يعني: جوازه، وإن كان الأولى قاعدًا.
٢٣ - (صحيح) حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم، قالا: ثنا شعبةُ، (ح)، وثنا مسدد، ثنا أبو عوانة -وهذا لفظ حفص-، عن سليمان، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: "أتى رسول الله - ﷺ - سباطة قومٍ فبال قائمًا، ثم دعا بماءٍ فمسح على خُفَّيْهِ".
قال أبو داود: قال مسدد: قال: فذهبتُ أتباعد، فدعاني حتى كنت عند عقبه (^١).
حديث الباب في "الصحيحين".
قوله: "أتى سُباطة قوم فبال قائمًا"، هي بضمِّ السين (^٢)، وهي مُلقى التراب والقمامة ونحوها، يكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، ويكون غالبًا سهلًا لينًا منتنًا، لا يخدُّ فيه البول ولا يرجع على البائل (^٣).
ثم البول: في سباطة القوم محمولٌ على أنه علم من حالهم أنهم لا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٤، ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٤٧)، ومسلم (٢٧٣).
(٢) قال المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢١٢): "السباطة: بضمّ السين المهملة، وتخفيف الباء الموحدة"، وبنحوه في "تهذيب الأسماء واللغات" (٣/ ١٤٤)، و"المجموع" (٢/ ٨٥).
(٣) المصدران السابقان، و"معالم السنن" (١/ ٢٠).
[ ١٥٠ ]
يكرهونه (^١)، أو أنهم أذنوا في ذلك بصريح اللفظ أو بمعناه لمن أراد قضاء الحاجة هناك، أو أنها كانت مباحة للناس كلهم فأضيفت إلى هؤلاء القوم لقُربها منهم تعريفًا لا إضافة ملك، وكانت العادة المعروفة له - ﷺ - البول قاعدًا (^٢).
وقيل في بوله هنا قائمًا أربعة أوجه (^٣):
_________________
(١) جعله في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢١٣) أظهر الوجوه، وعبارته فيه: "أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه، بل يفرحون به" قال: "ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه" قال: "ونظائر هذا في السنة أكثر من أن تحصى". قلت: اشتراط الإذن نطقًا ولفظًا قال به "الغزالي" في "الوسيط"! وقال النووي في "الروضة" (٧/ ٢٣٨) عنه: (شاذ ضعيف).
(٢) دلّ عليه: ما أخرجه أحمد (٦/ ١٣٦، ١٩٢)، والترمذي (١٢)، والنسائي (٢/ ٢٦١)، وابن ماجه (٣٠٧)، وابن حبان (١٤٢٧)، وأبو عوانة (١/ ١٩٨)، وغيرهم عن عائشة - ﵁ - قالت: "من حدثكم أنّ النبي - ﷺ - كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا". وجوّد المصنفُ إسناده في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢١٢) وقال: "وقد روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت، ولكن حديث عائشة هذا ثابت". قال أبو عبيدة: من هذه الأحاديث "من الخطأ أن يبول الرجل قائمًا" انظره في "الإرواء" (٥٩)، و"لا تبل قائمًا" انظره في "الضعيفة" (٩٣٤)، ولذا قال ابن حجر في "الفتح" (١/ ٣٣٠) عنها: "لم يرد عن النبي - ﷺ - فيها شيء"، وضعفها ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٣٧) وأبو الحسن التِّبريزي في "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٨٣) ويحمل قول عائشة على أنه ما بال قائمًا في منزله، وإلا فما أثبته حذيفة هو المقدّم، إذ معه زيادة علم، والله أعلم، وانظر "الإمام" (٢/ ٤٩٦ - ٤٩٨) لابن دقيق العيد.
(٣) المذكور ثلاثة! إلا أن يكون قوله: "وقد جاء في رواية " وجهًا مستقلًا، وهو كذلك في "المجموع" (٢/ ٩٤) و"شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢١٢)، =
[ ١٥١ ]
أحدهما: تأويل الشافعي ومن تابعه: أن العرب كانت تستشفي (^١) بالبول قائمًا لوجع الصلب، فلعله كان به وجع الصلب أو نحوه، وقد جاء في رواية عن أبي هريرة ضعيفةٍ ذكرها البيهقي (^٢) أنه بال قائمًا لعلَّةٍ بمأبضه (^٣). قال البيهقي: "لا تثبت هذه الزيادة".
_________________
(١) = وزاد فيه وجهًا خامسًا، وهو: أنه بال قائمًا لكونها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب، بخلاف حالة القعود. ولذلك قال عمر: "البول قائمًا أحصن للدُّبر". قال أبو عببدة: يريد عمر -والله أعلم- إذا تفاج قاعدًا استرخت مقعدته، وهذا الأثر عند البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٠٢)، وصرّح المصنف في المصدرين المذكورين بأن الأوجه الأربعة منقولة من الخطابي [في "معالم السنن" (١/ ٢٠)]، والبيهقي [في "السنن الكبرى" (١/ ١٠١)]. بقي وجه سادس، ذكره المازري في "المعلم" (١/ ٢٣٨)، وهو: لعله كانت في السُّباطة نجاسات رطبة، وهي رخوة، يخشى أن تتطاير عليه.
(٢) في هذا إشارة لمعرفة الشافعي بالطب، وأورد الفخر الرازي في كتابه "مناقب الشافعي" (ص ٢٨٧ - ٢٨٨) ما يدل عليه بيقين، وقد قالوا: بولة في الحمام قائمًا خير من فصدة.
