٣٩٢ - عن أبي ثَعْلَبَةَ (٣) الْخُشَنِيِّ - ﵁ - قَال: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَاكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ وَفِي أَرْضِ صَيْدٍ (٤)، أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: «أَمَّا مَا ذَكَرْتَ ــ يَعْنِي ــ مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تَاكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا
_________________
(١) الصَّعْوُ: عُصْفُورٌ صَغيرٌ، أَحْمَرُ الراسِ، تاج العروس، ٣٨/ ٤٢٢، مادة (صعو).
(٢) آخر الوجه الثاني من الشريط الثامن عشر.
(٣) أول الوجه الأول من الشريط التاسع عشر.
(٤) «صيد»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ٥٤٩٦.
[ ٧٥٨ ]
فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ: فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ: فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ، فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» (١).
٣٩٣ - عن هَمَّامِ بن الحارث، عن عَدِيِّ بن حاتم - ﵁ - قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرْسِلُ الْكِلابَ الْمُعَلَّمَةَ، فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ، وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عليه (٢)، فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ» قُلْتُ له: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَتَلْنَ، مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا» قُلْتُ له: فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ؟ فَقَالَ: «إذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ، فَخَرَقَ (٣): فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ (٤): فَلا تَاكُلْهُ» (٥).
٣٩٤ - وحديث الشَّعْبِيِّ عن عدي نحوه، وفيه «إلَاّ أَنْ يَاكُلَ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب آنية المجوس والميتة، برقم ٥٤٩٦، بنحوه، وألفاظه مفرقة في صحيح البخاري، برقم ٥٤٧٨، و٥٤٨٨، و٥٤٩٦، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الصيد بالكلاب المعلمة، برقم ١٩٣٠ بنحوه.
(٢) «عليه»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في صحيح مسلم، برقم ١٩٢٩.
(٣) في نسخة الزهيري: «فخزق»، وهذا لفظ مسلم، برقم ١٩٢٩.
(٤) في نسخة الزهيري: «بعرضٍ»، أما «بعرضه» فهي لفظ مسلم، برقم ١٩٢٩.
(٥) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب صيد المعراض، برقم ٥٤٧٦، وذكره البخاري مفرقًا في رقم ٢٠٥٤، و٥٤٧٥، و٥٤٧٦، و٥٤٧٧، و٥٤٨٣، و٥٤٨٤، و٥٤٨٥، و٥٤٨٦، و٥٤٨٧، و٧٣٩٧، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الصيد بالكلاب المعلمة، برقم ١٩٢٩ بلفظه.
[ ٧٥٩ ]
الْكَلْبُ، فَإِنْ أَكَلَ فَلا تَاكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ خَالَطَهَا كِلابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلا تَاكُلْ» (١)، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» (٢).
وَفِيهِ «إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعلَّم (٣): فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ، فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا، فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ، وَلَمْ يَاكُلْ مِنْهُ: فَكُلْهُ (٤)، فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاتُهُ» (٥).
وَفِيهِ أَيْضًا «إذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ» (٦).
وَفِيهِ «فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ــ وفي رواية: «الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثَةَ ــ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إلَاّ أَثَرَ سَهْمِكَ: فَكُلْ إنْ شِئْتَ، وَإِنْ (٧) وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ: فَلا تَاكُلْ، فَإِنَّكَ لا تَدْرِي: الْمَاءُ قَتَلَهُ، أَوْ سَهْمُكَ؟» (٨).
_________________
(١) البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب إذا أكل الكلب، برقم ٥٤٨٣، وباب ما جاء في الصيد، برقم ٥٤٨٧، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، برقم ٢ - (١٩٢٩).
(٢) البخاري، كتاب الصيد والذبائح، باب إذا وجد مع الصيد كلبًا آخر، برقم ٥٤٨٦، ومسلم، برقم ٣ - (١٩٢٩).
(٣) في نسخة الزهيري: «المكلَّب» بدل المعلَّم.
(٤) مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، برقم ٦ - (١٩٢٩)، ولكن ليس عنده كلمة: «الكلب».
