١٧٦ - عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: «إنَّك سَتَاتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (١).
١٧٧ - عن أبي سعيد الْخُدْرِي - ﵁ - قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» (٢).
٤٥ - قال الشارح - ﵀ -:
هذان الحديثان يتعلقان بالزكاة، والزكاة حق المال، وهي فرض من الفرائض، وركن من أركان الإسلام الخمسة؛ فإن اللَّه جل وعلا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، برقم ٤٣٤٧، واللفظ له، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، برقم ١٩.
(٢) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب من أدى زكاته فليس بكنز، برقم ١٤٠٥، ومسلم، كتاب الزكاة، برقم ٩٧٩، واللفظ له مع تقديم بعض الجمل على بعض.
[ ٣٦٤ ]
بنى هذا الدين على خمسة أركان، أعظمها، وأهمها، وأساسها: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه: عن علمٍ، ويقين، وصدق، وإخلاص في ذلك، ثم يلي ذلك الصلاة، ثم الزكاة، والزكاة لها شأن عظيم، وهي طُهرة للمزكي، وطُهرة ماله؛ كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (١)، من الزكا وهو النمو، فالزكاة تنمي المال، وتكون سببًا للبركة فيه، وسلامته من الآفات، والواجب على كل مؤمن، وعلى كل مؤمنة مَلَكَ نصاب الزكاة أن يُزكِّي إذا حال عليه الحول، وفي ذلك أيضًا مصالح أخرى من جهة إخوانه الفقراء، وغيرهم من أصناف الزكاة، يُحسن إليهم، ويجود عليهم مما أعطاه اللَّه، فيؤدي حق اللَّه، ويسعى في رضاه، وفي بركة ماله وسلامته، ومع هذا ينفع: الضعيف من فقراء ومساكين، والمؤلفة قلوبهم، وعتق الرقاب، والغارمين، وفي الجهاد في سبيل اللَّه، وفي أبناء السبيل: فيه مصالح عظيمة في هذا المال.
وفي حديث ابن عباس المذكور بيان أن الداعي إلى اللَّه جل وعلا الذي يوجه إلى الكفار، أو يتوجه إلى الكفار، يدعوهم، يبدأ بالأمر الأول؛ لأنه الأساس، فلا زكاة ولا صلاة ولا غير ذلك، إلا بعد الأساس، بعد صحة التوحيد، والدخول في الإسلام؛ ولهذا أمر النبي - ﷺ - معاذًا أن يبدأ أهل اليمن بالدعوة إلى توحيد اللَّه، قال: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب» أي اليهود والنصارى، كان أهل اليمن في ذاك الوقت
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.
[ ٣٦٥ ]
يهود ونصارى، فأمره أن يبدأهم بالتوحيد قبل كل شيء، فيدعوهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، عن إيمان وصدق، وأن محمدًا رسول اللَّه، عن إيمان وصدق، فإذا فعلوا ذلك، طُلب منهم أن يصلوا؛ ولهذا ذكر أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وفي اللفظ الآخر: «فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه» (١)، وفي اللفظ الآخر: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا اللَّه» (٢)،
وفي اللفظ الآخر: ﴿فادعهم إلى أن يوحِّدوا اللَّه» (٣).
فهي ألفاظ متقاربة المعنى، يفسِّر بعضها بعضًا، والمعنى: أنه يدعوهم إلى توحيد اللَّه، والإخلاص له، وهو معنى لا إله إلا اللَّه، ويدعوهم إلى الإيمان بالرسول - ﷺ -، الذي بعثه اللَّه رحمةً للعالمين؛ لأنه أُرسل إلى جميع الناس الثقلين: الجن، والإنس، وأن عليهم متابعته، واتّباعه، والاستقامة على ما جاء به، فإذا آمنوا بهذا وصدقوا، والتزموا بتوحيد اللَّه، والإيمان بالرسول
_________________
(١) البخاري، برقم ٤٣٤٧، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٧٦.
(٢) البخاري، برقم ١٤٥٨، ومسلم، برقم ٣١ - (١٩)، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ١٧٦ ..
(٣) البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد اللَّه ﵎، برقم ٧٣٧٢، ولفظه: «عن ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ».
