٣٤٣ - عن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - (١): «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّه إلَاّ بِإِحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (٢).
٣٤٤ - عن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» (٣).
٣٤٥ - عن سهل بن أبي حَثْمةَ - ﵁ - قال: «انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، إلَى خَيْبَرَ ــ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ ــ فَتَفَرَّقَا، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا، فَدَفنه ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَذَهَبَ عَبْدُالرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ - ﷺ -: «كَبِّرْ، كَبِّرْ» ــ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ ــ فَسَكَتَ، فَتَكَلَّمَا، فَقَالَ: «أَتَحْلِفُونَ
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -»، وهذا في البخاري، برقم ٦٨٧٨.
(٢) رواه البخاري، كتاب الديات، بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، برقم ٦٨٧٨، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ما يباح به دم المسلم، برقم ١٦٧٦، بلفظه.
(٣) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، برقم ٦٥٣٣، ورقم ٦٨٦٤، بلفظ: «أول ما يقضى بين الناس في الدماء»، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب المجازاة بالدماء في الآخرة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، برقم ١٦٧٨، بلفظه أيضًا.
[ ٦٧٢ ]
وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ؟» قَالُوا: وَكَيْفَ نَحْلِفُ، وَلَمْ نَشْهَدْ، وَلَمْ نَرَ؟ قَالَ: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بأيَمِان خَمْسِينَ منهم (١)». فقَالُوا: كَيْفَ نأخذ بِأَيْمَانِ قَوْمِ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ عِنْدِهِ» (٢).
٩٩ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالدماء والقصاص (٣) والقسامة.
في الحديث الأول: يقول - ﵊ -: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، إلا بإحدى ثلاث» ثم فسرها، فقال: «الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة»، يجوز الرفع، ويجوز الجر، النفس بالنفس، بدل من الثلاث، والرفع خبر لمبتدأ آخر محذوف.
فهذه الخصال الثلاث تجوِّز سفك الدم، قتل صاحبها: الثيب الزاني، معناه الذي قد تزوج ووطئَ الزوجة، يقال له: ثيب، فإذا زنى يقتل، يرجم بالحجارة حتى يموت، إذا ثبت زناه بأربعة شهود عدول
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا»، وهذا لفظ البخاري، برقم ٣١٧٣، إلا قوله: «يمينًا».
(٢) رواه البخاري، كتاب الجزية والموادعة، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره ، برقم ٣١٧٣، بلفظه «إلا أنه قال: «فتبرئكم يهود بخمسين»، وقد جاءت الجملة في كتاب الأدب، باب إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال، برقم ٦١٤٣، فقال: «فتبرئكم يهود في أيمان خمسين منهم»، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب القسامة، برقم ١٦٦٩.
(٣) القَصاص: هو أن يُفعل به مثل فعله: من قتل، أو قطع، أو ضرب، أو جرح، والقصاص الاسم. النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ٧٢، مادة (قصّ).
[ ٦٧٣ ]
أو بإقراره، والنفس بالنفس هذا القصاص، وهذا الشاهد في الترجمة كتاب القصاص: والقصاص مصدر قاص قصاصًا، وهو الأخذ بالمقابل، المقاصة المماثلة، قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (١)، فاللَّه شرع المقاصة: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأُذن بالأُذن، واليد باليد، والرجل بالرجل، وهكذا إذا تمت الشروط والمكافأة بينهما، فإذا قتل إنسانٌ آخر عمدًا عدوانًا وجب القصاص، إلا أن يعفو ولي القتيل، إذا عفا من الدية، أو عفا مطلقًا، سقط القصاص؛ فإن لم يعفُ، وطالب بالقصاص، وجب القصاص، وجب أن يُقتل به، إذا كان مكافئًا له، المسلم يقتل بالمسلم، أما إذا كان كافرًا؛ فإنه لا يُقتل به المسلم، ولكن يؤدي الدية ويعزر ويؤدب، أو كان رقيقًا مملوكًا لا يقتل به الحر، ولكن يعزر ويؤدي الدية وهي قيمته، ويقتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل إذا قتلها عمدًا عدوانًا قتل بها، أو قتلته قُتلت به.
