يعني: استحبابه.
٣٥ - (ضعيف) حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أنا عيسى بن يونس، عن ثور، عن الحُصين الحُبراني، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "من اكتحل فليوتر، من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج، ومن أكل، فما تخلل فلْيلفِظْ، وما لاك بلسانه؛ فليبتلع، فمن فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج، ومن أتى الغائط؛ فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل؛ فلْيستدبِرْه، فإنّ الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل؛ أحسن، ومن لا؛ فلا حرج" (^١).
_________________
(١) أخرجه من طريق أبي داود: البغوي في "شرح السنة" (٣٢٠٤) والبيهقي في "الخلافيات" (٢/ ٨٤ - ٨٥) رقم (٣٦٧ - بتحقيقي). وأخرجه ابن ماجه (٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٩٨)، وأحمد (٢/ ٣٧١)، والدارمي (٦٦٢، ٢٠٨٧)، والطبراني في "مسند الشاميين" (١/ ٢٧٥)، والبيهقي في "الكبرى" (١/ ٩٤، ١٠٤)، وفي "الشعب" (٥/ ١٢٥) (رقم ٦٠٥٣) وفي "الآداب" (٥٥٧)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٢١، ١٢٢)، وفي "المشكل" (١٣٨)، وابن حبان (١٤١٠)، والبغوي (٣٢٠٤) والمزي في "تهذيب الكمال" (٣٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ١٣٧)، - وقال: "صحيح الإسناد" وافقه الذهبي- من طريق ثور عن الحصين به. وهذا إسناد ضعيف؛ فالحصين ضعيف، وأبو سعيد مجهول لا يعرف، ومع هذا فقد حسَّنه المصنف هنا، وفي "خلاصة الأحكام" (١/ ١٤٧) رقم =
[ ١٧٦ ]
قال أبو داود: رواه أبو عاصم (^١)، عن ثور، قال: حصين الحميري.
[قال]: ورواه عبد الملك بن الصَّباح (^٢)، عن ثور، فقال: أبو سعيد الخير.
قال أبو داود: أبو سعيد الخير [هو] من أصحاب النبي - ﷺ - (^٣). حديث الباب حسن.
قوله: "عن الحسين الحبراني، عن أبي سعيد" وفي الرواية الثانية: "عن أبي سعيد الخير" (^٤)، وفي رواية: "حُصين الحميري".
_________________
(١) = (٣١٢) وفي "المجموع" (٢/ ٩٥)!!. وانظر لتضعيفه: "العلل" للدارقطني (٨/ ٢٨٣ - ٢٨٥) رقم (١٥٧٠) و"المعرفة" للبيهقي (١/ ٢٠١) و"التلخيص الحبير" (١/ ١٠٣) و"السلسلة الضعيفة" (١٠٢٨). وانظر لتحسينه: "البدر المنير" (٢/ ٣٠١ - ٣٠٣)، "خلاصة البدر المنير" (١/ ٤٣)، "تحفة المحتاج" (١/ ١٦١)، "فتح الباري" (١/ ٢٥٧)، "عمدة القاريء"، (١/ ٧٣٢)، "معارف السنن" (١/ ١١٥) للبنَّوري.
(٢) روايته عند الدارمي (٦٦٢) ومضت.
(٣) روايته عند ابن ماجه (٣٣٧، ٣٣٨، ٣٤٩٨) ومضت. مراد أبي داود: بيان الاختلاف في نسبة (الحصين)، وأنه في رواية الباب (الحُبراني)، وفي الرواية المعلقة (الحميري).
(٤) قيل: إن اسمه عمرو، وانظر: "الإصابة" (٧/ ١٤٣) رقم (١٠٠٠٥)، وقوله: "قال أبو داود " إلى هنا من رواية ابن داسة، ونحوه في "النكت الظراف" (١٠/ ٤٥٥) نقلًا عن رواية ابن الأعرابي، ويمكن أن يكون مراد أبي داود من هذا إثبات أن أبا سعيد المذكرر في السند، ليس هو الصحابي أبو سعيد الخير، وأن الصواب أبو سعيد بلا إضافة، انظر: "بذل المجهود" (١/ ٨٧) و"عون المعبود" (١/ ١٣).
(٥) انظر: "تحفة الأشراف" (١٠/ ٤٥٥) رقم (١٤٩٣٨).
[ ١٧٧ ]
فأما حصين، فيقال فيه: الحُبْر -بضم الحاء وإسكان الموحّدة (^١) - نسبةً إلى حُبران: قبيلة من اليمن، وهم بنو حبران بن عَمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم (^٢)، ويقال فيه أيضًا: الحُمراني -بالميم- نسبةً إلى حُمْران (^٣)، ويقال: الحِمْيَريّ نسبة إلى حِمْيَر: قبيلة مشهورة (^٤).
