراخه به سبحانه، وأمهل الكافر مع جحده الحق وغمطه الصواب، وإرجائه سبحانه أهل النفاق على ما يسد الصبر عند كل محق، يتراخى استطالة الباطل عليه، فكان لاشتداد غضبه في ذلك اليوم بمقتضى طول إمهاله، وتضاعف سخطه بحسب اندفاع أخذه، حتى ظن الكافرون أنهم مهملون أو مغفول عنهم.
قال الله ﷿: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ الآية.
* وأما قول آدم نهائي عن الشجرة فعصيت؛ فإن هذا القول ليس من آدم دالًّا على ارتياب؛ بأن الله تاب عليه من ذلك الذنب، فإن الله تعالى قرأ طه ويس
[ ٦ / ٤٣٥ ]
قبل أن يخلق الخلق. وفي طه ذكر التوبة على آدم وهو قوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ (١٠٩/ ب) فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، إنما رأى أن غفران الذنب إقالة عثرة وليس بارتفاع درجة، فكأنه قال: أنا وإن كان قد غفر ذنبي؛ فإنه لا يحسن بي أن أتهجم بالشفاعة في حق البُراء من الأنبياء والمرسلين؛ لأن من آداب الشفيع ألا يشفع فيمن يعلم أنه أوجه عند المشفوع إليه.
* وقوله: (نفسي نفسي)، لا أراه إلا نهيًا لهم عن التزكية التي ذكروها، من أنه خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته؛ يعني - ﷺ - أن النفس عند التزكية، لا يؤمن عليها نزق، فنهاهم عن ذلك بقوله: (نفسي، نفسي).
فأما تكرير قوله: (نفسي، نفسي، نفسي)، فإنه كرره تكريرًا هو أقل الجمع، ولو قيل: إنهم لما زكوه بثلاثة فصول؛ أحدها: خلق الله له بيده، وثانيها: نفخه فيه من روحه، وثالثها: سجود الملائكة. فقال ﵇: نفسي، نفسي، نفسي، ثلاث مرات مقابلًا لكل تزكية منها بمرة من المرات الثلاث كان وجهًا.
* وقوله: (اذهبوا إلى نوح، فيقول نوح: إني قد كانت لي دعوة، دعوت بها على قومي)، فليس يعني بهذا أن ذلك كان ذنبًا مني، ولكن هو من معنى قول النبي - ﷺ -: (إن لكل نبي دعوة)، فقال نوح ﵇: إني دعوتي التي كانت وحكمت في أن أجاب إليها، دعوت بها على قومي، فلم يبق لي دعوة أخرى أعرضها في مثل ذلك.
وقول نوح: (نفسي، نفسي، نفسي)، فإنه لما قدمنا ذكره من مخافة
[ ٦ / ٤٣٦ ]
التزكية وتكريره لذلك؛ فلأنه أتى بعدد هو أول الجمع، ولعله اقتدى في ذلك بأبيه آدم حيث كرر قوله: نفسي، نفسي، نفسي ثلاثًا مقابلًا بها فصول التزكية الثلاثة؛ لأن ذلك مما خبأه الله (١١٠/ أ) لنبينا - ﷺ -.
* وقول إبراهيم واعتذاره؛ لأنه قال قولًا يشبه الكذب، ولا أرى أنه رأى ذلك نقصًا في حالة الأمن؛ حيث أتى بقول ظاهره يُرضي به العدو، له فيه مخرج، فلام نفسه كيف لم يقل الحق صادعًا به على نطق لا يحتمل تأويلًا حتى يرغم الكفار لأنهم لا يرون لجهلهم أنه قال قولًا يحتمل أن يطعن عليه بالاستحالة، وإن كان له وجه لقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. ويعني بذلك أنهم لما قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ أخرج إليهم الجواب في مخرج فقال: (﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ فسلوهم على معنى التبكيت لهم، والاستهزاء منهم؛ أي نعم فعلته، وإلا فمن يفعله كبيرهم هذا؟ وهذا فإن فهمه منهم آحاد بقي الباقون في غمار أنه قال قولًا لم يكن كما قال، فيغلط سوء ظنونهم فيه، فاعتذر من ذلك، ورأى أنها كذبة من حيث الحال، وكذلك لما قال للملك: (هذه أختي) عن زوجته، وهي أخته في الإسلام كما قال إلا إنه من حيث إنه عرضها لأن يلتمس نكاحها الفاجر، اعتذر من ذلك وسماه كذبًا في الحال.