والتارك لدينه المفارق للجماعة: المرتد الناقض للإسلام إذا فعل ما يوجب ردته قُتِل؛ لقول النبي - ﷺ -: «من بدل دينه فاقتلوه» (٢)، فإذا أشرك: عَبدَ غير اللَّه، كأن يستغيث بالأصنام، أو بالنجوم، أو بالأموات، أو بالجن، أو يدعو غير اللَّه، يُستتاب؛ فإن تاب، وإلا قُتِل ردة، أو يترك
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٤٥.
(٢) البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب اللَّه، برقم ٣٠١٧.
[ ٦٧٤ ]
الصلاة يُستتاب؛ فإن تاب وإلا قُتِل ردة، أو سبَّ اللَّه، أو يسبُّ الرسول، أو يستهزئ بالدين ردة يُقتل: «من بدل دينه فاقتلوه».
وقد ذكر العلماء في كل مذهب باب حكم المرتد، وهو المسلم يكفر بعد إسلامه، فإذا ارتد عن دينه، فهذا حكمه القتل بعد الاستتابة، وبعض النواقض لا يُستتاب بها، كالذي يسب اللَّه، ويسب الرسول، هذا يقتل بغير استتابة عند جمع من أهل العلم لعظم جريمته.
الحديث الثاني: يقول - ﷺ -: «أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء»، هذا يدل على عظم شأن الدماء، وأنه أول ما يقضى بين الناس في الدماء، لما بينهم من الحقوق، فهذا فيه الحذر من سفك الدم الحرام، والعدوان على الناس، فيجب على المؤمن أن يحذر العدوان على الناس وسفك الدم بغير الحق؛ لأن جريمة القتل عظيمة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (١)، وفي الحديث يقول - ﷺ -: «لا يَزَالُ الرَّجُلُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (٢)، نسأل اللَّه السلامة.
والحديث الثالث: قصة عبداللَّه بن سهل الأنصاري توجه إلى
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ٩٣.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الديات، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [الناسء: ٩٣]، برقم ٦٨٦٢، عن ابن عمر - ﵄ - بلفظ: «لَن يَزَالُ المؤمن»، وأخرجه أحمد، ٩/ ٤٩٣، برقم ٥٦٨١ بلفظ: «لَنْ يَزالَ المَرْء».
[ ٦٧٥ ]
خيبر لحاجة مع أخيه ابن عمه مُحيصة فقُتل، وجدوه قتيلًا، ولم يعلموا من قتله في خيبر، وخيبر تسكنها اليهود ذاك الوقت، وهم أعداء المسلمين بعدما فتحها النبي - ﷺ -، وصالحهم على أنهم يبقوا فيها عمالًا فلاحين بالنصف، سافر عبداللَّه بن سهل إليها لحاجة فوجدوه قتيلًا، فلم يعرفوا من قتله، فاشتكوا اليهود إلى النبي - ﷺ -، واشتكاهم عبدالرحمن بن سهل أخو عبداللَّه بن سهل، وابنا عمه محيصة وحُويصة ابنا مسعود أبناء عم القتيل، فتقدموا إلى النبي - ﷺ - يشتكون، أراد عبدالرحمن أن يتكلم وكان أصغر القوم، وقال له النبي: «كبّر كبّر»، فتكلم حُويِّصة، ثم تكلم محيصة، فقال لهم النبي - ﷺ -: «عندكم بيّنة» قالوا: لا. قال: «تحلفون» خمسين يمينًا على قاتله، قالوا: لم نشهده، ولم نره، كيف نحلف! قال: «فتبرئكم يهود بخمسين يمينًا» قالوا: قوم كفار كيف نقبل أيمانهم، فعقله النبي - ﷺ - من عنده وداه النبي - ﷺ - من عنده صلحًا بين الجميع، وسَدَّدهم مائة من الإبل - ﵊ - دية لعبد اللَّه بن سهل، وحقنًا للفتنة والدماء.
هذا يدل على فوائد: منها أن الخصومة إذا كانت بين جماعة، فإنه يتكلم الأكبر «كبّر، كبّر»، وكان الخصوم جماعة يتكلم الأكبر، ثم يُكمِّل الباقون، إن كان لهم زيادة يكملون، ثم تُسمع دعوى المدعى عليه بعد ذلك، المدعي يتكلم أولًا، ويتكلم الأكبر، ثم ينظر في دعوى المدعى عليه.
