٢٤٠ - عن عائشة - ﵂ - قالت: «فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْيِ النبي - ﷺ -، ثُمَّ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٩٦.
[ ٤٨٧ ]
أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا ــ أَوْ قَلَّدْتُهَا ــ ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلًاّ» (١).
٢٤١ - عن عائشة - ﵂ - قالت: «أَهْدَى النَّبيُّ - ﷺ - مَرَّةً غَنَمًا» (٢).
٢٤٢ - عن أبي هريرة - ﵁ -: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ (٣): «ارْكَبْهَا «قَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ؟ قَالَ: «ارْكَبْهَا»، فَرَأَيْتُهُ (٤) رَاكِبَهَا، يُسَايِرُ النَّبِيَّ - ﷺ - والنَّعلُ في عنقها (٥)» (٦).
وفي لفظٍ قال في الثَّانِيَةِ، أَوِ الثَّالِثَةِ: «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ، أَوْ وَيْحَكَ» (٧).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحج، باب إشعار البدن، برقم ١٦٩٩، وفيه: «فما حَرُم عليه شيء كان له حلٌّ»، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه، واستحباب تقليده، وفتل القلائد، وأن باعثه لا يصير محرمًا، ولا يحرم عليه شيء بسبب ذلك، برقم ٣٦٢ - (١٣٢١)، وفيه: «فما حَرُمَ عليه شيء كان له حِلًاّ».
(٢) رواه البخاري، كتاب الحج، باب تقليد الغنم، برقم ١٧٠١، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه، واستحباب تقليده، وفتل القلائد، وأن باعثه لا يصير محرمًا، ولا يحرم عليه شيء بسبب ذلك، برقم ٣٦٧ - (١٣٢١).
(٣) في نسخة الزهيري: «قال»، وهي في البخاري، برقم ١٧٠٦، ولفظ المتن: «فقال» في صحيح مسلم، برقم ١٣٢٢.
(٤) في نسخة الزهيري: «قال: فرأيته راكبها».
(٥) «والنعل في عنقها»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ١٧٠٦.
(٦) رواه البخاري، كتاب الحج، باب تقليد النعل، برقم ١٧٠٦، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، برقم ٣٧١ - (١٣٢٢).
(٧) رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب هل ينتفع الواقف بوقفه، برقم ٢٧٥٥، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، برقم ١٣٢٢، ولفظ: « أو ويحك» عند البخاري، برقم ٢٧٥٤، فحسب.
[ ٤٨٨ ]
٢٤٣ - عن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «أَمَرَنِي النبيُّ - ﷺ - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» (١).
٢٤٤ - عن زياد بن جُبير قال: «رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ قد أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنَحَرُهَا (٢)، فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -» (٣).
٦٤ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الخمسة كلها تتعلق بالهدي، وهو ما يُهدى إلى مكة من الهدي، تقربًا إلى اللَّه - ﷿ -، ليذبح هناك في الحرم.
والهدي إلى مكة سُنة وقربة، وقد أهدى النبي - ﷺ - غنمًا، وأهدى إبلًا، فالسُّنة ذبحها هناك، يعني في الحرم تقربًا إلى الله - ﷿ -، وتوزَّع بين الفقراء والمساكين: مساكين الحرم، وهذا الهدي سُنة وقُربة وطاعة، أما الهدي الذي يجب بالتمتع، والقران، أو بشيء من ترك الواجبات، أو فعل المحرمات، فيُسمَّى هدي واجب، ويُسمَّى فدية أيضًا، أما هذا الهدي الذي ذكرت عائشة، وذكر علي وغيره، هذا الهدي الذي يتطوع به المؤمن من بلاده، أو يشتريه من الطريق ويهديه إلى هناك هديًا بالغ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحج، باب يتصدق بجلود الهدي، برقم ١٧١٧، ومسلم، كتاب الحج، باب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها وجلالها، برقم ١٣١٧، واللفظ له.
(٢) في نسخة الزهيري: «فنحرها»، والذي في المتن هو لفظ البخاري، برقم ١٧١٣.
(٣) رواه البخاري، كتاب الحج، باب نحر الإبل مقيدة، برقم ١٧١٣، واللفظ له، ومسلم، كتاب الحج، باب نحر البدن قيامًا مقيدة، برقم ١٣٢٠.
[ ٤٨٩ ]
الكعبة يتقرب به إلى الله - ﷿ -.
تقول عائشة - ﵂ -: «إنها فتلت قلائد هدي الرسول - ﷺ - بيديها، ثم أشعرها»، وتقول: «إنه أهدى مرة غنمًا»، هذا يدلّ على أنه يُشرع الهدي من الغنم، والإبل، والبقر، كله قربة، وكله طاعة، وأن السُّنّة أن تُقلّد بقلائد تُعرف، وتُشعر الإبل، والإشعار هو أن تجرح في سنامها جرحًا يُبين أنها هدي، حتى لو عطبت، أو ضلت يُعرف أنها هدي، وهذا في الإبل خاصة.
