٣١ - عن أبي هريرة - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَقِيَهُ في بعْضِ طُرُقِ المدينَةِ وهو جُنُبٌ، قالَ: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ، فقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا. فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ وأنا على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحانَ اللَّه! إِنَّ المُسْلِمَ ــ وفي رواية: المُؤْمِنَ ــ لا يَنْجُسُ» (٢) (٣).
٣٢ - عن عائشة لقالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ (٤) تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يغْتَسِلُ (٥)، ثُمَّ
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «باب الجنابة».
(٢) في نسخة الزهيري: «إن المؤمن لا ينجس»، ولم يذكر رواية: «إن المسلم لا ينجس».
(٣) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب عرق الجنب، وأن المسلم لا ينجس، برقم ٢٨٣ بلفظ: «إن المسلم لا ينجس»، وأما لفظ: «إن المؤمن لا ينجس»، فهي رقم ٢٨٥، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس، برقم ٣٧١.
(٤) في نسخة الزهيري: «و» بدلًا من: ثم.
(٥) في نسخة الزهيري: «اغتسل».
[ ١٠٩ ]
يُخَلِّلُ بِيَدَيْهِ (١) شَعْرَهُ، حَتَّى إذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَيْهِ (٢) ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (٣).
٣٣ - وَكَانَتْ تَقُولُ (٤): «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنِ إنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا» (٥).
٣٤ - عن ميمونة بنت الحارث - ﵂ - زوج النبي - ﷺ - أنها (٦) قالت: «وَضَعَتُ لِرَسُولِ اللَّهِ (٧) - ﷺ - وَضُوءَ الْجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، أَوِ الْحَائِطِ، ــ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا ــ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَاسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ سائر (٨) جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ، قالت (٩):
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «بيده».
(٢) في نسخة الزهيري: «أفاض عليه الماء».
(٣) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب تخليل الشعر، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه، برقم ٢٧٢، ومسلم، كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم ٣١٦.
(٤) في نسخة الزهيري: «وقالت».
(٥) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب تخليل الشعر، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه، برقم ٢٧٣، ومسلم، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد في حالة واحدة، وغسل أحدهما بفضل الآخر، برقم ٣٢١.
(٦) «أنها»: ليست في نسخة الزهيري.
(٧) في نسخة الزهيري: «وضع رسول اللَّه - ﷺ -».
(٨) «سائر»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في صحيح مسلم، برقم ٣٧ - (٣١٧).
(٩) «قالت»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٢٧٤.
[ ١١٠ ]
فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِيهِ (١)» (٢).
٩ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة فيما يتعلق بالجنابة والغسل منها، والغسل من الجنابة من الفرائض كما قال اللَّه جلّ وعلا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٣).
الطهارة لا بد منها في الجنابة، وإذا عجز عن الماء كفاه التيمم كالمسافر ونحوه.
وفي الحديث الأول: أن أبا هريرة - ﵁ - كان مع النبي - ﷺ -، فانخنس من النبي - ﷺ -: يعني ذهب منه خُفيةً، ثم اغتسل، ثم جاء، فقَالَ له النبي - ﷺ -: «أَيْنَ كُنْتَ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: إني كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ وأنا على غَيْرِ طَهارَةٍ، فَقَالَ - ﵊ -: «سُبْحانَ اللَّه! إِنَّ المُسْلِمَ لا يَنْجُسُ» (٤)، فدلّ ذلك على أن الجنب طاهر العرق، طاهر البدن، ليس بنجس، عَرَقه طاهر، وريقه طاهر، وبدنه طاهر، وإنما عليه حدث يُغسل بالماء، وهذا معنى من المعاني يسمى حدثًا أكبر، إذا تطهر بالماء ارتفع، وحلت له
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «بيده»، وكذلك في لفظ البخاري، برقم ٢٧٤.
