٢٦١ - عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، «أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - (٥) نَهَى عَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ (٦)،
_________________
(١) ما بين المعقوفين فيه: «دفينه، ريال كل سنة، عشرة أخر كل سنة، مائة ريال كل سنة »، ولا يؤثر حذف ذلك في المعنى.
(٢) آخر الوجه الثاني من الشريط الحادي عشر، سجِّل في ٢١/ ٧/ ١٤٠٩هـ.
(٣) في آخر الشريط سقطٌ لا يؤثر في المعنى.
(٤) في قراءة القارئ على الشيخ: «باب ما نهى اللَه عنه من البيوع»، وفي نسخة الزهيري: «باب ما نهي عنه من البيوع».
(٥) في نسخة الزهيري: «أن رسول اللَّه - ﷺ -».
(٦) في نسخة الزهيري: «قبل يقلبه» بدون: أن، ولفظ المتن في البخاري، برقم ٢١٤٤.
[ ٥١٩ ]
أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ وَنَهَى عَنِ الْمُلامَسَةِ، وَالْمُلامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ (١) الثَّوْبَ لا يَنْظُرُ إلَيْهِ» (٢).
٢٦٢ - وعن أبي هريرة - ﵁ -، أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: «لا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلا تُصَرُّوا الإبلَ (٣) والْغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا، إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» (٤).
وفي لفظٍ: «وهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثًَا» (٥).
٧٠ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه جملة أحاديث تتعلق بما نهى اللَّه عنه من البيوع، في البيوع المنهي عنها، ذكر المؤلف منها جملة ليَعْلمها المؤمن، ويبتعد عنها.
_________________
(١) «الرجل»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٥٨٢٠.
(٢) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الملامسة، برقم ٢١٤٤، واللفظ له، إلا كلمة «الرجل»، ومسلم، كتاب البيوع، باب إبطال بيع الملامسة، والمنابذة، برقم ١٥١٢.
(٣) في نسخة الزهيري: «ولا تصروا الغنم» ولم تذكر الإبل، ولفظ: «ولا تصروا الإبل والغنم» في البخاري، برقم ٢١٤٨، ومسلم، برقم ١١ - (١٥١٥).
(٤) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل، برقم ٢١٤٨، ورقم٢١٥٠، واللفظ له، ومسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش، وتحريم التصرية، برقم ١٥١٥، وقوله: «ولا تصروا الإبل والغنم»، كلمة الإبل في مسلم، وليست في البخاري.
(٥) رواه مسلم، كتاب البيوع، باب حكم بيع المصراة، برقم ٢٤ - (١٥٢٤).
[ ٥٢٠ ]
واللَّه جل وعلا إنما ينهى عباده عما يضرهم، ويأمرهم بما فيه مصلحتهم، وهو الحكيم العليم جل وعلا، فيما يأمر به، وفيما ينهى عنه، فأوامره على المصلحة والخير والحكمة، ونواهيه كذلك، ومن ذلك حديث أبي سعيد - ﵁ -، وهو سعد بن مالك بن سنان الخدري - ﵁ - وعن أبيه عن النبي - ﷺ -: «أنه نهى عن المنابذة والملامسة في البيع»، والمنابذة والملامسة فيها غرر؛ ولهذا نُهي عنها، والمنابذة: معناها: يقول: أي ثوب نبذته إليك فهو عليك بكذا، أو أي ثوب نبذه إليك فلان فهو عليك بكذا، أو أي عباءة، أو أي إناء، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز؛ لأن فيه غررًا ما قلَّبه، وما نظر إليه؛ لأن البيع يحتاج إلى نظر وتأمل، حتى لا يُغبن، حتى لا يشتري إلا على بصيرة، فإذا قال: أي ثوب نبذته إليك، أو طرحته إليك، أو طرحه لك فلان، أو نبذه لك فلان، أو أي ثوب لمسته، أو لمسه فلان ملامسة، فهو عليك بكذا! لا يصلح، لما فيه من الغرر، وعدم التثبت في الأمر، واللَّه سبحانه أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من أنفسهم، فمن رحمته لهم وإحسانه إليهم: أن نهاهم عما يضرهم، فالمشتري ينظر، ويتأمل المبيع، حتى يُقدِم على بصيرة؛ فلهذا نهى عن الملامسة، والمنابذة، لما فيها من الغرر، والجهالة، والإقدام على غير بصيرة.