[ ٣٦٦ ]
- ﵊ -، يُدعون إلى الصلاة: «فإن أجابوا لذلك فأخبرهم أن اللَّه تعالى قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة»، الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، يُخبرهم بها بعد ذلك، ويدعوهم إلى الالتزام بها، والاستقامة عليها، فإذا أجابوا لذلك دعاهم إلى الزكاة، وأخبرهم بها، وأنصبائها، وكيفية أدائها، وبيان المؤدَّى ما هو، ثم قال: «تؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم»؛ لأن الزكاة مواساة وإحسان إلى الفقراء، وإحسان من الأغنياء، فهي شكر من الأغنياء ومواساة للفقراء، وذكر الفقراء؛ لأنهم أعم أصنافها، وأهمهم؛ ولهذا بدأ اللَّه بهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية (١)، وهم أعم الأصناف وأهم الأصناف، ثم قال: «فإن هم أجابوا لذلك، فإيَّاك وكرائم أموالهم» يعني إذا وافقوا على التوحيد والصلاة والزكاة «فإياك وكرائم أموالهم» احذر أن تظلمهم، خذ من أوساط أموالهم ولا تأخذ الكرائم إلا برضاهم إذا أذنوا، فلا بأس، والكريمة البالغة في الحسن في النهاية؛ لأن المال أقسام ثلاثة: وسط، حقير، كريم.
فالزكاة من الوسط، فلا تُؤخذ من الحقير الدنيء، ولا من الأكمل، ولكن من الوسط، فإذا كان فيه: إبل، وغنم، وبقر ذات لبن، أو ذات سمن زائد، أو ذات قيمة غالية، فلا يأخذ منه، يأخذ من
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: ٦٠.
[ ٣٦٧ ]
الوسط، إلا أن تطيب نفوسهم بالطيِّب والغالي، فهذا يقبل منهم إذا طابت به النفوس، وإلا فليتحرَ الوسط من الأمور.
ثم قال: «واتق دعوة المظلوم» لا تتساهل في هذا، واحذر أن تظلم أحدًا؛ لأن دعوة المظلوم مستجابة فاحذر، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب، يعني بل ترفع إلى اللَّه - ﷿ -، وصاحبها موعودٌ بالنصر، فينبغي للمؤمن الحذر من دعوة المظلوم، والحرص على تحرِّي العدل في كل أموره، ولاسيما الرؤساء والأمراء؛ فإنهم على خطرٍ، فالواجب أن يتحرّوا العدل، ويبتعدوا عن الظلم.
وفي الحديث الثاني حديث أبي سعيد الدلالة على أنصباء الزكاة: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» من الحبوب والثمار، «وليس فيما دون خمس أواق صدقة» من الفضة، «وليس فيما دون خمس ذودٍ من الإبل صدقة»، يعني أقل نصاب الإبل خمس سائمة راعية، فإذا كانت أقل فليس فيها زكاة، إلا إذا كانت للتجارة للبيع والشراء؛ يزكيها زكاة تجارة، أما إذا كانت للدَّرِّ والنسل فليس فيها زكاة، إلا إذا كانت خمسًا فأكثر ففيها شاة واحدة، حتى تبلغ عشرًا، فإذا بلغت عشرًا صار فيها شاتان إلى خمس عشرة، فإذا صارت خمسة عشر صار فيها ثلاث شياه إلى عشرين، فإذا بلغت عشرين، ففيها أربع شياه، وإذا صارت خمسًا وعشرين صار فيها من الإبل، ففيها رأس من الإبل صغير بنت مخاض، تم لها سنة، فإن لم توجد
[ ٣٦٨ ]
فابن لبون تمَّ له سنتان، ثم هكذا تتدرج الفرائض في الإبل، كما هو مبين في الأحاديث الصحيحة، وفي كلام أهل العلم: والغنم أقل نصابها أربعون، والبقرة أقل نصابها ثلاثون فأكثر، أما النقود [فالنصاب] خمس أواق من فضة، أي مئتا درهم مقدارها بالريال السعودي ستة وخمسون ريالًا من فضة، فيها مقدار خمس أواق، مئتان من الدرهم، الدرهم الإسلامي في عهد النبي - ﷺ -، إلا أنه صغير.
فالنصاب من الفضة ستة وخمسون ريالًا من فضة، قيمتها تعادل مائة وأربعين مثقالًا، وما يقوم مقامها من العُمل تجب فيه الزكاة ما يساوي ستة وخمسين ريالًا من الفضة تجب فيه الزكاة، وهكذا كل ما زاد فيه الزكاة، سهم من أربعين: ربع العشر: سهم من أربعين سهمًا (١) في الألف، خمسة وعشرون، وهكذا ربع العشر.