(٢) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب من توضأ في الجنابة، ثم غسل سائر جسده، برقم ٢٧٤، واللفظ له، ومسلم، كتاب الحيض، باب صفة غسل الجنابة، وعنده في آخره: «ثم أتيته بالمنديل فرده»، برقم ٣١٧.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٤) رواه البخاري، برقم ٢٨٣، ومسلم، برقم ٣٧١، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣١.
[ ١١١ ]
الصلاة ونحوها.
كما أن الحدث الأصغر ليس بنجاسة، وإنما يُوجب وضوءًا كالريح ونحوها، وأكل لحم الإبل ونحوه، يوجب وضوءًا؛ فإذا توضأ ارتفع ذلك الحدث، فإذا جالس الجنب إخوانه، وجلس معهم، وأكل معهم، أو نحو ذلك، فلا بأس ولا حرج، أما كونه يتطهر [ويكون] على طهارة مع إخوانه عند أكله ونحو ذلك، فهذا أفضل، لكن لا حرج عليه إذا جالسهم، أو مشى معهم وهو على جنابته، لا حرج في ذلك، ولكن الأفضل أنه يتطهر إذا أراد أن ينام، إذا أراد أن يأكل يتطهر، وإذا بادر بالغسل قبل النوم كان أفضل، وإذا أخّره إلى آخر الليل فلا بأس، وهكذا الحائض، وهكذا النفساء أبدانهما طاهرة، عرقهما طاهر، ريقهما طاهر، شعرهما طاهر، وإنما هو حدث إلا ما أصاب الدم من ثوب أو بدن يغسل ما وقع عليه الدم من ثوب، أو بدن يُغسل، وإلا فريقها طاهر، وعرقها طاهر، وبدنها طاهر، وما مست بيدها شيئًا من ماء، أو لبن، أو غير ذلك، فلا بأس، إنما النجاسة في الدم فقط.
وفي حديث عائشة وميمونة بيان صفة الغسل، وأنه - ﵊ - كان يغتسل، أولًا يغسل كفيه ثلاثًا، ثم يستنجي - ﵊ -، وربما ضرب بيده الحائط مرتين، أو ثلاثًا، إذا كان هناك شيء من أثر نجاسة، أو بقايا لمزيد النظافة، فإذا استنجى من حاجته ربما ضرب التراب أو الجدار لمزيد النظافة، ثم يغسل ذلك، وإذا فعل ما يقوم مقام ذلك من الصابون،
[ ١١٢ ]
أو الأشنان كفى ذلك، ثم يتوضأ وضوء الصلاة - ﵊ -، يتمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه وأذنيه، ويغسل رجليه قبل بدنه، هذا وضوء الصلاة، وفي بعض الأحيان يترك الرجلين إلى الآخر، يغسل وجهه ويديه، ويمسح رأسه، ثم يفيض الماء على رأسه، ويدع رجليه بعد ذلك، فإذا كَمَّلَ غُسله، غَسل رجليه بعد ذلك، وكله سُنة، إن كمّل الوضوء وهو أفضل، ثم إذا انتهى من الغسل غسل رجليه مرة أخرى، هذا هو الأفضل، وإن أخّرهما إلى آخر الغسل، ووقف عند الرأس فلا بأس بذلك، فعل النبي - ﵊ - هذا وهذا.
وفيه من الفوائد: أنه يخلل شعره هكذا بيديه، ويفيض على الرأس ثلاث مرات، وهكذا المرأة إن كان رأسها مشدودًا تفيض عليه ثلاث مرات، والرجل ثلاث مرات، ثم يفيض الماء على بقية جسده على جنبه الأيمن ثم الأيسر، ثم يكمل، ثم يغسل رجليه، هذا هو الغسل الكامل، هذا هو الأفضل الذي فعله النبي - ﵊ -، وكيفما فعل أجزأ، لو بدأ بالأسفل برجليه، لو بدأ بشقه الأيسر قبل شقه الأيمن، ثم كمل غسله، كل هذا يجزئ، المهم أنه يغسل بدنه، هذا المهم بنية الطهارة من الجنابة، بدأ بالرأس، أو بالرجل، أو باليد، أو بالجنب الأيمن، أو بالأيسر يجزئه، لكن الأفضل مثل فعل النبي - ﷺ -.