وهكذا في الحديث الثاني: حديث أبي هريرة، في النهي عن خمسة أشياء:
[ ٥٢١ ]
[١]- عن تلقي الركبان.
[٢]- وعن بيعهم بعضهم على بيع بعض.
[٣]- وعن بيع الحاضر للبادي.
[٤]- وعن التناجش.
[٥]- وعن التصرية، وهي التحيين (١)، تحيين اللبن. العوام يسمونها محيَّنة، يعني مصراة.
فتلقي الركبان؛ لأن فيه غررًا على القادمين، وخداعًا لهم، يتلقون الركبان الذين يقدمون بالميرة (٢): التمر، والحبوب، والدهن، وغير ذلك، لا يجوز تلقيهم والشراء منهم في الطريق؛ لأنه يخدعهم في الغالب، يخدعهم يقول: السعر رديء، والسعر كذا، والسعر كذا، يخدعهم فلا يتلقون، فإن تلقوا، وباعوا، وقدموا البلد، فلهم الخيار، إذا رأوا أنهم مغبونون، كما جاء في الحديث الصحيح، حتى يتلافوا ما غُلبوا به، وهذا من رحمة اللَّه أيضًا بالوافدين والقادمين، حتى لا يخدعهم أهل البلد، وينبغي له أن لا يبيعَ عليهم حتى يقدموا البلد، حتى ينظروا في الأسواق، حتى لا يخدعوا، فإن باعوا، ثم هبطوا الأسواق، ووجدوا أنهم مغبونين فلهم الخيار.
والثانية: لا يبع بعضكم على بيع بعض، وهذا لأنه يُكسب
_________________
(١) التحيين: تحينوا نوقكم: حين، أي احتلبوها في حينها المعلوم. الفائق في غريب الحديث، للزمخشري، ١/ ٣٤٠، مادة حين.
(٢) الميرة: هي الطعام، ونحوه مما يجلب للبيع، ولا يؤخذ منها زكاة؛ لأنها عوامل، يقال: مارهم يميرهم: إذا أعطاهم الميرة. النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ٣٧٩، مادة (مير).
[ ٥٢٢ ]
الشحناء بين الناس والبغضاء، فلا يجوز أن يبيع بعضهم على بيع بعض، فإذا باع الإنسان سلعةً مثلًا على أخيه بمائة ريال، فلا يجوز لشخص آخر يقول له: أنا أعطيك هذه السلعة بتسعين ريالًا، حتى يبيع على بيع أخيه، حتى يهوِّن؛ لأن هذا يُكسب الشحناء والعداوة «دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض» (١).
وهكذا لا يشتري على شرائه يروح للبائع، ويقول: أنا آخذها بأحسن من فلان، أو أعطنيها بدلًا من فلان، يهون من بيعه على فلان، ويبيعه عليه كذلك، هذا مما يسبب الشحناء والبغضاء، الإسلام جاء إلى الدعوة بالتحابّ في اللَّه، والتعاون على الخير والألفة، وعدم التهاجر، والتباغض؛ ولهذا في الحديث الآخر: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد اللَّه إخوانًا» (٢).
والثالثة: النهي عن بيع الحاضر للبادي: إذا قدموا بالميرة، بالتمر، والحبوب، والدهن، وغير ذلك، مما يَقدَم به البوادي، لا يبيع لهم الحاضر، يدعهم يبيعون هم، حتى يكونوا أرخص للناس، وأرفق بالناس.
لا يقول: أنا أبيع لكم، حتى يشدد على الناس في التسعير،
_________________
(١) مسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي، برقم ١٥٢٢.
(٢) مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، برقم ٢٥٦٤.
[ ٥٢٣ ]
ويغلي عليهم، لا، «دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض» (١)، فلا يبيع للبوادي القادمين بالسلع، وإن كانوا غير بوادي، إذا قدم بالإبل، أو بالبقرة أو بالدهن، أو بالحبوب إلى السوق، قدم مثلًا من الدوادمي إلى الرياض، من الخرج، من الحوطة إلى الرياض، أو إلى مكة، أو إلى المدينة، يبيعون سلعهم، لا يقوم الحاضر يبيع لهم، و[يقول] (٢) نبيع لكم، وأنا أتولى لهم البيع؛ لأن هذا يضر الناس، الحاضر يعرف الأسعار معرفةً تامة، وربما شدد على الناس، فليدع البادي، أو القادم هو الذي يتولى البيع بما قسم اللَّه له.
