٣٧١ - عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ (٣) نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً ــ وَفِي رِوَايَةٍ: يَوْمًا ــ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ» (٤).
٣٧٢ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -، «أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: إنَّه لا يَاتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٥).
١٠٩ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث فيها أحكام تتعلق بالنذر، وبالأيمان على غير ملة الإسلام، وبقتل النفس، وبالدعاوى الباطلة.
يقول - ﷺ -: «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا،
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «لم يزده اللَّه بها إلا قلة».
(٢) رواه مسلم كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وإن من قتل نفسه بشيء عُذِّب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، برقم ١١٠.
(٣) «كنت»: ليست في نسخة الزهيري.
(٤) رواه البخاري، برقم ٢٠٣٢، ومسلم، برقم ١٦٥٦، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٢١٦.
(٥) رواه البخاري، كتاب القدر، باب إلقاء العبد النذر إلى القدر، برقم ٦٦٠٨، وكتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، برقم ٦٦٩٢، و٦٦٩٣، ومسلم، كتاب النذر، باب النهي عن النذر، وأنه لا يرد شيئًا، برقم ٤ - (١٦٣٩)، واللفظ له.
[ ٧٢٨ ]
فهو كما قال» هذا وعيد شديد، دل على وجوب الحذر من ذلك، كأن يقول: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعل كذا أو فعل كذا. هذا لا يجوز، لأنه إعلان لكفره إن فعل كذا وكذا، ولا يجوز أيضًا أن يحلف بغير اللَّه كائنًا من كان، لا بالأنبياء، ولا بالصالحين، ولا بالملائكة، ولا بالأصنام، وإنما الحلف باللَّه وحده، أما إذا حلف بملة الإسلام صادقًا فلا حرج عليه، لأنه قال بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا، ملة غير الإسلام تدخل فيها اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، والوثنية، وغير ذلك، فإذا كان كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، أي فهو يهودي أو نصراني، على ما قال، هذا من باب الوعيد، والتحذير، فالواجب الحذر من ذلك، وأن لا يحلف إلا باللَّه وحده، وإذا كان بملة الإسلام، فليقل ما يدل على حلفه باللَّه، كـ: والذي شرع ملة الإسلام. والذي أوجب علينا الدخول في الإسلام. أو والذي أمر بالإسلام. أو والذي بعث رسوله بالإسلام. هذه اليمين الشرعية، كما يقول: واللَّه، أو باللَّه، أو تاللَّه، أو بالرحمن، أو وعزة اللَّه، كل هذه أيمان شرعية.
ومن قتل نفسه بشي عُذِب به يوم القيامة، هذا وعيد عظيم، من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة، قتل نفسه: بسيف، أو بسكين، أو بسُم، أو بخنق، أو غير ذلك، يُعذب به يوم القيامة؛ لأن اللَّه حرم على الإنسان أن يقتل نفسه أن ينتحر، وهي من المحرمات العظيمة، ومن الكبائر الشنيعة، فالواجب الحذر من ذلك.
[ ٧٢٩ ]
كذلك التحذير من الدعاوى الباطلة، يقول - ﷺ -: «مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، الذي يدعي على الناس أشياء لا صحة لها قد تعرض للنار، لوعيد اللَّه بالنار، لظلمه وعدوانه على الناس، يدعي عليهم أشياء لا صحة لها، يقول: إن فلانًا عنده لي كذا، فلان أقرضته كذا، فلان استدان مني كذا، فلان أخذ مني كذا، وهو يكذب، هذا فيه الوعيد الشديد: ««مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، يعني فليتخذ مقعده من النار، والمعنى أنه يستحق دخول النار بهذا العمل السيئ، إلا أن يعفو اللَّه عنه أو يتوب.
ومن ادعى دعوى ليستكثر بها، لم يزده اللَّه إلا قلةً، ادعى دعوى باطلة للاستكثار، فهو متوعد بالنار، ومع ذلك لا تزيده إلا قلةً، إلا فقرًا، فهذا وعيد شديد للدعاوى الباطلة، التي ليست له، ويقصد منها أن يستكثر بها، فهو متوعد بالنار، وبأنها لا تزيده الدعوى إلا قلةً.
