٢١٨ - عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ -، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَّتَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ، ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّامِ، الْجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ، قَرْنَ الْمَنَازِلِ، وَلأَهْلِ الْيَمَنِ، يَلَمْلَمَ، وقال (١): «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ (٢)، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ (٣)، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ: فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (٤).
٢١٩ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ -، أنَّ رسول اللَّه - ﷺ - قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ: مِنْ قَرْنٍ».
قال عبداللَّه: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «وَيُهِلُّ (٥) أَهْلُ الْيَمَنِ
_________________
(١) «وقال»: ليست في نسخة الزهيري، وهي ليست في البخاري، برقم ١٥٢٤.
(٢) في نسخة الزهيري: «من غيرهن»، وهي في البخاري، برقم ١٥٢٤، وفي رقم ١٥٢٦: «من غير أهلهن».
(٣) في نسخة الزهيري: «الحج والعمرة»، وهي في البخاري، برقم ١٥٢٤، ومسلم، برقم ١١٨١، وفي جميع روايات البخاري ومسلم أيضًا.
(٤) رواه البخاري، كتاب الحج، باب مُهلّ أهل مكة للحج والعمرة، برقم ١٥٢٤، وباب مهل أهل الشام، برقم ١٥٢٦، وباب مهل من كان دون المواقيت، برقم ١٥٢٩، ومسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة، برقم ١١٨١.
(٥) في نسخة الزهيري: «ومُهلُّ».
[ ٤٤٦ ]
مِنْ يَلَمْلَمَ» (١).
٥٨ - قال الشارح - ﵀ -:
هذان الحديثان يتعلقان بالحج، والحج مصدر حج، يحجّ حجًا، وهو قصد الجهة المعظمة، أو الشخص المعظم، يقال له: حج، وسمي أداء المناسك حجًا؛ لأنه توجُّهٌ إلى اللَّه - ﷿ - لأداء المناسك عند أفضل بقعة، وفي أفضل بقعة، وهي مكة المكرمة حول المسجد الحرام، حول الكعبة المشرفة؛ ولهذا سُمِّي حجًا؛ لأنه مقصود عظيم لملك عظيم - ﷾ - في أفضل بقعة، وبجوار أفضل بيت في الدنيا.
والحج له أركان، وله واجبات، وله شروط، دلّت عليها النصوص، وأوضحها أهل العلم.
فمن شروط الحج: أن يكون الشخص بالغًا مُكلفًا، فلا يجب على صغير، ولا على مجنون ومعتوه، إنما يجب على البالغ العاقل، الذي يجد ما يوصله إلى المسجد الحرام إلى مكة المكرمة، ويرده إلى بلاده مع بقاء ما يحتاجه أهله إن كان له أهل، فإذا كان مستطيعًا من جهة المال، بالغًا، عاقلًا، هذا هو الذي يلزمه الحج.
وهكذا العمرة، فإنها زيارة للبيت العتيق، وهي من جنس الحج، تجب مرة في العمر، كما يجب الحج مرة في العمر، وتكرارهما مستحب، وسُنة وقربة، لكن لا يجب على المكلفين إلا مرة في
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحج، باب ميقات أهل المدينة، ولا يهلّوا قبل ذي الحليفة، برقم ١٥٢٥، ومسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة، برقم ١١٨٢، واللفظ له.
[ ٤٤٧ ]
العمر، لا الحج، ولا العمرة جميعًا، واللَّه جعل له مواقيت، والإحرام من المواقيت من واجبات الحج.
وله أركان كما تقدم، منها: الوقوف بعرفة، لبس الإحرام، الطواف، السعي، كل هذه أركان الحج، كونه يُحرم، وكونه يطوف، ويسعى، يقف بعرفة، كل هذه أركان لا بد، هذه أربعة.
وله واجبات، منها: أن يُحرم من الميقات ميقات أهل بلده، أو الميقات الذي يمر عليه إذا جاء من طريق آخر؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في حديث ابن عباس قال ابن عباس - ﵄ -: «وقَّت النبي - ﷺ - لأهل المدينة ذا الحليفة»: [حجر] (١) معروف، يقال له أبيار علي، ويقال له وادي العقيق، وهو قُرب المدينة في طرف المدينة من جهتها الجنوبية، من أراد الحج من طريق المدينة يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولأهل الشام الجحفة إذا جاءوا من طريق الساحل، يحرمون من الجحفة، وإن جاءوا من طريق المدينة أحرموا من ميقات المدينة، ولأهل اليمن يلملم، وهو موضع معروف، ولأهل نجد قرن المنازل، ويسمونه الناس السيل، ويُسمَّى وادي قَرن، هن لهن لهذه البلدان، ولمن أتى عليهن من غير هذه البلدان، إذا جاء النجدي من طريق المدينة، أحرم من [ميقات] المدينة، وإذا جاء المدني من طريق الطائف أحرم من الميقات، من الطائف: من ميقات نجد، وإذا جاء من طريق اليمن، أحرم من ميقات اليمن، وإذا
_________________
(١) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة، والذي يظهر أنها: «حجر معروف»، واللَّه أعلم.
