٣٦ - (صحيح) حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوْهَب الهَمْداني، أنا المفضَّل -يعني ابن فضالة المصري-، عن عياش بن عباس القِتباني، أنَّ شُييم بن بَيْتَان، أخبره عن شَيبان القِتباني، [قال]: إن مسلمة بن مُخلَّد استعمل رُويفعَ بن ثابت على أسفل الأرض. قال شيبان: فسِرنا معه من كُوْم شَريك إلى عَلْقَماء، أو من علقماء إلى كُوم شريك -يريد علقام- فقال رويفع: إنْ كان أحدنا في زمن رسول الله - ﷺ - ليأخذَ نِضْوَ أخيه، على أنَّ له النِّصفَ مما يغنمُ ولنا النَّصفُ، وإنْ كان أحدُنا ليطيرُ له النَّصلُ والرِّيشُ، وللآخَرِ القِدْحُ. ثم قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا رُويفعُ! لعلَّ الحياةَ ستطولُ بك بعدي، فأخبر الناس أنّه من عَقَد لحيته، أو تقلَّدَ وَتَرًا، أو استنجى برجيعٍ دابةٍ أو عظمٍ، فإن محمدًا - ﷺ - منه بريءٌ" (^١).
_________________
(١) أخرجه من طريق المصنف البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١١٠)، والبغوي في "شرح السنة" (٢٦٨٠). وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤/ ١٠٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢١٩٦)، والبزار في "البحر الزخار" (٢٣١٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ ٢٨)، رقم (٤٤٩١)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٢/ ٥٩١ - ٥٩٢) من طريق المفضَّل بن فضالة به. وأخرجه أحمد (٤/ ١٠٨)، والنسائي في "المجتبى" (٨/ ١٣٥) رقم (٥٠٦٧)، و"الكبرى" (٥/ ٤١٤) رقم (٩٣٣٦)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٢٣) من طريق عياش بن عباس عن شييم أنه سمع رويفع، =
[ ١٨٢ ]
٣٧ - (صحيح الإسناد) حدثنا يزيد بن خالد، ثنا مفضل، عن عَيَّاش، أن شُييم بن بَيْتَان أخبره بهذا الحديث أيضًا، عن أبي سالم الجَيْشَاني، عن عبد الله بن عَمرو، يذكر ذلك وهو معه مُرابِطٌ بحصنِ باب ألْيُون.
قال أبو داود: حِصْنُ ألْيُون بالفسطاط على جبل.
قال أبو داود: وهو شَيبان بن أُميَّة، يكنى أبا حذيفة.
٣٨ - (صحيح) حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، أنا رَوح بن عُبادة، ثنا زكريا بن إسحاق، نا أبو الزُّبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: نهانا رسول الله - ﷺ - أن نتمسّح بعظم أو بعرٍ (^١).
٣٩ - (صحيح) حدثنا حَيوة بن شُرَيح الحِمْصي، نا ابنُ عياش، عن يحيى بن أبي عَمرو السَّيباني، عن عبد الله بن الدَّيْلَمي، عن عبد الله بن مسعود قال: قَدِمَ وفدُ الجنِّ على النبي - ﷺ - فقالوا: يا محمد؛ انْهَ أُمتَكَ أنْ يستنجوا بعظمٍ أو روثةٍ أو حُمَمةٍ، فإن الله ﷿ جعل لنا فيها رزقًا، قال: فنهى النَّبيُّ - ﷺ - عن ذلك (^٢).
_________________
(١) = فقد سمع شييم من رويفع مباشرة، وبواسطة، والواسطة شيبان القتباني مجهول، فالحديث صحيح بإسقاط الواسطة. والله أعلم. وجوَّد إسناده النووي في "المجموع" (١/ ٢٩٢)، وحَسَّنَ الحديث هنا كما سيأتي.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٣).