والقلائد كونها تقلّد بقلادة يعرف أنها هدي، بقلادة معروفة: نعل، أو من النعل، شيء يعرف أنه هدي، شيء تعارف الناس فيه أنه يجعل على الهدي، حتى إذا ضلّ أو عطب ينحر ويؤكل.
وفيه أن المهدي لا يَحرُمُ عليه شيء كان له حلالًا، وفي هذا قالت: فما حرم عليه شيء كان له حلالًا - ﵊ -، فإذا أهدى فله أن يأتي أهله، وله أن يقلّم أظفاره، وله أن يحلق شعره، لا بأس عليه، أما المُضحِّي إذا أراد أن يُضحِّي مع دخول شهر ذي الحجة، فإنه لا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئًا، هذا للمضحي خاصة، الذي يسوق المال من ماله، يبذل المال، ويشتري الضحية يتطوع بها، هذا لا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئًا، أما زوجته، وأهله، فليس عليهم بأس من ذلك، هو الذي أخرج المال من ماله، وأراد أن يضحي إذا دخل الشهر شهر ذي الحجة، فلا يأخذ شيئًا حتى
[ ٤٩٠ ]
يضحي، أما إن كان وكيلًا على أن يذبح ضحايا سبالة (١)، فليس بمضحٍ، ما عليه شيء، له أن يأخذ من شعره؛ لأنه ليس بمضحٍ، وإنما هو وكيل.
كذلك حديث البدنة، ركوب البدنة لا بأس للإنسان إذا أهدى بدنة له أن يركبها عند الحاجة إذا احتاج إليها له أن يركب ركوبًا لا يضرها، وله أن يضع عليها الشيء الخفيف الذي لا يضرها، لا بأس بذلك؛ ولهذا قال له النبي: «اركبها ويلك، أو ويحك»، فإذا احتاج إليها لا يمشي على الأرض، يركبها حتى يصل، ركوبًا لا يضرها.
كذلك حديث علي فيه أن الهدي يُقسَّم كله: لحومه، وجلوده، وأجِلَّته (٢)، ولهذا قسم علي هدي النبي - ﷺ -، قسم: لحمها، وجلودها، وأجلتها، والجلال إذا كان نواه المهدي أنه هدي يقسم، وإن كان ما نواه إنما أراد تجليلها به ثم أخذه، فله نيَّته، فإذا نوى أنه هدي، فإنه يوزع على الفقراء مع جلدها، أو مع لحمها، أما إذا ما نواه هدي، وإنما جعله مؤقتًا حتى تصل البلد، أو حتى تنحر، فله نيته، وهذا التقسيم واجب؛ لأنها للفقراء والمساكين، فتقسم عليهم في الحرم:
_________________
(١) السبالة: «في حديث وقف عمر: «احبس أصلها، وسبّل ثمرتها» أي اجعلها وقفًا، وأبح ثمرتها لمن وقفتها عليها، سبلت الشيء: إذا أبحته، كأنك جعلت إليه طريقًا مطروقة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢/ ٣٣٩.
(٢) الأجلّة: الأغطية التي تغطى بها الإبل المهداة، قال النووي في شرح النووي على مسلم، ٩/ ٦٦: «كان [ابن عمر] يجلِّل الجلال المرتفعة من الأنماط، والبرود، والحِبَر، قال: وكان لا يُجلِّل حتى يغدو من منى إلى عرفات، قال: وروي عنه أنه كان يجلِّل من ذي الحليفة، وكان يعقد أطراف الجلال على أذنابها، فإذا مشى ليلة نزعها، فإذا كان يوم عرفة جلَّلها».
[ ٤٩١ ]
اللحوم والجلود،، والأجلة، إذا نُوِي تقسيمها تقسم على الفقراء والمحاويج، وفي هذا أن الجزار لا يُعطى شيئًا من اللحم، ولا من الجلود؛ ولهذا قال: «نحن نعطيه من عندِنا»، فدلّ ذلك على أن الجزار لا يُعطى أجرته من الهدي، وإنما يُعطى من الخارج، والهدي يكون للَّه، لا يكون فيه أجرة الجزار، ولا غير الجزار.
وفي حديث ابن عمر، وهو الحديث الخامس: الدَّلالة على أن الإبل تُذبح واقفة، تنحر واقفة، معقولة يدها اليسرى، هذا إذا تيسر، إذا استطاع الناحر أن يذبحها واقفة، نحرها واقفة، وتعقل يدها اليسرى، تنحر وهي على ثلاث، هذا هو السُّنة، فإن لم يتيسر ذلك أناخها، ونحرها، فلا بأس إذا خاف منها، أو لم يستطع؛ لكونها شديدة، والمقصد من ذلك أنه إذا لم يتيسر نحرها وهي واقفة، فلا مانع من نحرها وهي مناخة، وإن تيسر أن تنحر وهي واقفة معقولة يدها اليسرى، فهذا هو الأفضل، وهو السُّنة.