بدأ سماحة الشيخ يشتكي من سرطان المريء في شهر شعبان ١٤١٩هـ، وبدأ يراجع في المستشفى، ويعاني من الآلام عند الأكل والشرب، ويلاقي تعبًا عظيمًا، فلا يأكل ويشرب إلا القليل جدًا، ويحصل معه التقيؤ، ومع ذلك فقد صام رمضان كاملًا، ومضى على حاله في المعاملات والدروس، والقيام بشؤون الناس، دون أن يُظهر لهم ما هو فيه، بل كان بعد رمضان لا يتناول إلا اليسير من السوائل، ويعتني بضيوفه، فإذا حان الغداء استأذن منهم، واعتذر بأن عنده حمية.
ولما علم كبار المسؤولين بمرض سماحته اهتموا للأمر، وعرضوا عليه العلاج في الخارج، ولكن سماحته لم يرغب بالسفر، واقتصر على مراجعة المستشفى، مع قيامه بأعماله كاملة.
واستمرت صحته تتدنى، حتى قارب الحج، وألحَّ عليه المسؤولون والأطباء أن يترك الحج نظرًا لحالته، فوافق بصعوبة، ووجَّه نائبَه وخَلَفه في الإفتاء الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أن يقوم مقامه في الحج، وكان سماحته يتألم ويقول: «اللَّه المستعان! سبعة وأربعون سنة متتابعة لم أترك الحج!» (٢).
_________________
(١) ترجمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز - ﵀ -، للشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، ص ١٣٣.
(٢) وقد ثبت عن الشيخ محمد الموسى أن سماحته حج قبل ذلك خمس حجج متفرقة، فأول حجة حجها، عام ١٣٤٩هـ، ثم حج بعدها أربع حجات متفرقة، ومنذ عام ١٣٧٢ هـ إلى ١٤١٨هـ لم يترك الحج في أي عام من تلك الأعوام. [جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز ابن باز، للشيخ محمد الموسى - ﵀ -، ص ١١٣].
[ ٤٧ ]
قال الشيخ محمد الموسى: «في مرضه الأخير، وقبل وفاته بمدة يسيرة جدًا توفي رجل من أهل الرياض اسمه سليمان الغنيم، وكان هذا الرجل مُسنًِّا، محسنًا، صالحًا، محبًّا لسماحة الشيخ، وله مكانة عند الشيخ؛ فاتصل أحد أبناء ذلك الرجل بسماحة الشيخ، وقال: إن أبي قد توفي، ونأمل أن تُصلُّوا عليه، وتحضروا جنازته، فقال الشيخ: إن شاء اللَّه نفعل.
وبعد ذلك بقليل جاءه خبر وفاة الشيخ صالح بن غُصون - ﵀ -، فذهب للصلاة على جنازة ابن غصون مع أن سماحته كان تحت وطأة مرضه الأخير، وكان متعبًا جدًا، وقد سقط في السيارة على من بجانبه، وتقيّأ وهو في الطريق.
وبعد أن صلى على جنازة الشيخ ابن غصون - ﵀ -، وذهب لتعزية أهله، لم ينس الرجل المذكور الذي توفي في ذلك اليوم؛ بل ذهب إلى قبره وهو على تلك الحال من الإعياء، وصلى عليه بعد العصر، وبعد المغرب ذهب إلى أهل المتوفى، وعزّاهم وصبَّرهم!!» (١).
ثم غادر سماحته الرياض في ٢٣ ذي الحجة ١٤١٩هـ إلى مكة، وفي آخر ليلة في الرياض جاء إليه الناس أفواجًا تلو أفواج للسلام عليه وتوديعه، وكانوا بالمئات، وألقى فيهم كلمة مؤثرة، وكانت هذه آخر كلمة له في الرياض.
_________________
(١) جوانب من سيرة الإمام، ص ١٧٧. وانظر: ترجمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز، لعبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، ص ١٣٤.
[ ٤٨ ]
وفي مكة أدى العمرة، وبقي فيها إلى نهاية ذي الحجة، ثم توجه إلى الطائف.
استمرت صحة سماحته بالتدني، ولكن همته وعزيمته ونشاطه، وعمله لم تتأثر رغم شدة المعاناة، وكان لا يقدر أن يشرب في اليوم إلاكأسًا صغيرًا من الحليب، وربما شرب ثانيًا مع الإلحاح، إضافة إلى ربع كوب من عصير الجزر، وذلك في الأشهر الثلاثة الأخيرة من عمره، وأما عمله الضخم، فهُو هو! وبدأ سماحته بإلقاء دروسه المعتادة في الطائف، وكان آخر درس صباح الإثنين
١٧ - / ١/ ١٤٢٠هـ لمدة ثلاث ساعات، وهو آخردرس ألقاه سماحته، وكان يوم الثلاثاء التالي آخر أيام سماحته في الدوام الرسمي.