وفيه من الفوائد: أنه إذا كان القتيل عند قوم يُتهمون به: فإنه
[ ٦٧٦ ]
يُدَّعى عليهم فيه: ويطلب من المدعين البينة: فإن وجدوا بينة، وإلا فلهم القسامة، لهم: أن يحلفوا على واحد منهم بسبب اللَّوث، بسبب العداوة والبغضاء، أو لأسباب أخرى، تدل على أنهم قتلوه، كأن يوجد جماعة يشهدون أنهم قتلوه، لكن لا تطبق فيهم الشروط: إما لأنهم غير عدول، أو نساء أو صبيان، فإذا توافر عند أولياء القتيل ما يدل على أن القاتل فلان فيحلفون عليه؛ ولهذا قال: يُقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدُفع برمته، فإذا كان الخصوم يدعون على واحد معين بينه وبين القتيل عداوة، أو عندهم ما يدل على أنه قاتله؛ لأنهم رأوه قائمًا عليه بسكين، أو معه السيف، أو آثار الدم في سكينه، أو شهد عليه نساء، أو صبيان، أو فساق، واقتنع أولياء الدم أنه هو قاتله، فلهم أن يحلفوا خمسين يمينًا إذا كانت العصبةُ خمسين كل واحد يحلف يمينًا؛ فإن كانت العصبةُ خمسًا وعشرين، كل واحد يحلف يمينين، فإن كانوا عشرة كل واحد يحلف خمسًا: خمسة أيمان على عددهم ويدفع إليهم برمته (١).
فإذا لم يحلفوا، حلف أولئك المدعى عليهم، حلفوا خمسين أنهم لم يقتلوا، ولم يعرفوا قاتله، فيبرؤوا فإن أصلح بينهم ولي الأمر، ودفع الدية ولي الأمر، وأصلح بينهم، أو أصلح بينهم بنصف
_________________
(١) رمته: الرُّمة - بالضم-: قطعة حبل يشد بها الأسير، أو القاتل إذا قيد إلى القصاص، أي يسلم إليهم بالحبل الذي شُدَّ به، تمكينًا لهم منه لئلا يهرب، ثم اتسعوا فيه حتى قالوا: أخذت الشيء برمته، أي كله. النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢/ ٢٦٧، مادة (رم).
[ ٦٧٧ ]
الدية، أو بأقل أو بأكثر، فلا بأس، فالصلح جائز؛ ولهذا أصلح النبي - ﷺ - بأن دفع الدية عن اليهود، دفعها من بيت المال، وأنهى الدعوى بينهم عن الفتنة، وهذه يقال لها قسامة، وهي أن يدعي قوم على شخص أنه قتل موروثه، ويحتجون على ذلك بأشياء، تُغلِّب على الظن أنه قتله: لعداوة بينهما، أو شهادة من لا يكتمل به النصاب، أو غير هذا من القرائن والدلائل، التي تدل على أنه قتله، هذه يقال لها: قسامة، فيطالبون بخمسين يمينًا من العصبة، فإن لم يحلفوا فلهم أيمان المدعى عليهم، إلا إذا لم يوجد بينة علامة تشهد بالقتل.
وفي حديث حماد بن زيد: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ»؟ قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ، كَيْفَ، نَحْلِفُ؟ قَال: «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ فوداه رسول اللَّه - ﷺ - من قبله (١)» (٢).
وفي حديث سعيد بن عبيد: «فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ، فَوَدَاهُ بِمِائَةٍ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ» (٣).
٣٤٦ - عن أنس بن مالك - ﵁ -، «أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَاسُهَا مَرْضُوضًا
_________________
(١) «فوداه رسول اللَّه - ﷺ - من قبله» ليست في نسخة الزهيري، وهي في المتن، وفي البخاري، برقم ٦١٤٣، وفي مسلم، برقم ٤ - (١٦٦٩).
(٢) البخاري، برقم ٦١٤٣، ومسلم، برقم ٢ - (١٦٦٩)، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٤٥.
(٣) رواه البخاري، برقم ٦٨٩٨، ومسلم، برقم ٥ - (١٦٦٩)، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٤٥.
[ ٦٧٨ ]
بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَقِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِك: فُلانٌ، فُلانٌ؟ حَتَّى ذُكِرَ يَهُودِيٌّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَاسِهَا، فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ رسول اللَّه - ﷺ - أَنْ يُرَضَّ رَاسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» (١).