وقوله لما رأى الكوكب: (إني سقيم)، فالذي أراه أنه أراد إني سقيم في المستقبل أي سأسقم، كما قال سبحانه لنبيه ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ وخاطبه بذلك في حال حياته أي: سيموت إلا إنه من حيث إن جهالهم يرون ذلك كذبًا، رآه إبراهيم ﵇ في حاله نقصًا يغاد خجلًا منه، وهذا مما يدلك على أن يوم
[ ٦ / ٤٣٧ ]
القيامة تصفو فيه الأذهان، ويعظم فيه من كل أحد التحرير حتى الأنبياء، ولم يكن (١١٠/ ب) لإبراهيم صلوات الله عليه وآدم ونوح لما استعملوا التحرير وجودوا التفتيش إلا هذا القدر، فكيف بمن لعله في كل يوم يحصى عليه الألوف من الذنوب؟!
وقوله: (نفسي، نفسي، نفسي)، فيه المعنى الذي قدمنا ذكره في نوح؛ لأن الإنسان في القيامة في موقف حذر، ولا يأمن حتى يدخل الجنة.
* وأما قول موسى ﵇: (إني قتلت نفسًا لم أومر بقتلها)، فإنه إنما قتل نفسًا كافرة مباح قتلها، ولكن إنما أخطأ من حيث إنه لم يكن تقدم له إذن في ذلك من الله ﷿، وقد أخبرنا الله سبحانه أنه تعالى غفر له ذلك، وأن موسى علم أن الله غفر له، وإنما تفكر موسى ﵇ فوجد أن المهيج لقتل النفس التي قتلها، كان من العصبية لقومه، والله ﷿ قد غفر له قتل النفس، إلا أنه بقي معه خجل أن يكون إنما أثار ما أثار منه حتى قتلها، العصبية لقومه لا الغيرة لله، وقوله: (نفسي، نفسي، نفسي) على نحو ما تقدم.
* فأما كون عيسى ﵇ لم يذكر ذنبًا، فإنه قال: (نفسي، نفسي)، مرتين، وكلهم قالها ثلاثًا، فلا أراه إلا لقربه من صاحب البحر، وكونه لم يبق بينه وبينه أحد، فلم يكن يحسن أن يذكر ذنبًا يشير إلى السائلين بأن هذا الذنب منعني من السؤال، وهو يعلم أن الوجيه صاحب الأمر مصدق المرسلين كلهم، لم يبق بينه وبينه أحد، بل أشار لهم إليه، ودلهم عليه، فلم يذكر ذنبًا، وحتى اختصر في قوله: (نفسي، نفسي) مرتين من ثلاث حتى يسرع بإرشادهم إلى صاحب المسألة لأنه - ﷺ - صدق المرسلين كلهم.
[ ٦ / ٤٣٨ ]
* فأما قول كل واد منهم: اذهبوا (١١١/ أ) إلى غيري، اذهبوا على فلان، فإن ذلك مشير من كل منهم إلى أنه كان على طرف لسانه ذكر محمد - ﷺ -، على علم منهم كلهم أنه صاحب الأمر، لكن لم يحسن بالواحد منهم ﵇ أن يرشد إلى النبي - ﷺ - وبينه وبينه عدد من الأنبياء، فيكون هضمًا منه لمنازلهم، وليكون أيضًا كل المرسلين دالًّا عليه، ومرشدًا إليه، فيتعين الأمر له - ﷺ - باعتراف أماثل الأنبياء له وإشارتهم إليه.
* وقوله - ﷺ -: (فأنطلق فآتي تحت العرش)، وعرصة القيامة تحت العرش، ولكن أراد - ﷺ - أن يمشي لأجل الشفاعة، ويسعى في فكاك أهل الجمع إلى حيث يخر ساجدًا لله تعالى، ثم قال: (فيفتح) الله علي من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي). وهذا يدل على أن الله تعالى يعلم من محامده في ذلك الوقت ما يخصه به، مما لم يكن قد عرفه نبي قبله.
* وقوله: (يا محمد، ارفع رأسك)، وهذا مما يدل على أن أحسن ما قدم ين يدي الشفاعة من المحامد، والتعريض، ما يحبه المشفوع حتى يأذن في السؤال ليعطى الشفاعة، ويشفع.