الأفضل أن يستنجي أولًا، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يبدأ برأسه، يفيض عليه ثلاث مرات، ثم شقه الأيمن، ثم الأيسر، ثم يكمل، هذا هو الأفضل، وكيفما اغتسل وعمم الماء ببدنه أجزأه
[ ١١٣ ]
ذلك، وأخبرت عائشة - ﵂ -، وكذا ميمونة أنه ربما اغتسل مع زوجته من إناء واحد - ﵊ - ربما كان الإناء بينهما يغترفان منه، من إناء واحد، فدل ذلك على جواز اغتسال الرجل مع زوجته من إناء واحد، لا حرج في ذلك؛ لأن اللَّه أباح له عورتها، وأباح لها عورته، فلا حرج أن ينظر أحدهما إلى الآخر، وأن يغتسل هذا مع هذا، كما فعله المصطفى - ﵊ - وأزواجه.
وفيه من الفوائد أن كونه يترك التنشف أفضل بعد الغسل؛ ولهذا لما جاءته بمنديل تركه، وجعل ينفض الماء بيده - ﵊ - هذا هو الأفضل، وإن تمسح فلا حرج، لكن الرسول - ﷺ - تركه ونفض، ولم ينه عن هذا، لم ينه عن التمندل والتنشف، لم ينه عنه، ولكنه تركه، فدل على أن النفض أفضل من التمسح بعد غسل الجنابة.
٣٥ - عن عبد اللَّه بن عمر أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وهو جنب (١)» (٢).
٣٦ - عن أم سلمة - ﵂ - ــ زوج النبي - ﷺ - ــ قالت: «جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ــ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ ــ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ
_________________
(١) «وهو جنب»: ليست في نسحة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٢٨٧.
(٢) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب نوم الجنب، برقم ٢٨٧، ومسلم، كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل، أو يشرب، أو ينام، أو يجامع، برقم ٣٠٦.
[ ١١٤ ]
لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنِ غُسْلٍ إذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «نَعَمْ، إذَا هي (١) رَأَتِ المَاءَ» (٢).
٣٧ - عن عائشة - ﵂ - قالت: «كُنْت أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنِ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ» (٣).
وفِي لفظ لمسلم «لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنِ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَرْكًا، فَيُصَلِّي فِيهِ» (٤).
١٠ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق أيضًا بغسل الجنابة والاحتلام وآثار المني.
في الحديث الأول الدلالة على أنه ينبغي للمؤمن إذا أراد النوم وهو جنب أن يتوضأ، إذا لم يتيسر الاغتسال، فيتوضأ وينام على طهارة صغرى؛ ولهذا قال عمر: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ
_________________
(١) «هي»: ليست في نسخة الزهيري.
(٢) رواه البخاري، كتاب العلم، باب الحياء في العلم، برقم ١٣٠، ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها، برقم ٣١٣.
(٣) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب غسل المني وفركه، وغسل ما يصيب من المرأة، برقم ٢٢٩، و٢٣٠، و٢٣١، و٢٣٢، ومسلم بنحوه، كتاب الطهارة، باب حكم المني، برقم ٢٨٩.
(٤) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب حكم المني، برقم ٢٨٨.
[ ١١٥ ]
جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ» (١) وقالت عائشة - ﵂ -: كان النبي إذا أتى أهله يغسل فرجه ويتوضأ ثم ينام (٢)، وجاء عنه - ﷺ - أنه رُبَّمَا اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ (٣)، فالأحوال ثلاثة:
إحداها: أن ينام من غير وضوء ولا غسل، وهذا مكروه، وهو خلاف السنة.
الحالة الثانية: يستنجي ويتوضأ وضوء الصلاة، وهذا لا بأس به.
الثالث: يتوضأ ويغتسل، وهذا هو الأكمل، إذا اغتسل كمَّل طهارته، كان هذا أكمل، وكان النبي - ﷺ - يفعل هذا تارة، وهذا تارة، ربما اغتسل، وربما توضأ ونام، كلاهما جائز.
