٣٠٣ - عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢).
وفي رواية: «اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٣).
٣٠٤ - عن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟ (٤)»، ثمَّ قال: «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، ولا الكافرُ المسْلِمَ (٥)» (٦).
٣٠٥ - عن عبد اللَّه بن عمر - ﵄ -، «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلاءِ وَهِبَتِهِ» (٧).
_________________
(١) في نسخة الزهيري: «باب الفرائض».
(٢) رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، برقم ٦٧٣٢، ومسلم، كتاب الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، برقم ١٦١٥.
(٣) رواه مسلم، كتاب الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، برقم ٤ - (١٦١٥).
(٤) «أو دور»: ليست في نسخة الزهيري، وهي في البخاري، برقم ١٥٨٨.
(٥) في نسخة الزهيري « لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر» قدم الكافر على المسلم.
(٦) رواه البخاري، كتاب الحج، باب توريث دور مكة وبيعها وشرائها، برقم ١٥٨٨، وفي الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، برقم ٦٧٦٤، ومسلم، كتاب الحج، باب النزول بمكة للحاج، وتوريث دورها، برقم ١٣٥١، وفي الفرائض برقم ١٦١٤.
(٧) رواه البخاري، كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته، برقم ٢٥٣٥، ومسلم، كتاب العتق، باب النهي عن بيع الولاء وهبته، برقم ١٥٠٦.
[ ٥٩٥ ]
٨٥ - قال الشارح - ﵀ -
هذه الأحاديث الثلاثة كلها تتعلق بالمواريث، وأحكامها.
يخبر النبي - ﷺ - أن الفرائض يبدأ بها قبل أهل التعصيب، وما بقي بعدها فهو لأهل التعصيب، يعني في المواريث؛ ولهذا قال - ﷺ -: «ألحقوا الفرائض بأهلها»، والفرائض هي الأشياء المقدرة، الأنصبة المقدرة، يقال لها فرائض، وغير المقدرة تسمى تعصيبًا، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر، معنى أولى: أقرب، أقرب رجل ذكر، وفي اللفظ الآخر: «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب اللَّه»، اقسموا المال يعني: المال المُخلَّف من الميت، التركة بين أهل الفرائض على كتاب اللَّه، فما أبقت الفرائض، فهو لأولى رجلٍ ذكر، هذا محل إجماع بين المسلمين، أجمع العلماء على أن الميت إذا خَلَّف أهل فروض، وأهل تعصيب؛ فإنه يبدأ بأهل الفروض، فما بقي فهو للعصبة.
[١] مثال ذلك: إنسان مات عن أبيه، وأمه، وعن ابن، فالأب، والأم من أهل الفرائض، فيقسم المال بينهم على ستة سهام، فالأم لها سدس واحد، والأب له سدس واحد، والباقي للابن العصبة، الأربعة الباقية من الستة للابن العصبة، هذا من معنى ألحقوا الفرائض بأهلها، تعطى الأم السدس؛ لأن اللَّه قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١)، فهذا أب وأم،
_________________
(١) سورة النساء، الآية: ١١.
[ ٥٩٦ ]
والميت له ولد وهو الابن، فالأم تأخذ السدس: واحدًا من ستة، والأب واحدًا من ستة، والباقي للابن، فإذا كان وراءه ستة آلاف ريال: تُعطى الأم ألف ريال، والأب ألف ريال، والباقي للابن.
وإذا كان وراءه ستين ألف ريال: تُعطى الأم عشرة (١)، والأب عشرة (٢)، والباقي يدفعونه للابن، أو ابن الابن (٣).