٣٤٧ - ولمسلم والنسائي عن أنس، «أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ، فَأَقَادَهُ بها (٢) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -» (٣).
٣٤٨ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مَكَّةَ، قَتَلَتْ خُزَاعَةُ (٤) رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ النبي - ﷺ -، فَقَالَ: «إنَّ اللَّهَ - ﷿ - قَدْ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الخصومات، باب ما يُذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، برقم ٢٤١٣، وجميع أطرافه في هذا الحديث، وأخرجه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره، من المحددات، والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة، برقم ١٧ - (١٦٧٢).
(٢) في نسخة الزهيري: «فأقاده رسول اللَّه - ﷺ - بها».
(٣) رواه البخاري، كتاب الديات، باب من أقاد بالحجر، برقم ٦٨٧٩، ولفظه: عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَبِهَا رَمَقٌ، فَقَالَ: «أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟» فَأَشَارَتْ بِرَاسِهَا: أَنْ لَا، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَاسِهَا: أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَاسِهَا: أَنْ نَعَمْ، فَقَتَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِحَجَرَيْنِ،، وقد أخرجه في عدة مواضع، برقم ٢٤١٣، وفي آخره: «فأمر به النبي - ﷺ - فرُضَّ رأسه بين حجرين»، وبرقم ٢٧٤٦، و٦٨٧٦، و٦٨٧٧، ٦٨٧٩، و٦٨٨٤، و٦٨٨٥، وبنحوه مسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره، من المحددات، والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة، برقم ١٧ - (١٦٧٢)، وفي آخره: «فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ حَجَرَيْنِ»، والنسائي، واللفظ له، ٨/ ٢٢، برقم ٤٧٤٠.
(٤) في نسخة الزهيري: «هذيل».
[ ٦٧٩ ]
وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلا (١) وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ (٢) قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلا يُخْتَلَىُ شَوْكُهَا، وَلا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلَاّ لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُقْتَلَ، وَإِمَّا أَنْ يفدى» فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ــ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ ــ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اُكْتُبُوا لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اُكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ»، ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إلَاّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إلَاّ الإِذْخِرَ» (٣).
١٠٠ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه بقية حديث عبداللَّه بن سهل الذي قتله اليهود في خيبر، تقدم في حديث الدرس الماضي، وهذه بقيته كان ينبغي أنها قرئت مع أوله، لأنه بقية الحديث، والنبي - ﷺ - كما تقدم خيَّرهم: إما أن يثبتوا عليهم أنهم قتلوه، فإن لم يثبتوا فعليهم أن يحلفوا خمسين يمينًا على قاتلهم ويُعيِّنوه، فإن لم يقيموا بذلك، فلهم أيمان خمسين من اليهود، على أنهم ما قتلوه، ولا عرفوا قاتله، وتقدم الكلام في هذا، وأن الأنصار اعتذروا، وقالوا: لم نشهد، ولم نرَ، فكيف نحلف؟ وليس
_________________
(١) «ألا»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ١١٢، وفي مسلم، برقم ٤٤٨ - (١٣٥٥).
(٢) في نسخة الزهيري: «وأنها لم تحل لأحد كان قبلي».
(٣) رواه البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، برقم ١١٢، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد، على الدوام، برقم ١٣٥٥.
[ ٦٨٠ ]
عندهم بينة وقالوا أيضًا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟! فعند هذا عقله النبي - ﷺ - من عنده، حسمًا للنزاع، وإنهاءً للفتنة، وحقنًا للدماء، وتقدم أن هذا يُسمَّى القسامة، هذا الحكم يسمى حكم القسامة، وهي أن يدعي قومٌ على قوم قتلًا بدون بينة تشهد لذلك، ويكون هناك لَوَث وهو عداوة، أو ما يقوم مقامها من الدلائل على أنهم قتلوه، كأن يشهد عليهم من لا تُقبل شهادته كالنساء والصبيان والفساق، فيحصل لأهل القتيل طمأنينة إلى أن قاتلهم فلان، فيحلفون بموجب ما دل عليه شهادة من ذُكر، أو العداوة البينة بينهم وبين القتيل، فإن لم يحلفوا فلهم أيمان المتهمين، يحلف المتهمون أنهم ما قتلوه، وما عرفوا قاتلًا، فيبرأوا منه، وهذا يقال له حكم القسامة، وهي معروفة في الجاهلية، وأقرها الإسلام.