الرابعة: «ولا تناجشوا»: التناجش كونه يزيد في السلعة، وهو لا يريد الشراء، هذا يزيد، وهذا يزيد، وهو ليس قصده الشراء، قصده ينفع البائع، حتى يزيد في الثمن، أو قصده أن يؤذي المشتري، إذا كان يعرف أن هذا سيشتريها، أراد أن يُغلّيها عليه، أو يعبث، [ليس] (٣) له شغل: يعبث، يلعب، ما يجوز، لا يزيد إلا إذا كان بيشتري، أما كونه يزيد [وهو لا يريد أن يشتري، فلا يجوز له] (٤)؛ لأن هذا يضر الناس، يضر المشترين، يصدقونه، ويزيدون مثل ما زاد، يحسبونه صادقًا، فلا يزيد إلا إذا كان له نية الشراء، أما بنية
_________________
(١) مسلم، برقم ١٥٢٢، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٢٦٢.
(٢) ما بين المعقوفين أضفته للتوضيح.
(٣) ما بين المعقوفين أصله في كلام الشيخ: «ما».
(٤) ما بين المعقوفين أصل كلام الشيخ فيه: «وهو ما هوب شاري».
[ ٥٢٤ ]
الخداع، وإيذاء المشترين، أو نفع البائع، هذا لا يجوز.
والخامسة: «ولا تصروا الإبل، والغنم»: وهكذا البقر لا تُصروا، والتصرية: كونه يخلي فيها لبن وجبة أخرى، حتى يظن المشتري أن لبنها [كثير] (١)، إذا أراد أن يبيعها في الصبح خلَّى لبن الليل مع لبن الصبح، حتى يصير اللبن كثيرًا، ويقول: هذا لبن الصبح، يكذب عليه، ويقول: هذا لبن الصبح، فيشترونها على أن لبنها كثير، وهو خادعهم، هذا يقال له: التصرية، ويسميه بعض العامة التحيين، محيّن. فإذا اشترى وتبين له أنها مصراة، له الخيار ثلاثة أيام، إذا تبيَّن له أنها مُصراة، يردها وصاعًا من تمر عن اللبن الذي حلب منها، الذي دخلت عليه به ردها، وصاعًا من تمر، بدلًا من اللبن الذي أخذه منها، حين دخلت عليه، جعل له الخيار ثلاثة أيام؛ لأنه قد يتغير لبنها، فإذا صبر ثلاثة أيام، قد يرجع لبنها إلى حالته الأولى إذا كان صادقًا، فإن اعترف أنه مُصريها، فلا يحتاج أن يردها [بعد ثلاثة أيام]، له الخيار في الرد في الحال.
٢٦٣ - وعن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ (٢) يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا» (٣).
_________________
(١) ما بين المعقوفين أصله في كلام الشيخ: «واجد».
(٢) في نسخة الزهيري: «وكان بيعًا»، وهو في البخاري، برقم ٢١٤٣.
(٣) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الغرر وحبل الحبلة، برقم ٢١٤٣، بلفظه، ومسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع حبل الحبلة، برقم ١٥١٤.
[ ٥٢٥ ]
«قِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ ــ وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْمُسِنَّةُ ــ بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ» (١).
٢٦٤ - وعنه - ﵄ -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ (٢)» (٣).
٢٦٥ - عن أنس بن مالك - ﵁ -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: «حَتَّى تَحْمَرَّ» قَالَ: «أَرَأَيْتَ إذا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» (٤).
_________________
(١) قلت: هذا من كلام المؤلف، وليس من الحديث كما ذكره الشيخ الأرنؤوط محقق عمدة الأحكام.
(٢) في نسخة الزهيري: «نهى البائع والمشتري»، وهي في رواية مسلم، برقم ١٥٣٤.
(٣) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، برقم ٢١٩٤، ومسلم، كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، برقم ١٥٣٤، وفيهما جميعًا كلمة «بيع الثمار»، لا «بيع الثمرة»، إلا أنها وردت فيهما في روايات أخرى، فلفظ البخاري الآخر، برقم ٢١٩٧: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ»، ولفظ مسلم، برقم ١٥٥٤: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ»، قَالُوا: وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: «تَحْمَرُّ»، فَقَالَ: «إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟»، وفي مسلم، برقم ١٥٥٥: «نهى عن بيع ثمر النخل حتى تزهو، فقلنا لأنس: ما زهوها؟ قال: «تحمرّ، وتصفرّ أرأيت إن منع اللَّه الثمرة بما تستحلّ مال أخيك».
