٣٠٠ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ - (٢)، أَنَّ رسولَ اللَّه - ﷺ - قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ ليلةً، أَوْ لَيْلَتَيْنِ (٣)، إلَاّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (٤).
زاد مسلم، قال ابن عمر: «فَوَاللَّهِ (٥) مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ ذَلِكَ، إلَاّ وَوَصِيَّتِي عِنْدِي (٦)» (٧).
٣٠١ - عن سعد بن أبي وَقَّاص - ﵁ - قال: «جَاءَني رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلا يَرِثُنِي إلَاّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لا». قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لا». قُلْت: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَر ورَثَتَكَ أَغنياءَ خيرٌ منْ أَنْ تَذَرَهمْ عالَةً يَتَكَفَّفونَ النَّاسَ، وإنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلَاّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ». قَالَ:
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «باب الوصايا».
(٢) في نسخة الزهيري: «عن ابن عمر - ﵄ -».
(٣) في نسخة الزهيري: «يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده»، وهو لفظ البخاري، برقم ٢٧٣٨.
(٤) رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصايا، برقم ٢٧٣٨، ومسلم، كتاب الوصية، فاتحته، برقم ١٦٢٧.
(٥) «فوالله»: ليست في نسخة الزهيري.
(٦) في نسخة الزهيري: «إلا وعندي وصيتي».
(٧) رواه مسلم، كتاب الوصية، فاتحته، برقم ٤ - (١٦٢٧).
[ ٥٨٩ ]
فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، إلَاّ ازْدَدْت بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ» يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ» (١).
٣٠٢ - عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ - قال: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إلَى الرُّبُعِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (٢).
٨٤ - قال الشارح - ﵀ -
هذا الباب في الوصايا، وغير ذلك، كل الثلاثة متعلقة بالوصايا.
الحديث الأول يقول - ﷺ -: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يريد أن يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إلَاّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»، هذا يدل على تأكد الوصية إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه، فما حق امرئ مسلم، أي: ليس من حقه هذا، فينبغي له أن يبادر، وهذا يختلف، قد يكون سنةً فقط، وقد يكون واجبًا، فإذا أحب أن يوصي بالثلث أو بالربع أو بصدقات استُحب له أن يكتب ذلك، حتى لا ينسى، ويُضيع، أما إن كان الذي عليه شيء واجبًا، كالديون للناس، ليس عليها وثائق، أو
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب رثى النبي - ﷺ - سعد بن خولة، رقم (١٢٩٥)، ومسلم، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٨.
(٢) رواه البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، برقم ٢٧٤٣، بلفظ: «الثلث والثلث كثير، أو كبير»، ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، برقم ١٦٢٩، واللفظ له.
[ ٥٩٠ ]
رهون، أو حقوق أخرى لازمة له، وليس عليها وثائق فيلزم أن يوصي بها، حتى لا تضيع من أجل وجوب أداء الحقوق، إما أن يعجل بقضائها، وهو حي، وإما أن يوصي بها حتى تُسلَّم لأهلها بعد وفاته.
وهذا من محاسن الإسلام، ومن محاسن الشريعة: الحث على العناية بما [يريد] (١) المؤمن أن ينتفع به بعد وفاته، وأن لا يتساهل؛ لأن الموت يأتي بغتة، فينبغي أن يأخذ بالحيطة بما يحب أن يتقرب به إلى اللَّه، وما يحب أن يوصي به لأقاربه، أو للفقراء، أو غير ذلك، ومن ذلك ما يتعلق بالديون، والرهون التي عليه للناس؛ فإن هذه أمور لازمة، يجب عليه أن يؤديها، وأن يفعل الأسباب التي تقتضي أداءها: من الوصية بذلك، أو إنجازها إذا صار فيها نهايات، وتسليمها لأهلها.
وفيه فضل ابن عمر، ومسارعته إليها، فمنذ أن سمع الحديث [ما مرت عليه ليلة] (٢) إلا ووصيته مكتوبة عنده، هذا يدل على فضله - ﵁ -، كان سبَّاقًا لما سمع من الخير، وكان من أكثر الناس اجتهادًا في العبادة، وحرصًا عليها - ﵁ -.
والوصية: ما يَعْهَدُ به الإنسان إلى غيره بعد الموت، يقال له: وصية، وهي الشيء المقرر المؤكد، وقد أوصى بهذا، أي أكد فيه؛ لأنه وصاهم به، وأكد عليهم به، وألزمهم به، فالوصية الأمر المؤكد من الإنسان بعد وفاته، ويعهد به بعد وفاته إلى غيره.
_________________
(١) ما بين المعقوفين كلمة غير واضحة، والذي يظهر أنها: «يريد».
(٢) ما بين المعقوفين أضيف لإتمام المعنى.
[ ٥٩١ ]
والحديث الثاني حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة - ﵃ - (١).
قال (٢): يا رسول اللَّه أنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة واحدة -كان في ذاك الوقت ما عنده إلا بنت، [لم يأت له ذكور بعد] (٣)، ولا إناث أخريات - فأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قلت: فالشطر؟ قال: «لا»، قلت: الثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير».
