١٠٢ - عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣).
١٠٣ - عن أبي قتادة الأنصاري - ﵁ - قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - (٤) يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنِ صَلاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ (٥)، وَفِي
الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ (٦)، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «و» بدل ثم.
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة، برقم ٧٩٣، وفي لفظ للبخاري، برقم ٦٢٥١ في أوله: « إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ » الحديث، ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وإنه إذا لم يحسن الفاتحة، ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، برقم ٣٩٧.
(٣) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم، برقم ٧٥٦، ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وإنه إذا لم يحسن الفاتحة، ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها، برقم ٣٩٤.
(٤) في نسخة الزهيري: «كان النبي - ﷺ -».
(٥) في نسخة الزهيري هنا زيادة: «يُسْمِعُ الآيَةَ أحْيانًا، وكَانَ يقْرأُ في العَصْرِ بفاتِحَةِ الكِتابِ، وسُورَتَيْنِ يُطَوِّل في الأولى، ويُقَصِّرً في الثانية».
(٦) في نسخة الزهيري: «وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب» جُعلت في نهاية الحديث، ولهذا ذكرتُ في الحاشية ألفاظ الحديث عند الإمام البخاري، فزال الإشكال، وللَّه الحمد.
[ ٢١٤ ]
في (١) صَلاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ» (٢).
٢٢ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة الأول منها يتعلق بالطمأنينة، والثاني والثالث يتعلقان بالقراءة في الصلاة، أما الطُّمأنينة - بضم الطاء - فهي السكون في الصلاة، والخشوع فيها، والاعتدال، يقال: اطمأن يطمئن طمأنينة واطمئنانًا، إذا ركد واعتدل، وسكنت حركاته، هذا هو الواجب في الصلاة، بل فرض وركن أن يطمئن في صلاته، ولا يعجل، ولا ينقرها في ركوعها وسجودها، وهكذا في الاعتدال بعد الركوع، وهكذا بين السجدتين، هذا من أهم أركان الصلاة؛ ولهذا لما رأى النبي - ﷺ - رجلًا لم يطمئن، قال له - ﵊ -: «ارجع فصل». حتى فعلها ثلاث مرات، ردده النبي - ﷺ -، حتى يطمئن، حتى ينتبه، حتى
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «من صلاة الصبح».
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في الظهر، برقم ٧٥٩، ولفظه: عن قتادة عن أبيه: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي العَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ»، وباب القراءة في العصر، برقم ٧٦٢، ولفظه: عن قتادة عن أبيه «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا»، وبابٌ: يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، برقم ٧٧٦، ولفظه: عن قتادة عن أبيه: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ، وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَكَذَا فِي العَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ»، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم ٤٥١.
[ ٢١٥ ]
يعرف أخطاءه وأغلاطه، وحتى يكون ذلك أكمل في التعليم، وأرسخ في القلب، ففعل الرجل وذهب، وصلى ثم عاد، ثم ذهب وصلى ثم عاد، فلما رأى أنه لم يصل كما أمره النبي - ﷺ - قال: «والذي بعثك بالحق لا أُحسن غير هذا، فعلمني»، فاسترشد وطلب أن يُعَلم بعد الثلاث، فعلمه النبي - ﷺ -، وقال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر»، وفي رواية أخرى: «فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» وفي اللفظ الآخر: «ثم اقرأ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وبما شاء اللَّه، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعُ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثم اسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (١)، هكذا علمه النبي - ﷺ -، وفيه: أن الرجل كان كلما جاء سلم والنبي - ﵊ - يرد عليه، ثم يقول له: «ارجع فصل»، فهذا الحديث فيه فوائد:
الفائدة الأولى: تعليم الجاهل، والإنكار عليه، وأن لا يُترك على جهله، وأن العالم وطالب العلم إذا رأى أخاه قد أخل بشيء من أمور دينه يعلمه، ولا يسكت، بل يعلمه ويرشده.
