٢١٤ - عن عائشة - ﵂ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - (٣) كَانَ يَعْتَكِفُ فِي (٤) الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ (٥) بَعْدِهِ» (٦).
وفي لفظٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ» (٧).
٢١٥ - عن عائشة - ﵂ -، «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ،
_________________
(١) آخر الوجه الثاني من الشريط التاسع، سجل في درس الشيخ - ﵀ - في ١٤/ ٦/ ١٤٠٩هـ ..
(٢) أول الوجه الأول من الشريط العاشر، سجل في درس الشيخ - ﵀ - في ١٤/ ٦/ ١٤٠٩هـ.
(٣) في نسخة الزهيري: «أن النبي - ﷺ -».
(٤) «في»: ليست في نسخة الزهيري.
(٥) «من»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٢٠٢٦.
(٦) رواه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر، واللفظ له، برقم ٢٠٢٦، ومسلم، كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، برقم ٥ - (١١٧٢).
(٧) رواه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف في شوال، برقم ٢٠٤١.
[ ٤٣٦ ]
وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَاسَهُ» (١).
وفي رواية، «وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَاّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ» (٢).
وفي رواية: «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: إنِّي كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ ــ وَالْمَرِيضُ فِيهِ ــ فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَاّ وَأَنَا مَارَّةٌ» (٣).
٢١٦ - عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً ــ وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا ــ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» (٤).
وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُ الرُّوَاةِ «يَوْمًا» ولا «لَيْلَةً».
٢١٧ - عن صفية بنت حيي - ﵂ - قالت: «كَانَ رسول اللَّه - ﷺ - (٥)
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحيض، باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، برقم ٢٩٦، وكتاب الاعتكاف، باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل، برقم ٢٠٤٦، واللفظ له، ومسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها، والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه، برقم ٩ - (٢٩٧).
(٢) رواه البخاري في الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة، برقم ٢٠٢٩، ومسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها، والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه، واللفظ له، برقم ٢٩٧.
(٣) مسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها، والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه، برقم ٧ - (٢٩٧).
(٤) رواه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلًا، برقم ٢٠٣٢، وقوله: إِنَّهُ كَانَ «عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ» رواية للبخاري، برقم ٣١٤٤، ومسلم، برقم ٧ - (١٦٥٦)، ومسلم، كتاب الأيمان والنذور، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم، برقم ١٦٥٦.
(٥) في نسخة الزهيري: «كان النبي - ﷺ -».
[ ٤٣٧ ]
مُعْتَكِفًا في المسجد (١)، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي ــ وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ــ فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَسْرَعَا في المشي (٢)، فَقَالَ (٣): «عَلَى رِسْلِكُمَا، إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّه! يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خِفْتُ (٤) أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» أَوْ قَالَ: «شَيْئًا» (٥).
وفي رواية؛ «أَنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إذَا بَلَغَ (٦) بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ» (٧).
_________________
(١) «في المسجد»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) «في المشي»: ليست في نسخة الزهيري.
(٣) في نسخة الزهيري: «فقال النبي - ﷺ -».
(٤) في نسخة الزهيري: «خشيت».
(٥) رواه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد، برقم ٢٠٣٥، ومسلم، كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليًا بامرأة، وكانت زوجة أو محرمًا له، أن يقول: هذه فلانة ليدفع ظن السوء به، برقم ٢١٧٥.
(٦) في نسخة الزهيري: «بلغت».
(٧) رواه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد، برقم ٢٠٣٥، ومسلم، كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليًا بامرأة، وكانت زوجة أو محرمًا له، أن يقول: هذه فلانة ليدفع ظن السوء به، برقم، ٢٥ - (٢١٧٥).
