١٨٢ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ - قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - (١) صَدَقَةَ الْفِطْرِ ــ أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ ــ عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ» (٢).
وفي لفظ، «أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلاةِ» (٣).
١٨٣ - عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَنِ (٤) الرسولِ - ﷺ - (٥) صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ، وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ (٦).
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «النبي»، وهي هكذا في البخاري، برقم ١٥١١.
(٢) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على الحر والمملوك، برقم ١٥١١، واللفظ له، وقوله: «على الصغير والكبير» ليست في لفظ الحديث، وإنما هي في آخر الرواية: «فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ، وَالكَبِيرِ »، ومسلم، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، برقم ٩٨٤.
(٣) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر، برقم ١٥٠٣، وفي أوله: «وَأَمَرَ بِهَا ».
(٤) في نسخة الزهيري: «في زمان»، وهي في البخاري، برقم ١٥٠٨.
(٥) في نسخة الزهيري: «النبي - ﷺ -»، وهي في البخاري، برقم ١٥٠٨.
(٦) أي الحنطة.
[ ٣٧٩ ]
قَالَ: أَرَى مُدًَّا مِنْ هَذِهِ (١) يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا أَنَا فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (٢)» (٣).
٤٧ - قال الشارح - ﵀ -:
هذان الحديثان الصحيحان عن رسول اللَّه - ﷺ - في شأن زكاة الفطر: زكاة الفطر فريضة فرضها رسول اللَّه - ﷺ -، وأجمع عليها المسلمون، وهي صاعٌ من طعام، صاع من قوت البلد، تُعطى للفقراء، والمساكين عن كل رأس من أهل البيت، الرجل وزوجته وأهل بيته جميعًا من أولاد، وأيتام، ونحو ذلك، من أهل بيته عن الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد من المسلمين، أما
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «من هذا» وهي في البخاري، برقم ١٥٠٨.
(٢) «على عهد رسول اللَّه - ﷺ -»: ليست في نسخة الزهيري.
(٣) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب صاع من زبيب، برقم ١٥٠٨، وقوله: «أو صاعًا من أقط» ليست في هذه الرواية، وهي في الحديث رقم ١٥٠٦، ومسلم، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، برقم ٩٨٥، و١٨ - (٩٨٥). ورواية البخاري: «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ». ورواية مسلم: «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ، وَكَبِيرٍ، حُرٍّ، أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ حَاجًّا، أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ، تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا، فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ، أَبَدًا مَا عِشْتُ»، مسلم، ١٨ - (٩٨٥).
[ ٣٨٠ ]
لو كان عنده مماليك كفار ليس عليهم زكاة فطر، إنما الزكاة على المسلمين، وهي تُسمَّى بزكاة الفطر، وصدقة الفطر، وصدقة رمضان، من كان موجودًا عند نهاية رمضان، وجبت عليه الزكاة؛ لأنها زكاة الفطر، سواء كان ممن يصوم، أو من الصغار الذين لا يصومون، فهي عامة: صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير، ودل حديث أبي سعيد على أن جميع هذه الأنواع من الأطعمة، كذلك من البُرّ والأرز، لأنه قال: صاعًا من طعام، فيعم الأرز، والتمر، وكل طعام يقتاته الناس، مما يُكال، ويُقتات.
فإذا كان في البلد الذرة، أو الدخن، أو أشباه ذلك، زكَّوا من طعامهم، وهكذا الأقط، البادية يستعملون الأقط كثيرًا، يُزكَّى من الأقط لا بأس، أو الزبيب؛ ولهذا في حديث أبي سعيد: صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أَقِطٍ، هذه خمسة، ولو كان هناك نوع آخر: كالذرة، أو كالدخن، أو العدس، أو ما أشبه مما يقتاتونه، زكَّوا منه من طعامهم؛ لأنه مواساة للفقراء، والمواساة تكون فيما يأكله المؤدِّي، مما يتملكه من الطعام.