والفائدة الثانية: الرفق وعدم الشدة والعنف، فالرسول ما عنَّف عليه، وما سبَّه - ﵊ -؛ بل علّمه برفق.
الفائدة الثالثة: أنه يكرر لعله ينتبه، يكرر عليه إذا كان حاله
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ٧٥٧، ورقم ٦٢٥١، و٦٢٥٢، ومسلم، برقم ٣٩٧، والبيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٣٧٣، وتقدم تخريجه في شرح حديث المتن رقم ٩٣.
[ ٢١٦ ]
تحتاج إلى أن يكرر الفعل، أو أن يكرر القول، حتى يفهمه، كرره عليه حتى يفهمه.
الرابعة: أنه إذا سلم الإنسان يرد عليه، وإذا عاد وسلَّم يرد عليه، وإذا عاد وسلَّم يرد عليه، ولو ما راح بعيدًا، ولو أنه قريب، ولو أنه يراه؛ لأن الرجل كلما عاد سلم، راح فصلى، ثم عاد فصلى، والنبي - ﷺ - ينظر إليه، فهو عند النبي - ﷺ - ليس ببعيد، يراه وينظر أنه لم يطمئن، فدل ذلك على أنه إذا شغل بالصلاة، أو بشيء آخر، ثم عاد فسلم يرد عليه، وهكذا جاء في الحديث: «إذا سلم أحدكم على أخيه، ثم حال بينهما جدار أو شجر أو حجر، ثم لقيه فليسلم عليه» (١)، السلام كله خير، وكله مما يُكسب المودة والأُلفة.
وفيه من الفوائد: أن الطمأنينة لا بد منها، وأنها إذا فُقدت بطلت الصلاة؛ ولهذا أمره النبي - ﷺ - بالإعادة، فلا بد أن يطمئن في ركوعه، وسجوده، واعتداله بين السجدتين، واعتداله بعد الركوع، والطمأنينة: السكون والركود حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، ترجع العظام والمفاصل إلى محالها ومواضعها، فإذا ركع اعتدل واستوى، حتى تهدأ أعضاؤه، ويرجع كل فقار إلى مكانه، وإذا رفع من الركوع
_________________
(١) أخرج أبو داود، كتاب الأدب، باب من أولى بالسلام، برقم ٥٢٠٠: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: «إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ، أَوْ جِدَارٌ، أَوْ حَجَرٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا»، موقوفًا ومرفوعًا، وأبو يعلى، ١١/ ٢٣٣، برقم ٦٣٥٠، والبخاري في الأدب المفرد، ص: ٣٤٩، والبيهقي في شعب الإيمان، ٦/ ٤٥٠، وقال الشيخ الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص: ٣٩٨: «صحيح موقوفًا، وصح مرفوعًا».
[ ٢١٧ ]
اعتدل واستقام حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، وهكذا إذا سجد، وهكذا إذا جلس بين السجدتين، يطمئن ولا يعجل، حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، فمتى فعل هذا فقد أدى الواجب، وإذا أخل بهذا بطلت صلاته، فالطمأنينة فرض لا بد منه.
وفي الحديث الثاني: الدلالة على أنه لا بد من قراءة الفاتحة، ولهذا قال - ﷺ -: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (١)، وهذا يعم الإمام والمأموم والمنفرد جميعًا، وقال بعض أهل العلم: إن المأموم ليس عليه فرض، بل هو تابع لإمامه، والصواب أنه يعمه، وأنه يلزمه القراءة إلا إذا فاتته القراءة، بأن جاء والإمام راكع، سقطت عنه، أو سها عنها، أو اجتهد، فرأى أنها لا تجب عليه، أو قال بقول من قال لا تجب عليه إن كان له عذر سقطت عنه، وإلا فالواجب أنه يقرأ الفاتحة، ولو في الجهرية، يقرؤها ثم ينصت، لعموم الحديث؛ لأن الرسول - ﷺ - قال: «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٢)، ولم يقل إلا المأموم مستثنى، وفي اللفظ الآخر قال - ﵊ -: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟». قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ «لَا تَفْعَلُوا إِلَاّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَا بِهَا» (٣)، وهذا صريح في وجوبها على المأموم.