والوضوء والغسل بعد الاستنجاء، بعدما يستنجي يغسل ذكره وما حوله، ثم يتوضأ وضوء الصلاة، ثم يغتسل إن شاء قبل أن ينام وهو أفضل، وإن شاء أخر إلى آخر الليل، وجاء في بعض الروايات
_________________
(١) رواه البخاري، برقم ٢٨٧، ومسلم، برقم ٣٠٦، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٥.
(٢) مسند أحمد، ٤٣/ ١٦، برقم ٢٥٨١٤، بلفظ: «لَمْ يَكُنْ يَنَامُ حَتَّى يَغْسِلَ فَرْجَهُ، وَيَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ»، وعن عمر عند النسائي في السنن الكبرى، ٥/ ٣٣٤، برقم ٩٠٠٧، وابن عساكر في تاريخ دمشق، ٤٣/ ٥٠١، وصححه محققو المسند، ٤٣/ ١٦، وكذلك صححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٤٠٢.
(٣) مسند أحمد، ٤١/ ٥١٦، برقم ٢٥٠٧٠، مصنف عبد الرزاق، ١/ ٢٧٩، والحاكم،
(٤) / ١٥٣، وصححه، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده محققو المسند، ٤١/ ٥١٦.
[ ١١٦ ]
عن عائشة «أنه كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً» (١).
وهذا الحديث محمول على أنه لا يمس ماء الغسل، وبعضهم أعلَّ ذلك، ولكن حمله على ماء الغسل حتى يتفق مع الأحاديث الصحيحة، حملٌ مناسب؛ لأن المراد بالماء ماء الغسل.
وفي الحديث الثاني: أن أم سليم قالت: إن اللَّه لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال النبي - ﷺ -: «نَعَمْ إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ فَلْتَغْتَسِلْ» (٢)، هذا دل على حكم عظيم، وهو أن الاحتلام لا يوجب الغسل إلا إذا رأى المحتلم الماء وهو المني، وهذا معنى قوله - ﷺ -: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (٣). الماء من الغسل من الماء وهو ماء الجنابة وهو المني.
فلو احتلم الإنسان، ولكن ما رأى منيًا، فلا غسل عليه، سواء كان
_________________
(١) مسند أحمد، ٤٢/ ٦٥، برقم ٢٥١٣٥، وأبو داود، كتاب الطهارة وسننه، باب في الجنب يؤخر الغسل، برقم ٢٢٨، والترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في الجنب ينام قبل أن يغتسل، برقم ١١٨، السنن الكبرى للبيهقي، ١/ ٢٠١، وإسحاق بن راهويه، ٢/ ٨٥١، وقال محققو المسند، ٤٢/ ٦٥: «حديث صحيح دون «ولا يمس ماء» فقد أنكره الحفاظ»، وصحح إسناده الشيخ الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٩١.
(٢) رواه البخاري برقم ١٣٠، ومسلم، برقم ٣١٣، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٦، وهذا اللفظ للترمذي، أبواب الطهارة، باب ما جاء في المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل، برقم ١٢٢.
(٣) لفظ مسلم، «إنما الماء من الماء»، كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء، برقم ٣٤٣، واللفظ المذكور في السنن: أبو داود، كتاب الطهارة، باب الإكسال، برقم ٢١٥، وابن ماجه، الطهارة وسننها، باب الماء من الماء، برقم ٦٠٧، والنسائي، كتاب الطهارة، باب الذي يحتلم ولا يرى الماء، برقم ١٩٩.
[ ١١٧ ]
رجلًا أو امرأة، إذا رأى في النوم أنه أتى امرأة، أو رأت هي في النوم أن زوجها أو غيره أتاها، وبعد الاستيقاظ لم يوجد ماء، ما فيه أثر مني لا في الفرج، ولا في الثياب فلا غُسل، وإن رأى الماء، ولم يذكر احتلامًا وجب الغسل، حتى ولو ما ذكر الاحتلام استيقظ، ورأى المني يغتسل، ولو لم يذكر الاحتلام، لأن الظاهر أنه من الاحتلام.