(٥) مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، ٤ - (١٩٢٩)، لكن بلفظ: «فإن ذكاته أخذه».
(٦) مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، برقم ٦ - (١٩٢٩).
(٧) في نسخة الزهيري: «فإن».
(٨) هذه الجمل ملفقة من صحيح البخاري، في كتاب الصيد والذبائح، برقم ٥٤٨٤، ففيه: «وإن رميت الصيد فوجدته بعد يومٍ، أو يومين ليس به إلا أثر سهمك، فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل»، وقوله: «اليومين والثلاثة» رواية البخاري، برقم ٥٤٨٥، وقوله: «فإن وجدته غريقًا في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري الماء قتله، أو سهمك»، هذه الرواية ملفقة من صحيح مسلم، برقم ٧ - (١٩٢٩)، ورقم ٦ - (١٩٢٩).
[ ٧٦٠ ]
٣٩٥ - عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه - ﵁ - قال: سمعتُ رسولَ اللَّه - ﷺ - يقول: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا ــ إلَاّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ ــ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (١).
قال سالم: وكان أبو هريرة يقول «أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ، وَكَانَ صَاحِبَ حَرْثٍ» (٢).
١١٦ - قال الشارح - ﵀ -:
هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بالصيد: السهام، والكلاب، والرماح، وتتعلق باقتناء الكلب.
بين النبي - ﷺ - أن ما صاده الإنسان بكلبه المُعلَّم فإنه حلال ولو قتله يعني حلال له؛ لأن اللَّه قال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ (٣).
فإن وجده حيًا لم يمت ذبحه، وإن وجد مع كلبه كلابًا أخرى
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، برقم ٥٤٨٠، و٥٤٨١، ومسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب الأمر بقتل الكلاب، وبيان نسخه، وبيان تحريم اقتنائها، إلا لصيد أو زرع، أو ماشية ونحو ذلك، برقم ٥١ - (١٥٧٤)، واللفظ له.
(٢) رواه مسلم، كتاب المساقاة والمزارعة، باب الأمر بقتل الكلاب، وبيان نسخه، وبيان تحريم اقتنائها، إلا لصيد أو زرع، أو ماشية ونحو ذلك، برقم ٥٤ - (١٥٧٤).
(٣) سورة المائدة، الآية: ٤.
[ ٧٦١ ]
فلا يأكل، فإنه إنما سمَّى على كلبه، كلبه هو المعلم المُهيَّأ لهذا الشيء، وهكذا ما أصاب بالمعراض، وهو الرمح، إذا أصابه بالحد، يعني بالحديدة التي فيه، فخزق (١)، هذا يكون حلالًا، وإن أصابه بالعرض: عرض الرمح؛ فإنه وقيذ فلا يُؤكل، اللَّه جل وعلا قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ (٢)، والموقوذة هي التي تضرب بالحجر، أو بعرض الرمح، أو بالخشبة، ونحو ذلك، يقال لها وقيذة إذا ماتت، أما ما طعنه بسن الرمح، وحد الرمح حتى مات فإنه حلال، وبين - ﷺ -: «أنه إذَا أَكَلَ الْكَلْبُ لَا يُؤْكَلْ منه» (٣)؛ لأنه إذا أكل منه فإنما أمسك على نفسه، ما أمسك على صاحبه، فلا يُؤكل إذا أكل منه.
وسأله عن آنية المشركين، وعن آنية أهل الكتاب هل يستعملونها؟ قال: إن وجدتم غيرها فلا تستعملوها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها؛ لأنه قد يكون فيها الخمر، والميتات، فإذا وجد غيرها استعمل غيرها، فإن لم يجد غيرها غسلها، وأكل فيها، وذبيحة أهل الكتاب حل لنا؛ لأن الظاهر من طعامهم الحل؛ لأنهم ما يستعملون فيه ما حرم اللَّه.
_________________
(١) خزق: خزق السهم، وخسق: إذا أصاب الرمية، ونفذ فيها، وسهم خازق، وخاسق: النهاية في غريب الحديث والأثر، ٢/ ٢٨، مادة (خزق).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٣.