[٢] ومثال آخر: مات ميت عن زوج: امرأة ماتت عن زوجها، وعن أمِّها، وعن أخٍ شقيق: فالزوج صاحب فرض، والأم صاحبة فرض، والأخ صاحب عصبة: فيُعطى الزوج النصف فرضًا؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ (٤)، وتُعطى الأم فرضها ثلثًا؛ لأن اللَّه أعطى الأم الثلث، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (٥)، والباقي للأخ العاصب؛ لأنه ليس من أهل الفروض، فإذا كان وراءها ستة آلاف، فيُعطى الزوج ثلاثة، النصيف، والأم تعطى ألفين، وهو الثلث، ويبقى ألف واحد وهو السادس للعصبة للأخ الشقيق، أو الأخ لأب (٦)، أو ابن الأخ (٧)، أو ابن
_________________
(١) أي عشرة آلاف.
(٢) أي عشرة آلاف.
(٣) أي إذا لم يوجد الابن.
(٤) سورة النساء، الآية: ١١.
(٥) سورة النساء، الآية: ١١.
(٦) إذا عدم الشقيق.
(٧) إذا لم يوجد من هو أولى منه في الذكور.
[ ٥٩٧ ]
العم (١)، يعطى هذا الباقي، هذا حقه؛ لأن الرسول قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» أعطينا الزوج ثلاثة: النصف، وأعطينا الأم الثلث، اثنين من ستة، وبقي واحد للعاصب.
[٣] مثال آخر: مات ميت عن أخت شقيقة، وعن جدة، وعن أخٍ لأب، الأخت الشقيقة من أهل الفرائض، والجدة من أهل الفرائض لها السدس، والأخت الشقيقة لها النصف، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (٢)، [و] قد حكم النبي - ﷺ - بأن الجدة لها السدس، فالميت يُجعل ماله ستة سهام، نصفها للأخت ثلاثة، والرابع، وهو السدس للجدة أم أمه، أو أم أبيه، والباقي اثنان لأخ الميت، سواء شقيق أو لأب أو عم، أو ابن عم، يعطى الباقي اثنان من ستة؛ لأن الأخت أخذت النصف، سواء كانت شقيقة أو لأب، وأخذت الجدة السدس، سواء كانت أم أبيه، أو أم أمه، والباقي اثنان من ستة للعصبة، لأخ الميت، أو عم الميت، أو ابن عم الميت أو معتق الميت هذا معنى الحديث: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجلٍ ذكر» وفي اللفظ الآخر: «اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب اللَّه، فما أبقت الفرائض فهو لأولى رجل ذكر».
_________________
(١) إذا لم يوجد أولى منه في الذكور.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٧٦.
[ ٥٩٨ ]
الحديث الثاني يقول النبي - ﷺ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» متفق على صحته (١)، معناه إذا كان الأقارب مختلفين في الدين، فإنهم لا يتوارثون، فإذا مات إنسان مسلم عن أخٍ مسلم، وعن أبٍ كافر، فالميراث لأخيه المسلم، والأب ليس له شيء؛ لأنه كافر، إذا مات ميت مسلم عن أخيه المسلم، أو ابن عمه المسلم، وراءه كافر (٢)، فالميراث للمسلم، ولو أنه ابن عمٍ بعيد، يعطى الميراث، وأبوه الكافر ليس له شيء، لقول النبي - ﷺ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»، كذلك لو مات شخص كافر عن ابن له كافر، وابن له مسلم، فَوِرْثه للكافر الذي مثله على دينه، وابنه المسلم لا يرث شيئًا؛ لأن الميت الكافر لا يرثه إلا الكافر، مثلما إذا مات نصراني عن ابن له نصراني، وله ابن ثانٍ مسلم قد هداه اللَّه وأسلم، ما يرث من أبيه النصراني، لقول النبي - ﷺ -: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» لا يتوارثون لاختلاف الدين، هذا على دين، وهذا على دين، فلا يتوارثان.
الحديث الثالث: يقول ابن عمر: إن الرسول - ﷺ - «نهى عن بيع الولاء وعن هبته»، الرسول - ﷺ - نهى عن بيع الولاء، وعن هبته، لا يباع الولاء، ولا هبته كالنسب، لا يباع ولا يوهب، وفي اللفظ
_________________
(١) البخاري، برقم ٦٧٦٤، ومسلم، برقم ١٦١٤، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم ٣٠٤.