* وقوله: (ارفع رأسك)؛ يعني من السجود.
وقوله: (فأقول أمتي يا رب)، ثلاث مرات، وهو - ﷺ - إنما جاء شافعًا لأهل الجمع حتى الأنبياء، فكيف لم يذكر إلا أمته، وكرر السؤال فيهم ثلاثًا، فالظاهر من هذا أن الراوي للحديث قد يرويه مرة مختصرًا، علمًا بأنه قد سمع منه ما كان اختصره، ثم يكون السامع له ممن لا يستجيز أن يزيد فيه، ولا أن ينقص منه (١١١/ ب) فيروي منه ما سمع، فيأتي على مثل هذا، فيجوز أن
[ ٦ / ٤٣٩ ]
يكون تمام الحديث إذا أعوزه معنى مما قد أخل به الراوي، إلا إن هذا الحديث ها هنا يدل على أن قوله: (أمتي، أمتي، أمتي)؛ أي إنك وعدتني أن أمتي يكونون أول الناس حسابًا، وأنهم المقضي لهم قبل الخلائق كما تقدم، فأراد ﵇ أن يعلم ربه أنه غير مرتاب بوعد وعده إياه، وأنه واثق بما وعده من ذلك، فأراد: يا رب اقض الحساب على الحال التي وعدتني من أنك تقضي بين أمتي أول الخلائق ثم يتبعهم الناس، فيكون كأنه سأل في الخلق كلهم.
* فأما قول الله ﷿: (أدخل من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة)، قد أفرد لكل من لا حساب عليهم من أمتك، وإنهم شركاء الناس في باقي الأبواب.
* وقوله: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وحمير)، وتلك المواضع كلها متقاربة في البعد، فهذا مما يدل على عظم سعة ما بين المصراعين من مصاريع الجنة.
* وقول النبي - ﷺ -: أنا سيد الناس يوم القيامة، ثم إنه لما رأى أصحابه لا يسألونه عن ذلك، بعثهم على سؤاله بقوله - ﷺ -: (ألا تقولون: كيفه؟، وهذه الهاء في كيفه هاء السكت.
قد سبق شرح هذا الحديث حديث الشفاعة في حديث أنس وغيره.
-٢٠٦٠ -
الحديث الثاني والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله - ﷺ - يومًا بارزًا للناس، فأتاه رجل
[ ٦ / ٤٤٠ ]
فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن (١١٢/ أ) بالبعث الآخر)، قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: (الإسلام أن تعبُدَ الله، لا تشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)، قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إلا تراه فإنه يراك).
قال: يا رسول الله، متى الساعة؟ قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل؛ ولكن سأحدِّثُك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن كثير من الناس، وإذا تطاول رِعاءُ البهم في البنيان، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾).
قال: ثم أدبر الرجل فقال رسول الله - ﷺ -: (رُدُّوا عليَّ الرَّجل)، فأخذوا ليردُّوه فلم يروا شيئًا. فقال رسول الله - ﷺ -: (هذا جبريل ﵇، جاء ليعلم الناس دينهم).
وفي رواية: (إذا ولدت الأمة بعلها) يعني السراري.
وفي رواية: أن رسول الله - ﷺ - قال: (سلوني) فهابُوهُ أن يسألوه، فجاء رجل، فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ ثم ذكر نحو ما في الذي قبله من السؤال وزاد أنه قال له في آخر كل سؤال منها: صدقت.
[ ٦ / ٤٤١ ]
وقال في الإحسان: (أن تخشى الله كأنك تراه)، ثم اقتص الحديث إلى آخره، قال: ثم قام الرجل فقال رسول الله - ﷺ -: (ردوه علي) فالتمس (١١٢/ ب) فلم يجدوه، فقال رسول الله - ﷺ -: (هذا جبريل أراد أن تعلموا، إذا لم تسألوا). قال البخاري: جعل ذلك كله من الإيمان).
* هذا الحديث قد سبق في مسند عمر ﵁، وفي مسند ابن عمر ﵁، وتكلمنا عليه.
-٢٠٦١ -
الحديث الثالث والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. فقال: (تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا، ولا أنقص منه، فلما ولي قال النبي - ﷺ -: (من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذ [).
* هذا الحديث قد سبق في مواضع، وتكلمنا عليه.