[ ٤٤٨ ]
جاء من طريق الشام أحرم من ميقات الشام؛ ولهذا قال: «هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة».
أما من أتى عليهن ما له قصد حج، ولا عمرة، إنما أراد أن يصل جدة فقط، أو أن يصل مكة للزيارة، أو زيارة قريب، أو صديق
ما أراد حجًّا، ولا عمرة، هذا ما يلزمه الإحرام، هذا هو الصواب، إنما يلزم الإحرام من أتى مكة لقصد الحج، أو العمرة، أما من أتى مكة لأمرٍ آخر، أو ما أراد مكة، إنما مرّ بالميقات يريد جدة، أو محلًا آخر، كالمزينة، أو بحرة، ما أراد مكة، فما عليه إحرام، أو أراد مكة لكن ما أراد بها الحج، ولا عمرة أرادها للتجارة، أو لزيارة قريب، أو صديق، أو علاج في مستشفياتها، أو ما أشبه ذلك، لا يلزمه الإحرام على الصحيح، إنما يلزم من أراد الحج، أو العمرة هو الذي بينه الرسول - ﵊ -؛ ولهذا لما أتى النبي - ﷺ - يوم الفتح لحرب كفار قريش، وإخراجهم من مكة، أتاها حلالًا لم يُحرم - ﵊ -، قال: «ومن كان دون ذلك»، يعني منزله دون المواقيت، «فمُهَلّه من حيث أنشأ»، يحرم من مكانه إذا كان مكانه دون المواقيت، مثل أهل جدة يحرمون من جدة، أهل بحرة يُحرمون من بحرة، أهل أم السلم يحرمون من أم السلم، أهل مزينة يُحرمون من مزينة، الذي مسكنه دون المواقيت أقرب إلى مكة من المواقيت يحرم من محله، فَمُهلَّه من حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة يحرمون من مكة، يعني بالحج.
[ ٤٤٩ ]
أما العمرة، فلا يُحرمون من مكة، بل من الحل إذا أرادوا العمرة وهم في مكة يخرجون إلى الحل، كما أمر النبي عائشة أن تخرج إلى الحل، إلى الجعرانة مثلًا، المقصود إلى الحل إلى عرفات، وما أشبه ذلك مما يكون خارج الحرم.
وأما بالحج، يُحرم من مكة، أو من ضواحيها لا بأس، الحج أمره أوسع، يحرم من مكة من الحرم [] (١) من أطراف مكة لا بأس.
وهكذا حديث ابن عمر بين الرسول - ﷺ - أنه يُحرم من هذه المواقيت، قال: «يُهلّ أهل المدينة»؛ فهذا خبر معناه الأمر يدل على وجوب الإهلال إذا أراد الحج، أو العمرة، يُهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، ويُهلّ أهل الشام من الجحفة، ويُهلّ أهل اليمن من يلملم، يُهلّ أهل نجد من قرن، لكن ابن عمر لم يحفظ عن النبي - ﷺ - إهلال أهل اليمن من يلملم، لكنه سمعه من غيره، وقد ثبت في حديث ابن عباس وغيره، وأهل العراق، جاء في حديث عائشة: أنهم يهلون من ذات العرق (٢)، وتسمى الضريبة، محل يقال له الضريبة، وقد وقَّته لهم عمر أيضًا، فصادف اجتهاد عمر ما جاءت به السُّنة، فميقاتهم ذات عرق،
_________________
(١) ما بين المعقوفين: كلمة غير واضحة، وكأنها: الوسيعة، أو المسيئة، أو الوسيلة، حذفتها، ولا يؤثر حذفها في المعنى.
(٢) أخرج مسلم عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ -، يُسْأَلُ عَنِ الْمُهَلِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ - أَحْسَبُهُ رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ»، مسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة، برقم ١١٨٣.
[ ٤٥٠ ]
وهو محل معروف، وإذا جاوزوه وأحرموا من قرن ما فيه بأس، فالأمر واسع، ومن جاوزه وهو ناوٍ الحج أو العمرة يلزمه الرجوع إليه إذا جاوزه تساهلًا أو جهلًا، يعود ويُحرِم من الميقات، فإذا أحرم من دونه، فلزمه (١) دم بترك الواجب، أو من نجد (٢) فجاوز ولا أحرم إلا من أم السلم، أو من المزينة، أو المدني ما أحرم إلا من جدة يكون عليه دم، لأنه ترك الواجب، وهو الإحرام من الميقات.
وقد قال ابن عباس - ﵄ -: «من ترك نُسكًا، أو نسيه، فليرق دمًا» (٣)، فهذا جزاء، من باب الجزاء على تفريطه، وعلى إضاعته للواجب، فعليه هذا الجزاء، وهو كفارة وعقوبة.