هذا يدل على أنه ينبغي للموصي أن لا يتجاوز الثلث، بل الثلث فأقل، هذا حقه، والزائد لا حق له فيه، فإذا أوصى كانت الوصية مقيدة بالثلث فأقل؛ لهذا الحديث الصحيح، وبين النبي - ﷺ - العلة والحكمة في ذلك، قال: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء، خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»: كون المؤمن يذر ورثته أغنياء، قد وسَّع اللَّه عليهم بأسبابه، أولى من أن يدعهم عالة يتكففون الناس.
ففي هذا دلالة على أنه إذا أراد الخير، واحتسب الخير في ورثته، أنه يؤجر على ذلك، وبين له النبي - ﷺ - قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه: إلا أُجرت بها، حتى ما تجعل في فيِ امرأتك» ــ يعني إذا احتسب الأجر فيما [يُقَرِّبه] (٤) وفيما ينفقه فله
_________________
(١) آخر الوجه الثاني من الشريط الثالث عشر، سجِّل في درس الشيخ بتاريخ ٢٠/ ٨/ ١٤٠٩هـ.
(٢) أول الوجه الأول من الشريط الرابع عشر، سجِّل في درس الشيخ بتاريخ ٢٠/ ٨/ ١٤٠٩هـ.
(٣) ما بين المعقوفين أصله في كلام الشيخ - ﵀ -: «ما بعد جاء ذكور».
(٤) ما بين المعقوفين كلمتان غير واضحة، والظاهر أنها «يقربه».
[ ٥٩٢ ]
ذلك، حتى ما يعطي امرأته من النفقة إن احتسب ذلك فهو له أجره، يكون هذا لأجل الواجب.
وفيه من الفوائد: أن المؤمن ليس له أن يوصي بأكثر من الثلث.
وفيه من الفوائد شرعية عيادة المريض، وأنه يعود المرضى - ﵊ -، دل ذلك على شرعية عيادة المرضى.
وفي حديث ابن عباس: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع
_________________
(١) يعني لكان أولى ؛ لأن الرسول قال: «الثلث، والثلث كثير» كما أوصى الصديق بالخمس، فإذا أوصى بالخمس أو الربع كان أفضل، لقوله - ﷺ -: «الثلث، والثلث كثير»، ولهذا قال ابن عباس: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع»، يعني لهذا الحديث. وفي حديث سعد في آخره الدلالة على فضل من أطال اللَّه عمره في صالح الإسلام والمسلمين، كما قال: أُخلَّف بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبتغي به وجه اللَّه، إلا ازددت به درجة ورفعة: ولعلك أن تُخلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويُضرّ بك آخرون». وقد خُلِّف - ﵁ -، وطالت حياته، إلى أواخر العقد السادس يعني، سنة ست وخمسين من الهجرة، فعاش بعد النبي - ﷺ - ستًا وأربعين سنة، وقد نفع اللَّه به الجهاد بعد النبي - ﷺ -، وحصل على الخير الكثير في جهاد الفرس، فانتفع به أقوام، وانضرَّ به آخرون، كما قال النبي - ﷺ -، ثم قال: «اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على
[ ٥٩٣ ]
أعقابهم »
دعاءٌ لهم بأن اللَّه يعطيهم هجرتهم، ويمضيها لهم، ولا يردهم على أعقابهم، فالإنسان يسأل ربه: أن اللَّه يمضي هجرته، ويتقبلها، وأن لا يردّه عن ذلك خاسئًا خائفًا، بل يسأل ربه أن يبلغه في الهجرة، وأن يخرجه عليها، ويتقبلها منه، مع سؤال اللَّه - ﷿ - حُسن الختام، والعافية من مضلات الفتن؛ فإن الرد على العقب يوقع في الباطل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه، ثم قال: «لكن البائس سعد بن خولة» يرثي له أن مات بمكة، يعني يتوجَّعُ له، هذا يدل على أن المهاجر إذا مات في غير البلد الذي هاجر منها يكون أولى، والموت في بلد هجرته غير مرغوب فيه، يعني: شيء تركه للَّه، فينبغي أن لا يعود إليه، ولهذا بقي الصحابة في المدينة بعد فتح مكة، وسكنوا فيها، حتى مات من مات فيها، أو انتقل إلى الجهاد من انتقل إلى الجهات الأخرى، ولم يعودوا إليها؛ لأنهم تركوها للَّه، فلا ينبغي أن يعودوا فيما تركوه للَّه؛ ولهذا توجَّع النبي - ﷺ - لسعد بن خولة؛ لأنه مات في مكة، في محل الهجرة، ومعلوم أن ذلك لا يضر إذا كان بغير اختياره، لكن يُبين النبي - ﷺ - أنّ كونه يموت في محل هجرته، أولى من موته في محله الذي هاجر منه، تحريضًا للمسلم على عدم البقاء في محله، المحل الذي هاجر منه، وأنه يبقى فيه بقدر الحاجة، وأنه يرخّص له ثلاثة أيام بعد الحج، ثم ينصرف إلى المدينة، فالمهاجر ينبغي له إذا أتى القرية التي هاجر منها، أو البلد لحاجة، أن لا يطوِّل فيها، ثلاثة أيام فأقل.
[ ٥٩٤ ]