[ ٦ / ٤٤٢ ]
-٢٠٦٢ -
الحديث الرابع والعشرون بعد المائتين:
]
عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فذكر الغلُولَ، فعظّمه وعظَّم أمره ثم قال: (لا ألفِينَّ أحدكم يجيءُ يوم القيامة، على رقبته بعيرٌ له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، يقول: يا رسولا لله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته (١١٣/ أ) نفسٌ لها صياح، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخْفقُ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك. لا ألفينَّ أحدكم يجيءُ يوم القيامة على رقبته صامتٌ، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول لا أملك لك شيئًا، قد أبلغت)].
* هذا الحديث يدل على تشديد في الغلول، قد سبق في مواضع ذكر الوعيد على ذلك.
[ ٦ / ٤٤٣ ]
والرغاء: صوت البعير.
والحمحمة: صوت الفرس.
والثغاء: صوت الشاة.
وأما الرقاع التي تخفق: فلا أراها إلا ما يكون من الذنوب في ذمة الإنسان، وما يكسبه بخطه مما لا يحل.
والصامت من المال: الذهب والفضة.
-٢٠٦٣ -
الحديث الخامس والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يُهلك الناس هذا الحي من قريش). قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (لو أن الناس اعتزلوهم؟).
*وفي رواية: (هلاك امتي علي يدي أغيلمة من قريش) فقال مروان: علمه. قال أبو هريرة: إن شئت بني فلان وبني فلا)]
* ما أرى هذا الحديث ينصرف غلا إلى من أثار الفتن من أحداث بني أمية ويدل عليه قول النبي - ﷺ -: أغيلمة من قريش؛ أي تجمعهم قريش، فيخلص
[ ٦ / ٤٤٤ ]
بنو هاشم، وبنو العباس، وبنو عبد المطلب من هذا.
-٢٠٦٤ -
الحديث السادس والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - (١١٣/ ب): (إن أول زمرة يدخلون الجنة: على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دُرِّيٌّ في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوَّطون، ولا يتْفُلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة -الألنجوح عُود الطيب- أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء).
وفي رواية: (إن أول زمرة تلج الجنة على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوّطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم من الحُسْن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغُض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا).
وفي رواية: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر)، ثم ذكر نحو حديث همام، وفيه: (قوبهم على قلب رجل واحد، وفيه: (لا يسقمون، ولا يمتخطون) وفي آخره: (ووقود مجامرهم الألوة) قال أبو اليمان: يعني العود.
وفي رواية: (أول زمرة تدخل الجنة: على صورة القمر ليلة البدر، والذين على آثارهم كأحسن كوكب دريّ في السماء إضاءة، قلوبهم على
[ ٦ / ٤٤٥ ]
قلب واحد، لا تباض بينهم، ولا تحاسد، لكل امرئ زوجتان من الحور العين، يُرى مُخّ سوقهن من وراء العظم واللحم).
وفي رواية لمسلم: (أول زمرة تدخل الجنة من أمتي، على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشدّ نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل)، قال ابن أبي شيبة (١١٤/ أ): (على خُلُقِ رجل).
وقال أبو كريب: (على خلْقِ رجل).
وفي رواية: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجالُ أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أوَلم يقل أبو القاسم - ﷺ -: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دريّ في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مُخُّ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة عزب؟).
وفي رواية: اختصم الرجال والنساء: أيهم في الجنة أكثر؟ فسألوا أبو هريرة، فقال قال أبو القاسم - ﷺ -: وذكر مثل ذلك)].
* في هذا الحديث ما يدل على أن أكثر المؤمنين نورًا؛ أولهم دخولًا الجنة، وأن أهل الجنة على كون الجنة تجمعهم؛ فإنهم ليسوا سواء في دخولها، فإن
[ ٦ / ٤٤٦ ]
منازلهم على حسب منازلهم، والذين يكونون على صورة القمر ليلة البدر، ينتشر نورهم حتى يضيء لهم ولغيرهم، ومعنى تشبيههم بنور القمر؛ لأنه نور لا ضرر فيه، ولا وهج.
* ثم قال في حق الذين يلونهم، (على أشد كوكب دري في السماء)، يعني - ﷺ - أن الذي بقي بعد القمر، يمكن التمثيل به؛ هو أشد كوكب إضاءة.