وليس للإنسان نذرٌ بما لا يملك، ليس له أن ينذر شيئًا لا يملكه، كأن يقول: للَّه عليه أن يعتق عبد فلانٍ، أو يتصدق ببيت فلان، كل هذا نذر باطل، ليس له النذر بما لا يملك، ينبغي عليه أن ينذر شيئًا يملكه يستطيعه، للَّه عليَّ أن أعتق عبدي فلانًا، إذا فعلت كذا، للَّه عليَّ أن أتصدق ببيتي أو بأرضي أو ما أشبه ذلك، أما أن يذكر أشياء ليست في ملكه. هذا نذر باطل، ليس له النذر بما لا يملك، وليس له أن ينذر بشيء من معاصي اللَّه.
_________________
(١) ابن ماجه، برقم ٢٣١٩، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٣٦.
[ ٧٣٠ ]
حديث عمر - ﵁ - يقول: إنه قال: يا رسول اللَّه بعدما أسلم قال: إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال له النبي - ﷺ -: «أوف بنذرك»، هذا يدل على أن الكافر إذا أسلم، وعنده نذور شرعية يوفي بها؛ فإن الإسلام لا يزيده إلا خيرًا، وأسلم على ما أسلف من خير، فإذا كان عنده نذور: صدقات، أو اعتكاف، أو حج يوف بنذره، يقول - ﷺ -: «أوفِ بنذرك».
وفي حديث ابن عمر الدَّلالة على أنه لا ينبغي النذر؛ لأنه تكليف للنفس، وإلزام لها بشيء ليس بلازم، وقد يندم؛ ولهذا قال - ﷺ -: «لَا تَنْذِرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنَ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (١)، فالنذر يُستخرج من البخيل، الذي لا يريد النفقة، ينذر حتى يجاهد نفسه بإخراج النفقة، فالرسول نهى عن النذر، وقال: «إنه لا يأتِ بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل»، فلا ينبغي للمؤمن أن ينذر، لكن إن نذر طاعة لزمه الوفاء، إن كان نذر طاعة، لزمه الوفاء بها، لقوله - ﷺ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» (٢)؛ فإذا قال: للَّه عليه أن يتصدق بكذا، أو
_________________
(١) أخرج ابن حبان، ١٠/ ٢١٨، برقم ٣٢٧٦، وأبو عوانة في مسنده، برقم ٥٨٤١: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا تَنْذِرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يَرُدُّ مِنَ الْقَدْرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ»، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ٦/ ٣٩٥.
(٢) أخرجه مالك في موطأ، ٣/ ٦٧٨، برقم ١٧٢٦، والشافعي في مسنده، ص ٣٣٩، برقم ١٥٦٢، والنسائي، كتاب الأيمان والنذور، النذر في المعصية، برقم ٣٨٠٤، وابن حبان، ١٠/ ٢٣٣، برقم، ٤٧٨٣، وابن خزيمة،٣/ ٣٥٢، برقم ٢٢٤١، وصححه محقق صحيح ابن حبان، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ١٨/ ١٢٦٧.
[ ٧٣١ ]
يصوم كذا، أو يصلي صلاة الضحى، أو يصلي ركعتين من الليل، أو ما أشبه ذلك، يلزمه الوفاء حسب طاقته، لأنه نذر لطاعة اللَّه - ﷾ -، لكن لو قال: للَّه عليَّ أن أشرب الخمر، أو يقتل فلانًا بغير حق، أو يزني، أو ما أشبه ذلك.
هذا نذر لا يجوز؛ لأنه نذر معصية، فليس له أن يعصي اللَّه، وعليه كفارة يمين عن ذلك.
٣٧٣ - عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: نَذَرَتْ أُخْتِي: أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ حَافِيَةً، فَأَمَرَتْنِي: أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ: «لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» (١).
٣٧٤ - عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ -، أنه قال: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ ــ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ ــ قَالَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «فَاقْضِهِ عَنْهَا» (٣).
٣٧٥ - عن كعب بن مالك - ﵁ - قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مِنْ تَوْبَتِي، أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي، صَدَقَةً إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَقَالَ رَسُولُ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب من نذر المشي إلى الكعبة، برقم ١٨٦٦، ومسلم، كتاب النذر، باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة، برقم ١٦٤٤ بلفظه.
(٢) في نسخة الزهيري: «فقال».
(٣) رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا عنه، وقضاء النذور عن الميت، برقم ٢٧٦١، واللفظ له، ومسلم، كتاب النذر، باب الأمر بقضاء النذر، برقم ١٦٣٨.