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ٧٥٦، ومسلم، برقم ٣٩٤، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٠٢.
(٢) رواه البخاري، برقم ٧٥٦، ومسلم، برقم ٣٩٤، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٠٢.
(٣) رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، برقم ٨٢٣، والبيهقي في معرفة السنن والآثار، ٣/ ٨٣، والمقدسي في المختارة، ٨/ ٣٤١، وحسن إسناده، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، ١/ ١٨٦.
[ ٢١٨ ]
والحديث الثالث: يدل على أنه يقرأ في الركعتين الأوليين أطول من الركعتين الأخريين، وكان في صلاة الظهر والعصر يقرأ بسورة الفاتحة وسورتين، يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، يخفف العصر على النصف من الظهر، كما في حديث أبي سعيد، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، وهكذا في العصر فاتحة الكتاب، وهكذا الثالثة في المغرب، وهكذا الثالثة والرابعة في العشاء، يقرأ بفاتحة الكتاب، وإن قرأ زيادة في الظهر بعض الأحيان فحسن؛ لأن الرسول كان يقرأ فيها بعض الأحيان زيادة على فاتحة الكتاب في الثالثة والرابعة في الظهر، كما في حديث أبي سعيد: أنه كان «يقرأ فِي الأُخْرَيَيْنِ عَلَى النِّصْفِ» (١)، هذا يدل على أنه يقرأ الفاتحة، وزيادة معها في بعض الأحيان - ﵊ -.
وكان يطول في صلاة الصبح أكثر من بقية الصلوات، ثبت عنه أنه كان يقرأ بالستين إلى المائة آية يقرأ بـ «ق» ونحوها، كـ «الذاريات»، «الطور»، وربما قرأ بأقل من ذلك كـ «المرسلات»، و«التكوير»، فالسنة أن يطيل في الصبح في بعض الأحيان، ويخفف بعض الشيء في بعض الأحيان، تأسيًا بالنبي - ﵊ -.
والمغرب تارة وتارة، قد يقرأ بـ «الطور»، وتارة بالوسط، وتارة
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب تخفيف الأخريين، برقم ٨٠٤، وحسّن إسناده الشيخ الألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٣٩٠.
[ ٢١٩ ]
بالقصار، فقد قرأ - ﷺ - بـ «الطور» (١)، [و] قرأ فيها بـ «الأعراف» (٢)، [و] قرأ فيها بـ «المرسلات» (٣)
، وقرأ - ﵊ - فيها بقصار المفصل (٤)، فالإمام لا يلزم حالة واحدة، بل تارة بقصار المفصل مثل «الزلزلة»، و«القارعة»، و«ألهاكم»، و«العصر» وأشباهها، وتارة بأطول من ذلك كـ «البلد»، و«الضحى»، و«الليل إذا يغشى»، و«الشمس وضحاها»، و«الطارق»، و«الانفطار» وأشباهها، وتارة
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر في المغرب، برقم ٧٦٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم ٤٦٣: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -: «قَرَأَ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ»،
(٢) أخرجه الإمام أحمد، ٣٥/ ٥٠٤، برقم ٢١٦٤١، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب قدر القراءة في المغرب، برقم ٨١٢، عن زيد بن ثابت قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ فِيهَا بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ»، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَمَا طُولَى الطُّولَيَيْنِ؟ قَالَ: الْأَعْرَافُ»، وصحح إسناده محققو المسند، ٣٥/ ٥٠٤، والألباني في صحيح أبي داود، ٣/ ٣٩٥، وهو في البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب، برقم ٧٦٤، دون تفسير معنى الطوليين، ولفظه: «عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ».