والواجب إخراجها قبل صلاة العيد، كما قال في الحديث: «وأمر أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة»، فيؤديها المسلمون قبل خروجهم إلى صلاة العيد، ويجب أن تؤدَّى قبل العيد بيوم، أو بيومين، كما كان الصحابة يؤدونها بإذن النبي - ﵊ -، يعني من اليوم الثامن والعشرين، والتاسع والعشرين، وإن تم الشهر فالثلاثون
[ ٣٨١ ]
، فالشهر يكون تسعًا وعشرين، ويكون ثلاثين، فقبل العيد بيومين، هو اليوم الثامن والعشرون، واليوم التاسع والعشرون، وإذا تم الشهر صارت ثلاثة، ولهذا كان ابن عمر يؤديها قبل العيد بيومين، أو ثلاثة؛ لأنه في الحادث الغالب تكفي الفقير، ولو جاءت قبل العيد بيومٍ أو يومين يبقى له بقية تكفيه ليوم العيد، والسنة أن تكون من الشيء الطيب، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ (١)، فالمؤمن يختار الشيء الطيِّب النظيف، ولا يجوز أن يتصدق من الشيء المعيب الرديء؛ لأن اللَّه قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢)، أي ولا تقصدوا الخبيث الرديء منه تنفقون، ولكن تيمموا الطيب، أي اقصدوا الطيِّب، ولا يلزم منه الأطيب، أطيب شيء لا يلزمه، يلزمه الطيب الوسط، لا الرديء، ولا الأطيب، ولكن يلزمه الوسط من طعامه من التمر، أو من الحنطة، أو من الأقط، أو من الزبيب، من الشيء الطيب، فيخرج منه زكاة الفطر، ويكون ذلك يوم العيد قبل الصلاة أفضل، وإن أخرجها يوم التاسع والعشرين، أو يوم الثامن والعشرين، أو أخرجها في الليل ليلة التاسع والعشرين، أو ليلة الثلاثين، أو ليلة العيد أجزأه، لأنها مواساة، وهذه الأوقات متقاربة: العيد، وما قبله بيومٍ، أو يومين متقارب، والمقصود إغناؤهم عن
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: (٢٦٧).
(٢) سورة البقرة، الآية: (٢٦٧).
[ ٣٨٢ ]
الطوفان أيام العيد حتى يحصل لهم السرور مع الناس، والغبطة، وعدم الحاجة إلى التَّجوُّلِ في الأسواق يوم العيد للسؤال، وطلب الحاجة.
قال أبو سعيد: «فلما قدم معاوية المدينة [] (١) قال: أرى أن مدًا من هذا يعدل مُدين» (٢)، أي مدًا من الحنطة [] (٣) تعدل مدين من التمر، والشعير، والزبيب والأقط، هذا اجتهادٌ منه - ﵁ -، هذا من باب الاجتهاد.
والصواب مثلما قال أبو سعيد: إخراج صاع، كما كان النبي - ﵊ - يأمر بذلك: صاعًا من جميع الأقوات: من تمر، أو برٍ، أو غيرهما، وقد يكون البُر في بعض الأحيان أقلَّ قيمة من التمر، وقد يكون أقلَّ قيمة من الزبيب، وقد يكون أقلَّ قيمة من الأقط، هذا شيء لا يُنظر إليه، فالواجب إخراج صاع من الجميع، كما أخبر به النبي - ﵊ -.
وأما ما رآه معاوية، وبعض أهل العلم، فهو قول مرجوح يخالف ظاهر النص؛ ولهذا قال أبو سعيد: «أما أنا فلا أُخرج إلا صاعًا، كما كنت أخرجها على عهد النبي - ﵊ -». والواجب على أهل الزكاة أن يتحرَّوا الفقراء، ولا يعطوها الأغنياء، يتحروا الناس
_________________
(١) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة في التسجيل، والظاهر أنها: «في ولايته»، ولا تؤثر في المعنى.
(٢) البخاري، برقم ١٥٠٨، ومسلم، برقم ٩٨٥، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٨٣.
(٣) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة في التسجيل، والظاهر أنها: «تعدل هذه الأشياء»، وسقوطها لا يؤثر في المعنى.
[ ٣٨٣ ]
المحتاجين الفقراء حتى يدفعوها إليهم، والواجب أيضًا أن يبادروا بها قبل العيد، ولا يجوز تأخيرها بعد العيد [] (١)؛ ولهذا في حديث ابن عباس عند الحاكم، وأبي داود وغيرهما بسندٍ جيد، يقول ابن عباس: «إن رسولَ اللَّه فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» (٢)، هذا يفيد أنه إذا أداها قبل الصلاة صار له ثواب الزكاة كاملة، وإذا أداها بعد الصلاة صار له ثواب الصدقات العادية المعروفة؛ لأنه أخلَّ بالواجب، فالواجب أن يبادر بها، ويخرجها قبل صلاة العيد، هذا هو الواجب، وإن قدّمها قبل العيد بيوم أو يومين، فلا حرج في ذلك من باب التوسعة.
س: هل تُخرج القيمة؟
ج: عند جمهور أهل العلم لا يخرج القيمة (٣)، يُخرج الطعام؛ كما أمر النبي - ﵊ -.
_________________
(١) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة، والظاهر أنها: «هذه مبادرة»، وهي لا تؤثر في المعنى.
(٢) أبو داود، كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر، برقم ١٦١١، والحاكم، ١/ ٤٠٩، ولفظ أبي داود والحاكم: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ، طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِي زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِي صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ». وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، ٥/ ٣١٧، برقم ١٤٢٧.
(٣) ومعنى السؤال: هل تخرج القيمة في زكاة الفطر؟
[ ٣٨٤ ]