[ ٧٣٢ ]
اللَّهِ - ﷺ -: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» (١).
١١٠ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث تتعلق بالنذر وما يشبهه، بيَّن فيها - ﷺ - ما ينبغي شرعًا، من ذلك قصة أخت عقبة - ﵁ -: أنها نذرت أن تمشي إلى بيت اللَّه الحرام حافية، وفي بعض الروايات: ولا تختمر. فقال النبي - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» (٢). وفي اللفظ الآخر: «وَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (٣)،
هذا يدل على أن الواجب على من نذر نذر معصية أن لا يفي به، وأن يدع المعصية، وأن يكفر كفارة اليمين،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة، برقم ٦٦٩٠، بلفظه، ومسلم، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، برقم ٢٧٦٩، بلفظه أيضًا.
(٢) أخرج أحمد، ٢٨/ ٥٨٢، برقم ١٧٣٤٨، والترمذي، كتاب الأيمان والنذور، باب حدثنا محمود بن غيلان، برقم ١٥٤٤، وقال: «حسن»، وابن ماجه، كتاب الكفارات، باب من نذر أن يحج ماشيًا، برقم ٢١٣٤، والبيهقي، ١٠/ ٨٠، برقم ١٩٩٠٨،عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُقْبَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ وَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، وقال محققو المسند، ٢٨/ ٥٨٢: «حديث صحيح دون قوله: ولتصم ثلاثة أيام»، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٧/ ١٣١بلفظ: «مروها فلتركب ولتختمر، ولتحج، ولتهد هديًا».
(٣) أخرج أحمد، ٢٨/ ٥٤٠، برقم ١٧٣٠٦، والطبراني في الكبير، ١٧/ ٣٢٣، برقم ٨٩٣،: «عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ أُخْتَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، وقال محققو المسند، ٢٨/ ٥٤٠: «حديث صحيح دون قوله: ولتصم ثلاثة أيام» ..
[ ٧٣٣ ]
فإن نزعها الخمار معصية؛ ولهذا أمرها أن تختمر، كذلك وهي تمشي، فيه مشقة من طريق بعيد، ما بين المدينة ومكة، وهي امرأة، فقال النبي - ﷺ -: «لتمشِ ولتركب»، فعليها كفارة اليمين عن النذر المخالف للشرع، فإن الركوب في الطريق أفضل من المشي؛ لما فيه من المشقة العظيمة، لما في المشي من المشقة، والنبي حج راكبًا - ﵊ -، ولعلها كانت لا تستطيع الإطعام والكسوة؛ ولهذا قال: «لتصم ثلاثة أيام»؛ لأن من نذر نذرًا يوجب الكفارة كصاحب اليمين يُبدأ أولًا بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو إعتاق رقبة، فإن عجز صام ثلاثة أيام، فلعلها كانت عاجزة، ولهذا أمرها أن تصوم.
كذلك حديث سعد بن عبادة لأجل أمه نذرت نذر عبادة، نذر طاعة، فتوفيت قبل أن تقضي نذرها، فأمره النبي أن يقضيه عنها، فإن نذر إنسان شيئًا لطاعة اللَّه ثم مات، يقضى عنه، إن نذر أن يحج، ومات ولم يحج، يحج عنه، إن نذر أن يعتمر، ولم يعتمر، يعتمر عنه، إن نذر أن يتصدق بكذا ثم توفي قبل أن يُنفِّذ، تُنفَّذ الصدقة من تركته، وهكذا؛ ولهذا سئل - ﷺ - غير مرة عن نذور مشابهة، بعضهم قال: يا رسول اللَّه إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، قال: «حج عن أمك» (١)، وذكر أن أباه نذر أن يحج، قال: «حج عن أبيك» (٢)، مات ولم يحج،
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ٣٧/ ٤٧١،
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٧٢، برقم ٢١٨٩، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء عن الشيخ الكبير والميت، برقم ٩٣٠، وقال: «حسن صحيح»، والنسائي، كتاب مناسك الحج، العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع، برقم ٢٦٣٧، وابن حبان، ٩/ ٣٠٤، برقم ٣٩٩١، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج عن الحي إذا لم يستطع، برقم ٢٩٠٦، والحاكم، ١/ ٦٥٤، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، والبيهقي، ٤/ ٣٢٩، وصحح إسناده محققو المسند، ٤/ ٧٢، وصححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم ٢٨٩٥.
