بعد وقت قصير من وفاته انتشر خبره في أقطار الدنيا، وأصيب المسلمون بحزن وأسىً لا يعلمه إلا اللَّه، وصدر بيان من الديوان الملكي، وهذا نصُّه:
«انتقل إلى رحمة اللَّه تعالى: صباح اليوم الخميس الموافق ٢٧/ ١/ ١٤٢٠هـ سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء، ورئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي عن عمر يناهز تسعة وثمانين عامًا إثر مرض ألمَّ به، وسيُصلَّى على سماحته حاضرًا في الحرم المكي الشريف، ووجَّه خادم الحرمين الشريفين بأن تقام عليه صلاة الغائب أيضًا في المسجد النبوي الشريف، وجميع مساجد المملكة اليوم بعد صلاة الجمعة، إن شاء اللَّه.
_________________
(١) انظر: حديث المساء، ص ٢٣.
(٢) انظر: ترجمة سماحة الشيخ ابن باز، للشيخ عبد العزيز بن إبراهيم القاسم، ص ١٣٩ - ١٤٢.
[ ٥٤ ]
ولقد خسر المسلمون بوفاة سماحته خسارة كبيرة، حيث فقدوا بفقده عالمًا جليلًا كرَّس كلّ حياته في سبيل العلم، وخدمة الإسلام والمسلمين على اختلاف أوطانهم في جميع أنحاء المعمورة.
وإن خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي عهده الأمين، وسمو النائب الثاني إذ يعزّون أسرة الفقيد، والشعب السعودي، والعالم الإسلامي بوفاته ليسألون اللَّه - جل وعلا- أن يتغمده بواسع رحمته، ومغفرته، ويسكنه فسيح جناته، وينزله منازل الشهداء، إنه سميع مجيب.
والحمد للَّه على قضائه وقدره، إنا للَّه وإنا إليه راجعون».
وبمجرد معرفة زمان ومكان الجنازة توجّه الناس من داخل البلاد وخارجها إلى مكة للصلاة على جنازته، واجتمع عدد عظيم في وقت قصير قُدِّر بين المليون والمليونين (١)، امتلأ بهم المسجد الحرام في مشهد لا يُنسى، وسُمع البكاء والنشيج من أرجاء المسجد الحرام.
وخطب الجمعة ذلك اليوم معالي الشيخ محمد بن عبد اللَّه السبيّل حفظه اللَّه، ومما قال: «لقد أُصيبت أمة الإسلام اليوم بوفاة عالم الأمة، وإمام أهل السنّة والجماعة في هذا العصر، علاّمة زمانه، وفقيه أوانه، الداعية إلى اللَّه تعالى على علم وبصيرة، المجاهد في سبيل الحق والهدى، سماحة العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز، فإن فقده
_________________
(١) قلت: الذي يظهر، واللَّه أعلم، أنهم أكثر من ذلك، وأنهم ما يقارب ثلاثة ملايين؛ لما رأينا من الزحام العظيم داخل المسجد الحرام وخارجه، وقد رأينا الناس يركبون على شبوك السيارات كأنهم حجيج.
[ ٥٥ ]
مصاب أليم، وحادث جليل على أمة الإسلام، تغمده اللَّه بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جنته، وبوَّأه منازل الأبرار، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وجزاه اللَّه عما قدَّم للإسلام والمسلمين خير الجزاء، وعوض اللَّه المسلمين بفقده خيرًا».
وبعد صلاة الجمعة حُملت جنازة سماحته للصلاة عليها، ورأينا تدافع الناس لحملها، وصارت تموج فوقهم موجًا، إلى أن وُضعت أمام الإمام، وصلّى عليها الشيخ محمد السبيّل، وتقدم المصلين خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - ﵀ -، وولي العهد (الملك عبداللَّه حفظه اللَّه)، والنائب الثاني سلطان بن عبد العزيز - ﵀ -، وكبار الأمراء والعلماء والمسؤولين، ثم حُملت الجنازة إلى مقبرة العَدْل بمكة، حيث دُفن بها - ﵀ - رحمة واسعة.
ونظرًا لكثرة الجموع فقد قامت قوات الطوارئ السعودية بتنظيم مسيرة الجنازة، وقد أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - ﵀ - أمره بأن يُصلَّى على سماحته صلاة الغائب في جميع مساجد المملكة العربية السعودية [بعد صلاة الجمعة].
كما صلّي عليه في بعض إمارات الخليج، وبعض الدول العربية والإسلامية.
كما صلت عليه مساجد أهل الحديث قاطبة في الهند وباكستان وبريطانيا، وغيرهم كثير في مختلف البلدان، كما صُلِّي عليه في الجامع الأزهر وغيره.
فهل يُعلم في التاريخ رجلٌ صلى عليه بضعة عشر مليونًا - أو
[ ٥٦ ]
أكثر- سوى سماحة الشيخ؟ مما يدل على أنه وُضع له القَبول في الأرض - ﵀ - رحمة واسعة.
وبعد وفاته توالت وفود العزاء من شتى بقاع المعمورة، من رؤساء، وعلماء، ووجهاء، وغيرهم، حضوريًا وبرقيًا وعبر الهاتف، وغير ذلك.
وبقي سماحته حديث المجالس والصحف والمجلات مدة طويلة، نُشرت عنه آلاف الكلمات والمقالات من مختلف فئات الناس ومستوياتهم في شتى بقاع المعمورة، وكُتبت عشرات المؤلفات المفردة عن سماحته، وأُلقيت عنه عشرات الخطب والمحاضرات والندوات، ورُثي بمراثٍ كثيرة، حتى ذكر الشيخ ابن جبرين - ﵀ - أن بعض المشايخ أحصى منها أكثر من ثمانمائة قصيدة (١)، وقال الشيخ عبد العزيز السدحان (٢): «لا أعلم أن أحدًا رثي بعد الرسول - ﷺ - أكثر من سماحة الشيخ - ﵀ -»، والكلُّ مجمع على فضائل ومآثر سماحته، حتى بعض مخالفيه في المنهج أشادوا بمناقبه وباعتداله، فرحمه اللَّه رحمة واسعة، وأخلف على المسلمين من أمثاله (٣).
_________________
(١) جمع كثيرٌ ممن ترجم لسماحته جملةً من المراثي، وممن أفردها المشايخ: سليمان بن أحمد المشيقح في كتابه: «مداد الأقلام في رثاء علامة الأعلام»، وإبراهيم بن صالح المحمود في كتابه: «رثاء الأنام لفقيد الإسلام»، وسليمان بن محمد العثيم، وفهد بن عبد العزيز الفهد في: «عيون المراثي البازية»، وإبراهيم الحازمي في المجلد الرابع من كتابه: «سيرة وحياة الشيخ العلامة ابن باز».
(٢) الإمام ابن باز، ص ١٣٩.
(٣) ترجمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز، لعبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، ص ١٣٣ - ١٤٢.
[ ٥٧ ]