(٣) أخرجه من طريق المصنف البيهقي في "الكبرى" (١/ ١٠٩)، وأخرجه الدارقطني (١/ ٥٥ - ٥٦) من طريق إسماعيل بن عياش به. وقال: "إسناد شامي ليس بثابت". قلت: ولعله قال ذلك لأجل إسماعيل بن عياش، لكن روايته عن الشاميين قوية، وروايته عن الحجازيين ضعيفة، كما حققه البخاري وأحمد وابن =
[ ١٨٣ ]
فيه ثلاثة أحاديث: حديث رويفع: حسن، وحديث جابر: صحيح، رواه مسلم. وحديث ابن مسعود: ضعفه الدارقطني والبيهقي.
قوله: "ابن مَوْهَب" هو بفتح الهاء (^١)، وحكي كسرها وهو غريب.
"الهَمْدَاني" (^٢) بإسكان الميم، و"فَضَالة" بفتح الفاء.
قوله: "عن عَيَّاش بن عَبَّاس القِتْباني، أنَّ شُييم بن بَيْتان أخبره، عن شَيْبان القِتْباني، أنَّ مَسلمةَ بن مُخَلَّد اسْتَعملَ رُويفعَ بنَ ثابت " إلى آخره.
_________________
(١) = معين، فالإسناد صحيح، رجاله ثقات. وله طريق أخرى أخرجها الدارقطني رقم (٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٠٩) من طريق ابن وهب عن موسى بن عُلَيّ عن أبيه عن ابن مسعود، وقال الدارقطني عقبه: "لا يثبت سماعه عن ابن مسعود، ولا يصح". قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم. فإنه لا يشترط ثبوت اللقاء، بل يكفي عنده إمكانيته -كما هو مَقرَّر في المصطلح-، وعليّ لم يُذكر بتدليس، فالإسناد صحيح .. وضعفه المصنف هنا، وفي "المجموع" (٢/ ١١٦)، وعبارته: "ضعيف، رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي، ولم يضعّفه أبو داود، وضعّفه الدارقطني والبيهقي". قلت: وانظر تعقب ابن التركماني في "الجوهر النقي" (١/ ١١٠) للبيهقي.
(٢) عليه اقتصر ابن حجر في "التقريب" (٧٧٠٨)، وقال السجزي: "ما رأيت أحدًا من أهل الحديث أخشع لله من يزيد بن موْهَب، ما حضرناه قط -يعني: يحدث بحديث فيه وعد أو وعيد-، فانتفعنا به ذلك اليوم من البكاء". كذا في "تذهيب تهذيب الكمال" (١٠/ ٧١).
(٣) هذا هو الصواب في نسب ابن موهَب، وتحرف في "تسمية شيوخ أبي داود" (٣١١ - ط ابن حزم) وفي "تهذيب الكمال" (٣٢/ ١١٥) إلى "الحمداني"! وهو على الصواب في الكتاب الأول (٢/ ٤٢٠ - ط زياد منصور)، وعلى الجادة في سائر مصادر الترجمة.
[ ١٨٤ ]
أما عياش الأول فبالمعجمة (^١)، وأبوه بالمهملة (^٢)، والقِتْبَانيّ بقاف مكسورة ومثنَّاة فوق ساكنة، ثم موحدة، منسوبٌ إلى قتبان: بطن من رُعَين (^٣). وأما شُييم فبضمِّ الشين وكسرها والمثناة تحت المكررة، وبَيْتَان (^٤) على لفظ تثنية البيت، ومسلمة بن مُخَلَّد بفتح الخاء وتشديد اللام (^٥). ومسلمة هذا صحابي، وقد ذكره البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما في الأسماء المفردة (^٦).
قوله: "إن مسلمة بن مُخَلَّد استعمل رُويفعَ بن ثابت على أسفل الأرض، قال شيبان: فسرنا معه من كُوم شَريك إلى عَلقماء، أو من عَلقماء إلى كوم شريك، يريد عَلْقام".
معنى هذا الكلام: أنَّ مسلمة بن مُخلَّد كان أميرًا على بلاد مصر (^٧)،
_________________
(١) انظر: "المشارق" (٢/ ١١٢)، "مؤتلف الدارقطني" (٣/ ١٥٦٥) والتعليق عليه.
(٢) انظر: "تصحيفات المحدثين" (٢/ ٨٥٢) والتعليق عليه.