* وقوله: (لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون)؛ فلذلك لأن أغذيتهم ما لا تفل له، وإنا هي جواهر كلها، ويعدون منها بحسب ما يستلذون، فإن أبدانهم حينئذٍ معمورة عمارة لا تقبل الانهدام، وإنما يأكلون الطيبات تلذذًا وتنعمًا، لا حاجة ولا تقوتًا.
* وقوله: (إن أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك) أي: يطيبهم رشحهم.
* وقوله: (على خلق رجل واحد) يعني: أن طولهم (١١٤/ ب) في الهواء ستون ذراعًا، وذلك أن كلما عظم البدن، وازدادت بسطته، زاد التمتع به، وزادت القوى على اللذات. فأما اختلاف الرواة في أنهم على خَلْقِ رجل واحد، فمن روى على خَلْق رجل واحد بمعناه أنهم مستوون في حسن الصورة، بحيث لا يرى أحد منهم أن غيره أحسن منه، وأما من روى على خُلُق رجل واحد، فيدل على أن أغراضهم متحدة، فلا يريد واحد منهم ما يكره منه الآخر، فلا يجري أبدًا ليهم ولا بينهم نزاع، ولا يحدث عنهم خلاف.
* والحور: البيض، والعِين: الملاح الأعين، وقيل: كبار الأعين حسانها.
* وقال: (ومجامرهم الألوة). قال: أبو عبيد: الألوة: العود الذي يتبخر به، فارسية معربة، ومنه الحديث: كان ابن عمر يستجمر بالألوة غير مطراة،
[ ٦ / ٤٤٧ ]
وفيه لغتان: ألوّة، وألوة.
* وقوله: (لكل منهم زوجتان)، يعني - ﷺ - بذلك نفي الغيرة، فإن الزوجتين مظنة شدة الغيرة؛ بخلاف الثلاث والأربع فأراد إنهما لا يتخاصمان ولا يتغايران.
* وقوله: (يرى مخ سوقهما من وراء اللحم) أي: عظامهما لا يواريان مخ سوقهما من صفاتهما.
* وقوله: (لا تحاسد بينهم)، يعني أن الله تعالى نزع الغل من قلوبهم وصدورهم، وفي تفسير هذا معنيان:
أحدهما: أن يكون المراد بنزع الغل، إزالته من القلب.
والثاني: نزع موجباته، وأن الجنة لا تبقي لمن يدخلها أمنية إلا ويبلغها ويزاد عليها ثم تنقطع الأماني، والرفد عنهم لا ينقطع، من حالتهم هذه لا يتصور فيما بينهم التحاسد.
* وقوله: (يسبحون الله بكرة وعشيًّا)، يجوز أن يكون الإشارة بهذا التسبيح إلى أنه في الجنة، فكلما تجددت له نعمة من النعم سبحوا، وقد نطق القرآن بآيتين: رزقهم فيها بكرة (١١٥/ أ) وعشيًّا، ويجوز أن تكن الإشارة إلى الدنيا فيكون هذا وصفًا كما كانوا عليه من تسبيحهم بالغداة والعشي.
* وقوله: (ولا يسقمون)، فإن الله تعالى كتب لهم المن والسلامة من كل مخوف كان في الدنيا: من هم، وسقم، وأذى، ونصّب، وفقر، وموت.
* وقوله: (لكل واحد منهم زوجتان)؛ يعني من الحور العين، فأما نساء
[ ٦ / ٤٤٨ ]
الدنيا في الجنة فقليل، بدليل بقية الأحاديث، وقد ذكرنا مصداق هذا في مسند عمران بن حصين وغيره.
-٢٠٦٥ -
الحديث السابع والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (أبوك).