[ ٧٣٤ ]
هذه قاعدة، إذا نذر الإنسان نذر طاعة وتوفي قبل أن يوفي [تخرج] (١) من تركته، وإن كان صومًا صام عنه بعض أوليائه، كما قال - ﷺ -: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٢)، وإن كان مال أُخِذ من التركة، وإن كان حجًا استؤجر من يحج عنه، وهكذا.
والحديث الثالث: حديث كعب بن مالك الأنصاري - ﵁ - كان ممن تأخر في غزوة تبوك مع شخصين آخرين، فأمر النبي بهجرهم، وهجروا خمسين ليلة، لأنهم تأخروا عن الغزوة دون عذر شرعي، [والواجب] (٣) خروجهم، ثم تاب اللَّه عليهم تابوا، وأنزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٤).
فقال كعب عند ذلك: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة
_________________
(١) ما بين المعقوفين في أصل كلام الشيخ: «ترجع».
(٢) رواه البخاري، برقم ١٩٥٢، ومسلم، برقم ١١٤٧، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ١٩٧.
(٣) ما بين المعقوفين غير واضح في كلام الشيخ، والأظهر أنه: «الواجب».
(٤) سورة التوبة، الآية: ١١٨.
[ ٧٣٥ ]
إلى اللَّه وإلى رسوله»، فقال له النبي - ﷺ -: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك»، هذا فيه أن للإنسان خيرًا له أن لا يتصدق بكل ماله، فليبقِ له بعض الشيء، حتى يستعين به في حاجاته وحاجات أهل بيته، وهذا ليس فيه نذر، وإنما يشاور النبي - ﷺ -، فيقول: يا رسول اللَّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة. فقال له النبي: «أمسك بعض مالك فهو خير لك»، وفي حديث أبي لبابة قال: «أمسك الثلث» (١)، هذا يدل على أن الإنسان يُشرع له أن لا يتصدق بجميع ماله، حتى لا يبقى فقيرًا، بل يُمسك بعض ماله، هو خير له.
قال جماعة من أهل العلم: إلا أن يكون له سبب يستغني به كالتجارة، والصناعة، تقوم بحاله، فلا بأس أن يتصدق بكل ماله، كما فعل الصديق - ﵁ -، فإن أبا بكر الصديق - ﵁ - أنفق جميع ماله في نصرة الرسول - ﷺ -، والدفاع عن دين اللَّه، وأثنى اللَّه عليه في ذلك وأثنى عليه، رسوله - ﵊ -، وكان يتَّجر بالكسب، يستغني به، فإذا كان الإنسان عنده مال، وعنده كسب تجارة، أو صناعة، أو نجارة، أو حدادة، أو شبه ذلك، مما يدرُّ عليه، من المبيعات، وأراد أن يُنفق المال الموجود، ويكتفي بالكسب اليومي أو الشهري الذي
_________________
(١) أخرج مقاتل بن سليمان في تفسيره، ١/ ١١٢: «وأنزل في قول عمرو [بن الجموح]: يا رسول الله، كم ننفق من أموالنا؟ وعلى من ننفق؟ قول الله - ﷿ -: ﴿قل العفو﴾، يعني فضل قوتك، فإن كان الرجل من أصحاب الذهب، والفضة: أمسك الثلث، وتصدق بسائره، وإن كان من أصحاب الزرع والنخل أمسك ما يكفيه في سنته وتصدق بسائره، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه يومه ذلك، وتصدق بسائره».
[ ٧٣٦ ]
يغنيه، فلا بأس في سبيل اللَّه كما فعل الصديق - ﵁ -، أما إذا كان ما له سبب، ما له كسب، فإن السُّنة والمشروع أن يُبقي له ما يعينه على نفقات الأهل. «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» فإذا أمسك الثلث، فالثلث كثير، كما في حديث [أبي لبابة] (١)، والباقي يتصدق به إذا كان [يريد الصدقة] (٢)، واللَّه المستعان.
_________________
(١) ما بين المعقوفين غير واضح، والأظهر أنه: «أبو لبابة».
(٢) ما بين المعقوفين غير واضح، ولكن الأظهر أنه «يريد الصدقة».
[ ٧٣٧ ]