(٣) مثله في "شرح صحيح مسلم" (١٠/ ٢٦ - ٢٧ و١٣/ ٤٥) للمصنف. وقيل: منسوب إلى (قتبان) موضع بعدن في اليمن، انظر: "الأنساب" للسمعاني (القتباني).
(٤) بفتح أوله، وسكون المثناة تحت، تليها مثناة فوق مفتوحة، ثم ألف ثم نون، كذا في "التوضيح" (١/ ٦٧٨).
(٥) بحروفه في "شرح صحيح مسلم" (١٣/ ١٠١)، وزاد في أوله: "بضم الميم". وقال السيوطي في "در السحابة" (١٠٥): "بوزن محمد"، وانظر: "مؤتلف الدارقطني" (٤/ ٢٠٠٣) والتعليق عليه.
(٦) أشار إلى صحبته البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٣٨٧)، ورد ذلك أبو حاتم في "الجرح والتعديل" (٨/ ٢٦٥)، وذكره ابن السكن وأبو نعيم وغيرهما في (الصحابة)، ذكر ذلك عنهما ابن حجر في "الإصابة" (٦/ ١١٦)، ونقله السيوطي في "مرقاة الصعود" (١٤ - درجات) عن المصنف.
(٧) كان ذلك في ٢٠/ ربيع الأول/ سنة ٤٧ هـ، قاله الشرقاوي في "تحفة =
[ ١٨٥ ]
استعمله عليها معاوية، فاستناب مسلمة رويفع بن ثابت على أسفل أرض مصر (^١).
وقوله: "من كُوم"، هو بضمِّ الكاف على المشهور، وممن صرَّح بضمِّها: الحازمي في "المؤتلف في الأماكن" (^٢)، وابن الأثير في "النهاية" (^٣)، وآخرون (^٤)، وضبطه بعض الحفاظ بفتحها (^٥)؛ قالوا: ويقال
_________________
(١) = الناظرين فيمن ولي مصر من الملوك والسلاطين" (ص ١٣٤/ رقم ٥). وأفاد ولايته مصر: السيوطي في مواطن من كتابه "در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة" (٣٦، ٥٠، ٦٢، ٦٣/ ١٠٥) وفي الموطن الأخير: "شهد فتح مصر، واختط بها، ولهم عنه حديثان، مات بمصر سنة اثنتين وستين. وقيل: مات بالإسكندرية"، وقال ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٦/ ٥٦٢) و(٩/ ٥٠٩): "مات بالمدينة، تحول من مصر إليها، وقد ولي إمرة مصر زمن معاوية".
(٢) قال ابن يونس عن (رويفع): "توفي ببرقة، وهو أمير عليها من قبل مسلمة بن مُخلَّد سنة ست وخمسين". انظر: "الإصابة" (٣/ ٢٨٩ رقم ١٩٨٦)، "الاستيعاب" (٧٨٨)، "در السحابة" (٥٨)، ونقل السيوطي في "مرقاة الصعود" (١٤ - درجات) المثبت دون عزو -ويصنع هذا كثيرًا- وزاد: "وقال بعضهم: أو أراد المغرب، فولاية رويفع المغرب مشهورة، وولايته للوجه البحري لا تكاد تعرف".
(٣) ذكره الحازمي في "الأماكن" (ق ١٧١/ ب- ١٧٢/ أ) في (باب كُوم وكَرْم) قال: "أما الأول بضم الكلاف وسكون الواو (كُوم علقام) ويقال (كوم علقما)، موضع في أسفل مصر، له ذكر في حديث رويفع. وأما الثاني بعد الكاف راء، موضع بعُمان".
(٤) تتمة اسمه "في غريب الحديث" (٤/ ٣٩١).
(٥) انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٤٩٥).
(٦) هي بالفتح في "معجم ما استعجم" (٣/ ١١٤٣)، وقال السيوطي في "المرقاة" (١٤ - درجات) على إثر ضبط (كوم): "وضبطه بعض الحفاظ كعبد" قال: "قاله النووي في "شرحه"، وقال مغلطاي: إنه المعروف".
[ ١٨٦ ]
له: كوم عَلْقَام، بفتح العين وإسكان اللام وبالقاف، وكوم عَلْقماء بالمد، وهو موضع في أسفل بلاد مصر (^١).