الحديث الثاني: حديث أنس: أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها: فرضَّ رأسها بحجر، وأخذ أوضاحها، وهي الحلي من الذهب والفضة، فجيء إليها [بالمتهمين] (١) في الجريمة، وكانت قد عجزت عن الكلام بسبب الجريمة العظيمة، رضّ رأسها، فعرض عليها جماعة من اليهود المتهمين، فأشارت برأسها بالنسبة إلى أحدهم: أنه هو القاتل، أومأت برأسها أي هذا هو الذي رضّ رأسها، فلما أخذوه اعترف بأنه هو الذي فعل الجريمة، فأمر النبي - ﷺ - أن يُرضّ رأسه بين حجرين، جزاءً وفاقًا، وهذا هو القصاص.
_________________
(١) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة، والأظهر أنها: «المتهمين».
[ ٦٨١ ]
وفي هذا فوائد منها: أنه يقتل الرجل بالمرأة، وقوله جل وعلا: ﴿الأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ (١)، لا مفهوم له، بل تقتل الأنثى بالرجل، والرجل بالأنثى.
ومنها أن الإشارة يعمل بها في تعيين المتهم، وفي المسائل الأخرى التي لا يترتب عليها التعدي على آخر؛ ولهذا كان يشير في صلاته [بيده] (٢) - ﷺ - في أشياء كثيرة، كما أشار في صلاته - ﵊ - لما سلموا عليه، أشار بيده - ﵊ -، وأشار إليهم لما صلوا قيامًا وهو جالس، أي اجلسوا (٣).
والإشارة لا بأس بها عند الحاجة إليها، يعمل بها ما لم يكن فيها دعوى على أحد، فلا يكتفى بالإشارة، وإنما تقتضي الدعوى: أي لا بد مع الدعوى من بينةٍ، أو إقرارٍ؛ ولهذا لما أشارت مدعية على اليهودي، لم يكتفِ النبي - ﷺ - بإشارتها، ولكنها تضمنت الدعوى على هذا الشخص، فأخذوه فاعترف، فلما اعترف حُكِمَ عليه بالقصاص باعترافه، لا بمجرد إشارتها، بل باعترافه، وهذا يُسمَّى غِيلة، قتل غيلة، وفي الصحيح: أن قتل الغيلة يجب فيه القود (٤)، ولا يُستشار فيه
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٧٨.
(٢) ما بين المعقوفين «بيده» أضفته ليتم المعنى.
(٣) أخرج البخاري، كتاب الأذان، باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، برقم ٦٨٨، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، برقم ٤١٢، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ - ﵂ -، أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ، فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا».
(٤) القَوَد: القصاص، وقتل القاتل بدل القتيل، وقد أقدته به أقيده إقادة، واستقدت الحاكم: سألته أن يقيدني، واقتدت منه أقتاد. النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ١١٩، مادة (قود).
[ ٦٨٢ ]
الورثة (١) حقنًا للدماء، وحسمًا لمادة الفساد في الأرض؛ فلهذا قتله النبي - ﷺ -، ولم يسأل ورثة الجارية، ولم يستشرهم؛ لأنه خدعها فقتلها.
وفي حديث أبي هريرة الدلالة على أن القتيل لأهله الخيرة: إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وإن شاءوا عفوا؛ ولهذا قال رسول - ﷺ -: «ومن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يُفدَى»، فهذا هو الحكم في القتل العمد، الذي يوجب القصاص بين المتكافئَين، فأهله لهم الخيرة في ثلاثة أشياء: القصاص، والدية والعفو.
وفيه من الفوائد: أن البلد الحرام محرم لا يحل فيه القتال، لا قبل النبيّ - ﷺ -، ولا بعده، وإنما أُحل للنبي - ﷺ - ساعة من نهار.
وفيه من الفوائد: أنه لا يعضد شجره، ولا شوكه، ولا ينفّر صيده، ولا يختلى خلاها، وهو الحشيش الأخضر، ولا تُلتقط ساقطته، إلا للمنشد، إلا لمعرِّف.
