كادت أن تتفق الكلمة على أن الإمام النووي -رحمه الله تعالى- لم يكمل "شرحه على سنن أبي داود"، وأن المنية عاجلته قبل ذلك، وقدمنا هذا عن جمع من مترجميه وخواصه، ولا سيما تلميذه ابن العطار.
واختلفت تعبيرات العلماء في ذلك، فقال ابن العطار:
"قطعة يسيرة" (^١) وقال السخاوي: "وقطعة من "شرح أبي داود".
قال: "قلت: وصل فيه إلى أثناء الوضوء" (^٢). وقال في موطن آخر: "كتب منه كراريس" (^٣). وقال السيوطي: "كتب منه يسيرًا" (^٤). ومن المعلوم أن الوضوء متضمّن في (كتاب الطهارة) في "سنن أبي داود" وهو (أول) كتاب فيه، وفيه (مئة وثلاثة وأربعون بابًا)، وينتهي بحديث رقم (٣٩٠)، فيا ترى إلى أي الأبواب بلغ شرحه؟
_________________
(١) تحفة الطالبين (ص ٨٢).
(٢) المنهل العذب الروي (ص ٥٥).
(٣) بذل المجهود (ص ٧٢ - ط أضواء السلف وص ٥٨ - ط مؤسسة الرسالة).
(٤) المنهاج السوي (ص ٦٤)
[ ١٦ ]
تنتهي القطعة التي معنا بشرح لحديث رقم (١٠٥)، ولم يتم شرح هذا الحديث فيها! وما بعدها في النسخة الخطية من "شرح ابن رسلان" المسمى "صفوة الزبد".
ولكن هذا النقص: هل هو من النسخة الخطية؟ وبتعبير آخر: هل الموجود في النسخة الخطية هو جميع ما شرحه النووي على "سنن أبي داود"؟!
للإجابة على هذا السؤال: نحتاج عرض ما وقفنا عليه من نقولات سابقة على المادة التي بين أيدينا من "الشرح"، ونلحظ عند صنيعنا لذلك أن جُل النقولات السابقة -وعددها اثنان وعشرون- في كتابنا هذا عدا أربعة نقول، هي:
الأول: النقل الخامس من نقولات ابن الملقن -وهو في "البدر المنير" (٢/ ١٠٥) - عند كلامه على ليث بن أبي سُليم، قال: "ونقل النووي ﵀ في "التهذيب" و"كلامه على سنن أبي داود" اتفاق العلماء على ضعفه واضطراب حديثه، واختلال ضبطه".
وأول ذكر لـ (اليث بن أبي سُليم) في "سنن أبي داود" هو برقم (١٣٢): (باب صفة وضوء النبي - ﷺ -).
الثاني: النقل السادس من نقولات ابن الملقن، وهو يخص حديث رقم (١٠٨).
الثالث: النقل السابع -وهو الأخير من نقولات ابن الملقن- وهو يخص حديث رقم (١١٤).
الرابع: النقل الثالث: -وهو الأخير- من نقولات السيوطي في "زهر الربى على المجتبى" (١/ ١٤١ - ١٤٢) نقل شرحًا فيه طول عن النووي -وصرح بأنه في "شرح سنن أبي داود" لقوله - ﷺ -: "لا تدخل
[ ١٧ ]
الملائكة بيتًا فيه صورة". وهو يخص حديث رقم (٢٢٧) وهو في (الباب التسعين) من (كتاب الطهارة) وعنوانه: (باب في الجُنُب يؤخِّر الغُسْل).
هذه النقولات الأربعة التي لم أظفر لها بذكر في القطعة التي بين أيدينا من هذا "الشرح" مع تصريح ابن الملقن والسيوطي أنها فيه: وأبعد هذه النقول الأخير، إذ هو يخص (الباب التسعين). وحديث رقم (٢٢٧) منه على وجه أدق.
وإن صحت هذه المقدّمات -ولا أخالها إلاّ كذلك- فهناك مئة وبضعة وعشرون حديثًا شرحها النووي من (كتاب الطهارة) من "سنن أبي داود" ولا وجود لها في النسخة المعتمدة في التحقيق!
ومما ينبغي أن يُذْكر ويُذَكَّر به في هذا المقام: ما سبق نقله عن السخاوي من قوله: "وسمعت أنّ زاهد عصره الشهاب بن رسلان أودعها برمتها في "شرحه" -أي: شرح النووي- الذي كتبه على "السنن" وبنى علمها".
وهذا يضطرنا: لتفقّد نقولات شراح "سنن أبي داود" ممن جاءوا بعد النووي، وسأختار نقولات لاثنين من العلماء (^١)، هما: ابن رسلان الرملي في شرحه "صفوة الزبد"، والسيوطي في شرحه "مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود".
_________________
(١) أما شرح العيني (محمود بن أحمد بن موسى بدر الدين أبو محمد ت ٨٥٥ هـ) على "سنن أبي داود" -وصاحبه حنفي المذهب- فنقله عن النووي قليل، وصرح به في (١/ ٢١٦ - ٢١٨)، ونقله من "شرح صحيح مسلم" وتارة ينقل كلامه في هذا الكتاب دون عزو، وقد وضعه المعلق بين قوسين وبين موطنه منه في الهامش ولم أظفر فيه إلا بنقل واحد عن شرحنا هذا، تجده في (الباب الرابع والأربعين) يخص حديث رقم (٩٥).
[ ١٨ ]