[ ٤٣٨ ]
٥٧ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الأربعة كلها تتعلق بالاعتكاف، والاعتكاف مصدر اعتكف، يعتكف: إذا لبث في المقام، إذا لبث في المكان يقال له: اعتكف في المكان، إذا لبث فيه، وأقام فيه مدة من الزمن، مثل لفظ الآية الكريمة: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ (١)، يعني يقيمون عندها، ويلبثون عندها؛ للتعبُّد، والتبرُّك بها، وعبادتها من دون اللَّه.
والاعتكاف الشرعي هو: لزوم مسجد لطاعة اللَّه - ﷿ -، ويسمى اعتكافًا إذا بقي في المسجد بنية التعبد، والعبادة، يسمى اعتكافًا وهو: اللبث، وهو سُنة مُستحبة، وآكد الأوقات: رمضان، ففي رمضان آكد من غيره، ويجوز في غير رمضان، لكن في رمضان أفضل، وآكد لفضل الزمان، والتأسي بالنبي - ﵊ -؛ فإنه كان في الغالب يعتكف في رمضان، وقد اعتكف مرة في شوال، ترك الاعتكاف في العشر الأواخر، واعتكف في شوال، فالاعتكاف في رمضان هو أكمل، وأفضل، ولا بأس به في غير رمضان.
في الحديث الأول عن عائشة - ﵂ -: «أن النبي - ﷺ - اعتكف، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، يعني في كل سنة، ثم اعتكف أزواجه من بعده - ﵊ - ورضي اللَّه عنهن»، هذا يدل على
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٣٨.
[ ٤٣٩ ]
شرعية الاعتكاف، وأنه من سنته - ﷺ -، وأنه باقٍ لم ينسخ؛ ولهذا فعله الصحابة بعده، فدّل ذلك على أنه سُنة باقية، واستقر فعله - ﷺ - على أنه يعتكف في العشر الأخيرة من رمضان، وكان قد اعتكف العشر الأُوَل، ثم اعتكف العشر الأوسط، يلتمس ليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأخيرة، فاستقر اعتكافه في العشر الأخيرة من رمضان، وبيّن - ﷺ - أن هذه الليلة، وهي ليلة القدر تكون في العشر الأخيرة من رمضان.
وفيه أيضًا الدلالة على شرعية اعتكاف النساء كالرجال، وأن الاعتكاف يشرع للجميع: للرجال والنساء، ومحلُّه المساجد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١)، وإذا اعتكفت المرأة في المسجد، فلا بد أن يكون ذلك على وجه ليس فيه فتنة، في محل مصون، ليس فيه فتنة.
وفي الحديث الثاني: أن الرسول - ﷺ - كان ربما أدلى لها رأسه تُرجِّله، وهو معتكف، وهي حائض، فدّل ذلك على أن خروج بعض الإنسان من المسجد لا يحكم عليه بالخروج، إذا خرج رأسه، أو خرجت يده، أو رجله، لا يخرج الكل، فالمعتكف لا يسمى خارجًا إلا إذا خرج برجليه كله، أما إذا مدَّ رأسه، أو مدَّ رجله ما يُسمَّى خارجًا.
وفيه دليل على جواز استخدام الحائض، لا بأس أن تستخدم، تغسل رأسه، وتصب عليه الماء، أو تقرّب له متاعه، كل ذلك لا
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
[ ٤٤٠ ]
حرج؛ ولهذا لما أمرها الرسول - ﷺ - أن تأتي بالخُمرة التي في المسجد قالت: إني حائض. قال: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ»، فأمرها، ونهيها، واستخدامها في حاجات الزوج لا بأس، المحرّم عليه جماعها، أما كونه يضاجعها، أو تمشط رأسه، أو تغسل ثيابه، أو تُقدِّمُ له حاجة، أو تضاجعه، كل هذا لا بأس به، «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (١)، كما قال النبي - ﵊ -.