وفي رواية: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن الصحبة قال: أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك، أدناك [
* في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - أمر بالقسط، وندب إلى العدل، فإن الآدمي تتكلف له أمه من حملها إياه في حشاها حالًا يضرب بها الأمثال في العمرة لمكان الذي تشفق عليه، ثم إنه يأخذ من غذائها الذي يتجاوز حلقها، فتغذيه من دمها ولحمها، فإذا وضعته كان غذاؤه من ثدييها؛ بأن أحال الله ذلك الدم الذي كانت تغذوه به في حشاها إلى ثدييها، تغذيه منهما لبنًا خالصًا سائغًا، ثم إنها جعلت فخذاها له مهادًا، ولبنها زادًا، وحملته وهنًا على وهن، وكرهًا
[ ٦ / ٤٤٩ ]
على كره، إلا أنها على ما قاست منه في كل ذلك لم يشنه ذلك عندها، ولا أثر عظم أذاه في نفسها، بحيث يحملها ذلك على أن تشنأه أو تبغضه، بل كانت تتجرع أذاه محبة له، وتصبر على تجرمه وتعنته (١١٥/ ب) مستلذة لطول صحبته، تود أن لو فدته بنفسها، فهذا هو الخوف بالغ، وإن كان قد جبل عليه طبعها، فإنه قد وصل إلى هذا المحسن إليه نفعه، فكان من جزاء الإحسان، أن يكون فاضلًا لها في المجازاة إذا أحسنت إليه في حال ضعفه، وكان جزاؤه لها في حال قوته، إلا إنها لما قصرت قدرته عن أن يفضل عليها في الجزاء، فقد كان ينبغي أن يجازيها بغاية الوسع الذي لا تنتهي قدرته إلى غيره، فإذا غفل عن هذا كله ونسي إحسانها القديم إليه، وأراد أن يكون من الكافرين بحاله لأول المحسنين بعد الله إليه، فليس يرجى من مثل هذا خير إذن، إلا أن يكون قد كان غافلًا ناسيًا مشدوهًا عن تفقدها؛ فإنه يتعين عليه أن يتدارك ذلك.
* فقول رسول الله - ﷺ -، لما قال له الرجل من أحق الناس بصحابتي؟ قال: (أمك ثم أمك ثم أمك)، ثلاثًا يعني به - ﷺ - فيما أرى أن لها الحق الأول؛ حيث كنت حملًا في حشاها، ولها الحق الثاني؛ حيث كنت رضيعًا في حجرها، ولها الحق الثالث؛ حيث كنت صغيرًا في كتفها.
فهذه حقوق ثلاثة، ثم قال له في الرابعة: (ثم أباك)، يعنيك إن أباك وضعك شهوة، وأنفق عليك من مال الله، الذي أوجب عليه إنفاقه، فإنه حق عظيم إلا أن الأم تفضله بما ذكرناه؛ فلهذا وصى رسول الله - ﷺ - بالأمهات.
* وقوله بعد ذلك: (ثم أدناك، أدناك)، يعني - ﷺ - أن برك وصلتك ينبغي أن ترتبها على نحو ما رتبها الله في الميراث، فإنه سبحانه لم يورث إلا الأدنى
[ ٦ / ٤٥٠ ]
فالأدنى، فأراد ﵇ أن يكون العبد متابعًا في بره في الدنيا القرابة الأدنى فالأدنى على حسب المواريث بعد موته، فكان هذا من أحسن الكلام وأشرقه كفاية وإقناعًا.
-٢٠٦٦ -
الحديث الثامن والعشرون (١١٦/ أ) بعد المائتين:
] عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: (انتدب الله -ولمسلم في حديث جرير عن عمارة- تضمَّن الله لمن خرج في سبيله- لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسولي -فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة).
وفي رواية: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله -لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلماته- أن يدخله الجنة، أو يرُدّه إلى مسكنه بما نال من أجر أو غنيمة).
وفي رواية: (مثلُ المجاهد في سبيل الله -والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم وتوكَّل الله للمجاهد في سبيله، بأن يتوفاه: أن يُدخله الجنة، أو يرْجعه إلى بيته سالمًا مع أجر وغنيمة).
وفي رواية: (تضمَّن الله لمن خرج في سبيله ..)].
[ ٦ / ٤٥١ ]
* في هذا الحديث سوى ما تقدم ذكره، أن قوله: (انتدب في سبيله)، بمعنى أجاب، يقال: ندبت فلانًا للجهاد فانتدب؛ أي أجاب، ويجوز أن يكون بمعنى تضمن، وتكفل، وتوكل؛ لأن هذا النطق يشمل الكفالة والضمان، فلم يبق لهذا المعنى اسم فيما أعلم سوى هذه الألفاظ، ليكون الناهض في سبيل الله، قد كفل له، وانتدب وضمن، وتوكل.
* وقوله: (فهو ضامن علي)، فيه وجهان:
أحدهما: أن محمدًا - ﷺ - ضمن ما ضمن علي؛ فإني أفي بما ضمنه علي نبيي محمد - ﷺ -
والوجه الثاني: فهو علي، وأنا ضامن له.
