٣٦٢ - عن أنس بن مالك - ﵁ -، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَةٍ نَحوَ أَرْبَعِينَ، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر: استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف (٢): أخف الحدود
_________________
(١) أخرج أبو داود بلفظ: «فَهَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَاتِيَنِي بِهِ»، حديث رقم ٤٣٩٤، كتاب الحدود، باب من سرق من حرز، وفي رواية للحاكم، ٤/ ٣٨٠ بهذا اللفظ أيضًا، وبنحوه ابن ماجه في كتاب الحدود، باب من سرق من حرز، برقم ٢٥٩٥، والنسائي، كتاب قطع السارق، الرجل يتجاوز للسارق عن سرقته بعد أن يأتي به الإمام، برقم ٤٨٧٨، وأخرجه الدارقطني، ٣/ ٢٠٤، كتاب الحدود والديات، برقم ٣٦٢ بلفظ: «عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ ثِيَابُهُ تَحْتَ رَاسِهِ فَجَاءَ سَارِقٌ فَأَخَذَهَا فَأُتِيَ بِهِ النَّبيُّ - ﷺ - وَأَقَرَّ السَّارِقُ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقْطَعَ فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُقْطَعُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فِي ثَوْبِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَفَلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ» .. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْوَالِي فَإِذَا وَصَلَ إِلَى الْوَالِي فَعَفَا، فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ» ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِهِ مِنَ الْمِفْصَلِ»، وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٧/ ٣٤٧، وآخر اللفظ الذي ذكره سماحة الشيخ: «فلعن اللَّه الشافع والمشفوع» لم أقف عليه. أما ما ذكره الشيخ بلفظ: «إِذَا بَلَغْتَ الحدودِ السُّلْطَانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفِّع»، فتقدم تخريجه في الحاشية التي قبل هذه.
(٢) «بن عوف»: ليست في نسخة الزهيري.
[ ٧١٠ ]
ثمانون (١)، فأمر به عمر - ﵁ -» (٢).
٣٦٣ - وعن أبي بُرْدة هاناء بن نِيار البلَوِيِّ الأنصاري (٣) - ﵁ -، أنه سمع رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إلَاّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (٤).
١٠٦ - قال الشارح - ﵀ -:
هذان الحديثان فيما يتعلق في حد الخمر، وعدم الزيادة في الجلد على عشرة أسواط، إلا في حدٍّ من حدود اللَّه.
الخمر يُطلق على كل ما يخامر العقل، ويغيّره من أي جنس كان من عنب، أو من تمر، أو من غير ذلك، كل ما اشتدّ، وغيّر العقل، يُسمّى خمرًا، كما في الحديث الصحيح: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام» (٥) قال عمر - ﵁ -: الخمر ما خامر العقل (٦): يعني ما
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «ثمانين»، وهي التي في صحيح مسلم، برقم ١٧٠٦.
(٢) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب ما جاء في ضرب شارب الخمر، برقم ٦٧٧٣، ومسلم، كتاب الحدود، باب حد الخمر، برقم ١٧٠٦، بلفظه.
(٣) «الأنصاري»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٦٨٥٠.
(٤) رواه البخاري، كتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب، برقم ٦٨٤٨، ورقم ٦٨٥٠، واللفظ له، إلا أنه قال: «لا تجلدوا» بدل «يجلدُ»، ومسلم، كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير، برقم ١٧٠٨ بنحوه.
(٥) مسلم، برقم ٢٠٠٣، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٢٧٥.
(٦) البخاري، كتاب الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب، برقم ٥٥٨٨، ولفظه: «عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ، عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: العِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالعَسَلِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ. وَثَلَاثٌ، وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا: الجَدُّ، وَالكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا، قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا عَمْرٍو، فَشَيْءٌ يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ مِنَ الأُرْزِ؟ قَالَ: ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَوْ قَالَ: - عَلَى عَهْدِ عُمَرَ»، ومسلم، كتاب التفسير، باب في نزول تحريم الخمر، برقم ٣٠٣٢، بنحو لفظ البخاري.
[ ٧١١ ]
خالطه وغيره من أي جنس.
