٢١١ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ -، «أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ، فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رسول اللَّه - ﷺ -: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُم (١) مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» (٢).
_________________
(١) «منكم»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) رواه البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر، برقم ٢٠١٥، ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، وبيان محلها، وأرجى أوقات طلبها، برقم ١١٦٥.
[ ٤٣٠ ]
٢١٢ - عن عائشة - ﵂ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ» (١).
٢١٣ - عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، «أنَّ رسول اللَّه - ﷺ -، كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ــ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ ــ قَالَ: «مَنِ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ في (٢) الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ»، قال (٣): فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَة. وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ. فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى (٤) جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ» (٥).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، واللفظ له، برقم ٢٠١٧، ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، وبيان محلها، وأرجى أوقات طلبها، برقم ١١٦٩.
(٢) «في»: ليست في نسخة الزهيري، ولا في البخاري، برقم ٢٠٢٧.
(٣) «قال»: ليست في نسخة الزهيري.
(٤) في نسخة الزهيري: «وعلى جبهته» هو لفظ البخاري، برقم ٢٠٢٧.
(٥) رواه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها، واللفظ له، برقم ٢٠٢٧، ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر، والحث على طلبها، وبيان محلها، وأرجى أوقات طلبها، برقم ١١٦٧.
[ ٤٣١ ]
٥٦ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة كلها تدل على إثبات حصول ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وقد دل القرآن على أن ليلة القدر حق، وأنها واقعة، وأن اللَّه أنزل فيها القرآن الكريم كما قال - ﷿ -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (١).
هذه ليلة عظيمة، أنزل اللَّه فيها القرآن في شهر عظيم، وهو رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٢)، دلّ على أنها في رمضان.
هذا الكتاب اجتمعت له أنواع الشرف، فهو أعظم كتاب، وأشرف كتاب، وأنزل على أشرف نبي، وعلى أفضل نبي، وهو محمد - ﵊ -، وأنزل في أفضل ليلة، وفي أفضل شهر، وهي ليلة القدر من شهر رمضان، وفي أفضل مكان، وهو مكة المكرمة، فاجتمعت له أنواع الشرف المكاني والزماني، وكونه على أشرف الأنبياء، وأفضلهم وخاتمهم - ﵊ -، وبيّن سبحانه في آية أخرى أنها مباركة، قال
_________________
(١) سورة القدر، الآيات: ١ - ٥.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
[ ٤٣٢ ]
سبحانه: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١)، وهي ليلة القدر [] (٢)، ويفرق فيها كل أمر حكيم، وهو ما يكون في السنة، تقدر فيها حوادث السنة تفصيلًا من القدر السابق، وهذا من آيات اللَّه وحكمته - ﷾ -، كما أن كل جنين يكتب في حقه، وهو في رحم أمه، يكتب له جميع ما يحصل له من الحوادث المستقبلة: أعماله، وأقواله، وشقاوته، وسعادته، وسروره، وهو تفصيل أيضًا من القدر السابق.
وفي حديث ابن عمر أن الصحابة تواطأت رؤياهم في السبع الأواخر، فقال النبي - ﷺ -: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» (٣)، يعني هي آكد من غيرها، وقد تقع في الأولى والثانية والثالثة، لكن في السبع الأواخر آكد فيها من غيرها.
وفي حديث عائشة وأبي سعيد الدَّلالة على أنها تقع في العشر الأخيرة من رمضان، ولكنها في الأوتار آكد: إحدى وعشرين، ثلاث وعشرين، خمس وعشرين، سبع وعشرين، تسع وعشرين، هذه الأوتار آكد من غيرها، وقد تقع في غير الأوتار كما في الحديث
_________________
(١) سورة الدخان، الآيات: ١ - ٤.
(٢) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة في التسجيل، ولعلها: «وهي ليلة مباركة».
(٣) رواه البخاري، برقم ٢٠١٥، ومسلم، برقم ١١٦٥، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٢١١.
[ ٤٣٣ ]
الآخر: «في تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى، أَوْ ثَالِثَةٍ تَبْقَى إلى أن قال: فِي آخِرِ لَيْلَةً» (١)، فالمشروع للمؤمنين والمؤمنات تحريها في العشر كلها، وأن تُعمر هذه الليالي بالطاعة والعبادة والدعاء والضراعة إلى اللَّه - ﷾ -؛ لفضل هذه العشر، ولأجل موافقة هذه الليلة المباركة.