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب، برقم ٧٦٣، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم ٤٦٢: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ الفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿وَالمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ «هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَسَلَّمَ يَقْرَأُ بِهَا فِي المَغْرِبِ» ..
(٤) أخرجه الإمام أحمد، ١٣/ ٣٧١، برقم ٧٩٩١، والنسائي، كتاب الافتتاح، تخفيف القيام والقراءة، برقم ٩٨٢، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ فُلَانٍ - قَالَ سُلَيْمَانُ - «كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ»، وأخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب قدر القراءة في المغرب، برقم ٨١٢، عن زيد بن ثابت،، وقوى إسناد المسند محققو المسند، ١٣/ ٣٧١، وصحح الألباني رواية أبي داود في صحيح أبي داود، ٣/ ٣٩٩.
[ ٢٢٠ ]
بأطول من ذلك بـ «المرسلات»، و«القيامة»، و«المدثر»، و«المزمل»، و«الطور»، وما أشبه ذلك، هكذا سنته - ﵊ -، فالإمام يتحرى سنة النبي - ﷺ -، هذا الميزان، الميزان فعله - ﷺ -، هو الميزان يتحرى الإمام فعل النبي - ﷺ - في الصلوات، يتحرّاه أو ما يقارب ذلك، ويدنو من ذلك؛ حرصًا على اتباع سنته، والموافقة له في فعله - ﵊ -، عملًا بقول اللَّه - ﷿ -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)،
وعملًا بقول النبي - ﷺ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٢)، اللَّهم صلِّ وسلم على رسولك (٣).
١٠٤ - عن جبير (٤) بن مطعم - ﵁ - قال: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ» (٥).
١٠٥ - عن البراء بن عازب - ﵄ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ فِي سَفَرٍ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الآخِرَةَ، فَقَرَأَ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ بِـ (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ) فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا - أَوْ قِرَاءَةً - مِنْهُ - ﷺ -» (٦).
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١ ..
(٢) البخاري، برقم ٦٣٠، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن ٨٦.
(٣) آخر الوجه الثاني من الشريط الرابع.
(٤) أول الوجه الأول من الشريط الخامس، بتاريخ ١٧/ ٤/ ١٤٠٩هـ.
(٥) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الجهر بالمغرب، برقم ٧٦٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم ٤٦٣.
(٦) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في العشاء، برقم ٧٦٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم ١٧٧ - (٤٦٤).
[ ٢٢١ ]
١٠٦ - عن عائشة - ﵂ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ. فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقَالَ: «سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يصْنَعُ ذَلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمنِ - ﷿ -، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَخْبِرُوهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ» (١).
١٠٧ - عن جابر - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِمُعَاذٍ: «فَلَوْلا صَلَّيْتَ بـ (ِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، (وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى)؟ فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ، وَالضَّعِيفُ، وَذُو الْحَاجَةِ» (٢).
٢٣ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالقراءة في الصلاة. والقراءة في الصلاة تلقاها المسلمون عن نبيهم - ﷺ -، وهي متفاوتة في الصلاة، وهو - ﷺ - كان لا يلزم حالة واحدة، بل ربما طول، وربما قصَّر، وربما توسط، هكذا ينبغي للأئمة أن تكون قراءتهم هكذا، متحرين فيها صلاته - ﷺ - وقراءته؛ لأنه هو الأسوة - ﵊ -، وقد قال اللَّه - ﷿ -:
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد اللَّه ﵎، برقم ٧٣٧٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة قل هو اللَّه أحد، برقم ٨١٣.
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب من شكا إمامه إذا طوّل، برقم ٧٠٥، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم ٤٦٥.