وفي حديث أنس من الفوائد أيضًا: أن القاتل يُقتل بمثل ما قتل، فإن قتل بالرضّ في الرأس يرض رأسه، وإن قتل بالتغريق غُرِّق في
_________________
(١) أخرج البخاري، كتاب الديات، باب إذا أصاب قوم من رجل، هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم، برقم ٦٨٩٦: «عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ غُلَامًا قُتِلَ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: لَوْ اشْتَرَكَ فِيهَا أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ»، وفي موطأ مالك، ٥/ ١٢٦٨: «قَالَ مَالِك: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ مُسْلِمٌ قَتْلَ غِيلَةٍ، فَيُقْتَلُ بِهِ، وحَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً، أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وَقَالَ عُمَرُ: «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا».
[ ٦٨٣ ]
الماء، وإن كان قتل بالسيف قتل بالسيف: الجروح قصاص، القصاص: المماثلة، والنبي - ﷺ - قتله بمثل ما فعل، فرض رأسه بين حجرين، فيقتل بمثل ما قتل، إلا أن يكون قتله بمعصية فلا، كأن يكون قتله بسقي الخمر، أو باللواط، فلا يقتل بذلك بمعصية اللَّه، وأما إن كان قتله بغير معصية: بالسيف، بالرض، بالتغريق، بغير ذلك من أسباب القتل، يُقتل قصاصًا.
٣٤٩ - عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، «أَنَّهُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي إمْلاصِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «شَهِدْت النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ، أَوْ أَمَةٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي (١) بِمَنْ يَشْهَدُ مَعَك، فَشَهِدَ مَعَهُ (٢) مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ» (٣).
إملاص المرأة: أن تُلْقيَ جنينها ميتًا (٤).
٣٥٠ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إلَى رسول اللَّه - ﷺ -، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ، أَوْ
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «لتأتين».
(٢) في نسخة الزهيري: «فشهد له».
(٣) رواه البخاري، كتاب الاعتصام، باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل اللَّه تعالى، برقم ٧٣١٧، وأطرافه في البخاري، برقم ٦٩٠٥، و٦٩٠٦، و٦٩٠٧، و٦٩٠٨، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني، برقم ١٦٨٣، واللفظ له.
(٤) «إملاص المرأة: أن تلقي جنينها ميتًا»: ليست في نسخة الزهيري.
[ ٦٨٤ ]
وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَامَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ، وَلا أَكَلَ، وَلا نَطَقَ وَلا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّمَا هُوَ مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ» مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ (١).
٣٥١ - عن عمران بن حُصين - ﵁ -، «أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ، فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتاهُ، فَاخْتَصَمَا (٢) إلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ (٣) كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لا دِيَةَ لَك» (٤).
٣٥٢ - وعن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: حدّثنا جُنْدُبٌ - ﵁ - في هذا المسجد، وما نسينا منه حديثًا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ــ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ -
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الطب، باب الكهانة، برقم ٥٧٥٨، ٥٧٥٩، و٥٧٦٠، و٦٤٤٠، و٦٩٠٤، و٦٩٠٩، و٦٩١٠، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب دية الجنين، ووجوب الدية في قتل الخطأ، وشبه العمد على عاقلة الجاني، برقم ٣٦ - (١٦٨١).
(٢) في نسخة الزهيري: «فاختصموا»، وهذا لفظ البخاري، برقم ٦٨٩٢، ولفظ المتن: «اختصما»، لفظ مسلم، برقم ١٦٧٣.
(٣) في نسخة الزهيري خطأ مطبعي: «أحاه» بالحاء.
(٤) رواه البخاري، كتاب الديات، باب إذا عضّ رجلًا فوقعت ثناياه، برقم ٦٨٩٢، بلفظه، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب الصائل على نفس الإنسان، أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه، فأتلف نفسه أو عضوه، لا ضمان عليه، برقم ١٦٧٣.
[ ٦٨٥ ]
﷿ -: (عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ (١) عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)» (٢).