«الماء من الماء».
وفيه من الفوائد: لا مانع من سؤال الإنسان عما أشكل عليه، وإن كان قد يستحيي من ذلك، بل الواجب أن يسأل عما يهمه من أمور دينه من أمر الجماع، وأمر النجاسة، وما قد يشكل عليه مما قد يقع بينه وبين أهله إلى غير ذلك من أمور سرية في العادة بين الرجل وأهله، لكن إذا أشكل عليه الحكم يسأل أهل العلم عن الحكم، إن اللَّه لا يستحيي من الحق.
والحديث الثالث حديث عائشة - ﵂ -: أنها كانت تغسل الجنابة، وهي المني من ثوب رسول اللَّه - ﷺ -، فيخرج إلى الصلاة وإن أثر الماء في ثوبه، وربما حكته من ثوبه حكًا وفركته فركًا (١).
قالت: «لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِسًا بِظُفُرِي مِنْ ثَوْبِهِ ..» (٢) احتج به العلماء
_________________
(١) رواه مسلم، برقم ٢٨٨، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٣٧.
(٢) رواه مسلم بلفظ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لأَحُكُّهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَابِسًا بِظُفُرِي»، كتاب الطهارة، باب حكم المني، برقم ٢٩٠.
[ ١١٨ ]
على أن المني طاهر؛ لأن المني أصل الإنسان، والإنسان طاهر، فأصله وهو المني طاهر، فلو صلى وبثوبه مني صحت الصلاة، لكن الأفضل أن يغسله كما غسله النبي - ﷺ -، من باب النظافة، وإن كان يابسًا فركه، أو حكه بظفره، أو بعود، أو نحو ذلك كفى ذلك، ولكن إذا غسله كان ذلك أكمل في النظافة، كما وقع هذا في حديث عائشة هنا.
فالخلاصة: أن المني طاهر بنفسه؛ فإن غسله كان أكمل، وإن حكه بعود، أو بعظم، أو بظفره لكونه يابسًا كفى ذلك، ولا يلزم الغسل، وإنما يستحب الغسل من باب النظافة، وإزالة آثار المني.
٣٨ - عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول (١) اللَّه - ﷺ - قال: «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٢).
وفي لفظ لمسلم (٣): «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ» (٤).
٣٩ - عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن
علي (٥) - ﵄ - «أَنَّهُ كَانَ ــ هُوَ وَأَبُوهُ ــ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ -
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «قال: قال رسول اللَّه».
(٢) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان، برقم ٢٩١ بلفظه، ومسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء، ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، برقم ٣٤٨.
(٣) «لمسلم»: ليست في نسخة الزهيري.
(٤) البخاري، برقم ٢٩١، ومسلم، واللفظ له، برقم ٨٧ - (٣٤٨).
(٥) في نسخة الزهيري زيادة: «ابن أبي طالب».
[ ١١٩ ]
، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ (١). فَسَأَلُوهُ عَنْ الْغُسْلِ؟ فَقَالَ: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ: مَا يَكْفِينِي. فَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْك شَعَرًَا، وَخَيْرًا مِنْكَ ــ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ (٢) - ﷺ - ــ ثُمَّ أَمَّنَا فِي ثَوْبٍ» (٣).
وفي لفظ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُفْرِغُ الْمَاءَ (٤) عَلَى رَاسِهِ ثَلاثًا» (٥).
قال (٦) - ﵁ -: الرَّجُلُ الَّذي قال «مَا يَكْفِينِي» هو الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب - ﵁ -، وأبوه محمد ابن الحنفية (٧) (٨).
١١ - قال الشارح - ﵀ -:
هذان الحديثان الصحيحان عن رسول اللَّه - ﵊ - كالأحاديث التي قبلها فيما يتعلق بالغسل من الجنابة.
