١٣٤ - عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ -، «أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ ــ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ ــ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -».
قال ابن عباس: «كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إذَا سَمِعْتُهُ - ﷺ -» (٢).
وفي لفظٍ، «مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلا بِالتَّكْبِير» (٣).
١٣٥ - عن وَرَّادٍ مولى المغيرة بن شُعبة قال: أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ في كِتَابٍ إلَى مُعَاوِيَةَ، أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٤).
ثُمَّ وَفَدْتُ بعد ذلك (٥) على معاوية فسمعته يأمر الناس بِذلك.
وفي لفظٍ: «كَانَ (٦) يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «عقيب».
(٢) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤١، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، بلفظه، برقم ١٢٢ - (٥٨٣).
(٣) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٢، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، بلفظه، برقم ١٢١ - (٥٨٣).
(٤) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٤، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٥٩٣.
(٥) «ذلك»: ليست في نسخة الزهيري.
(٦) في نسخة الزهيري: «وكان» بزيادة الواو.
[ ٢٧٥ ]
السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأُمَّهَاتِ، وَوَادِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ» (١).
٣٢ - قال الشارح - ﵁ -:
هذان الحديثان عن النبي - ﷺ -، كلاهما يدل على شرعية الذكر عقب الصلاة، وأنه يُرفع به الصّوت، حتى يتعلم الجاهل، ويتذكّر النّاسي.
ويظن بعض الناس: أن الأفضل السر غلط، وهذا من السنة، [بل] (٢) من السنة رفع الصوت بالذكر بعد العصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، والظهر، حتى يسمع من حول المسجد أنهم صلّوا؛ ولهذا في حديث ابن عباس - ﵄ -: «أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة»، كان على عهد النبي - ﷺ - (٣)، قال ابن عباس: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته» (٤)، أي إذا سمعوا من حول المسجد، عرفوا أن الصلاة انتهت.
وفي لفظ: «ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه - ﷺ - إلا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الاستقراض، باب ما ينهى عن إضاعة المال، برقم ٢٤٠٨، وفي كتاب الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال، برقم ٦٤٧٣، ولفظه: «إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وفي كتاب الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال، برقم ٧٢٩٢، ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، برقم ١٢ بعد الحديث رقم ١٧١٥.
(٢) ما بين المعقوفين: أضيفت لتوضيح المعنى.
(٣) رواه مسلم، برقم ١٢١ - (٥٨٣)، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٣٤.
(٤) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ١٢٢ - (٥٨٣).
[ ٢٧٦ ]
بالتكبير» (١): التكبير، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر. يعرف من حول المسجد أنهم صلوا، فهذا واضح في شرعية الجهر بالذكر عقب الصلاة، يقول: «أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ»، «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» (٢)،
«لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (٣)، «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» (٤)، بعد كل صلاة، هكذا كما جاء في حديث
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ١٢٠ - (٥٨٣).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفتها، برقم ٥٩١، ولفظه: عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ» ..
(٣) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفتها، برقم ٥٩٤، ولفظه: عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: «لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ»، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ.
(٤) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، بالأرقام. ١٣٥ - (٥٩١)، و١٣٦، ٥٩٢، و٥٩٣، و٥٩٤، وانظر: صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٤.
[ ٢٧٧ ]
المغيرة، كما هنا: ذكر لا إله إلا اللَّه، اللَّهم لا مانع لما أعطيت.
وجاء في حديث ابن الزبير عند مسلم بقية الذكر، وهو زيادة: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَاّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون» (١).
ففي هذين الحديثين: حديث المغيرة، وحديث ابن الزبير ثبت هذا الذكر العظيم، وفي حديث ابن عباس ثبت رفع الصوت بالذكر.
حديث المغيرة يدل على رفع الصوت؛ لأنه كان يسمع النبي يقول هذا، لولا أنه لم يرفع صوته ما سمعوه، فدل ذلك على أن السنة رفع الصوت بالذكر رفعًا متوسطًا، ليس فيه إزعاج، رفع متوسط، يسمعه من حول المسجد، إذا جاء عند الباب سمع أن الناس صلوا.