١٠١ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الأربعة الثابتة عن رسول اللَّه - ﷺ - تتعلق بأحكام، كلها تتعلق بالقتل، وبإملاص المرأة، وبالعدوان، أما الإملاص فإملاصها: إسقاطها جنينها ميتًا، يقال: أملصت، يعني أسقطت، والعامة (٣) (تعوّرت)، يعني أسقطت جنينًا قبل أن يتم ميتًا، سأل عمر الناس عن حكمه، فشهد عنده المغيرة بن شعبة الثقفي: أن النبي - ﷺ - قضى فيه بالغُرَّة عبد أو أَمة، قال: من يشهد معك؟ قال محمد بن سلمة، هذا فيه الدلالة على أن المرأة إذا أسقطت بضربة أحد ضربها، فإن الولد يُؤدى بغرة عبد أو أمة، إذا سقط ميتًا بسبب العدوان عليه. قال العلماء: قيمتها خمس من الإبل: عُشر الدية خِنصر بِنصر خمسٌ من الإبل عشر دية أمّه أم الطفل.
فإذا أسقطت جنينًا في هذا الوقت مثلًا ميتًا بالعدوان على أمّه (٤) [ففيه غرة: عبد أو أمة: قيمتها خمس من الإبل] (٥).
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «فحرمت»، والمتن هو لفظ البخاري، برقم ١٣٦٤، ورقم ٣٤٦٣.
(٢) رواه البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم ٣٤٦٣، بلفظه، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وإن من قتل نفسه بشيء عُذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، برقم ١١٣.
(٣) والعامة «تعورت» أي يقول العامة: تعوَّرت.
(٤) آخر الوجه الثاني من الشريط الساس عشر.
(٥) ما بين المعقوفين أضفته ليكتمل المعنى؛ لأنه حصل سقط في الشريط.
[ ٦٨٦ ]
وقول عمر للمغيرة: من يشهد معك؟ من باب التثبت والحرص، وإلا فالواحد (١) يكفي كما تقدم، لما سأل ابن عمر سعد بن أبي وقاص عن مسح الخفين، قال ابن عمر: إذا قال لك سعد شيئًا فلا تسأل غيره.
فالقاعدة أن الواحد من الصحابة تقوم به الحجة، وهكذا الثقات من الرواة، الواحد الثقة، تقوم به الحجة، ولكن إذا جاء من طريق ثان يكون أثبت وأكمل، وهذه عادة عمر في بعض الأحيان يتثبت ويطلب شاهدًا ثانيًا من باب التثبت في الأمور، كما قال لأبي سعيد لما سُئل أن الرسول - ﷺ - لما قال أبو موسى لعمر أنه استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له فانصرف، وقال: إني سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إِذَا اسْتَاذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَنْصَرِفْ» قال: ائتني بمن يشهد معك، فشهد معه أبو سعيد الخدري (٢)، هذا من باب التثبت في الأمور، وإلا فالواحد يكفي، إذا ثبت عن النبي - ﷺ - من طريق واحدة، أنه قال كذا أو فعل كذا كفى.
_________________
(١) أول الوجه الأول من الشريط السابع عشر.
(٢) أخرج البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، برقم ٦٢٤٥، ومسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، برقم ٢١٥٣: «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْأَنْصَارِ، إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ، فَقَالَ: اسْتَاذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلَاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعْتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ؟ قُلْتُ: اسْتَاذَنْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا اسْتَاذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ»، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ، أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لَا يَقُومُ مَعَكَ إِلَّا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ». ولفظةُ: «فلينصرف» وجدتها عند أبي يعلى، ١٣/ ١٩٢، برقم ٧٢٥٧.
[ ٦٨٧ ]
وهكذا حديث حمل بن النابغة عن أبي هريرة في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا، وأسقطت إحداهما المضروبة جنينًا، فقضى فيه النبي - ﷺ - بغرة قضى بالدية: دية المقتولة على عاقلة القاتلة.
لأنه قتل شبه عمد، وليس فيه عمد، بل هو ملحق بالخطأ؛ فلهذا قضى فيه النبي - ﷺ - بالدية على العاقلة، ولم يحكم فيه بالقصاص، فدل ذلك على أن القتل إذا كان شبه عمد، مثل أن ضرب أحدهما الآخر بعصًا، أو ضربت إحداهما الأخرى بعصًا، وصار في ذلك موت المضروب، هذا يكون شبه عمد، ما فيه إلا الدية والكفارة، إذا كان مثله لا يقتل، إذا كانت الآلة التي تضرب بها مثلها لا يقتل غالبًا، فهذا هو شبه العمد، وفيه الدية، وفيه الكفارة، وإن كان هناك جنين سقط، فهذا فيه الغرة عبد أو أمة، ولما قضى النبي - ﷺ - بذلك، قال حمل بن النابغة الهذلي: كيف أغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، فمثل ذلك يطل! يعني يهدر، فأنكر عليه النبي - ﷺ - وقال: «إنما هو سجعٌ من سجع الكهان».