(٤) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، برقم ٢١٩٨، ومسلم، كتاب البيوع، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، برقم ١٥٥٥، وألفاظهما فيها اختلاف عما في المتن، انظر: الحاشية السابقة.
[ ٥٢٦ ]
٧١ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق ببعض البيوع التي نهى عنها الرسول - ﵊ -؛ لما فيها من الغرر والخطر. والشريعة الكاملة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها.
فالأول عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن بيع حبل الحبلة، وهذا البيع يبتاعه أهل الجاهلية، وهو يُفسَّر بأمرين:
أحدهما: أنه يبيع الناقة إلى أجل مجهول، فيبيع هذا البعير، أو هذه الناقة إلى أن تنتج الناقة الفلانية، ثم يُنتج الذي في بطنها، فهومعنى إلى أن تلد هذه الناقة، ثم تحمل البكرة التي ولدتها، وتُنتَج، وهذا أجلٌ لا يُدرى متى ينتهي، ولا يدرى متى يحصل، فهو جهل كبير، وهذه الصيغة صيغة المجهول تُنتَج، والمراد بها صيغة الفاعل بمعنى تنتِج، لكنها جاءت عن العرب بصيغة المجهول تُنتَج، ويبيع الناقة إلى أن تنتج الناقة المعينة ما في بطنها، ثم يُنتج الذي في بطنها بعد ذلك، وهذا أجل مجهول.
والثاني كأن يبيع الناقة الكبيرة المسنة بنتاج الجنين الذي في بطن ناقته، يصير الثمن معدومًا مجهولًا، وهذا أيضًا لا يجوز، لأنه غرَرٌ منهي عنه، وهذا غرر عظيم، كونه يبيع ناقة موجودة بنتاج الجنين، الذي في بطن أمه، حتى نفس الحمل مجهول، فكيف بنتاجه، والصور تصير أربعًا كلها منهيٌ عنها:
الصورة الأولى: أن يبيع الناقة إلى أن تُنتَج الناقة الأخرى، هذا
[ ٥٢٧ ]
أجل مجهول.
الصورة الثانية: أن يبيعها إلى أن تُنتج، ثم ينتج الذي في بطنها، هذا أشد في الجهالة.
الصورة الثالثة: أن يبيع الناقة بنتاج ناقته الأخرى.
الصورة الرابعة: أن يبيعها بنتاج النتاج، وهو أشد في الجهالة والغرر.
والحديث الثاني والثالث: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، لا يبيع حتى يبدو صلاحها لتأمن العاهة، وفي اللفظ الآخر: «حتى تُزهي»، قالوا: وما تزهي؟ قال: «تحمارّ وتصفارّ».
ثم بين العلة قال: «أرأيت إن منع اللَّه الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه؟!» فلا يبيع ثمرة النخل، إلا إذا بدا صلاحها، ولا ثمرة العنب إلا إذا بدا صلاحها، ولا الزرع إلا إذا اشتد واستوى، إذا كان بشرط البقاء.
أما إذا باع الزرع ليُحصد في الحال، أو باع الثمرة تقطع في الحال، البُسر فلا بأس لعدم الغرر، أما إذا باعها، وهي توَّها (١) على أن تبقى في رؤوس النخل حتى تستوي، هذا لا يجوز، لأنه قد يعتريها عارض، قد يصيبها عارض.
فلا تباع حتى يبدو صلاحها، حتى تعين، يصير فيها رطب، تأمن العاهة، وهذا معنى حتى تُزهي: تحمارّ وتصفارّ، يعني ينقلب لونها، حتى يوجد فيها رطب؛ ولهذا تأمن العاهة، فلا بأس في هذه الحالة
_________________
(١) توَّها: أي لم يبدُ صلاحها.
[ ٥٢٨ ]
أن يبيعها، والمشتري يحل محل البائع، يأكل الرطب يومًا بعد يوم، حتى ينتهي على عادة الناس، أما إذا باعها قبل أن تستوي فلا يجوز؛ لأنه في هذه الحالة معرض للخطر، قد تنزل بها عاهة فيندم.