وفي الحديث الدلالة على أنه يكبر في الذكر يقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرة، سواء أفردها: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، سبحان اللَّه. حتى يكمل ثلاثًا وثلاثين. والحمد للَّه حتى يكمل ثلاثًا وثلاثين. واللَّه أكبر حتى يكمل ثلاثًا وثلاثين، أو جمعها يقول: «سَبْحَانَ اللَّهَ، وَالحَمْدُ اللَّهَ، وَاللَّهُ أكْبَرُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّة جميعًا، وَهذهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَالأفضلُ يقول تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قدير»؛ لأنه
_________________
(١) رواه مسلم، برقم ٥٩٤، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٣٥.
[ ٢٧٨ ]
صح عن النبي هذا عند مسلم من حديث أبي هريرة (١).
وفي حديث المغيرة الدلالة على أنه يقول: اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، أي: لا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع اللَّه، الأمر بيده - ﷾ -، هو المتصرف بالكائنات كلها، فلا مانع لما أعطى اللَّه، ولا معطي لما منع اللَّه، وهذا مثل قوله سبحانه: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢)، الأمور بيده - ﷾ -، وهكذا مثل قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (٣)، هو المتصرف بعباده كما يشاء، هو المعطي، هو المانع، هو النافع، هو الضار، هو المحي والمميت والخالق والرازق، كل شيء بيده - ﷾ -، وقوله: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، أي: ولا ينفع ذا الغنى والجد - بفتح الجيم - هذا هو الصواب في الرواية، ذا الجد منك الجد، أي لا ينفع ذا الغنى والحظ والرياسة، ونحو ذلك، جدُّهُ وحظّهُ وغناه، منك، أي: بدلًا منك يا ربنا، بل الجميع فقراء إلى اللَّه، كلهم فقراء إلى اللَّه، ما
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، برقم٥٩٧، ولفظه: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
(٢) سورة فاطر، الآية: ٢.
(٣) سورة يونس، الآية: ١٠٧.
[ ٢٧٩ ]
ينفعهم ولا يغنيهم جدُّهُم، يعني مالهم ولا ثروتهم ولا وظائفهم ولا ملكهم؛ بل كلهم فقراء للَّه جل وعلا.
وفي حديث المغيرة أن الرسول - ﷺ - «كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الْأُمَّهَاتِ، وَوَادِ الْبَنَاتِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ» (١).
وفي لفظ آخر عن المغيرة: أن النبي - ﷺ - قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَادَ الْبَنَاتِ، وَمَنَعًَا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ»، وفي اللفظ الآخر: «ويَسخطُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (٢).
[هذه زيادة في النهي من] (٣) أعظمها: عقوق الأمهات، يحرم عقوق الأمهات، والعقوق: القطيعة والإيذاء للأمهات، وهكذا الأب، لكن الأم أشد، حق الأم أعظم، فعقوقها أشد وأخطر.
_________________
(١) البخاري، برقم ٧٢٩٢، ومسلم، برقم ١٢ بعد الحديث رقم ١٧١٥، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٣٥.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، برقم ١١ - (١٧١٥)، ورواه - أيضًا- أحمد، ولفظه «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا: يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ»، وهو في الموطأ، ٢/ ٩٩٠، برقم ١٧٩٦، والبخاري في الأدب المفرد، ص: ١٥٨، ٤٤٢، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، ص ١٨٢، برقم ٢٠٧.
(٣) ما بين المعقوفين غير واضح في التسجيل؛ فإن لم يكن هذا، أو أنه: «هذه زيادة أمور في النهي من»، أو نحو ذلك.
[ ٢٨٠ ]
والأب كذلك بره واجب، وعقوقه محرم، كبيرة من كبائر الذنوب.