تقدم قوله - ﷺ - لما سألته أم سُليم: هل على المرأة من غسلٍ إذا احتلمت؟ قال: عليها غسل إذا رأت الماء، فهذا يدل على أنه متى
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «قومه»، وهو في البخاري بلفظ المتن: «وعنده قوم» برقم ٢٥٢.
(٢) في نسخة الزهيري: «يريد النبي - ﷺ -».
(٣) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب الغسل بالصاع ونحوه، برقم ٢٥٢.
(٤) «الماء»: ليست في نسخة الزهيري.
(٥) رواه البخاري، كتاب الغسل، باب من أفاض على رأسه ثلاثًا، برقم ٢٥٥، و٢٥٦، وأخرجه مسلم بنحوه، كتاب الغسل، باب استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا، برقم ٣٢٩.
(٦) «قال» ليست في نسخة الزهيري.
(٧) في نسخة الزهيري: «أبوه ابن الحنفية».
(٨) قد جاء ذلك في صحيح البخاري، برقم ٢٥٦، وانظر: صحيح مسلم، برقم ٣٢٩
[ ١٢٠ ]
رأى الإنسان الماء وجب عليه الغسل، رجل كان أو امرأة في الاحتلام، أو في اليقظة مع الشهوة، مع التفكير والنظر والملامسة يجب الغسل، ولهذا قال - ﷺ -: «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» (١)، وفي حديث أبي هريرة يقول - ﷺ -: «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وإنْ لمْ يُنزِل» (٢) هذا موجب ثانٍ وهو الجماع، وإن لم ينزل الماء؛ فإنه يجب عليه الغسل.
اتضح من هذا أن الغسل، يجب بأحد أمرين:
[١]- إما إنزال المني عن شهوة في الاحتلام أو في اليقظة.
[٢]- أو إيلاج الذكر في فرج المرأة، وإن لم ينزل؛ فإنه يجب به الغسل، وهذا معنى الحديث الثاني، قوله - ﷺ -: «إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٣)،
وفي رواية: «إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٤)، يعني ختانه مع ختانها، إذا أولج الحشفة، واتصل الختان بموضع الختان وجب الغسل، وإن لم ينزل المني، فإن أنزل
_________________
(١) مسلم، برقم ١٩٩، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٣٦.
(٢) رواه البخاري، برقم ٢٩١، ومسلم، برقم ٣٤٨،وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٨.
(٣) رواه موقوفًا عن عدد من الصحابة مالك في الموطأ، ٢/ ٦٣، برقم ١٤٣، وابن خزيمة،
(٤) / ١١٤، برقم ٢٢٧، والبيهقي في السنن الكبرى، ١/ ١٦٣.
(٥) الشافعي في مسنده، ١/ ١٥٩، وابن ماجه، الطهارة وسننها، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، برقم ٦٠٨، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ١/ ٤٦٤، برقم ١٣٧٢، وإسحاق بن راهويه، ٢/ ٤٧٠، برقم ١٠٤٤، وابن حبان، ٣/ ٤٥٦، برقم ١١٨٣، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ٢/ ٤٢٣.
[ ١٢١ ]
وجب بالأمرين: وجب بالإيلاج، ووجب بالماء، بهما جميعًا.
وفي الحديث الأخير حديث جابر بن عبداللَّه الأنصاري - ﵄ -: الدلالة على أن السنة في الغسل الاقتصاد في الماء وعدم الإكثار منه، ولهذا لما تناظروا في الغسل، قال لهم جابر: يكفيك صاع، قال السائل: ما يكفيني، فقال له جابر: كان يكفي من هو أوفر منك شعرًا، وخيرًا منك، يعني الرسول - ﷺ -، كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد، وربما اغتسل بخمسة الأمداد، وربما اغتسل مع زوجته من فرق يسع ثلاثة آصع.