(٣) البخاري، برقم ١٧٥، ومسلم، برقم ١٩٢٩، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٩٤.
[ ٧٦٢ ]
لكن الأواني قد يستعمل فيها الخمر، ولحوم الميتات التي يستحلونها، فإذا وجدها فيغسلها إذا احتاج إليها، ثم يأكل فيها.
وفي حديث ابن عمر الدلالة على أنه لا يجوز اقتناء الكلاب إلا لأحد ثلاث: إما للصيد، أو الماشية، أو الزرع.
إما ليصيد به، وهو السَّلق المعلم: الكلب المعلم.
وإما للحرث ليحمي المزرعة.
وإما للماشية للغنم، حتى يحميها من الذئاب، هذا لا بأس باقتنائه لصيد، أو حرث، أو ماشية، كما رواه أبو هريرة وغيره.
أما اقتناؤه لغير ذلك، فإنه يُنقص من أجره كل يوم قيراطان، القيراط جزء من أربعين جزءًا من الشيء (١).
_________________
(١) القيراط: جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين، والياء فيه بدل من الراء، فإن أصله قرّاط، وقد تكرر في الحديث وإن كان القيراط مذكورا في غيرمصر؛ لأنه كان يغلب على أهلها أن يقولوا أعطيت فلانًا قراريط: إذا أسمعه ما يكرهه. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ٤/ ٤١، مادة (قرط)، وقال في لسان العرب: ٧/ ٣٧٥، مادة (قرط): «والقِرَّاط، والقِيراط مِنَ الْوَزْنِ: مَعْرُوفٌ، وَهُوَ نِصْفُ دانِق، وأَصله قِرّاط بِالتَّشْدِيدِ؛ لأَن جَمْعَهُ قَراريط، فأُبدل من إِحدى حَرْفَيْ تَضْعِيفِهِ يَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ فِي دِينَارٍ، كَمَا قَالُوا: دِيبَاجٌ، وَجَمَعُوهُ دَبابيج، وأَما الْقِيرَاطُ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وأَبي هُرَيْرَةَ فِي تَشْييع الْجِنَازَةِ، فَقَدْ جَاءَ تَفْسِيرُهُ فِيهِ: أَنه مِثْلَ جَبَلِ أُحُد، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أَصل الْقِيرَاطِ مِنْ قَوْلِهِمْ قَرَّط عَلَيْهِ إِذا أَعطاه قَلِيلًا قَلِيلًا .. وَفِي حَدِيثِ أَبي ذَرّ: سَتَفْتَحُونَ أَرضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ فَاسْتَوْصُوا بأَهلها خَيْرًا؛ فإِن لَهُمْ ذِمّة ورَحِمًا، والْقِيرَاطُ: جُزء مِنْ أَجزاء الدِّينَارِ، وَهُوَ نِصْفُ عُشره فِي أَكثر الْبِلَادِ، وأَهل الشَّامِ يَجْعَلُونَهُ جُزْءًا مِنْ أَربعة وَعِشْرِينَ، وَالْيَاءُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الرَّاءِ وأَصله قِرّاط، وأَراد بالأَرض المُستفتحة مِصر، صَانَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ، وإِن كَانَ الْقِيرَاطُ مَذْكُورًا فِي غَيْرِهَا؛ لأَنه كَانَ يغلِب عَلَى أَهلها».
[ ٧٦٣ ]
المعنى أنه يُنقص من أجره سهمان من أربع وعشرين من أجره، الذي يحصل له يوميًا من صلاة، وصيام، وغير ذلك يفوته نصف السدس.
وعلى قول آخر القيراط يكون سهمًا من عشرين، فعلى هذا إذا فاته سهمان من عشرين يكون فاته العُشر.
المقصود أنه ما ينبغي اقتناء الكلاب إلا لهذه الثلاث، فلا يقتنيها لحراسة الأبواب، أو القصور؛ لأنها غير داخلة في الثلاث، فينبغي أن لا تقتنى إلا لهذه الثلاث.