والواجب برهما، والإحسان إليهما، والرفق بهما، ومصاحبتهما بالمعروف، والسمع والطاعة لهما بالمعروف، وعدم رفع الصوت عليهما، وعدم إيذائهما بأي أذى: لا قولي ولا فعلي؛ كما قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (١).
وسُئِلَ النبي - ﵊ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قال: «الصلاة على وقتها»، قال: ثم أيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (٢).
وقال - ﵊ -: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» (٣).
_________________
(١) سورة الإسراء، الآيتان: ٢٣ - ٢٤.
(٢) البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، برقم ٥٢٧، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان باللَّه تعالى أفضل الأعمال، برقم ٨٥، ولفظ البخاري: «حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي».
(٣) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، برقم ٥٩٧٦، ولفظه: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ»، وهو في مسلم، كتاب الإيمان، باب الكبائر وأكبرها، برقم ٨٧.
[ ٢٨١ ]
فهذه من أعظم الكبائر، وأكبرها وأخطرها الشرك باللَّه، ثم عقوق الوالدين، ثم شهادة الزور، فينبغي الحذر دائمًا من هذه الأمور المحرمة.
وهكذا وأد البنات، وكانت الجاهلية يئدون البنات، بعض أهل الجاهلية يقتل بنته وهي حية، يخاف من العار، أو من الفقر، فيقتلها، وهذا من المنكرات العظيمة، ومن الكبائر، ومن قطيعة الرحم؛ ولهذا حرَّم اللَّه ذلك.
وهكذا بعضهم يقتل الأولاد الذكور أيضًا خشية الفقر، كما قال اللَّه جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ (١)، فالإملاق: الفقر، فبعض أهل الجاهلية يقتل الولد الذكر خوف الفقر، ويقتل البنت خوف الفقر وخوف العار، فحرم اللَّه ذلك - ﷾ - على المسلمين.
وهكذا منع وهات، أي: يمنع الحق، ويطلب ما ليس له، منع أي: يمنع الواجب من زكاة وغيرها، وهات أي: يطلب ما ليس له من الكسب الحرام، فهذا مُحرّم، فيجب على المؤمن أن يؤدي الواجب، وأن يحذر المحرم، كذا قيل، وقال: لا ينبغي للمؤمن أن يكون كثير القيل والقال؛ لأنه إذا فعل ذلك وقع في الكذب؛ ولهذا
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٣١.
[ ٢٨٢ ]
سخط اللَّه لنا قيل وقال، فالذي ينبغي للمؤمن: أن يكون حافظًا للسانه، قليل الكلام، إلا فيما ينفع، إلا في الخير، ولهذا قال النبي - ﵊ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (١)، وفي حديث معاذ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أو قال: على مناخرهم إِلَاّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» (٢)، نسأل اللَّه السلامة، وخلط الكلام فيه خطر، فينبغي للمؤمن أن يقلل الكلام، وأن يحتاط للكلام، حتى لا يقول إلا خيرًا.
وقد صحّ عن رسول اللَّه - ﵊ - أنه قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، مَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» (٣) نسأل اللَّه العافية.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، برقم ٦٠١٨، مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت، إلا عن الخير، برقم ٤٧.
(٢) أخرجه: أحمد، ٣٦/ ٣٤٥، برقم ٢٢٠١٦، والترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم ٢٦١٦، وقال: «حسن صحيح»، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، برقم ٣٩٧٣، والحاكم، ٢/ ٤١٣، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، والبيهقي في شعب الإيمان، ٤/ ١٣، برقم ٤٢٢٥، والطبراني، ٢٠/ ١٤٣، برقم ٢٩٢، وقال محققو المسند، ٣٦/ ٣٤٥: «صحيح بطرقه وشواهده»، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ١٣/ ٨٧.
(٣) صحيح البخاري في كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، بلفظ: «وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ»، وبلفظ آخر، برقم ٦٤٧٧: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ»، وهو في مسلم، برقم ٢٩٨٨.
[ ٢٨٣ ]
والخطر عظيم في الكلام، فينبغي الحذر.