(٣) في "السنن الكبرى" (١/ ١٠١)، وهي عند الحاكم في "المستدرك" (١/ ١٨٢) والدارقطني في "غرائب حديث مالك" -كما في "الإمام" (٢/ ٤٩٩) لابن دقيق العيد- والخطابي في "معالم السنن" (١/ ٢٠) وفي إسنادها حماد بن غسان ضعفه الدارقطني، انظر "الميزان" (١/ ٥٩٩)، وضعفه المصنف في "خلاصة الأحكام" (١/ ١٦٠) رقم (٣٦٠) أيضًا.
(٤) قال المصنف في "خلاصة الأحكام" (١/ ١٦٠): "المَأبِض: مهموز، باطن الركبة"، وكذا قال في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢١٢) وضبطه بقوله: "بهمزة ساكنة بعد الميم ثم باء موحدة"، وزاد في "المجموع" (٢/ ٨٥): "ثم باء موحدة ثم ضاد معجمة" قال: "ويجوز تخفيف الهمزة بقلبها ألفًا، كما في رأس وأشباهه" قال: "والمأبض: باطن الركبة من الآدمي وغيره، وجمعها مآبض بالمد، كمسجد ومساجد".
[ ١٥٢ ]
الثاني: أنه احتاج إلى البول ولم يجد مكانًا يصلح للقعود؛ لكون الطرف الذي يليه كان مرتفعًا، أو لنجاسة هناك، أو غير ذلك.
الثالث: أنه فعله بيانًا للجواز (^١).
قوله: "قال مسدّد: فذهبت أتباعد، فدعاني حتى كنت عند عقبه"، معناه: قال مسدد في روايته بإسناده عن حذيفة أنه قال: "فذهبت أتباعد". وإنما دعاه - ﷺ - مع أنه تبعد إذا أراد قضاء الحاجة؛ ليكون سترًا بينه وبين المارّين، وكانت المفسدة في إدنائه منه أقل منها في ظهوره للمارين (^٢)، وقد تكون المرأة والمنافق وغيرهما، ولعله كان حاقنًا، (ولم لا) (^٣) يمكنه تأخير البول؛ ففي الحديث جواز البول قائمًا، لكن القعود أفضل (^٤)، وجواز المسح على الخفين، وأنه يجوز في الحضر، وهو
_________________
(١) قال القاضي حسين في "التعليقة" (١/ ٣١٦) -ونقل بعضه عنه المصنف في "المجموع" (٢/ ٨٥) -: "وقيل: إنما بال قائمًا لما به من وجع البطن! لأن العرب تعالج بالبول قائمًا لوجع البطن، وهي عادة أهل هراة، فإنهم يبولون قيامًا في كل سنة مرة إحياءً لتلك السنة".
(٢) قال المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢١٣ - ٢١٤): "قال العلماء: إنما استدناه - ﷺ - ليستتر به عن أعين الناس وغيرهم من الناظرين، لكونها حالة يستخفى بها، ويستحيى منها في العادة، وكانت الحاجة التي يقضيها بولًا من قيام، يؤمن معها خروج الحدث الآخر والرائحة الكريهة، فلهذا استدناه وجاء في الحديث الآخر: لما أراد قضاء الحاجة، قال: "تنحّ"، لكونه كان يقضيها قاعدًا، ويحتاج إلى الحدثين جميعًا، فتحصل الرائحة الكريهة وما يتبعها، ولهذا قال بعض العلماء في هذا الحديث: من السنة القرب من البائل إذا كان قائمًا، فإذا كان قاعدًا، فالسنة الإبعاد عنه، والله أعلم".
(٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب: "لا يمكنه".
(٤) يعجبني كلام ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٣٨): "البول جالسًا أحبّ إليّ، وقائمًا مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول الله - ﷺ - "، ونقله عنه المصنف في "المجموع" (٢/ ٨٥) وأقره.
[ ١٥٣ ]
مذهب الجمهور، وعن مالك رواية أنه خاصٌّ بالسفر (^١)، وفيه أنه إذا تعارضت مفسدتان ولم يمكن دفعهما دفع أعظمهما، أو مصلحتان فعل أعظمهما (^٢).
_________________
(١) انظر: "المعونة" (١/ ١٣٥)، "الأشراف" للقاضي عبد الوهاب (١/ ٦٧ - بتحقيقي)، "الذخيرة" (١/ ٣٢٥)، "جامع الأمهات" (ص ٧١)، "تفسير القرطبي" (٦/ ١٠٠)، قال القاضي عبد الوهاب: "ووجه المنع: هو أن المسح جوّز لضرورة السفر بانقطاع المسافر عن صحبته ورفقته بتشاغله بخلع خفيه كل وقت أراد الطهارة، وهذا معدوم في الحضر، ولأن السفر يختص بأشياء من الرخص لا توجد في الحضر، كالقصر والفطر وغير ذلك"! قلت: ورد المسح في الحضر والسفر، والعلة لرفع مطلق الحرج، وليس للعلة المذكورة، وهذا مذهب الجماهير وهو قول المحررين المحققين، والحمد لله وحده.
(٢) ذكره المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٢١٤) عدا الأخير، وزاد فيه: "وفيه جواز قُرب الإنسان من البائل، وفيه جواز طلب البائل من صاحبه الذي يدل عليه القرب منه ليستره، وفيه استحباب الستر، وفيه جواز البول بقرب الديار" قال: "وفيه غير ذلك، والله أعلم". قلت: وفيه دليل على أنّ مدافعة البول ومصابرته مكروهة، لما فيه من الضرر والأذى، قاله الخطابي في "المعالم" (١/ ٢١).
[ ١٥٤ ]