وشريك هذا الذي نُسب إليه هو: شريك بن سُمَيّ المرادي الصحابي، وفد على رسول الله - ﷺ -، وشهد فتح مصر (^٢)، قال ابن يونس: وكوم شريك (^٣) هذا في طريق الإسكندرية.
قوله: "ليأخذ نِضْو أخيه"، هو بكسر النون وإسكان الضاد المعجمة، يعني: البعير المهزول (^٤).
قوله: "فإن كان أحدنا لَيطيرُ له النّصلُ والرِّيشُ وللآخَرِ القِدْحُ".
معنى يطير له: يحصل له بالقسمة، ومراده أنهم كانوا يقتسمون قسمة محققة، ويبالغون في استوائها، حتى أن السهم الواحد يقتسمه الرجلان فيحصل لأحدهما نصله وريشه، وللآخر قِدحَه -بكسر القاف- وهي خشبة السهم (^٥).
_________________
(١) قال الزبيدي في "تاج العروس" (٣٣/ ١٤٢): "وعَلْقَام: قرية بمصر من حَوفِ رَمْسيس، وقد اجتزتُ بها". والمراد (في أسفل بلاد مصر) الوجه البحري في اصطلاح اليوم.
(٢) قال الذهبي في "التجريد" (١/ ٢٥٨): "له وفادة، كان على مقدمة عمرو بن العاص يوم فتح مصر". وانظر: "الإصابة" (٥/ ٧٥ رقم ٣٨٩٥) و"در السحابة" (٦٩).
(٣) انظر: "معجم ما استعجم" (٣/ ١١٤٣) و"معجم البلدان" (٤/ ٤٩٥).
(٤) زاد المصنف في "تحرير ألفاظ التنبيه" (ص ٣٢٥): "المهزول هزالًا شديدًا". وقال الخطابي في "المعالم" (١/ ٢٦): "يقال: بغير نضو، وناقة نضو ونضوة، وهو الذي أنضاه العمل، وهزله الكد والجهد"، وانظر: "النهاية" (٥/ ٧٢).
(٥) انظر: "معالم السنن" (١/ ٢٦).
[ ١٨٧ ]
قوله: "عن أبي سالم الجَيْشَاني"، هو بفتح الجيم وإسكان المثنّاة تحت وبالشِّين المعجمة، منسوب إلى جَيْشَان: قبيلة من اليمن (^١)، واسم أبي سالم هذا: سفيان بن هانئ (^٢).
قوله: "باب أَليون"، هو بياءٍ مثناة تحت مضمومة ثم واو ساكنة. قال الحازمي في آخر "المؤتلف" (^٣): "أليون: اسم مدينة مصر، فتحها المسلمون، وسمّوها الفسطاط"، وقد يشتبه هذا بالبون بضمِّ الباء الموحدة، قال الحازمي: "وقد تفتح، وهي مدينة باليمن"، قال: "وزعموا أنها ذات البئر المعطَّلة والقصر المشيد المذكورة في القرآن العزيز" (^٤).
قوله: "حصن أليون بالفسطاط" (^٥) يعني بالفسطاط: مصر.
قوله: "يحيى بن أبي عمرو السَّيباني"، هو بفتح السين المهملة (^٦)،
_________________
(١) انظر: "الأنساب" (٢/ ١٤٤).
(٢) كذا قال في "شرح صحيح مسلم" (١٢/ ٢٩٠).
(٣) (ق ٣٠١/ ب).
(٤) الأماكن (ق ٣٠١/ ب) للحازمي، ويشير في آخر كلامه إلى قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥]. وساق السهيلي في "التعريف والإعلام" (١١٧، ١١٨) وعنه أبو عبد الله البلسي في كتابه "صلة الجمع وعائد التذييل لموصول كتابي الاعلام والتكميل" (٢/ ٢٣٦ - ٢٤٠) أقوالًا أخرى، ليس فيها المذكور عند المصنف، وبعض هذه الأقوال غريبة، وساق حكايات مختلقة مكذوبة، لا يعتمدها إلا من أصابه هوس، والمقام لا يتّسع للسرد والكشف والتحقيق، والله الهادي والواقي، وهو ولي التوفيق.