[ ٢٢٢ ]
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)، والنبي - ﷺ - قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلّي» (٢)، فالمؤمن يتحرى في ذلك صلاته - ﷺ -، الإمام والمنفرد، أما المأموم فتبع لإمامه؛ ولهذا ثبت عنه - ﷺ - أنه قرأ في المغرب بـ (الطور)، في حديث جبير بن مطعم، قال: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ» (٣)، وكان هذا في آخر سنة اثنتين من الهجرة، لما قدم جبير من جهة أسرى بدر، قدم المدينة من أجل الأسرى، وثبت عنه في حديث زيد بن ثابت، وحديث عائشة أنه قرأ بـ (الأعراف)، قسمها في ركعتين (٤)،
وثبت في حديث أم الفضل عن ابن عباس أنه قرأ في المغرب بـ (المرسلات) (٥)، وجاء عن ابن عمر أنه قرأ فيها بـ (قل يا أيها الكافرون)، و(قل هو اللَّه أحد) (٦)، وجاء
_________________
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(٢) البخاري، برقم ٦٣٠، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن ٨٦.
(٣) رواه البخاري، برقم ٧٦٥، ومسلم، برقم ٤٦٣، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٠٤.
(٤) حديث زيد بن ثابت أخرجه الإمام أحمد، ٣٥/ ٥٠٤، برقم ٢١٦٤١، وهو في البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب، برقم ٧٦٤، وقد تقدم تخريجه في شرح حديث المتن رقم ١٠٣. وحديث عائشة - ﵂ - أخرجه النسائي، كتاب الافتتاح، القراءة في المغرب بـ «المص»، برقم ٩٩٢، والبيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٣٩٢، وقال الألباني في صحيح أبي داود،
(٥) / ٣٩٨: «أخرجه النسائي بسند صحيح».
(٦) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في المغرب، برقم ٧٦٣، وهو في رقم ٤٤٢٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم ٤٦٢.
(٧) سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلوات، باب القراءة في صلاة المغرب، برقم ٨٣٣، ومصنف ابن أبي شيبة، ١/ ٣٥٩، برقم ٣٦٢٦، والطبراني في المعجم الكبير، ١٢/ ٣٧٧، برقم ١٣٣٩٥، وقال الحافظ في الفتح، ٢/ ٢٤٨: «ظاهر إسناده الصحة، إلا أنه معلول، قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته».
[ ٢٢٣ ]
في حديث أبي هريرة أنه قرأ فيها بقصار المفصل (١)
، فدل ذلك على أنه كان لا يلزم حالة واحدة، بل تارة يطيل، وتارة يقصر، وتارة يتوسط، وهكذا في الظهر، وربما أطال، وربما قرأ فيها بنحو قراءة الفجر، وربما قرأ فيها بأخف من ذلك: كـ (الليل إذا يغشى) و(اقرأ باسم ربك)، وبـ (الشمس وضحاها)، والعصر أخف من ذلك، أخف من الظهر، والعشاء كذلك: كالظهر يقرأ فيها بأوساط المفصل، مثل ما قال النبي - ﷺ - لمعاذ: «لولا قرأت بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و(الشمس وضحاها) و(الليل إذا يغشى)» (٢)، وفي الرواية الأخرى: «و(اقرأ باسم ربك)» (٣)
، وكان معاذ يصلي بأصحابه العشاء، وكان
_________________
(١) ابن أبي شيبة في المصنف، ١/ ٣٥٩، برقم ٣٦٢٧، وابن خزيمة، ١/ ٢٦١، برقم ٥٢٠، وصحيح ابن حبان، ٥/ ١٤٥، برقم ١٨٣٧، والبيهقي في السنن الكبرى، ٢/ ٣٩٢، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان، ٦/ ٦٠٩٩، ولفظه: «حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ -، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ فُلَانٍ، أَمِيرٌ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَصَلَّيْتُ أَنَا وَرَاءَهُ، فَكَانَ يُطِيلُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ» ..