كذلك إضاعة المال، لا يجوز إضاعة المال في الخمور، والمحرمات، وآلات الملاهي، وأشباه ذلك، يجب حفظ المال حتى لا يُصرف إلا في وجهه، لا تجوز إضاعته فيما لا يجوز من المسكرات أو الملاهي، أو أشياء تضر ولا تنفع، بل يجب أن يُصان المال، ويُحفظ حتى يُصرف في وجهه الشرعي.
والسادسة كثرة السؤال، وفسر بالسؤال عن العلم، وفسر بسؤال الدنيا، أما كثرة السؤال في العلم، فهذا منهي عنه، إذا كان لقصد الأغلوطات، ولإيقاع المسؤول في الأغلاط، وإيذاء المسؤول، أو لقصد إظهار جودة الفهم، وأنه يفهم، وأنه حريص على طلب العلم رياءً وسمعة؛ فينبغي له أن لا يكثر السؤال، لأن فيه خطرًا، إما أن يؤذي المسؤول، وإما أن لا يفهم هو، تكثر عليه المسائل فيغلط، ولا يفهم، فينبغي له أن يقتصد، يسأل في كل وقت ما يناسبه مع الاقتصاد، حتى لا يغلط، وحتى لا يؤذي غيره، وحتى لا يقع في الرياء، وهكذا للدنيا، لا يسأل الناس أموالهم وعنده ما يكفي، حرام على المؤمن، حرام على المسلم أن يسأل الناس أموالهم، وهو عنده ما يكفي، يقول النبي - ﷺ -: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ، أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» (١)، نسأل اللَّه العافية، فالواجب على المؤمن
_________________
(١) مسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، برقم ١٠٤١، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
[ ٢٨٤ ]
الحذر من السؤال إلا من حاجة.
وقد بينها النبي - ﷺ - في أمور ثلاثة، قال: «إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَاّ لأحد ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ»، تحمل حمالةً في الإصلاح بين الناس، في حاجة أهله غرم، وليس عنده قضاء يسأل بقدر الحاجة.
والثاني: رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ من غرق، أو حرق، أو جراد حتى ذهب ماله، ولم يبقَ عنده ما يقوم بحاله، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، حتى يصيب سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وقدر حاجته، ثم يمسك عن السؤال.
الثالث: الإنسان الذي أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَلَّتْ به مصيبة، ذهبت أمواله بسبب خسارة في التجارة، أو أسباب أخرى غير الجائحة حتى افتقر، فإذا شهد له ثلاثة من ذوي الحجا (١) من قومه أنه افتقر حلّت لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، يعني حتى يصيب سدَادًا مِنْ عَيْشٍ، يعني بقدر الحاجة، هؤلاء الثلاثة هم الذين تباح لهم المسألة، قال: ومَا سِوَى ذلك سُحْتٌ يَاكُلُه صَاحِبُه سُحْتًا». رواه مسلم في الصحيح (٢).
_________________
(١) الحجا: العقل؛ لأن العقل يمنع الإنسان من الفساد، ويحفظه من التعرض للهلاك. النهاية في غريب الحديث والأثر، ١/ ٣٤٨، مادة (حجا).
(٢) مسلم، كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة، برقم ١٠٤٤، ولفظه: عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: «أَقِمْ حَتَّى تَاتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَامُرَ لَكَ بِهَا»، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَاّ لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَاكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا».
[ ٢٨٥ ]
فهذ المسائل الثلاث هي التي تحل في السؤال، وما سواها يحرم على المؤمن تعاطيه.
١٣٦ - عن سُمَيٍّ ــ مولى أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام ــ عن أبي صالح السّمَّان، عن أبي هريرة - ﵁ -، «أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهاجرينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّه - ﷺ -، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه (١)، ذَهَبَ (٢) أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فقَالَ: «وَمَا ذَاكَ» قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَفَلا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ، إلَاّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً».