وفيه من الفوائد: أنه إذا اعتكف، يكون دخول المُعْتَكَف بعد صلاة الفجر، فإذا أراد الاعتكاف دخل معتكفه بعد صلاة الفجر، كما قالت عائشة - ﵂ -، وهذا إذا كان الابتداء بالنهار، فأما إذا أراد الليل، يبتدي من الليل فإذا أراد أن يبتدي من الحادية والعشرين، أو من الثانية والعشرين من النهار يبدأ بعد صلاة الفجر، وإذا أراد الليل يبدأ من الليل من غروب الشمس، إذا صلَّى المغرب يبقى في المسجد، وهو سُنة ليس بلازم، إلا أن ينذره نذرًا وجب عليه، وإلا فهو سنة، له أن يعتكف، وله أن يدع، وله إن نوى عشرًا، ثم أراد أن يترك منها بعضها، فلا حرج عليه، إذا كان ليس بنذر، إنما هو باختياره، أما إذا نذره وجب عليه الوفاء بالنذر؛ لأنه طاعة.
_________________
(١) عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي - ﷺ - النبي - ﷺ -، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى آخر الآية، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ، إِلَاّ النّكاح»، أخرجه مسلم، برقم ٣٠٢، وهذا لفظه، وابن ماجه، كتاب الطهارة بسننها، باب الحائض وسؤرها، برقم ٦٤٤، والنسائي في الكبرى، ٥/ ٣٤٥، برقم ٩٠٤٩.
[ ٤٤١ ]
وفيه من الفوائد: أن الحائض طاهرة، يدها طاهرة، عرقها طاهر، بدنها طاهر، إلا ما أصابه الدم؛ ولهذا كانت تغسل رأسه، وتُرجِّله وهي حائض، فإذا أصاب شيء من دمها ثوبًا، أو بدنًا يُغسل محل الإصابة فقط (١)، أما بقية الثوب بقية البدن، فكله طاهر.
وفيه أن المعتكف يشتغل بالاعتكاف، ولا يخرج إلا لحاجة الإنسان: كالبول، والغائط، ونحوه، وإلا فليبقَ في معتكفه بقية الليل والنهار، هذا هو الأفضل، يلزم المسجد إلا لحاجة الإنسان، يقضي حاجته: بول، غائط، وضوء، غسل، أكل، شرب إذا كان ما تيسر له من يأتي به، أما إذا تيسر من يأتي به في المسجد، فهو أفضل، حتى يقلّ الخروج، حتى قالت عائشة: إنه يكون المريض في البيت فما تسأل عنه، إلا وهي مارة (٢)، حرصًا على عودها إلى المعتكف، فإذا سأل عن المريض في الطريق، أو في البيت ما يضرّه، لكن الأفضل أنه لا يعود مريضًا، ولا يذهب يزور الناس، يبقى في المعتكف، يعبد ربه، يعني المقصود من الاعتكاف قطع العلائق عن الخلائق والاتصال [] (٣) بالخالق، المقصود من الاعتكاف التفرغ للعبادة، والاشتغال بالعبادة عن الاشتغال بالناس، وزياراتهم، والاجتماع بهم.
وفي حديث عمر - ﵁ - الدَّلالة على أن الكافر إذا نذر في الجاهلية
_________________
(١) في الأصل: بسّ.
(٢) مسلم، برقم ٧ - (٢٩٧)، وتقدم تخريجه في حديث المتن رقم ٢١٥.
(٣) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة، وحذفها لا يؤثر على المعنى.
[ ٤٤٢ ]
عبادة يوفي بها بعد الإسلام، إذا نذر أن يقوم، أو يصلي أو يعتكف، ثم أسلم يوفي بنذره، ولهذا أمر النبي - ﷺ - عمر أن يوفي بنذره، وقد نذر أن يعتكف ليلة، أو يومًا في المسجد الحرام، قال له: «أوف بنذرك» (١) لما أسلم، فإذا قال في حال كفره: للَّه عليَّ أن أعتكف كذا، أو أتصدق بكذا، أو أُصلي كذا، ثم أسلم، يؤمر بوفاء نذره؛ لأنه عبادة، فإذا نذرها ينبغي أن يوفي بها طاعة للَّه، وتعظيمًا له، ورغبةً فيما عنده من الأجر.
