١٥٩ - عن عبد اللَّه بن عُمر بن الخطاب - ﵄ - قال: «صَلَّى بِنَا (١) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ التي لَقيَ فِيهَا الْعَدُوَّ (٢)، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآخَرُونَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وَقَضَتِ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَة» (٣).
١٦٠ - عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوَّات بن جُبير، عَمَّنْ صلّى مع رسول اللَّه - ﷺ - صلاة ذاتِ الرِّقَاع، صلاة الخوف، «أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ
_________________
(١) «بنا»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) «التي لقي فيها العدو»: ليست في نسخة الزهيري.
(٣) رواه البخاري، كتاب صلاة الخوف، باب صلاة الخوف، برقم ٩٤٢، وزاد في آخره، برقم ٤٥٣٥: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا»، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: «لَا أُرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - ﵄ - ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -»، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف، برقم ٣٠٦ - (٨٣٩)، وزاد في آخره: «وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَصَلِّ رَاكِبًا، أَوْ قَائِمًا تُومِئُ إِيمَاءً».
[ ٣٣١ ]
قَائِمًا، فَأَتَمُّوا (١) لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» (٢).
الرَّجُلُ (٣) الذي صَلَّى مَعَ رسول اللَّه - ﷺ -: هو سَهْل بن أبي حَثْمَة (٤).
١٦١ - عن جابر بن عبداللَّه الأنصاري - ﵄ - قال: «شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه - ﷺ - صَلاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ، صَفٌّ (٥) خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا. ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ. وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ ــ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى ــ وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ -
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «وأتموا»، وهي في البخاري، برقم ٤١٢٩، ومسلم، برقم ٨٤٢.
(٢) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، برقم ٤١٢٩، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، بلفظه، برقم ٨٤٢.
(٣) «الرجل»: ليست في نسخة الزهيري.
(٤) انظر: فتح الباري، ٧/ ٤٢٢
(٥) «صفٌّ»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في صحيح مسلم، برقم ٨٤٠.
[ ٣٣٢ ]
السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النبيُّ - ﷺ -. وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا».
قال جابر: «كَمَا يَصْنَعُ حَرَسُكُمْ هَؤُلاءِ بِأُمَرَائِهِمْ»، ذكره مسلم بتمامه (١).
وذكر البخاري طَرَفًا منه، «وَأَنَّهُ صَلَّى صَلاةَ الْخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْغَزْوَةِ السَّابِعَةِ، غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ» (٢).
٤٠ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بصلاة الخوف، وصلاة الخوف لها أحوال، ولها أنواع، فعلها النبي - ﵊ - إذا كان في الإمكان الصلاة والعدو حاضر، أما إذا كان ليس في الإمكان الصلاة والعدو قد خلط الناس بالقتال؛ فإنها تؤجل حتى ينتهي الحرب، ويتمكن كل مسلم من الصلاة، أما إذا أمكن أن يصلوا وهم وِجَاه العدو، كما كان في عهد النبي - ﷺ -[] (٣)؛ فإنه صلاها على أنواع:
منها ما ذكره ابن عمر - ﵄ -، وهو أنهم «صفوا خلف النبي - ﷺ -، وصلوا معه ركعةً، صاروا طائفتين: طائفة بقيت تحرس وتقابل العدو: وطائفة صفت معه: فلما صلت ركعةً ذهبت للحراسة: وقضت لنفسها ركعة بعد ذلك بعد سلامه - ﷺ -، ثم جاءت الطائفة
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف، بلفظه، برقم ٨٤٠.
(٢) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، برقم ٤١٢٥.
(٣) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة، وهي: «كان في العهد الأول»، وبعدها كلمة كأنها: «على التسياح الأول»، ولكن سقوطها لا يؤثر على المعنى.
[ ٣٣٣ ]
الأخرى فصلت معه ركعةً: ثم ذهبت تحرس وقضت كل واحدة لنفسها ركعة» (١). هذه حالة.
والحال الثانية: أنهم صلوا معه - ﷺ -، صلت الطائفة الأولى معه ركعة، ثم أتمت لنفسها وهي معه، ولما سلمت ذهبت تحرس، ثم جاءت الطائفة الأخرى وصلت معه الركعة الثانية وهو واقف، فلما انتهى من ركعته وجلس للتشهد، قاموا فأتموا لأنفسهم، ثم جلسوا وسلموا معه بسبب العذر، فصار قضاؤهم الركعة الثانية قبل أن يُسلم (٢)، [] (٣).