قال أبو صالحٍ: فرجع فقراء المهاجرِين إلى رسول اللَّه - ﷺ -. فقالوا:
_________________
(١) «يا رسول اللَّه»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) في نسخة الزهيري: «قد ذهب».
[ ٢٨٦ ]
يا رسول اللَّه (١)، سَمِعَ إخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -: «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
قال سُمَيٌّ: فحدثتُ بعض أهلي بهذا (٢) الحديث، فقال: وَهِمْتَ، إنما قال (٣): «تُسبحُ اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وتحمدُ اللَّه ثلاثًا وثلاثين، وتكبر اللَّه ثلاثًا وثلاثين».
فرجعتُ إلى أبي صالح، فذكرتُ (٤) له ذلك فأخذَ بيدي (٥)، فقال: «قل (٦): اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه، اللَّه أكبر وسبحان اللَّه والحمد للَّه (٧) حتى تبلغ من جميعهنَّ، ثلاثًا وثلاثين» (٨).
١٣٧ - عن عائشة - ﵂ -، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلامٌ. فَنَظَرَ إلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ. فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ
_________________
(١) «يا رسول اللَّه»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) في نسخة الزهيري: «هذا».
(٣) في نسخة الزهيري: «إنما قال ذلك» بزيادة ذلك.
(٤) في نسخة الزهيري: «فقلت».
(٥) «فأخذ بيدي»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في مسلم، برقم ٥٩٥.
(٦) «قل»: ليست في نسخة الزهيري، وليست في مسلم، برقم ٥٩٥.
(٧) «اللَّه أكبر، وسبحان اللَّه، والحمد للَّه»: الثانية ليست في نسخة الزهيري، وهي في مسلم، برقم ٥٩٥.
(٨) رواه البخاري بنحوه، كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، برقم ٨٤٣، ومسلم بلفظه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته، برقم ٥٩٥.
[ ٢٨٧ ]
صَلاتِي» (١).
الخميصة: كساء مُرَبَّع له أعلام.
والأنبجانية: كساء غليظ.
٣٣ - قال الشارح - ﵁ -:
هذان الحديثان: الأول منهما فيما يتعلق بالذكر عقب الصلاة، والثاني فيما يتعلق بالخشوع في الصلاة، والابتعاد عن كل ما يُشغل فيها.
الحديث الأول: أن فقراء المهاجرين من أصحاب النبي - ﷺ - أتوا النبي - ﷺ -، فقالوا: «يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدثور بالأجور». الدثور: الأموال، «يصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصوم، ويعتقون ولا نعتق»، فسألهم النبي عن ذلك، فأخبروه أن ذلك بسبب هذا، أنهم يصلون كما نُصلي، ويصومون كما نصوم، لكن يزيدون علينا بأنهم يتصدقون، ونحن ما عندنا مال، ويعتقون ونحن ما عندنا مال نعتق.
وفي اللفظ الآخر: «ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلا والنعيم المقيم»، قال: «وما ذاك؟» لماذا، قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، إنّا فقراء وهم عندهم مال، يستطيعون به الصدقة، وشراء العبيد والعتق، وأنّا ما عندنا شيء، فهم غبنونا وسبقونا بهذا الخير.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا صلى في ثوب له أعلام، ونظر إلى علمها، برقم ٣٧٣، واللفظ له، ومسلم بنحوه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام، برقم ٥٥٦.
[ ٢٨٨ ]
فقال - ﵊ -: «ألا أخبركم على شيء تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: تُسبحون وتحمدون وتُكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين».
هذا يدل على فضل هذا التسبيح والتحميد والتكبير بعد كل صلاة، وأنه يقوم مقام الصدقة والعتق، لمن عجز عن ذلك، وهذا من فضل اللَّه - ﷾ -.
فإن المؤمن إذا ترك العمل الصالح عجزًا عنه، وهو يحب أن يعمله ويريده لولا العجز، كتب اللَّه له مثل أجر العاملين، فضلًا منه وإحسانًا، كما في الحديث الصحيح، يقول - ﷺ -: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كتبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ وهو صَحِيح مُقِيم» (١).