* وقوله: (أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه)؛ وذلك أن الغازي قد يأتي مرة بغير غنيمة من الدنيا؛ فيكون له الأجر فحسب ويأتي مرة بأجر وغنيمة.
* وقوله: (لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي)؛ يعني أنه لا يكون خروجه لعداوة قوم، ولا ليذكر، ولا ليكسب.
* وقوله: (أن أدخله الجنة)، مبتدئًا بذلك على ذكر الأجر والغنيمة؛ لأن دخول الجنة كان (١١٦/ ب) عن تفصيل؛ لأنها جملة تتضمنها تفاصيل كثيرة.
* وأما قوله: (مثل المجاهد في سبيل الله؛ كمثل الصائم القائم)، فهذا لا يدل
[ ٦ / ٤٥٢ ]
على أن الصيام والجهاد أفضل من الجهاد في سبيل الله حتى يقاس عليه، وينضاف إليه؛ لكن على أن المجاهد في سبيل الله له أجر الجهاد؛ كأجر الصائم القائم مضافًا إلى فضيلة الجهاد.
* وقوله: (والله أعلم بمن يجاهد في سبيله)؛ يعني أنه سبحانه مطلع على نيات عباده، عالم بمن يجاهد في سبيله أو سبيل غيره.
-٢٠٦٧ -
الحديث التاسع والعشرون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما من مكلوم يكلَم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي، اللون لون دم، والريح ريح مسك).
وفي رواية: (كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت، تفجر دما، اللون لون دم، والعرف عرف المسك)
وفي رواية: (لا يكلم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة، واللون لون دم، والريح ريح المسك).
* في هذا الحديث من الفقه أن الله ﷾ من كرامة المجاهد عنده، أنه إذا كلم أو أصابه أثر لم يزل ذلك الأثر عن هيئته، حتى يكون ذلك الكلم
[ ٦ / ٤٥٣ ]
والأثر، شاهدان له في ذلك الملأ الكريم، فهو أحسن من الحليّ على العروس، وكلما كان منه شيء في وجهه أو صدره، تهلل له وجه الغازي يومئذٍ، وود أن لا يغطي، ومعاذ الله، أن يكون شيء من ذلك في ظهره؛ فإنه يخجله، ويود لو أنه لم يَبْدُ.
- وأما قوله: (وريحه ريح المسك)؛ فإنه يدل على أن كل من يبلغه ريحه بقرب منه، ويدنو إليه، فأرى أن رسول الله (١١٧/ أ) - ﷺ - ذكر هذا للغزاة ليكونوا على حذر من أن يردوا يوم القيامة، ومن جراحهم شيء في غير وجوههم وصدورهم. والكلم: الجرح. والعرف: الرائحة.
-٢٠٦٨ -
الحديث الثلاثون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا كبَّر في الصلاة، سكتَ هُنية قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيتَ سُكوتكَ بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: (أقول: اللهم نقني من خطاياي، كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء البارد) [.
* في هذا الحديث أن الإمام يمسك عن الجهر بالقراءة هنية؛ ليقرأ فيها المأمومون فاتحة الكتاب، وكما أنهم يقرؤون فاتحة الكتاب، فيستحب للإمام ألا يكون وقوفه سكوتًا بغير ذكر؛ بل يذكر الله سبحانه في سكوته سرًّا في
[ ٦ / ٤٥٤ ]
نفسه، ليستوفي المأمومون القراءة، ويكون هو أيضًا قد سأل سؤالًا يلائم حاله، فإنه شفيع لمن وراءه، كما سأل رسول الله - ﷺ - في هذا بأن قال: (اللهم نقني من خطاياي)، فأراد ﵇ أن يبدأ بالسؤال أن ينقيه الله من خطاياه قبل الشروع في الصلاة؛ ليكون ذلك قدوة لمن صلى بقوم، وهو ممن يجوز عليه الخطايا؛ فإن رسول الله - ﷺ - ليس فيه دنس، وقد قال: (نقني كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) أي: احمني أن أتدنس.
- وقوله: (اغسلني من خطاياي بالماء البارد والثلج)، معناه أنه سأل أن ينقيه الله من ذنوبه ويغسله منها مع العافية لا البلاء ومع المعافاة لا مع الأمراض.