وهناك نوع ثالث لم يذكره المؤلف وهو أنه صلى بكل واحدة ركعة فقط، ولم يقل شيئًا، وصلى ركعتين هو، فالإمام له ركعتان، وكل طائفة ركعة (٤).
[] (٥)، وركع بهم جميعًا، ثم انحدر بالسجود، ومعه الصف
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ٩٤٢، ومسلم، برقم ٨٣٩، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٥٩.
(٢) البخاري، برقم ٤١٢٩، ومسلم، برقم ٨٤٠، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٦٠.
(٣) ما بين المعقوفين: ثلاث كلمات غير واضحة، لا تؤثر على المعنى.
(٤) لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - صَلَّى بِذِي قَرَدٍ، فصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ: صَفًّا خَلْفَهُ، وَصَفًّا مُوَازِيَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَكَانِ هَؤُلَاءِ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا». أحمد في المسند، ٣٥/ ٤٧٠، برقم ٢١٥٩٢، والنسائي، كتاب صلاة الخوف، برقم ١٥٣٢، واللفظ له، والبخاري بنحوه، كتاب صلاة الخوف، باب يحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف، برقم ٩٤٤، وصححه الألباني في صحيح النسائي، ١/ ٤٩٦.
(٥) سقط بعض الكلام، ولكن هذا [هو النوع الرابع: وهو أن يجعل الإمام المأمومين صفين كما فعل النبي - ﷺ - والعدو بينهم وبين القبلة، فكبر النبي بهم وكبروا جميعًا]، والباقي في المتن.
[ ٣٣٤ ]
الأول سجدوا معه، وقام الصف الثاني يحرس لم يسجد، فلما فرغ النبي - ﷺ - من السجود سجد الصف الثاني، فلما فرغوا من سجودهم قاموا فتقدموا، وتأخر الصف المقدم، وصلى بهم جميعًا قائمًا وراكعًا ورافعًا، ثم لما سجد انحدر معه الصف الأول، الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وسجد معه، وبقي الصف الثاني الذي هو الصف الأول في الركعة الأولى يحرس، فلما قام من سجوده انحدروا وسجدوا، ثم سلم بهم جميعًا.
وكل هذه الأنواع جائزة في صلاة الخوف، فإن اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا، فرادًا وجماعات (١) كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٢)؛ فإن شق ذلك، ولم يتيسر بسبب الاختلاط والمضاربة والمسايفة، وعدم تمكن الإنسان من عقل الصلاة بسبب أنه مختلط مع العدو في الضرب والكر والفر تؤخَّر وتؤجل، كما فعل النبي - ﷺ - يوم الأحزاب (٣)؛ فإنه اشتبك مع الكفار يوم الأحزاب، فلم يصلِّ العصر إلا بعد غروب الشمس، بسبب شغله معهم في الحرب (٤)، أخَّرها حتى صلاّها بعد المغرب، ثم صلّى بعدها
_________________
(١) قلت: وهذا نوع خامس.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٣٩.
(٣) قلت: وهذا نوع سادس.
(٤) انظر: صحيح البخاري، برقم ٢٢٣١، ومسلم، برقم ٦٢٧، و٦٢٨، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٥٤، و٥٥.
[ ٣٣٥ ]
المغرب للضرورة، وهذا قد يقع إذا اشتد القتال وحمي الوطيس، ولم يتمكنوا من الصلاة، فلا مانع من تأخيرها حتى ينتهي القتال، ثم يصلي المسلمون، ولو خرج الوقت للضرورة، ومن هذا ما فعله الصحابة في قتال العراق أهل الفرس، يوم حاصروا تستر، لما برق الفجر إذا هم في قتال، وهم محاصرو البلد، بعضهم على السور، وبعضهم قد دخل البلد، وبعضهم على الأبواب، والقتال قد حمي بينهم، فأخرّوها حتى انتهى القتال، وصلّوها ضحىً، صلوا الفجر ضحى، قال أنس: ما أحبّ أن لي بها حمر النعم، أو كما قال - ﵁ - وأرضاه (١)؛ لأنهم أخروّها قهرًا لشدة القتال، فهذا نوع من أنواع صلاة الخوف، وهو التأخير للضرورة، ولو فات الوقت عند عدم إمكان الصلاة، بسبب اختلاطهم مع العدو، واشتغالهم بالضرب والكر والفر، وعدم تمكن المؤمن أن يؤدي الصلاة في تلك الحال.