أما الحبوب، فالنصاب فيها خمسة أوسق، والوَسْق ستون صاعًا بصاع النبي - ﷺ -، فيكون الجميع ثلاثمائة صاع، هذا نصاب الحبوب، والثمار، كالتمر، والزبيب خمسة أوسق، أي ثلاثمائة صاع بصاع النبي - ﷺ -، وصاع النبي أربع حفنات بيدين معتدلتين؛ مملوءتين، أربع تعتبر صاعًا بصاع النبي - ﷺ -، وهو أقل من صاعنا المعروف قليلًا.
فإذا بلغت الحبوب ثلاثمائة صاع بصاع النبي - ﷺ - وجبت فيها الزكاة، وهكذا التمور، والزبيب مثل الحبوب، فإذا كان أقل من ذلك، فليس فيه شيء إذا كان عنده أقل من ثلاثمائة صاع، فليس
_________________
(١) [في المائة: اثنان ونصف، وفي المائتين خمسة، وفي: الخمسمائة اثنا عشر ونصف].
[ ٣٦٩ ]
فيها زكاة، وهذا من رحمة اللَّه؛ لأن ما كان أقل قد يحتاج الإنسان صاحب الحراثة لأكله، وحاجاته، وليس فيه سعة للزكاة، فإذا بلغ خمسة أوسق ثلاثمائة صاع صار محلًاّ للزكاة، كل ما زاد، هكذا سواء كان حنطة، أو شعيرًا، أو ذرة، أو غير ذلك بعد التصفية، بعدما يدوسهُ، ويصفِّيه يخرج زكاته للفقراء، والمساكين، ومن في حكمهم، وهذا من رحمة للَّه بعباده: أن جعل في أموال أغنيائهم سدًا لحاجة فقرائهم، وهذا يوجب التعاون لدى الجميع، والعطف من غنيهم على فقيرهم، وهو مما يسبب المحبة بينهم، وهذا يعطف على أخيه بالزكاة، ويسد حاجته، فالمُعْطى يجد في ذلك أثرًا في قلبه، ومحبة المعطي، وتقديرًا لإحسانه إليه، فالزكاة فيها مواساة، وفيها تعاون، وفيها إزالة للشحناء، والضغائن، وفيها التحبب إلى الفقراء، وبهذا يكون المجتمع مجتمعًا متعاونًا بين غنيه وفقيره، بسبب عطف الغني على الفقير، وإحسانه إليه.
١٧٨ - عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» (١).
وفي لفظٍ «إلَاّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ» (٢).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب ليس على المسلم في فرسه صدقة، برقم ١٤٦٣، وباب ليس على المسلم في عبده صدقة، برقم ١٤٦٤، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، برقم ٩٨٢، واللفظ له.
(٢) لم أجد هذا للفظ في الصحيحين، وإنما الذي عند مسلم دون البخاري: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر»، مسلم، برقم ١٠ - (٩٨٢)، وأما اللفظ الذي ذكره المصنف - ﵀ - فرواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب صدقة الرقيق، برقم ١٥٩٤، وأخرجه من طريقه البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ١١٧، برقم ٧٦٥٢، وصححه الألباني في صحيح أبي داود،
(٣) / ٣٠١، برقم ١٤٢٠.
[ ٣٧٠ ]
١٧٩ - عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسولَ اللَّه - ﷺ - قال: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ» (١).
الْجُبار: الهدر الذي لا شيء فيه.
والعجماء: الدابَّة.
١٨٠ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ عَمُّ النبيِّ - ﷺ - (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَاّ أَنْ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ تَعَالى، وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ (٣) احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا» ثُمَّ قَالَ (٤): «يَا عُمَرُ، أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟» (٥).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب في الركاز الخمس، برقم ١٤٩٩، واللفظ له، ومسلم، كتاب الحدود، باب جرح العجماء جبار، والمعدن والبئر جبار، برقم ١٧١٠، بلفظ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ».
(٢) في نسخة الزهيري: «عم رسول اللَّه - ﷺ -».
(٣) في نسخة الزهيري: «وقد».
(٤) في نسخة الزهيري: «قال رسول اللَّه - ﷺ -».