(٢) أخرج مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم ٤٦٥، ولفظه: عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ. فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا. فَصَلَّى فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّانًا يَا مُعَاذُ؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَا بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَاقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى»
(٣) انظر: التخريج السابق ..
[ ٢٢٤ ]
يطول عليهم فزجره النبي عن هذا، وقال: «أفتان يا معاذ»، وأمره أن يختصر وأن يقرأ في العشاء بهذه السور من أوساط المفصل، مثل (سبح)، و(الغاشية)، و(الشمس وضحاها) و(اقرأ باسم ربك) و(البروج) و(الطارق)، وأشباهها (١)،
أما الفجر فكان يطول فيها - ﷺ - ويقرأ فيها بالستين إلى المائة آية، وربما قرأ فيها بـ (ق) (٢)، فالسنة
_________________
(١) سنن النسائي، كتاب الافتتاح، القراءة في العشاء الآخرة بسبح اسم ربك الأعلى، برقم ٩٩٨، ومسند البزار، ١٠/ ٢٩٦، برقم ٤٤١١، والبيهقي، ٣/ ١١٢، عن جابر: «كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبيّ - ﷺ - الْعِشَاءَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ بَنِي سَلِمَةَ فَيُصَلِّيهَا بِهِمْ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَخَّرَ الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَاّهَا مُعَاذٌ مَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَمَّ قَوْمَهُ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَتَنَحَّى رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ، فَصَلَّى وَحْدَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالُوا: نَافَقْتَ يَا فُلَانُ، فَقَالَ: مَا نَافَقْتُ، وَلَكِنِّي آتِي رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأُخْبِرُهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّك أَخَّرْتَ الْعِشَاءَ الْبَارِحَةَ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَاّهَا مَعَكَ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَمَّنَا، فَافْتَتَحَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَتَنَحَّيْتُ فَصَلَّيْتُ وَحْدِي، وَإِنَّمَا نَحْنُ أَهْلُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: «أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَا بِسُورَةِ كَذَا وَسُورَةِ كَذَا» قَالَ عَمْرٌو: وَعَدَّ سُوَرًا، قَالَ سُفْيَانُ، وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اقْرَا بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالشَّمْسِ وضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَنَحْوِهَا»، فَقُلْتُ لِعَمْرٍو: فَإِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ كَانَ يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ قَالَ لَهُ: «اقْرَا بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالشَّمْسِ وضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى». فَقَالَ عَمْرٌو: هِيَ هَذِهِ أَوْ نَحْوَ هَذِهِ». والحديث في قصة معاذ في الصحيحين: مسلم كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم ٤٦٥، والبخاري دون ذكر السور، كتاب الأذان، باب إذا طول الإمام، وكان للرجل حاجة، فخرج فصلى، برقم ٧٠٠، ورقم ٧٠١.
(٢) أخرج مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الصبح، برقم ٤٥٧: «عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - الصُّبْحَ فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] وَرُبَّمَا قَالَ: ق».
[ ٢٢٥ ]
فيها التطويل، وربما قرأ فيها بالقصار، كما ثبت في سنن أبي داود أنه قرأ في الفجر بـ (إذا زلزلت) كررها مرتين (١)، وهذا في بعض الأحيان، والغالب عليه أنه يطول في الفجر - ﵊ -، وفي حديث البراء الدلالة على أن الرسول - ﷺ - ربما قرأ في العشاء بأقل من الأوساط كـ (التين والزيتون)؛ لأنه قرأ فيها بالتين والزيتون. وقال البراء: «فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا، وَلَا أحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ - ﵊ -» (٢)، دل على أنه في بعض العشاء لا مانع أن يخفف بعض الأحيان، فيقرأ فيها بالقصار مثل سورة (والتين)، وسورة (ألهاكم)، و(القارعة)، وما أشبهها لا بأس.