هذا يدل على أنه ما يجوز معارضة الحق بالسجع، أو غير السجع، وأن السجع مذموم إذا كان فيه معارضة للحق، أما إذا كان سجعًا لا يعارض الحق، ولا فيه تكلف، فلا بأس به [] (١).
السجع الذي ليس فيه تكلف، وينصر الحق، ويعين على الحق، لا بأس به، أما إذا كان السجع يعارض الحق، ويقف في طريق
_________________
(١) ما بين المعقوفين سقط يسير لا يؤثر على المعنى.
[ ٦٨٨ ]
الحق، هذا لا يجوز، وهو من سجع الكهان، الذين يلبّسون به على الناس، ويخدعون به الناس.
وهكذا حديث عمران الذي عضّ يد أخيه حتى نزع يده من فمه، فسقطت ثنيته، فقال فيه النبي - ﷺ -: «إنها هدر، أيدع يده في فمه يقضمها كما يقضم الجمل»، فأهدر ثنيته، هذا يفيد أن الإنسان إذا عض أخاه، وانتزع المعضوض يده، فسبب سقوط شيء من العاض يكون هدرًا؛ لأنه ظالم، الظالم لا يستحق العوض عما جرى بظلمه، فإذا عض يده وانتزعها منه، وسقطت بعض أسنانه، فإنها تكون هدرًا، كما قال النبي: «يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل ــ يعني الجمل ــ اذهب، فلا دية لك»، هذه عقوبةٌ له على عدوانه وظلمه.
وهكذا لو أمسكه ظلمًا وعدوانًا، فدفعه حتى سقط فمات بسبب ذلك لا شيء عليه؛ لأنه هو المعتدي، بسبب ظلمه لأخيه، وعدوانه عليه، فالحاصل أنه إذا كانت الجناية سبب الدفاع عن إنسان مثل دفاع الصائل، أراد أن يقتلك فامتنعت منه فقتلته، أو أراد أن يتعدَّى على أهلك فدفعته بالقتل؛ لأنه لا يندفع إلا بالقتل ظالم، وهكذا بالكلام والوعيد، ولا يندفع عن أهلك بالعدوان عليهم بالزنى وغيره إلا بالقتل، والطعن، فليس له قصاص لعدوانه وظلمه إذا ثبت مثلما أهدر النبي سن هذا الذي اعتدى، والمعتدي في حكم الصائل [] (١).
وهكذا حديث جندَب، يقال جندَب بفتح الدالـ وجندُب بضم
_________________
(١) ما بين المعقوفين كلام يسير غير واضح، لا يؤثر في المعنى.
[ ٦٨٩ ]
الدال: لغتان، ذكر النبي - ﷺ - أنه كان فيمن كان قبلنا رجل به جرح، فلما آلمه جَزِع، فأخذ سكينًا فقطع يده، فما رقأ الدم حتى مات، فقال اللَّه - ﷿ -: «بادرني عبدي بنفسه، فحرمت عليه الجنة»، هذا يفيد أن الذي يقتل نفسه متوعد بالنار نعوذ باللَّه
_________________
(١) يعني إذا كان في يده جراح أو آلام وانتحر، يكون متوعدًا بالنار، نعوذ باللَّه من الحرمان من الجنة، فلا يجوز للإنسان أن ينتحر، فالإنسان الذي فيه مرض، في بطنه في يده، في رأسه، لا يجوز أن ينتحر، يعالج، يسأل ربه العافية، ويصبر ويتحمل، أما أنه ينتحر، يطعن نفسه بالسكين، أو يقتل نفسه بمسدس، أو يلقي نفسه في الغرق: في البحر، أو في الماء، أو في النار، هذا ما يجوز، هذا يسمى انتحار، قتل للنفس، ما يجوز، عليه أن يصبر ويتحمل ويتعاطى العلاج، حتى يفرّج اللَّه، حتى يشفيه اللَّه أو يموت دون إيذاءٍ منه. أما أن يتعمد قتل نفسه بزعم أنه أذاه هذا الألم، هذا لا يجوز.
[ ٦٩٠ ]