(٥) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ والغارمين وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، برقم ١٤٦٨، ومسلم، كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، برقم ٩٨٣، واللفظ له، إلا أن فيه: «فهي علي ومثلها معها» فمعها لم تذكر في متن العمدة. ولفظ البخاري: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ: فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهِيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا " تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، «هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
[ ٣٧١ ]
١٨١ - عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني (١) - ﵁ - قال: «لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّه - ﷺ - (٢) يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ، وَفِي (٣) الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ (٤)، إذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَاّلًا فَهدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: «مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّه - ﷺ -؟» قال: كلما قال شيئًا (٥) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: «لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ: جِئْتَنَا بكَذَا (٦) وَكَذَا، أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ (٧)
إلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ
_________________
(١) «المازني»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) في نسخة الزهيري: «رسول اللَّه - ﷺ -».
(٣) في نسخة الزهيري: «في» بدون واو.
(٤) «في أنفسهم»: ليست في نسخة الزهيري.
(٥) «قال: كلما قال شيئًا»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٤٣٣٠.
(٦) في نسخة الزهيري: «كذا وكذا»، وهي هكذا في البخاري، برقم ١٣٣٠.
(٧) في نسخة الزهيري: «وتذهبون بالنبي - ﷺ -»، وهي هكذا في البخاري، برقم ٤٣٣٠ ..
[ ٣٧٢ ]
الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ» (١).
٤٦ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الأربعة تتعلق بالزكاة، والأخير يتعلق بالدين.
الحديث الأول يقول الرسول - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»، وفي لفظ: «إلَاّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ».
معنى هذا أن الخيل ليس فيها زكاة، وهكذا الحمير، والبغال ليس فيها زكاة، إنما الزكاة في الإبل، والغنم، والبقر إذا كانت سائمة، أما الخيل، والبغال فهي عَفْوٌ من اللَّه - ﷿ -، وهكذا الحمير كلها، ليس فيها زكاة، وهكذا العبيد المماليك ليس فيهم زكاة إلا زكاة الفطر، لكن إذا كانت الخيل، أو الحُمُر، أو البغال، أو العبيد للتجارة والبيع والشراء، ففيها زكاة التجارة: كسائر العروض التي يشتريها الإنسان للبيع والشراء، فإذا اشترى خيلًا، أو بِغالًا، أو حميرًا، أو عبيدًا للبيع والتجارة، فهذا فيه زكاة التجارة، كلما حال الحول تقوَّم وتزكى قيمتها، أما إذا كانت الخيل للقُنية والاستعمال، أو الجهاد، أو العبيد للخدمة، أو البغال والحمير للخدمة والاستعمال، فليس فيها زكاة، بل هي عرض.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، برقم ٤٣٣٠، بلفظه، إلا أحرفًا يسيرة، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه، برقم ١٠٦١، ورقم ١٠٥٩.
[ ٣٧٣ ]
الحديث الثاني عن الرسول - ﷺ -: «الْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ».
معنى جبار: هدر، أي ليس فيه شيء، البئر ليس فيها شيء، لو سقط فيها أحد، جبار: هدر، وهكذا العجماء إذا نطحت أحدًا، أو وطئت أحدًا، جبار: هدر؛ لأنها لا عقل لها، والمعدن كذلك إذا حفر الناس إلى المعادن إن سقط فيها شيء، أو مات فيها عابرٌ: فهدرٌ ليس فيه شيء، إلا إذا ثبت أن الإنسان فرّط في ذلك، إذا ثبت أن الإنسان فرط في ذلك، حفر بئرًا في طريق المسلمين، ولم يحطها، ولم يفعل شيئًا يمنع الناس من خطرها، فيضمنها، أما إذا كانت في محلِّه، في أرضه، في مزرعته، أو في محلٍ بعيد عن خطر المسلمين فهي جبار.
وهكذا المعدن، إذا كان ليس في محلِّ طريقِ المسلمين، فهو هدر، وهكذا الدابة، إذا كان ما معها أحد، ووطئت أحدًا، أو عضت أحدًا، وما أشبه ذلك ليس فيها؛ لأنها لا تكليف عليها إلا إذا عرف صاحبها أنها تؤذي الناس، كعروشٍ (١)
تؤذي الناس؛ فإن عليه إمساكها، وحفظها، فإذا أهملها يضمن ما يحصل بعملها، وكذلك إذا جعلها حول الزروع، وأطلقها حول الزروع يضمن؛ لأنه حين أطلقها حولها مفرط، فعليه الضمان، كما في الحديث سئل النبي - ﷺ - عن المواشي،
_________________
(١) الدابة العروش عند العامة: هي التي تعض الناس بأسنانها. وفي لسان العرب، ٦/ ٣١٣، مادة (عرش): العروش: جمع عرش: يقال: الكلب إِذا خَرِقَ فلم يَدْنُ للصيد: عَرِشَ.