وأما أبو سعيد هذا فالمشهور فيه: أبو سعيد بالياء، ويقال: أبو سعد بحذفها، والمشهور أنه تابعي، وقيل: صحابي (^٥).
قوله - ﷺ -: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج".
الاستجمار: الاستنجاء بالأحجار، وقد سبق (^٦) بيانه، والمراد: أن الإيتار مستحبٌّ وليس بواجب، وهذا فيما زاد على ثلاث مسحات، أما
_________________
(١) انظر: "الإكمال" (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠) مع حاشيته للعلامة المعلّمي اليماني، "والتبصير" (١/ ٣٨٣)، و" التوضيح" (٢/ ٥٧٢).
(٢) انظر: "الأنساب" (٢/ ١٦٦).
(٣) انظر: "الأنساب" (٢/ ٢٦٠).
(٤) انظر: "الأنساب" (٢/ ٢٧٠).
(٥) أبو سعد الخير صحابي، أثبت صحبته البخاري وأبو حاتم الرازي وأبو داود وابن حبان والبغوى وابن قانع وجماعة، أما أبو سعيد الحبراني فتابعي قطعًا، ذكره العجلي في "ثقاته" (٤٩٩) وقال ابن حجر في "التقريب": "مجهول" وحديثه في المصريين، روى عن معاذ، قال المزي في "تهذيب الكمال" (٣٣/ ٣٥٤): "أراه مرسلًا" أي: لم يسمع منه، جزم بذلك الذهبي في "تذهيب تهذيب الكمال" (١٠/ ٢٧٥) وفرق بينه وبين الصحابي، وهكذا صنع جماعة. ونقل السيوطي في "مرقاة الصعود" (١٢) عن النووي قوله:"المشهور به كأمير" أي: أبو سعيد بالياء، ونقل عنه أيضا قوله: "المشهور أنه تابعي".
(٦) (ص ١١١).
[ ١٧٨ ]
الثلاث فيجب فِعْلُها بكلّ حال، للأحاديث السابقة (^١).
وتقدير الحديث: ليكن الاستجمار وترًا مع استيفاء الثلاث، فإنْ لم يحصل الإنقاء إلا بأربع -مثلًا- فيُستحبُّ الإيتار بخامس، فإنْ فعل الخامس فقد أحسن، وإن اقتصر على الأربع فلا حرج، هذا هو الصحيح في معنى الحديث، وذكر الخطابي (^٢) وجهًا آخر: أن معناه: إذا حصل الإنقاء بالثلاث أو بوترٍ بعدها فليقتصر على الإيتار، فإنْ زاد فلا حرج.
ووجهًا آخر: أنّ معناه: من ترك الاستجمار وعدل إلى الاستنجاء بالماء فلا حرج. وهذا فاسد، وقد احتجَّ به أصحابُ أبي حنيفة في أن الاستنجاء ليس بواجب (^٣)، إذا لم يزد الباقي على المحل على قَدْر درهم، وأجاب الجمهور بأن المراد نفي الحرج في ترك الإيتار كما هو ظاهر الحديث، لا في ترك أصل الاستنجاء.
وأما الإيتار في الاكتحال، فمعناه: في كل عينٍ وتر، وأفضلُه: في كل عين ثلاث، وفيه حديث صحيح (^٤).
_________________
(١) سبق إيضاح المسألة عند شرح الحديث المتقدم برقم (٧)، انظر تعليقنا هناك.
(٢) "معالم السنن" (١/ ٢٥)، وهو منقول بالمعنى.
(٣) سبق بيان مذهبهم في التعليق على (ص ٩٩ - ١٠٠).
(٤) أخرجه الطيالسي في مسنده (ص ٣٤٩) -ومن طريقه الترمذي (١٧٥٧)، وفي الشمائل (ص ٦٣) - وأبو الشيخ في "أخلاق النبي - ﷺ -" (ص ١٧٠)، عن عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال: "عليكم بالإثمد؛ فإنه يجلو البصر وبنبت الشعر"، وزعم أن النبي - ﷺ - كانت له مُكْحَلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثًا في هذه، وثلاثًا في هذه". وأخرجه أحمد (١/ ٣٥٤) وابن سعد (١/ ٤٨٤) وابن أبي شيبة (٨/ ٢٢ و٥٩٩ - ٦٠٠" وعبد بن حميد (٥٧٣ - المنتخب) والترمذي (٢٠٤٨) وعلى إثر (١٧٥٧) وفي "الشمائل" (٤٩)، وابن ماجه (٣٤٩٩) وأبو يعلى (٢٦٩٤) =
[ ١٧٩ ]
قوله - ﷺ -: "ومن أكل فما تخلل فلْيلفِظْ، وما لاك بلسانه فَلْيَبتلِعْ".