(٥) على إثرها في "السنن": "على جبل"، قال مُغُلطاي: "وهذا الجبل هو المسمى الآن بالرصد"، نقله السيوطي في "مرقاة الصعود" (١٤).
(٦) انظر: "مؤتلف الدارقطني" (٣/ ١٤٠١)، "تقييد المهمل" (٢/ ٣٠٧)، "توضيح المشتبه" (٥/ ٢٤٤).
[ ١٨٨ ]
منسوبٌ إلى بني سَيبان: بَطْنٌ من حِمْيرَ، قال السَّمعاني (^١): "قال محمد ابن حبيب (^٢): كل شيءٍ من العرب شيبان بالمعجمة، إلا في حمير، فإن فيها: سيبان، -يعني بالمهملة- ابن الغوث بن سعد بن عوف".
قوله: "نَهَى أن يَسْتنجي بروثة أو حُمَمة"، هي بضم الحاء وهي الفحم (^٣)، وقيل: الفحم الرَّخو كفحم القصب والخشب الرَّخو.
والنهي عن الاستنجاء به لعلَّتين:
إحداهما: أنه جُعل رزقًا للجن (^٤) فلا يفسده عليهم.
والثانية: أنه يتفتت لرخاوته، فيتعلّق فتاته المتنجِّس بالمحل، وفي معناه التراب المتفتت، فأما الصَّلب الذي استحجر وصار مدرًا لا يتفتت فيجوز الاستنجاء به (^٥).
قوله: "إنْ كان أحدُنا في زمانِ رَسولِ الله - ﷺ - ليأخُذُ نِضْوَ أخيه على أنَّ له النِّصفَ مما يَغنمُ ولنا النِّصفُ"، في هذا دليل لمن أجاز أن يأخذ الرجل فرس غيره أو بعيره ليغزو عليه بنصف ما يناله من الغنيمة، وهو مذهب الأوزاعي ورواية عن أحمد، ولم يحك الخطابي (^٦) عنه غيرها،
_________________
(١) "الأنساب" (٣/ ٣٥٤)، وانظر "شرح صحيح مسلم" (١/ ٦٧ - ٦٨).
(٢) في كتابه: "مختلف القبائل ومؤتلفها" (٣٥١ - ط حمد الجاسر).
(٣) وكذا في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ٤)، وضبطه في "التهذيب" (٣/ ٧٣)، و"المجموع" (٢/ ١١٦) بقوله: "بضم الحاء وفتح الميمين وتخفيفهما"، ونقل فيه، وفي "المجموع" (٢/ ١١٦) عن الخطابي في "المعالم" (١/ ٢٧) قوله عنه: "الفحم وما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما".
(٤) على اعتبار ما أحرق من العظم بخاصة، والحممة أوسع من ذلك.
(٥) بنحوه في "المعالم" (١/ ٢٧) للخطابي، وصرح المصنف في "التهذيب" (١/ ٧٣) بنقله عنه، وانظر "المجموع" (٢/ ١١٧).
(٦) "معالم السنن" (١/ ٢٦).
[ ١٨٩ ]
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: هذه إجارة فاسدة، والواجب فيها أجرة المثل، ويكون جميع سهم الغنيمة للمستأجر (^١)، ويتأوّلون هذا الحديث على أنّه كان ذلك من باب المروءات والمواساة، فيعطيه البعير عاريّة، ويهدي له ذلك من غنيمته نصفها تبرعًا، وإن جرى شرط كان محمولًا على ملاطفة المستعير، لئلاّ يستحي من أخذه بلا عِوض، والله أعلم.
وأما نهيه - ﷺ - عن عقد اللحية، فذكر الخطابي (^٢) وغيره فيه تأويلين:
أحدهما: أنه نهى عن عقدها لكونه من زِيِّ الكفار، وعادة بعض الأعاجم، وكانوا يعقدونها في الحرب وغيرها.
والثاني: أن المراد النهي عن معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد؛ لأنه من زي أهل التَوضُّع (^٣) والتأنيث (^٤).