وفي يوم الأربعاء ١٩ محرم شعر سماحته بالإرهاق الشديد، ودخل المستشفى يوم الخميس التالي، وبقي فيه إلى يوم الثلاثاء ٢٥ محرم، وكانت المعاملات تُقرأ عليه وهو مستلقٍ في المستشفى، واتصالات الفتاوى لا تهدأ، ويزوره عدد كبير من الأمراء والعلماء والعامة.
وفي يوم الثلاثاء طلب الخروج من المستشفى، وقد بلغ به الإعياء مبلغه، ولم ينم ليلة خروجه.
وفي ذلك اليوم أصدر سماحة الشيخ البيان الشهير مع اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، في الرد على الأصوات التي بدأت تنادي بإخراج المرأة السعودية من بيتها، وقيادتها للسيارة، ووضع صورتها في البطاقة الشخصية، وما إلى ذلك من خطوات التغريب
[ ٤٩ ]
والفتنة، فكان ذلك البيان الذي قمع أولئك المنادين في ذلك الوقت، ودفع اللَّه به شرًَّا عظيمًا.
وفي يوم الأربعاء كان سماحته منشرح الصدر، ومرتاح البال، وطلب من معاونيه أن تُعرض عليه المعاملات كالمعتاد، وأنجز في منزله بعد الظهر أكثر من خمس وعشرين معاملة، منها معاملات طلاق، ومنها اعتماد بناء عدة مساجد، ومنها معاملة من هولندا بشأن تزكية الشيخ عدنان العرعور، وإنجاح لقاء إسلامي كبير.
ثم تغدى الضيوف عند سماحته، وبعد المغرب تزاحم الناس في مجلسه للسلام عليه، ودخل عليهم يتهلل وجهه بشرًا وسرورًا وسكينة، وسلَّم الناس عليه أرسالًا تلو أرسال، ومن سلَّم عليه يخرج لامتلاء المكان.
وبعد ذلك بدأ باستعراض المعاملات وسط توافد الناس، ورنين الهاتف، وبعد عشر دقائق من جلوسه تحسس سماعة الهاتف؛ وعلى غير عادته رفعها ووضعها جانبًا؛ حتى يتوقف رنين الهاتف، ثم أقبل على الحاضرين وقال: «كيف حال الإخوان، اللَّه يستعملنا وإياكم فيما يرضيه، اللَّه يتوب على الجميع»، ثم دعا لهم، وأطال الحديث والدعاء، وتوصية الناس بتقوى اللَّه، والتمسك بالكتاب والسنة، كانت هذه آخر وصاياه العامة.
وبعد ذلك أرجع سماعة الهاتف إلى وضعها الأول، ويبدأ يرد
[ ٥٠ ]
على المتصلين، ويستمع إلى عرض المعاملات (١)، وبعد إجابة أذان العشاء سلَّم على الحاضرين، وودَّعهم، ودخل البيت.
وجلس مع أسرته وبعض أقاربه الذين قدموا للسلام عليه من الرياض والمدينة، حيث مكث معهم إلى الثانية عشرة، وهو في أُنْس، وسرور، وراحة بال تامة، ثم انصرفوا عنه؛ لينام، فأخذ يذكر اللَّه ويسبِّحه.
يقول ابنه الشيخ أحمد: «وجلست معه بعد ذلك حتى الساعة الواحدة والنصف، وسألني عن الساعة، فأخبرته، فقال: توكّلْ على اللَّه، نَمْ. وصلَّى ما شاء اللَّه أن يصلي، واضطجع على فراشه، والوالدة كانت جالسة عنده».
وقال: «وفي الساعة الثانية والنصف أو الثالثة ذهب إلى دورة المياه بنفسه - ﵀ - دون مساعدة، وتوضأ كعادته، ثم صلَّى واضطجع.
قالت الوالدة: ثم جلس وتلفّت يمينًا وشمالًا، ثم تبسّم (٢)، وسألَتْه:
_________________
(١) نقل في الإبريزية (١٨٦) أنه في هذا المجلس الأخير جاء سائلٌ، فقال سماحته: أعطوه، قالوا: يا شيخ يجيء يوم السبت. قال الشيخ: لا! ناجز، ناجز، أعطُوه. فأعطَوه.