وقد ذهب جمهور الأمة إلى أنها مختصة بالعشر، وصحت بذلك الأحاديث عن رسول اللَّه - ﵊ -: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وشذ بعض أهل العلم، فقال: إنها في السنة كلها، وقال بعضهم: إنها في النصف الأخير: يعني تكون في الخمس الأخيرة من العشر الوسط، وهذا كله ضعيف، والصواب أنها في العشر الأخيرة من رمضان، كما صح في ذلك الأخبار المستفاضة عن رسول اللَّه - ﵊ - بأنها في العشر الأخيرة من رمضان، كما أن الصحيح أن أوتارها آكد، وأن ليلة سبع وعشرين آكد من غيرها (٢)،
وفي هذا
_________________
(١) البخاري إلى قوله - ﷺ -: «خامسة تبقى»، كتاب فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، برقم ٢٠٢١، وباقي الرواية في مسند البزار، ٩/ ١٣٠، برقم ٣٦٨١، شعب الإيمان للبيهقي، ٣/ ٣٢٨، ومسند الطيالسي، ص ١١٨.
(٢) أخرج البخاري، كتاب فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، برقم ٢٠١٨، عن أبي سعيد - ﵁ -، قال النبي - ﷺ -: «كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ العَشْرَ، ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَثْبُتْ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، فَابْتَغُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَابْتَغُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ»، وروى مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، برقم ٧٦٢: عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ -، يَقُولُ: وَقِيلَ لَهُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: «مَنْ قَامَ السَّنَةَ أَصَابَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ»، فَقَالَ أُبَيٌّ: «وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي، وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وفي رواية: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهَا، وَأَكْثَرُ عِلْمِي هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقِيَامِهَا هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
[ ٤٣٤ ]
الحديث عن أبي سعيد الدلالة على أنها وقعت في ليلة إحدى وعشرين، وأنه ذكر أنها ليلة إحدى وعشرين فقد أصبح من صبيحتها يسجد على ماء وطين، فمطرت السماء في تلك الليلة، فرأوا على وجهه - ﷺ - آثار الماء والطين، وقد قالت عائشة - ﵂ -: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنْ أَدْرَكتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» (١)، فالسنة الدعاء فيها بالدعوات الطيبة، والاجتهاد فيها بأنواع الخير من الصدقات، وقيام الليل، والإكثار من ذكر اللَّه، وقراءة القرآن، والدعوات الجامعة، هذا الذي ينبغي في هذه الليالي وأيامها: الحرص على أنواع الخير، والاجتهاد في أنواع الخير من صلاة، وقراءة، وذكر، ودعاء، وصدقة، وسائر أنواع الإحسان؛ لأن الصدقة فيها، والذكر فيها، والصلاة فيها مضاعفة، قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (٢)،
قال العلماء: معنى ذلك أن العمل فيها، والاجتهاد فيها أفضل من العمل في ألف شهر مما سواها، هذا فضل عظيم، ألف شهر: ثلاث وثمانون سنة، وأربعة أشهر، فهو عمر كامل، عمر إنسان كامل، فمن أدرك هذه
_________________
(١) مسند أحمد، ٤٣/ ٢٧٧، برقم ٢٦٢١٥، والترمذي، كتاب الدعوات، باب منه، برقم ٣٥١٣، وابن ماجه، كتاب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم ٣٨٥٠، وصححه محققو المسند، ٤٣/ ٢٦٢١٥، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٣٨٤٠.
(٢) سورة القدر، الآية: ٣ ..
[ ٤٣٥ ]
الفضيلة هذا خير، فينبغي للمؤمن الاحتساب في هذه الليلة، وهذه العشر والاجتهاد في الخير، وسؤال اللَّه التوفيق فيها، وهي لا تكلف شيئًا، عشر ليالي ما تكلف كثيرًا، الاجتهاد فيها لا يُكلف كثيرًا، لأنها أيام عشر، ليست شهرًا ولا شهرين ولا سنة، عشر ليالي، الاجتهاد فيها، والحرص فيها على أنواع الخير أمر ميسر، والحمد للَّه (١).