٣٩٦ - عن رافع بن خَدِيج - ﵁ - قال: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - (١) بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ (٢)، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إبِلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي أُخْرَيَاتِ الْقَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا، وَنَصَبُوا الْقُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ، فَعَدَلَ عَشَرَةً مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ، فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ، فَحَبَسَهُ اللَّهُ، فَقَالَ: «إنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ (٣) مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» قال: قُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إنَّنا نلقى (٤) الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ (٥) مَعَنَا مُدىً، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «مع النبي - ﷺ -»، وهو لفظ البخاري، برقم ٢٤٨٨.
(٢) هو موضع بين حَاذَة وذات عرق من أرض تهامة. معجم البلدان، ٢/ ٢٩٦.
(٣) في نسخة الزهيري: «فما غلبكم»، ولفظ المتن في صحيح البخاري، برقم ٣٠٧٥، ولفظ: «فما غلبكم» في صحيح البخاري، برقم ٢٤٨٨.
(٤) في نسخة الزهيري: «إنا لاقو»، و«نلقى» عند البخاري، برقم ٣٠٧٥.
(٥) في نسخة الزهيري: «وليست»، ولفظ المتن في صحيح البخاري، برقم ٣٠٧٥.
[ ٧٦٤ ]
الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ. وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ. أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ.
وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (١). (٢).
١١٧ - قال الشارح - ﵀ -:
هذا الحديث حديث رافع، حديث جليل، عظيم، قد اشتمل على فوائد منها:
[١]ــ أنه لا يجوز التعرض للغنيمة في الجهاد، إلا بعد القسمة بإذن ولي الأمر، فليس للجُند أن يأخذوا من الغنيمة ما شاءوا من الإبل، والغنم، ولا من النقود، بل يجب جمعها حتى تُقسم بين الغانمين؛ ولهذا لما ذبحوا بعض الإبل، والغنم أنكر عليهم النبي - ﷺ -، وأمر بإكفاء القدور، ثم قسَّم الغنيمة بينهم، وعدل العشر من الغنم ببعير، كأنها كانت متقاربة في القيمة، فبهذا عدلها ببعير بالقيمة، أما في الضحايا، والهدايا الناقة عن سبعة، ولكن في القيمة على حسب القيمة في البيع والشراء، وقسم الأموال على حسب القيمة.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الشركة، باب قسم الغنائم، برقم ٤٨٨، وكتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم، برقم ٣٠٧٥، ومجموع ألفاظ هذا المتن من هذين الحديثين، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن، والظفر، وسائر العظام، برقم ١٩٦٨ بنحوه.
(٢) في نسخة الزهيري بعد هذا الحديث: «الأوابد: التي قد توحشت، ونفرت من الإنس. يقال: أبدت تأبد أبودًا».
[ ٧٦٥ ]
[قوله] (١): «فند منها بعير» أي شرد بعير من الإبل، وعجزوا عن إمساكه، فرماه بعض الجنود بسهم فحبسه اللَّه، فقال النبي - ﷺ -: «إن لهذه البهائم أوابد» أي شوارد، «كأوابد الوحش» كأوابد: الأسود، والنمور، والذئاب من الوحوش المفترسة، «فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا»، أي ما شرد من الإبل، والبقر، والغنم الذي لا تستطيعون إمساكه، فإنه يُرمى مثل ما يُعمل بالصيد، يرمى بالنبل، والبندق، وغيرها حتى يُعطَّل، فيُمسك، ويعامل معاملة الصيد الشارد: الظباء، والوحوش، وأشباهها من الصيود [ما عاد صار] (٢) كالأهلي، صار حكمها حكم الصيد، إذا ند، إذا شرد على الناس، وعجزوا عن إمساكه يرمونه، فإن قتلوه حل، وإن أدركوه حيًا ذبحوه، إذا قتلوه، [مثلًا] (٣) أصابه الرمح فقتله بحدِّه، أو أصابه الرمي فقتله حلّ؛ لأنه صار في تلك الحالة كالصيد.