وحديث صفية يدل على أن المرأة لا بأس أن تزور زوجها، وهو معتكف، ولا بأس أن يزوره إخوانه، وأصدقاؤه، لا حرج في ذلك، فيتحدثون عنده لا بأس بذلك، ولهذا زارته صفية تتحدث عنده، فلما قامت قام معها ليقلبها، يعني يردها إلى بيتها، قام معها من المسجد حتى وصل باب المسجد، هذا من حُسن خُلقه، ومن تواضعه، ومن معاشرته الطيبة لأهله، قام معها إكرامًا لها، وإيناسًا لها، يمشي معها في المسجد حتى وصلت الباب، هذا يدل على حُسن خُلقه - ﷺ -، وتواضعه، وعنايته بأهله، ومعاشرته لهن بالمعروف، فلما كان عند الباب مرّ رجلان من الأنصار، فرأياه فأسرعا، فقال: «على رِسْلِكُمَا»، أي مهلًا «إنها صفية بنت حُيي»، خاف أن يظنّا سوءًا، فقالا: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه يا رسول اللَّه! قال: «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» أَوْ قَالَ: «شَيْئًا» (٢)، أي خشي
_________________
(١) البخاري، برقم ٢٠٣٢، ومسلم، برقم ١٦٥٦، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٢١٥.
(٢) رواه البخاري، برقم ٢٠٣٥، ومسلم، برقم ٢١٧٥، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٢١٧.
[ ٤٤٣ ]
عليهما أن يوسوس لهما الشيطان، ويقول: إن هذه المرأة غير شرعية، فبيَّن لهما - ﵊ - أنها زوجته، حتى لا يظنَّا سوءًا به - ﵊ - فيهلكا؛ لأنه - ﵊ - ليس مظنة سوء، وقد عصمه اللَّه من كبائر الذنوب، وعصمه اللَّه في بلاغه للناس، بينما الخلاف في الصغائر: هل تقع من الأنبياء أم لا؟ المقصود: أنه قال لهما هذا الكلام؛ ليبتعدا عن سوء الظن، وليعلما الحقيقة.
وفي هذا من الفوائد: أن الإنسان إذا كان في موقف قد يُتَّهم فيه يبين للمارِّ، أني وقفت هنا لأجل كذا وكذا، حتى لا يُظن به سوء، إذا وقف العالِم، أو الرجل الصالح في مكان غير مناسب، ومر عليه بعض إخوانه، يُبين لهم العلة، حتى لا يتهموه بأنه انحرف عن الطريق السوي.
وفيه أن الشيطان له صلة بالإنسان شديدة، وعظيمة، وخفية، وأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، والشياطين أنواع، ولهم أجسام، ولهم أرواح، تليق بهم لا يعلم كيفيتها إلا اللَّه - ﷾ -، وكونه يصل فيجري من ابن آدم مجرى الدم، هذا شيء عظيم يدل على لطافةٍ، وأنه عنده من اللطافة والصِّغر ما يجعله يجري من ابن آدم مجرى الدم، هذا نوع من الشياطين، ثم الشيطان له لمَّة بالإنسان، كما أن الملَكَ له لمّة بالإنسان، كل إنسان معه قرين من الشيطان يدعوه إلى الشر، ويأمر بالشر، كما أن معه ملَكًا يدعوه إلى الخير، ويأمره
[ ٤٤٤ ]
بالخير، فالواجب الحذر من هذا الشيطان، الذي هو ملازم لك، وهو قرينك، والحذر من بقية الشياطين، التي قد تهجم عليك، وتوسوس عليك فيما يضرك.
[] (١) يجب أن تحذر، فكل لمّة، وكل ما يخطر بالبال من شيء من السوء، فهو من الشيطان، وكل ما يخطر بالبال، ويلمُّ بك من أمر طيب، فهو من لمّات الملَك.
_________________
(١) ما بين المعقوفين كلمة واحدة غير واضحة، والذي يظهر أنها «وفيما يسبغه اللَّه عليك»، وحذفها لا يؤثر.
[ ٤٤٥ ]