[ ٣٧٤ ]
قال: «إذا كانت في النهار فلا ضمان، وإن كان في الليل فعلى أهلها الضمان» (١)، لكن إذا أطلقت حول الزروع فهي مثل الليل، إذا كان صاحبها متعديًا مفرطًا، ومن رعى حول الحمى أوشك أن يقع فيه.
أما الركاز، وهو من دفن الجاهلية، الأموال التي يدفنها الجاهلية من الكفار: ذهب، أو فضة، أو أوانٍ، أو سلاح، ويجده المسلمون، ففيه الخمس لبيت المال، ولصاحبه الباقي لمن وجده، فمن وجد في خربةٍ، أو أرضٍ كنزًا عليه علامة الكفار فيكون له عدا الخمس فيكون لبيت المال.
والحديث الثالث حديث أبي هريرة في قصة خالد، والعباس وابن جميل: كان النبي - ﷺ - بعث عمر على الصدقة، فقيل للنبي - ﷺ -: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد - ﵁ -، والعباس عم النبي - ﷺ - فقال النبي - ﷺ - لما أخبر بهذا: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إلَاّ أَنْ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ »، ما له عذرٌ، فالواجب عليه أن يؤدي الزكاة كون اللَّه أغناه، هذا يوجب فيه شكر اللَّه، وأداء الزكاة، أما خالد فإنه فقير ما عنده شيء، أدراعه وأعتاده كلها قد وقفها في سبيل اللَّه. فليس عنده
_________________
(١) في سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب المواشي تفسد زرع قوم، برقم ٣٥٦٩، ورقم ٣٥٧٠، وفي مسند أحمد، ٣٩/ ١٠٢، برقم ٢٣٦٩٧، وصحيح ابن حبان، ١٣/ ٣٥٤، وصححه مرسلًا محققو المسند، ٣٩/ ١٠٢، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ٨/ ٣٩٩، برقم ٦٠٠٨: عَنْ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا، فَأَفْسَدَتْ فِيهِ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ حَفِظَهَا بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ».
[ ٣٧٥ ]
شيء، ولهذا قال: «إِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، أي ليس من أهل الزكاة، ليس عنده شيء يُزَكَّى، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ: فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا» تحمَّلها النبيُّ - ﵊ - عنه، وقَالَ: «إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ؟»، تسلف النبي - ﷺ - زكاة العباس من العباس، وفي رواية أنها كانت عليه، قال: إنها عليَّ ومثلها، أي اقترضها من ابن عباس، والمشهور أنه تحملها، قال: هي عليَّ ومثلها، تحملها عن عمه - ﵊ -، وفي رواية: «أنه استسلف منه الزكاة عامين» (١)،
فتلك لها معنى، وهذه لها معنى، فلما قال: هي عليَّ ومثلها. قال لعمر: «إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» (٢)، فيدل على أنه فعل برًا به، وصلةً له؛ لأنه صنو الأب.
أما الحديث الرابع: حديث عبداللَّه بن زيد الأنصاري [فهذا] (٣)
في قصة حنين؛ لما أفاء اللَّه على نبيه غنائم كبيرة من أهل الطائف، نفَّل بعض الناس من العرب، والمهاجرين من الأموال والعبيد بعد الفتح، ومن رؤساء العرب نفَّل لهم، هذا يُعطَى مائة من الإبل، وهذا يُعطى خمسين
_________________
(١) روى البيهقي في السنن الكبرى، ٤/ ١١١: عَنْ حُجْرٍ الْعَدَوِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ وَخَالَفَهُ فِي لَفْظِهِ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لِعُمَرَ: «إِنَّا قَدْ أَخَذْنَا مِنَ الْعَبَّاسِ زَكَاةَ الْعَامِ عَامَ الأَوَّلِ »، وعَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - مُرْسَلًا أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ - ﵁ - فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: «إِنَّا كُنَّا قَدْ تَعَجَّلْنَا صَدَقَةَ مَالِ الْعَبَّاسِ لِعَامِنَا هَذَا عَامَ أَوَّلَ» .. قال البيهقي: «وَهَذَا هُوَ الأَصَحُّ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ»، وفي رواية للبيهقي مرفوعًا: «إِنَّا كُنَّا احْتَجْنَا فَاسْتَسْلَفْنَا الْعَبَّاسَ صَدَقَةَ عَامَيْنِ»، وروى أيضًا: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَعَجَّلَ مِنَ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ عَامٍ، أَوْ صَدَقَةَ عَامَيْنِ»، البيهقي، ٤/ ١١١، وجاء معناه عند ابن خزيمة في صحيحه، ٤/ ٤٩، في آخر روايات حديث رقم ٢٣٣٠.