٢٦٦ - وعن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ - قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ: «فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا» (١).
٢٦٧ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ - قال: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنِ الْمُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلًا، بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ (٢) كَرْمًا: أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، وَ(٣) إِنْ كَانَ زَرْعًا، أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ» (٤).
٢٦٨ - عن جابر بن عبد اللَّه - ﵄ - قال: «نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ
_________________
(١) رواه البخاري، كاب البيوع، باب: هل يبيع حاضر لباد بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه، برقم ٢١٥٨، ومسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي، برقم ١٥٢١، واللفظ لمسلم.
(٢) في نسخة الزهيري: «وإن كان»، وهي في البخاري، برقم ٢٢٠٥.
(٣) في نسخة الزهيري: «أو كان زرعًا»، ولفظ المتن في البخاري، برقم ٢٢٠٥ بلفظه.
(٤) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام، برقم ٢١٧١، بلفظه، ومسلم، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا، برقم ٧٦ - (١٥٤٢)، واللفظ له، ولفظ البخاري: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ كَيْلًا».
[ ٥٢٩ ]
صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إلَاّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلَاّ الْعَرَايَا» (١).
المحاقلة: الحِنْطَة في سُنْبُلِها بحنطة (٢).
٧٢ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث في بيان بعض البيوع التي نهى عنها الرسول - ﵊ -؛ لما فيها من الغرر، أو الغبن على البائع، أو المشتري؛ ولهذا نهى - ﵊ - عن كل ما يضر المتبايعين، أو يوقعهما في الغرر أو في الربا.
حديث ابن عباس نهى - ﵊ - عن تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد.
تلقي الركبان؛ لأنه قد يُسبب غلطًا على البائعين، قد يُخدعون، قد يُشترى منهم الشيء بأقل من قيمته، فيحصل عليهم الضرر، لأنهم لا يعرفون الأسواق، فيتلقاهم قبل أن يهبطوا الأسواق، فيخدعهم، فيشتري منهم برخص؛ فلهذا نهى الرسول - ﷺ - عن تلقي الركبان، وتقدم حديث أبي هريرة عن تلقي الجلب، وأمر أن يتركوا حتى يهبطوا الأسواق، وجعل لهم الخيار إذا هبطوا الأسواق، فلهم
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المساقاة (الشرب)، باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، برقم ٢٣٨١، واللفظ له، إلا كلمة الثمرة، فهي فيه: «الثمر»، ومسلم، كتاب البيوع، باب النهي عن المحاقلة والمزابنة، وعن المخابرة، وبيع الثمرة قبل بُدو صلاحها، وعن بيع المعاومة وهو بيع السنين، برقم ٨١ - (١٥٣٦)، كلاهما فيه لفظ: «الثمر»، و«ليس الثمرة».
(٢) في نسخة الزهيري: «المحاقلة: بيع الحنطة في سنبلها بصافية».
[ ٥٣٠ ]
الخيار، قال العلماء: يعني إذا هبطوا الأسواق، ورأوا أن هناك غبنًا فلهم الخيار؛ لأنه غبنهم، فإذا سمع بأنه قد جاء أُناس يبيعون أقطًا، أو تمرًا، أو إبلًا، أو غنمًا، فذهب يتلقاهم قبل أن يصلوا، فهم بالخيار إذا غُبِنوا، إذا وصلوا الأسواق، وعرفوا أنهم غبنوا؛ فلهم الخيار، فهذا من أجل دفع الضرر عن البائعين.
وأما بيع الحاضر للبادي، وهذا لدفع الضرر عن المشترين؛ لأنه إذا تولى الحاضر للبادي أغلى الأسعار، وشق على المبتاعين على المشترين؛ لأنه يعرف الأسعار، وربما دقّق عليهم، وشدّد عليهم إذا كان سمسارًا، والسمسار هو الدلاّل، فلا يبيع الحاضر للبادي، فإذا قدموا يبيعون لأنفسهم، لا يتولى الحاضر البيع لهم، بل يبيعون بأنفسهم، لكن لا مانع أن يستشيروا الحاضر في البيع، لا بأس، أما إنه هو الذي يتولَّى البيع، ويكون هو السمسار فلا، والحكمة في ذلك أنه يضر المشترين؛ لأنه يعرف الأسواق، ويعرف ثمن المبيعات، فلا يكون فائدة للناس من هذا الجلب، والجلب ينفع اللَّه به الناس إذا باعوا بأنفسهم، يكون أرخص من بيع الحاضر، وينتشر الرخص في الأسواق، وتنزل الحاجات التي تُجلب بسبب هؤلاء، فإذا تولى الحاضر البيع لهم، شدّد، ودقّق في الحساب، فلم تحصل فائدة لأهل البلد من هذا الجلب.