(٢) وراءه: أي بعده: وارث بعده.
[ ٦٠٠ ]
الآخر: «الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَالنَّسَبِ: لا يُبَاعُ، وَلا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ» (١).
فالولاء مثل النسب لا يباع، فلو أن إنسانًا باع نسبه من أخيه ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ولده ما يصلح البيع، أو باع نسبه من ابن عمه لا يصح البيع، النسب لا يباع، وهكذا الولاء، والولاء هو ولاء العتق، فلو أنك أعتقت زيدًا، فأنت الوارث له عصبته، فلو بعته هذا الولاء ولائي من زيد أبيعه، اشتره مني يا فلان بكذا، أنت تكون وليه بدلًا مني، ما يصح، أو وهبته إيَّاه، تقول: أنا وهبتك إياه، الولاء ما يصح، ما يكون صحيحًا، لا يرثه إلا أنت وعصبتك، فبيعك للولاء، أو هبتك باطلة مثل لو بعت قرابتك من أخيك، أو من أبيك، ما يصح البيع، فالقرابة لا تباع، ثابتة تبقى، ولو بعتها فالبيع باطل، فهكذا الولاء ولاء العتاق، إذا أعتقت إنسانًا أعتقت رجلًا، أو أعتقت امرأةً، فأنت وليها، إذا ما صار لها ورثة إلا أنت، ما لها أقارب، أنت وليها، وعصبتك، فلا تبيع ولاءك، ولا تهبه، فلو بعت هذا الولاء، أو وهبته لأحد، فالهبة باطلة، والبيع باطل، لأن الرسول - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وعن هبته، لأنه كالنسب.
٣٠٦ - عن عائشة - ﵂ - قالت (٢): «كَانَتْ فِي بَرِيرَةَ ثَلاثُ سُنَنٍ: خُيِّرَتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ، وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَالْبُرْمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَأُدْمٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ فِيهَا لَحْمٌ؟» فقَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُطْعِمَكَ مِنْهُ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا مِنْهَا (٣) هَدِيَّةٌ»، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - (٤): «إنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٥).
_________________
(١) روي مرفوعًا: أخرجه الشافعي، ٤٠٧، وابن حبان، ١١/ ٣٢٦، برقم ٤٩٥٠، والحاكم، ٤/ ٣٤١، والطبراني في الأوسط في رواية، ٢/ ٨٢، برقم ١٣١٨، ورواه موقوفًا: ابن أبي شيبة، ٤/ ٣٠٨، برقم ٢٠٤٧٢، ولفظه: «الْوَلاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لا يُبَاعُ وَلا يُوهَبُ»، وعبد الرزاق، ٩/ ٣، برقم ١٦١٤٠، وسنن الدارمي، ١/ ٢٢٦، وسعيد بن منصور، ١/ ٩٢، برقم ٢٧٧، وصحح المرفوع العلامة الألباني في إرواء الغليل، ٦/ ١٠٩، وقوى ابن حجر في فتح الباري،
(٢) / ٤٤، كلها دون لفظ: «ولا يورث»، وقال الزيلعي في نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، ٤/ ٢٠٠: «وَرَوَاهُ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَعْوَرُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِهِ: «لَا يُبَاعُ الْوَلَاءُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ»، فَزَادَ فِيهِ: «وَلَا يُورَثُ»؛ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ بِهِ، وَقِيلَ فِيهِ: عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَلَا يَصِحُّ فِيهِ ذِكْرُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ دِينَارٍ، وَهُوَ أَشْبَهُ، انْتَهَى كَلَامُهُ، وَلَمْ أَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ: «وَلَا يُورَثُ».
(٣) في نسخة الزهيري: «أنها قالت».
(٤) في نسخة الزهيري: «وهو منها لنا هدية».
(٥) في نسخة الزهيري: «وقال النبي - ﷺ - فيها».
(٦) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الحرة تحت العبد، برقم ٥٠٩٧، واللفظ له، ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، برقم ١٥٠٤.
[ ٦٠١ ]