(٢) البخاري، برقم ١٤٦٨، ومسلم، برقم ٩٨٣، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٨٠.
(٣) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة، والأظهر أنها: «فهذا» ..
[ ٣٧٦ ]
من الإبل، وهذا يُعطى كذا، نفَّل لهم تأليفًا لقلوبهم، ولِما ثبت عنه - ﷺ - من إعطاء المؤلفة قلوبهم، وكما فرض اللَّه لهم في الزكاة تأليفًا لقلوبهم، وحتى يستقيموا على الدين، وحتى يسلموا للَّه، وحتى يقوى إيمانهم؛ لأنهم رؤوساء مَتبعون، فلما فعل ذلك - ﵊ -، وجد الأنصار في أنفسهم بعض الشيء، قالوا: يعطي هؤلاء ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم يوم حُنين، فلما بلغه ذلك جمعهم - ﵊ -، وخطبهم وقال: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَاّلًا فَهُدَاكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي؟» كلما قال شيئًا قالوا: اللَّه ورسوله أمنّ، يعني المنَّة للَّه ورسوله - ﷺ -، أنت صادق، قال - ﵊ -: «أَمَا إنَّكُمْ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا: أجبتموني، لو شئتم لأجبتموني»، ولكن تأدبوا ولم يجيبوا - ﵃ - وأرضاهم، وفي رواية: أنه قال: «لَوْ شِئْتُمْ لقُلْتُمْ: جِئْتَنَا طَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَفَقِيرًا فَوَاسَيْنَاكَ، وَذَلِيلًا فَنَاصَرْنَاكَ»، لكنّهم لم يقولوا هذا تأدبًا مع النبي - ﵃ -، جاء من مكة هاربًا من أهل مكة، هاربًا من القتل، فأواه الأنصار، وآووا أصحابه، ونصروهم، وأشركوهم في أموالهم - ﵃ - وأرضاهم. كما قال - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١)
- ﵃ - وأرضاهم، ثم قال: يا معشر الأنصار: سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثْرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ، أي
_________________
(١) سورة الحشر، الآية: ٩ ..
[ ٣٧٧ ]
سوف تجدون بعدي من يستأثر عليكم في الأموال من الولاة فاصبروا، ثم قال: «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا أو شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالبعيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلَى رِحَالِكُمْ؟» أي إلى المدينة، ثم قال: «الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ» (١)، الشعار ما يلي الجسد، والدثار ما فوق ذلك.
فرضوا - ﵃ - وأرضاهم، واطمأنوا بهذا الكلام، الذي قاله لهم - ﵊ -، وزال ما في النفوس من بعض الأحداث، الذين تكلموا في هذا - ﵃ - وأرضاهم.
المقصود أنه بيَّن لهم ميله إليهم، ومحبته لهم، ومنزلتهم عنده، أنه لولا الهجرة لكان امرأً من الأنصار - ﵃ - وأرضاهم، فقال: «الأنصار شعار والناس دثار، لو سلك الناس واديًا وشعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم»، كل هذا فيه تطييب لنفوسهم، والدلالة على منزلتهم العظيمة عنده، ليذهب ما في قلوب بعض شبابهم من التأثر.
وفي هذا دلالة، أنه ينبغي لولاة الأمور عند وجود الاعتراض من بعض الناس، وعند وجود نزاع من بعض الناس، أن يُبيّنوا العلَّة، وأن يستطيبوا النفوس، وأن يُطفئوا الفتنة بالكلام الطيب، والأسلوب الحسن، وبيّن لهم - ﷺ - أنه أعطى أولئك الرؤساء يتألفهم على الإسلام، ليجمع قلوبهم عليه، لئلا يختلفوا، ولئلا ينكروا، المال
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ١٠٥٩، ورقم ١٠٦١، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٨١.
[ ٣٧٨ ]
وزَّعه - ﷺ - لمصلحة الإسلام والمسلمين؛ فلهذا طيَّب نفوسهم، واعتذر لهم بهذا العذر الواضح، وبيّن لهم منزلتهم عنده، وأن لهم المنزلة العالية الرفيعة، وذلك بما يطيب النفوس، ويزيل ما قد يقع في نفس بعض الشباب من استئثار.