وفي حديث عائشة - ﵂ - أن جماعة من الأنصار جعلوا عليهم إمامًا، فكان يصلي بهم ويختم بـ (قل هو اللَّه أحد)، يقرأ الفاتحة وسورة معها، ثم يقرأ بـ (قل هو اللَّه أحد) زيادة، وربما قرأ (قل هو اللَّه أحد) أولًا، ثم قرأ بعدها زيادة سورة أخرى، فسألوه: قالوا: لماذا لا تكتفي بـ (قل هو اللَّه أحد)، أو بما قرأت معها، قال: أنا أحب أن أقرأ هذه السورة، فإن شئتم أممتكم، وإلا فالتمسوا غيري، فكرهوا أن
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الرجل يعيد سورة واحدة في الركعتين، برقم ٨١٦، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ١٥٤، برقم ٧٣٠.
(٢) أخرج الشيخان: البخاري، كتاب الأذان، باب القراءة في العشاء، برقم ٧٦٩، ومسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، برقم ١٧٧ - (٤٦٤)، عن عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، سَمِعَ الْبَرَاءَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فِي الْعِشَاءِ، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ، أَوْ قِرَاءَةً»، هذا لفظ البخاري.
[ ٢٢٦ ]
يؤمهم غيره، كانوا يرونه أقرأهم، فاشتكوه إلى النبي - ﷺ - فقال: اسألُوهُ لماذا يَقْرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) مع غيرها، ولم يكتفِ بهَا، فَسَأَلُوهُ قَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا، فَقَالَ - ﵊ -: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ» (١)،
يعني كما أحب أسماءه وصفاته، وفي اللفظ الآخر قال: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» (٢)
، هذا يدل على أنه يجوز أن يقرأ في الركعة سورتين أو أكثر، لا بأس من قرأ (الفاتحة)، وقرأ بعدها (والسماء ذات البروج)، أو قرأ (والسماء والطارق) أو قرأ فيها بـ (إذا زلزلت)، و(العاديات)، و(القارعة) لا حرج، هذا الإمام الذي قرأ (قل هو اللَّه أحد)، ثم معها زيادة لا بأس بذلك، وكان النبي - ﷺ - في الغالب يقرأ سورة واحدة مع الفاتحة، وجاء عن ابن مسعود ما يدل على أنه ربما قرأ ثنتين (٣)، فالأمر في هذا واسع، كما فعله
_________________
(١) البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد اللَّه ﵎، برقم ٧٣٧٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة قل هو اللَّه أحد، برقم ٨١٣ ..
(٢) هذا حديث آخر غير حديث الباب، وهو في صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الجمع بين السورتين في ركعة، برقم ٧٧٤، ولفظه عن أنس بن مالك - ﵁ -: «كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يُقْرَأُ بِهِ، افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأُ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَقَالَ: مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ، وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَامُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّهَا، فَقَالَ: «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» ..
(٣) البخاري، كتاب الأذان، باب الجمع بين السورتين في ركعة، برقم ٧٧٥، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب ترتيل القراءة واجتناب الهذ، وهو الإفراط في السرعة، وإباحة سورتين فأكثر في ركعة، برقم ٨٢٢.
[ ٢٢٧ ]
الإمام الأنصاري هنا، فإذا قرأ الإمام بالفاتحة، وقرأ معها آيات وسورة (قل هو اللَّه أحد)، أو قرأ (قل هو اللَّه أحد) وسورة أخرى، أو سورتين غير ذلك، فالأمر في هذا واسع، لأنه تعالى قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (١).
والنبي - ﷺ - قال: «ثُمَّ اقْرَا بمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٢)، لكن [قراءة] سورة مستقلة مع الفاتحة اقتداءً به - ﷺ - في الأغلب أفضل، وإذا قرأ بعض الأحيان بسورتين، سورة وآيات مع الفاتحة، كل ذلك لا بأس فيه، ولا حرج فيه، ولا كراهة فيه، والحمد للَّه.