[٢]ــ وفيه من الفوائد: قوله: «إنا ملاقو العدو غدًا، وليس معنا مُدىً» المُدى: السكاكين، والمدية السكين: «أفنذبح بالقصب؟» قال النبي - ﷺ -: «ما أنهر الدم ــ أي ما أسال الدم ــ وذُكر اسم اللَّه عليه فكلوا»، [لا يشترط أن يكون بالسكين] (٤)، بالحجر الذي له حد،
_________________
(١) ما بين المعقوفين ليس من كلام الشيخ، ولكني أضفته للتوضيح.
(٢) ما بين المعقوفين غير واضح، والأظهر أنه: «ما عاد صار».
(٣) ما بين المعقوفين غير واضح، والأظهر أنه: «مثلًا»، ولا يتغير المعنى.
(٤) ما بين المعقوفين أصله في كلام الشيخ - ﵀ -: «ما هوب شرط إلا بالسكين».
[ ٧٦٦ ]
وبالقصب الذي له حد إلى آخره، إذا تيسر له ما يقوم مقام السكين يذبح به كفى، ولهذا قال: «ما أنهر الدم، وذكر اسم اللَّه فكلوه، ليس السنَّ والظفر»، وهذا معناه أنه يجوز الذبح بغير السكين، كالحجارة ذات الحد القوي: أو أخشاب، أو قصب، أو غيرها مما له حد إلا العظم [] (١).
[٣]ـ منها (٢): أنه يحوز التعزير بمثل هذا من إكفاء القدور، وإتلاف اللحم الذي اغتصب.
[٤]ـ ومنها: جواز كون ولي الأمر في آخر الجيش إذا رأى المصلحة حتى لا يعجل الناس، وحتى يطمئنوا في السير، وليلاحظ ضعيفهم، حتى لا يعجلوا عليه، فلا مانع، فإن الرسول - ﷺ - ربما كان في آخر الجيش، وربما تقدم أمامهم، وربما كان بينهم.
[قوله - ﷺ -] (٣): «ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه فكلوه، ليس السن والظفر»
_________________
(١) ما بين المعقوفين انقطع فيه كلام سماحة الشيخ بسبب انقطاع الشريط، ثم أعاد شرح الحديث في درس آخر، وأوله من الفائدة الثالثة الآتية في المتن.
(٢) شرح سماحة الشيخ حديث رافع مرة أخرى من أوله، والذي يظهر أن الشيخ بعد انقطاع الشريط - كما ذكرت ذلك آنفًا- لم يكمل شرح الحديث، ثم شرحه في درس آخر من أوله، فبعد أن ذكر لفظ الحديث قال: «هذا يدل على فوائد، منها أنه يجوز التعزير ومنها جواز كون ولي الأمر في آخر الجيش ثم قال: «فند منها بعير»، فحذفت شرح هذه الجملة لأن سماحة الشيخ شرحها في الدرس الأول للحديث في آخر الفائدة الأولى من هذه الفوائد.
(٣) ما بين القوسين أضفته لتوضيح المعنى.
[ ٧٦٧ ]
بيّن لنا أن كل ما أنهر الدم سواء: من حديد، أو خشب، أو أي شيء كان له حد، إذا أسال الدم، هذه الذكاة الشرعية، إلا السن والظفر.
قال: «أما السن فعظم» فدل على أن العظام لا يُذبح بها، «وأما الظفر فمُدى الحبشة»، فنهى عن التشبه بهم في الذبح بالظفر، ولو أن المصيد صغير، كالعصفور، وأشباهه، لا يُذبح بالظفر، يُذبح بالسكين، ونحوها، ولا يذبح بالظفر، ولا بالسن لا يعضُّ عليه بالسن، ولا بعظم آخر، ولا يذبح بالأظفار، فهذان النوعان لا يذبح بهما: لا بالسن، ولا بغيره من العظام، ولا بالظفر، ولكن يُذبح بغير ذلك، مما له حد ينهر الدم مع ذكر اسم اللَّه عند الذبح، يقول: (بسم اللَّه)، فإن نسي، ولم يُسم نسيانًا، أو جهلًا حلت الذبيحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ (١)، أما الذي يتعمد يعلم أن التسمية مشروعة، ويتعمد ولا يبالي ما تحل الذبيحة.