فيكون الغسل من هذا المقدار، صاع ومد ونصف، هكذا السنة أن يقتصد، فلا يكثر صب الماء، السنة الاقتصاد في الماء، وعدم الإسراف، وهكذا إذا كان يغتسل تحت الدش، أو تحت أنبوب آخر، يقتصد إذا عمم جسده بالماء كفى، والحمد للَّه.
والسنة أن يبدأ بالاستنجاء، يستنجي يغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوء الصلاة (١)، [ثم يمر الماء على جسده، يبدأ بالشق الأيمن ثم الأيسر، هذا هو الأفضل، وكيفما اغتسل جاز، بدأ بأسفله (٢) [أو بأعلاه: يغسل رأسه، ثم] (٣)، يفيض (٤) الماء عليه ثلاث مرات، ثم
_________________
(١) آخر الوجه الأول من الشريط الثاني من الأشرطة التي عندي.
(٢) آخر الوجه الأول من الشريط الثاني من أصول مؤسسة ابن باز.
(٣) سقط بعض الكلمات اليسيرة، والذي يظهر أنها: [أو بأعلاه، يغسل رأسه، ثم]، والله أعلم.
(٤) أول الوجه الثاني من شريط المؤسسة من الشريط الثاني.
[ ١٢٢ ]
جنبه الأيمن ثم الأيسر، هذا هو الكمال؛ ولهذا قال: يفيض الماء على رأسه ثلاثًا. يعني] (١) يبدأ برأسه بعد الوضوء، ويفيض عليه ثلاثًا، ويدخل أصابعه في أصول الشعر فيكفي، وإن كان مشدودًا لا حاجة إلى النقض في غسل الجنابة، أما الحيض والنفاس فالأفضل النقض؛ لأن المدة تطول في الحيض والنفاس.
(ثم أمَّنا في ثوب) أي ثم صلى بنا في ثوب واحد، يعني جابر ليعلمهم كيفية الصلاة، وأنه لا بأس أن يصلي في ثوب واحد، يعقد أطرافه على عاتقيه، أي في ثوب واحد، أي في إزار، وأطرافه على عاتقيه لا بأس، وإن كان في ثوبين يكون أفضل، إزار، ورداء، أو قميص، لكن لو صلى في ثوب واحد: إزار، وربط طرفيه على عاتقيه فلا بأس، لقوله في حديث آخر عليه الصلاة ولسلام: «التحف به» (٢) في اللفظ الآخر: «خالف بين طرفيه» (٣)، ولا يصلي في ثوب واحد دون أن يجعل على عاتقيه شيئًا، كالإزار الذي على نصفه فقط، فالواجب أن يجعل على عاتقيه شيئًا، إما طرف الإزار، وإلا رداء مستقلًا؛ ولهذا قال - ﵊ -: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي
_________________
(١) أول الوجه الثاني من الشريط الثاني من الأشرطة التي عندي.
(٢) أخرجه بمعناه، البخاري معلقًا، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به، قبل الرقم ٣٥٤، ومسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، برقم ٥١٧.
(٣) أخرجه، البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد، برقم ٣٥٤، مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه، برقم ٥١٧.
[ ١٢٣ ]
الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ» (١)،
فالواجب أنه يصلي في إزار ورداء أو في إزار يخالف بين طرفيه، أطرافه على عاتقيه كما أمر به النبي - ﵊ -، إلا إذا كان عاجزًا، ما عنده إزار، قاصر لا يصل إلى عاتقيه، أو ما عنده إلا سراويل صلى فيها والحمد للَّه، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، لكن إذا كان عنده سعة فالسنة أن يكون على عاتقيه شيء رداء، أو يلبس قميصًا على إزار، هذا هو الواجب، إذا كان عنده قدرة، وجب عليه أن يلبس رداء، أو يلبس قميصًا، أو يلبس شيئًا مما يستر عاتقيه كالفنيلة، وما أشبهها، الفنيلة الساترة لعاتقيه، وما أشبه ذلك، أو أحدهما، فبهذا يحصل المقصود، لكونها على العاتقين جميعًا: كالرداء، أو الفنيلة الساترة للمنكبين، يكون هذا هو الواجب عند القدرة.