وفي حديث أبي كبشة الأنماري قال النبي - ﷺ -: «الدُّنْيَا لأَرْبَعَة: رجل أعطاه اللَّهُ عِلْمًا وأعطاه مَالًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِي مالهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ أنَّ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، قال: فهو بِخير الْمَنَازِلِ، والثاني: رجل أعطاهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يعطهِ مَالًا، فَقال: لَوْ كانَ لِي من المَال مثل فلان لَعَمِلْتُ مثل عَملِه، قال: فَهذا بِنِيَّتِهِ، فَهما في الأَجْرِ سَوَاءٌ؛ لأنه عاجز، فصار بنيته الصادقة مع عجزه يُعطى مثل أجر العامل؛ هذا من فضل اللَّه وجوده وكرمه - ﷾ -، قال: ورجل آتاَهُ اللَّهُ مَالًا، وَلَمْ يُعطه
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، برقم ٢٩٩٦بلفظ: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».
[ ٢٨٩ ]
عِلْمًا، فَهُوَ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ أنَّ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، قال: هَذَا من شرِّ الْمَنَازِلِ، وَالرابع رجل لَمْ يُعطه اللَّهُ مَالًا، وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي من المَالِ مثل فلان لَعَمِلْتُ مثل عمله، يعني مثل عمله السيئ، قال: فهذا بنيته، فهما في الوزر سواء» (١).
هذا يدل على أن الإنسان إذا له نيةٌ سيئة، وهو لو قدر لعمل يكون شريكًا مساويًا لمن فعل الشر، والعياذ باللَّه، ولهذا في الحديث الصحيح: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، قيل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا القَاتِلُ، فَمَا شأن المَقْتُولِ؟ قَالَ: «لأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (٢)، فاستويا في العقوبة، نسأل اللَّه العافية.
_________________
(١) أخرجه أحمد، ٢٩/ ٥٦٢، برقم ١٨٠٣١ بلفظ: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، قَالَ: فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، قَالَ: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا؟ قَالَ: فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ عَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قَالَ: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، قَالَ: وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا، وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، قَالَ: وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالًا، وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، قَالَ: هِيَ نِيَّتُهُ، فَوِزْرُهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ»، وهو في الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، برقم ٢٣٢٥، وقال: «حسن صحيح»، وحسن إسناده محققو المسند، ٢٩/ ٥٦٢، وصححه لغيره العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ١/ ٥، برقم ١٦.
(٢) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾، برقم ٣١، ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، برقم ٢٨٨٨، ولفظه: عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: «ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
[ ٢٩٠ ]
وفي هذا أن فقراء المهاجرين لما عجزوا عن الصدقة والعتق؛ صار تسبيحهم وتحميدهم وتكبيرهم ونيتهم الصالحة قائمة مقام ذلك، وصاروا مثلهم في الأجر.
قال الفقراء لما رجعوا إلى النبي - ﷺ -: إن إخواننا أهل الأموال سمعوا بما قلت لنا، فعملوا مثل عملنا، قال النبي: «ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء».
يعني سمع التجار من الصحابة والأخيار من الصحابة من الأثرياء، سمعوا ما قاله النبي - ﷺ - للفقراء من التسبيح والتحميد والتكبير، ففعلو أيضًا مع ما قاموا به من الصدقة والإحسان والعتق، هذا فضل اللَّه يؤتيه من يشاء - ﷾ -.
ففي هذا الحديث الحث على الإكثار من الذكر، ويقوم مقام الصدقات، ويقوم مقام العتق، وله فضل عظيم.
يقول النبي - ﷺ -: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» (١).
ويقول: «أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» (٢).
ويقول: «الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ: سُبْحَانَ اللَّه، وَالْحَمْدُ للَّه، ولَا إِلَهَ إِلَاّ
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء، برقم ٢٦٩٥.
(٢) رواه مسلم، كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة، وبنافع ونحوه، برقم ٢١٣٧.