والحديث الثاني حديث ابن عمر في النهي عن بيع المزابنة، والمزابنة: أن يُباع الشيء الذي على رؤوس النخل، أو الزروع التي
[ ٥٣١ ]
لم تُحصد، أو العنب، بأشياء موجودة مكيلة؛ ولهذا قال: يبيع ثمرة نخل بتمرٍ كيلًا، وإن كان زرعًا بكيل طعام، وإن كان فاكهة كالعنب مثلًا بزبيب كيلًا، وهو الكرم، فلا يباع هكذا؛ لأنه لا يحصل التماثل، فالحب المكيل، والتمر المكيل، والزبيب المكيل ما يتماثل مع ما في رؤوس النخل، أو الزرع، بل يكون بينهم مخالفة وتفاوت، والشيء لا يباع بمِثله إلا مِثلًا بمثل، سواءً بسواء، فلا يباع التمر بالتمر، إلا مِثلًا بمِثل، ولا يباع الحب بالحب إلا مِثلًا بمِثل، ولا يباع الزبيب إلا مِثلًا بمِثل؛ فلهذا يقال لها: مزابنة، أي الزبن، وهو الدفع، وهو أن يبيع شيئًا مجهولًا بشيءٍ معلوم، هذا ضابطه أن يبيع شيئًا مجهولًا من الربويات بمثله معلومًا، فيحصل بهذا تحقق التفاضل، أو جهل التماثل، فلا يصح، فلا يباع شيء من الحبوب بمِثله، إلا سواء بسواء، كيلًا بكيل، ولا شيء من التمور بمثله إلا سواء بسواء، كيلًا بكيل، ولا من الزبيب بمثله إلا كيلًا بكيل، فإذا باع الثمر، أو الزرع، أو الكرم بشيء مكيل لم يحصل التماثل؛ ولهذا منع.
وهكذا الحديث الأخير في النهي عن بيع الحبوب والزبيب وغيرها إلا العرايا، فالعرايا لا بأس أن يبيع ثمرًا بخرصه تمرًا، فلا بأس، لأنه عند الحاجة يكون الخرص قائمًا مقام الكيل، فإذا باع الثمرة في رؤوس النخل رطبًا بخرصها تمرًا؛ لمسيس الحاجة إلى التمتع بالرطب، فلا بأس مثلًا بمثل، فيكون الخرص حينئذ قائمًا مقام الكيل للحاجة، هذا بيع مستثنى فقط، وهو العرايا فيما دون
[ ٥٣٢ ]
خمسة أوسق، لابد أن تكون في أقل من خمسة أوسق، كما في حديث أبي هريرة: «رخص في العرايا فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق»، شكٌّ من الراوي؛ ولهذا قال: لا بد أن يكون دون خمسة أوسق عملًا باليقين، ويكون بخرصها تمرًا لا زيادة، ويكون يدًا بيد، يسلم له التمر، ويخلي بينه وبين الثمر، لقوله - ﷺ -: «إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» (١)؛ ولقوله في التمر ونحوه: «مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد» (٢)، فهذا تمر بتمر رُخص فيه للحاجة، وشدة الحاجة، لكن يدًا بيد، فهذا بالكيل، وهذا بالخرص، وهذه مسألة مستثناة خاصة، يقال لها: مسألة العرايا.
٢٦٩ - عن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ -، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ» (٣).
٢٧٠ - عن رافع بن خديج - ﵁ -، أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ. وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» (٤).
_________________
(١) مسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، برقم ١٥٨٧.
(٢) مسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، برقم ١٥٨٧.
(٣) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب ثمن الكلب، برقم ٢٢٣٧، بلفظه، ومسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب في تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنهي عن بيع السنور، برقم ١٥٦٧.
(٤) ليس الحديث عند البخاري، ورواه مسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب في تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنهي عن بيع السنور، برقم ٤١ - (١٥٦٨).
[ ٥٣٣ ]