اللوك: إدارة الشيء في الفم، وقد لاكه يلوكه لوكًا (^١).
ومعنى الحديث: أنه يستحبُّ للآكل إذا بقي في فمه وبين أسنانه شيءٌ من الطعام، وأخرجه بعودٍ تخلل به أنْ يلفظَه ولا يبتلعَه؛ لما فيه من الاستقذار، وإن أخرجه بلسانه -وهو معنى لاكه- فلْيبتلعه ولا يلفظه؛ لأنه لا يستقذر (^٢).
_________________
(١) = وأبو الشيخ (ص ١٦٩ - ١٧٠) والحاكم (٤/ ٤٠٨) والبيهقي (٤/ ٢٦١) من الطريق السابق نفسه بلفظ: "كانت لرسول الله - ﷺ - مُكْحَلة، يكتحل بها عند النوم ثلاثًا في كلٍّ عين". وهذا إسناد ضعيف، فيه عباد بن منصور، وهو مدلس وتغير بأخرة، وقد عنعن، فالحديث ضعيف، وانظر "الجوهر النقي" (٤/ ٢٦١). وأخرج ابن سعد (١/ ٤٨٤) وابن أبي شيبة (٨/ ٢١، ٥٩٩) بسند جيد من مرسل عمران بن أبي أنس قال: "كان - ﷺ - يكتحل في عينه اليمنى ثلاث مرات، واليسرى مرتين". وأخرجه أبو الشيخ في "أخلاق النبي - ﷺ -" (ص ١٨٣) -ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (١٢/ ١١٩) - عن عمران عن أنس رفعه، فثبت موصولًا. وللحديث شواهد، وانظر: "السلسلة الصحيحة" (٦٣٣).
(٢) قال المصنف في "شرح صحيح مسلم" (١٥/ ١٧٥): "قال أهل اللغة: اللوك مختص بمضغ الشيء الصلب". وانظر: "النهاية" (٤/ ٢٧٨).
(٣) ورد عن معاذ مرفوعًا: "حبذا المتخللون، أن تخلل بين أصابعك بالماء، وأن تخلل من الطعام"، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢)، وأحمد (٥/ ٤١٦) وعبد بن حميد (٢١٧) والطبراني في "الكبير" (٤٠٦١، ٤٠٦٢) وابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٥٤٧). وإسناده ضعيف جدًّا، فيه واصل بن السائب الرقاشي وأبو سورة ابن أخي أيوب، مجمع على تضعيفهما. ولا يعرف لأبي سورة سماع من أبي أيوب، فيما ذكر البخاري. وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: "إن فضل الطعام الذي يبقى بين =
[ ١٨٠ ]
وأما الكثيب -بالمثلثة- فهو الرمل المستطيل المحدودب (^١).
قوله - ﷺ -: "فإنَّ الشَّيطانَ يلعبُ بمقاعِدِ بني آدم"، قال الخطابي (^٢): "معناه: إن الشيطان (^٣) يحضر تلك الأمكنة ويرصدها بالأذى؛ لأنها مواضع يُهْجَرُ فيها ذكر الله تعالى، وتكشف فيها العورات، وهي (^٤) بمعنى الحديث الآخر: "إن هذه الحشوش محتضرة" (^٥)، وكأن السترة وقاية تمنعه من الفساد.
وفي هذا الحديث أن الأمر للوجوب (^٦)، ولولا ذلك لم يحتج - ﷺ - إلى قوله: "ومن لا فلا حرج".
وفيه استحباب الإيتار في الاكتحال، وفي الاستجمار والاستنثار، وغير ذلك.
_________________
(١) = الأضراس يوهن الأضراس" وإسناده صحيح، كما في "الإرواء" (٧/ ٣٣). ونقل المذكور هنا بطوله عن النووي السيوطي في "مرقاة الصعود" (١٣ - درجات).
(٢) بحروفه في "شرح صحيح مسلم" (١٣/ ١٢٦ و١٥/ ١٨٦) و"المجموع" (٢/ ٩٢) للمصنف.
(٣) من "معالم السنن" (١/ ٢٥) بتصرف يسير.
(٤) في "المعالم": "الشياطين" وبعدها: "تحضر، ترصدها".
(٥) في "المعالم": وهو بمعنى تحوله.
(٦) مضى تخريجه.
(٧) انظر لتأكيده: "معالم السنن" (١/ ٢٥)، "شرحي على الورقات" (ص ١٣١).
[ ١٨١ ]