[ ٢٩١ ]
اللَّهُ، وَالله أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِالله» (١).
ويقول - ﷺ -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» (٢).
هذا فضل كبير، فيُستحب للمؤمن والمؤمنة بعد كل صلاة أن يقول: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر ثلاثًا وثلاثين مرة يعقدها، سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرة، الجميع تسعة وتسعون، وإن أفردها قال: سبحان اللَّه ثلاثًا وثلاثين مرة، والحمد للَّه ثلاثًا وثلاثين، واللَّه أكبر ثلاثًا وثلاثين؛ فلا بأس، لكن جمعها أيسر
_________________
(١) رواه مالك، ٢/ ٢٥٩، برقم ٧١٥: «حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ عُمَارَةَ بْنِ صَيَّادٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ: إِنَّهَا قَوْلُ الْعَبْدِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللَّهِ»، وأخرجه الإمام أحمد، ٣٠/ ٢٩٩، برقم ١٨٣٥٣: «عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ خَفَضَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِي السَّمَاءِ شَيْءٌ، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَمَالَأَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَا أَنَا مِنْهُ، وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ يُمَالِئْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَهُوَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، أَلَا وَإِنَّ دَمَ الْمُسْلِمِ كَفَّارَتُهُ، أَلَا وَإِنَّ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ هُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»، وهو في السنن الكبرى للنسائي، كتاب صلاة العيدين، القراءة في العيدين، برقم ١٠٦١٧: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «خُذُوا جُنَّتَكُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ عَدُوٍّ قَدْ حَضَرَ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ جُنَّتُكُمْ مِنَ النَّارِ قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَإِنَّهُنَّ يَاتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُجَنِّبَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ، وَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ»، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، ٢/ ١١٢، برقم ١٥٦٧.
(٢) رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح، برقم ٦٤٠٦، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل التهليل، والتسبيح، والدعاء،، برقم ٢٦٩٤.
[ ٢٩٢ ]
عليه وأضبط، ثم يقول تمام المائة: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، جاء هذا في حديث آخر عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي أنه قال: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (١).
هذا يدل على فضل هذا الذكر، وأن العبد إذا قاله عن صدق، وعن إخلاص، وعن إيمان، وعن عدم إصرار على الذنوب، كفّر اللَّه له خطاياه.
وهذا في أحاديث الفضائل من أحاديث الرجاء، فينبغي للمؤمن والمؤمنة استعمال ذلك، ولزوم ذلك عقب الصلوات رجاء هذا الفضل العظيم (٢).
الحديث الثاني [] (٣): يدل على أنه ينبغي للمصلي أن تكون ملابسه بعيدة عما يشغله عن الصلاة، ويؤذيه، ويشوش عليه خشوعه،
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته، برقم ٥٩٧.
(٢) آخر الوجه الأول من الشريط السادس.
(٣) ما بين المعقوفين حصل سقط يسير «ومن بقيته» ليس فيها نقوش، فأحب - ﵊ - أن تكون بدلًا من تلك التي فيها النقوش؛ لأنها قد تشغل المصلي بالنظر إليها، هذا».
[ ٢٩٣ ]
وهكذا مصلاه يكون سادة ليس فيه ما يشوش عليه، هذا هو الأفضل، الأفضل أن يتحرَّى الملابس التي لا تشغله في الصلاة، ولا تشوش عليه خشوعه، وهكذا المُصلَّى تكون السجادة التي يصلي عليها ما فيها نقوش تشغله عن الصلاة، وهكذا في المساجد تكون السجادات ليس فيها نقوش، هذا هو الأفضل، حتى لا يشتغل بها المصلون بالنظر إليها أو التفكير فيها، الصلاة صحيحة، لكن ترك هذا أفضل؛ كونه يصلي في ملابس ليس فيها ما يشغله، ويصلي على بساط أو سجادة ليس فيها ما يشغله، هذا هو الأفضل، وهذا هو الأكمل.