(٢) نرجو أن يكون هذا من البشرى الواردة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. ذكر مجاهد وغيره أن تنزل الملائكة هذا عند الموت. (انظر: تفسير ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية). ومثله ما روى ابن أبي الدنيا في المحتضرين (٣١٧) بسند صحيح عن عبد اللَّه بن وهب قال: حدثني مالك بن أنس، قال: كان عمر بن حسين من أهل الفضل والفقه والمشورة في الأمور والعبادة، وكانت القُضاة تستشيره، ولقد أخبرني من حضره عند الموت، فسمعه يقول: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، فقلت لمالك: أتراه قال هذا لشيء عاينه؟ قال: نعم! [انظر: الحاشية في ترجمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز، لعبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم، ص ١٣٧].
[ ٥١ ]
هل تريد شيئًا؟ كأنها استغربت من الشيخ، فلم يرد عليها؛ وإنما سألته لأنها لاحظت أن قيامه وتبسّمه لحاجة. قال: فاضطجع مرة أخرى بعد أن توضأ وتبسّم وصلّى، وله نَفَس متزايد بصوت مسموع».
قال الشيخ أحمد: «وبعد ذلك جئت إليه أنا وإخوتي، واستمر على هذه الحال، فاتصلنا بمستشفى الملك فيصل، فأرسلوا سيارة إسعاف، وحُمِل سماحته إلى المستشفى، وعند حمله فاضت روحه إلى بارئها» (١).
وقال لنا الشيخ عبد العزيز بن ناصر بن باز: «في الليلة التي توفي فيها كان جالسًا في المجلس، وقد عرضت عليه أوراقًا تتعلق بالطلاق، وأنجز منها ما تيسر، وكان ذلك بعد المغرب، وبعد أذان العشاء قبل أن يدخل البيت قلت له: هل آتي غدًا الخميس، كالعادة من أجل عرض بعض الأوراق، فقال لي - ﵀ -: لا أدري! وهو دائمًا يحب العمل في يوم الخميس من أجل إنجاز بعض المعاملات، ومن هذا أحسست أنه يشعر بمرض داخلي - ﵀ - رحمة واسعة، ومع هذا جئت صباح الخميس، وقد فجعت بخبر وفاته - ﵀ -» (٢).
وتوفي سماحة الشيخ قبيل فجر الخميس ٢٧ محرم ١٤٢٠هـ في مدينة الطائف بعد أن خُتم عمله بما سبق ذكره من التسبيح والذِّكر، وقيام الليل، والنوم على طهارة، وصلة الرحم، والوصية بالكتاب والسنة، وتقوى اللَّه، وفتيا الناس، وحل مشاكل المسلمين، وبناء
_________________
(١) انظر: جوانب من سيرة الإمام، ص ٥٨٦، وكتاب الإمام ابن باز، ص ٨٥. [انظر: المرجع السابق].
(٢) المرجع السابق، ص ١٣٨.
[ ٥٢ ]
المساجد، والصدقة، والاستبشار، فسبحان من جمع له كل ذلك في الساعات الأخيرة من عمره، كما أنه حديث عهد بعُمرة، ثم كان ما كان من جنازته العظيمة.
بعد ذلك نُقل جثمان سماحة الشيخ إلى منزله بمكة لغسله وتكفينه، ورؤي وقد اكتسى وجهه بعلامات من الضياء والنور الساطع، وكان بياضه شديدًا كما يقول من شارك في الغسل (١).
وكانت وفاة سماحة الشيخ - ﵀ - قُبيل صلاة فجر يوم الخميس السابع والعشرين من محرَّم عام عشرين وأربع مئة وألف من الهجرة، في منزله بمدينة الطائف، ثم نُقل جثمانه إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف، ومنه نقل إلى ثلاجة المستشفى العسكري بالهدا؛ بأمر من صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة - ﵀ -.
وفي صباح يوم الجمعة تم نقل جثمانه إلى منزله في مكة المكرمة لتغسيله وتجهيزه والصلاة عليه في المسجد الحرام، وبعد تجهيزه تقدَّم سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز بن عبد اللَّه آل
_________________
(١) الإنجاز، ص٥١٧، الطبعة الثانية، وانظر: ترجمة سماحة الشيخ ابن باز، للشيخ عبد العزيز القاسم، ص ١٣٩.
[ ٥٣ ]
الشيخ، أمَدَّ اللَّه في عمره، وصلى بأفراد أسرة الشيخ قبل نقله للمسجد الحرام (١).