-٢٠٦٩ -
(١١٧/ ب) / الحديث الحادي والثلاثون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: (أن تصدَّقَ؛ وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفقر، وتأمل الغنى).
وفي حديث ابن فُضيل: (وتأمل البقاء، ولا تُمْهِلُ حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان)، وفي أول حديث ابن فضيل: (أما وأبيك لتُنَبَّأَنَّه: أنْ تصدق وأنت صحيح شحيح).
وفي أول حديث أبي كامل الجحدري: أيُّ الصدقة أفضل؟ [.
[ ٦ / ٤٥٥ ]
* في هذا الحديث أن الله ﷾ كان قادرًا على أن يغني الخلق فلا يجد أ، حد مصرفًا لصدقته، إلا أن ذلك كان يعود ضارًّا للخلق من وجوه: منها أنهم كانوا لاستغنائهم كلهم؛ لأنه لم يكن أحد منهم يحتاج إلى أن يعمل غيره شغلًا؛ فكان من يريد حاجة من دواء في بلد ناءٍ بعيد أو حاجات دواء في بلاد نائية بعيدة يحتاج أن ينهد بنفسه إلى ذلك البلد، فيأتي بتلك الحوائج منفقًا على كل حاجة منها أضعاف ثمنها، وعلى هذا في الصناعات والحرف والمهن وغير ذلك، فكان يفتقر الكل، ويضطرب التدبير، وإنما كانت حكمة الله سبحانه أبلغ، وتقديره أنفع، أن عمم الفقر في الكل حتى استغنى الكل، وفي هذا أقول:
جسوم لا يلائمها البقاء وأجزاء تخللها الثواء
وكون الشيء لا ينفك يعني بذلك أن غايته الفناء
نكب على التكاثر وهو فقر وتعجبنا السلامة وهي داء
ونجزع للشدائد وهي نصح وتلهينا وقد عز الرجاء
(١١٨/ أ)
تنافى الناس فانتفوا اضطرارًا وقد يرجى من الداء الدواء
وعم الفقر فاستغنوا ولولا عموم الفقر ما عم الغناء
* وكان معنى الصدقة أن الله تعالى وضعها ليبلو بعضنا ببعض، وينظر كيف نعمل فيما حولنا، فاقتضى هذا ألا تسمى الصدقة صدقة إلا أن يتصدق بها المتصدق، وهو صحيح شحيح يخشى الفقر، ويأمل البقاء أو الغنى؛ لأنه في ذلك على هذا المعنى تصح البلوى، ويستقيم الأصل، فأما إذا بلغت الحلقوم،
[ ٦ / ٤٥٦ ]
ويئس من الحياة، وعلم أنه خارج عما هو فيه ينتقل إلى غيره، قال حينئذٍ: لفلان كذا، ولفلان كذا، فإنه إنما جاد حينئذٍ بما ليس له، وأخرج ما تيقن خروجه من يده.
* فأما قوله: (أن تصدق وأنت صحيح)، فإن المرض منذر بالموت. وقوله: (وأنت شحيح)؛ يعني - ﷺ - أن كل نفس على الإطلاق لا يزايلها شح، فإذا عصى شحه ذلك مجاهدًا لنفسه، كان محسوبًا في جملة المجاهدين في سبيل الله.
* وأما قوله: (تأمل البقاء)؛ يعني أنه إذا كان على أمل من البقاء؛ فإن الصدقة تحسب له على ما وعده الله بها؛ لأنها لم تخرج ممن يئس من الحياة.
* وأما قوله: (تأمل الغنى) في الرواية الأخرى، فإن الذي أراه أن الذي يأمل الغنى يكون أشد من الغني في الجمع والاحتشاد؛ فإذا عاصي هواه، وجاهد شرهه وحرصه، وتصدق به، كان له فيه فضل آخر إن شاء الله.
-٢٠٧٠ -
الحديث الثاني والثلاثون بعد المائتين:
] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (اللهم اغفرْ للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر (١١٨/ ب) للمحلِّقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال: وللمقصرين)].
* قد سبق هذا الحديث في مسند ابن عمر وأنس وغيرهما، وهو طرف
[ ٦ / ٤٥٧ ]
من حديث الحديبية، وسيأتي شرحه في حديث الحديبية إن شاء الله تعالى.
* * *
[ ٦ / ٤٥٨ ]