واللَّه جل وعلا حرم الخمر، وحذر منها، لما فيها من امتهان العقول والفساد الكثير، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الخَمْرُ والميسِرُ والأَنصَابُ والأَزْلامُ رِجس من عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١)، والميسر هو القمار، وهو المغالبة بالمال، والمخاطرة بالمال، وقد لعن رسول اللَّه - ﷺ - «الخمر، وشاربها، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها» (٢)
، فهي من الكبائر، وقال - ﵊ -: «إن على اللَّه عهدًا لمن مات وهو يشرب الخمر أن يسقيه من طينة الخبال» قيل: يا رسول اللَّه وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل النار» أو قال: «عرق أهل النار» (٣)، نسأل اللَّه العافية، وكان النبي - ﷺ -
_________________
(١) سورة المائدة، الآيتان: ٩٠ - ٩١.
(٢) أخرجه الإمام أحمد، ٨/ ٤٠٥، برقم ٤٧٨٧، وابن ماجه، برقم ٣٣٨٠، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ص: ٤٧، برقم ٣٣٧١، وتقدم تخريجه في تخريج أحاديث شرح حديث المتن رقم ٢٧٥ ..
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام، برقم ٢٠٠٢، ولفظه: «عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنْ جَيْشَانَ، وَجَيْشَانُ مِنَ الْيَمَنِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَوَ مُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ - ﷿ - عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ».
[ ٧١٢ ]
يعاقب فيه بالجلد: بالجريد، وبالنعال، والثياب، ثم استقر حدُّه بأربعين جلدة، فعله النبي - ﷺ -، وفعل ذلك أبو بكر أيضًا، كما في حديث أنس السابق، فلما كان في عهد عمر توسَّع الناس في شرب الخمر جمع الصحابة، واستشارهم - ﵃ - في أن يُزاد، فأشار عبدالرحمن بن عوف بأن يُجعل ثمانون، يجعل حدّ الخمر ثمانين جلدة كالقذف، ووافقه على ذلك؛ لأن هذا أنكى (١)، وأشد في الزجر؛ ولأن الرسول - ﷺ - لم يحد فيه حدًا لا يزاد، فجلد فيه بالجريد والنعال، وهكذا علي - ﵁ - لم يحد فيه حدًا.
فصار أشبه بالتعزير، فلهذا رأى عمر - ﵁ - ومن معه الزيادة في الردع وزاد عمر فيه أيضًا النفي إذا رأى المصلحة في ذلك، فالواجب على ولي الأمر أن يعاقب شارب الخمر بما يردعه، ومن ذلك جلده ثمانين جلدة، وإذا رأى مع ذلك أن يسجن، أو ينفى من بلده إلى بلدٍ أخرى، فلا بأس بذلك إذا لم ينزجر بهذا الحد؛ لأن التساهل في ذلك يفضي إلى فساد كبير في الأمة، فشارب الخمر لا يتورع عن شيء لذهاب عقله، قد يقتل، قد يزني، قد يتعدَّى على حرمات أخرى، فهي أم
_________________
(١) أنكى: نكأت الجرح إذا قشرته. النهاية في غريب الحديث والأثر، ٥/ ١١٥، مادة (نكأ).
[ ٧١٣ ]
الخبائث، شرها عظيم؛ فلذلك وجب على ولاة الأمور العناية بما يحسم شرها، ويقطع دابرها، ويمنع من الإقدام عليها.
حديث أبي بردة بن نيار البلوي دلالة على أنه لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلا في حدٍ من حدود اللَّه، وأحسن ما قيل في ذلك أن المراد بالحدّ هنا هو المعصية؟، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (١)، وهي المعاصي، يعني أن تأديب الإنسان زوجته، أو ولده، أو خادمه يكون عشرة فأقل؛ لأنه حق آدمي فلا يزاد على العشرة في ذلك، ولكن في حدود اللَّه في المعاصي، لا بأس أن يزاد للردع، أما في حدود المخلوق فيما بين المخلوق والمخلوق كما بين الرجل وابنه، أو زوجته، أو خادمه، أو نحو ذلك، فيكون الجلد في عشرة فأقل؛ ولهذا قال: «إلا في حدٍّ من حدود اللَّه»: يعني إلا في معصية من معاصي اللَّه.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ١٨٧.
[ ٧١٤ ]