_________________
(١) هذا هو الظاهر؛ لأن المقاتل عليه تصرّف في قتال العدو تصرُّف الفارس بوجه صحيح على وفق الشرع، فوجب له سهمه، لعموم القرآن وظاهر السنة، وهذا قول ابن أبو القاسم وسحنون، وللشافعية قولان. وانظر بسط المسألة في "الذخيرة" (٣/ ٤٢٨)، "البيان والتحصيل" (٢/ ٥٦٩)، "البيان" للعمراني (١٢/ ٢١٤)، "المجموع" (٢١/ ٢٤١)، "مغني المحتاج" (٣/ ١٠٤)، والذي ذكرته هو الذي رجحه ابن المناصف في كتابه البديع: "الإنجاد في أبواب الجهاد" (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧ بتحقيقي)، فانظره فإنه مفيد غاية.
(٢) "معالم السنن" (٢/ ٢٧)، بالمعنى، ونقله عنه المصنف في "المجموع" (١/ ٢٩٢) أيضًا.
(٣) كذا جودها الناسخ: بفتح التاء المثناة وتشديد الضاد، وفي مطبوع "المعالم" و"المجموع" وفي "تاج العروس": (مادة وضع) (٢٢/ ٣٤٢): "الموضع: هو الرجل المطرح غير مستحكم الخلق، نقله الجوهري، زاد الصاغاني كالمخنث. ويقال: في فلان توضيع، أي: تخنيث" وفيه: "وفي الأساس": في كلامه توضيع، أي: تخنيث، وهو مجاز، من وضع الشجرة: إذا هصرها".
(٤) نقل ابن دقيق العيد في "الإمام" (٢/ ٥٦١) من "الدلائل في غريب =
[ ١٩٠ ]
وأما النَّهي عن تقليد الوتر فذكر الخطابي (^١) وغيره فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن النهي من أجل العوذ والتَّمائم المشتملة على رُقَى الجاهلية، كانوا يعلِّقونها في الرِّقاب، ويشدُّونها بالأوتار، ويرونها تدفع الآفات، فنهى عنها.
والثاني: أنه نهى عنها بسبب الأجراس التي تعلَّق فيها، والأجراس مزامير الشيطان (^٢).
_________________
(١) = الحديث" (أ) تأويلًا ثالثًا، عليه مؤيِّدات ومرجِّحات، وهذا نص كلامه بحروفه: "قال صاحب "الدلائل في غريب الحديث" بعدما روي الحديث عن موسى بن هارون: "هكذا في الحديث "من عقد لحيته" وصوابه -والله أعلم-: من عقد لحاء؛ من قولك: لحيت الشجر، ولَحَوتَه: إذا قشر. وكانوا في الجاهلية يعقدون لحاء [شجر] الحرم، فيقلدونه من أعناقهم، فيمنون بذلك، وهو قول الله ﷿: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ (٢)﴾ [المائدة: ٢]، فلما أظهر الله الإسلام، نهى عن ذلك من فعلهم. وروى أسباط، عن السُّدي -في قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ (٢)﴾ [المائدة: ٢ - ٢] أما شعائر الله تعالى: فحرم الله، وأما الهدي والقلائد: فإن العرب كانوا يقلدون من لحاء الشجر -شجر مكة-، فيقيم الرجل بمكة، حتى إذا انقضت الأشهر الحرم وأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر، فيأمن حتى يأتي أهله". وذكر صاحب "الدلائل" باقي الخبر. وما أشبه ما قاله بالصواب! لكن لم نره في رواية مما وقفنا عليه، والله ﷿ أعلم". وانظر: "البدر المنير" (٢/ ٣٥٣).
(٢) "معالم السنن" (١/ ٢٧) بمعناه.
(٣) أخرج مسلم (٢١١٤) بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " الجرس مزامير الشيطان". (أ) لا يوجد فى القسم المطبوع منه، وهر ناقص بنقص أصوله الخطيّة.
[ ١٩١ ]
والثالث: نهى عن تعليق الأوتار في رقاب الخيل؛ لئلّا تختنق بها عند شِدَّة الركض لانتفاخ أوداجها.
قوله - ﷺ -: "فإنَّ مُحمَّدًا منه بريء"، أي: بريءٌ من فعله، وقاله بهذه الصيغة ليكون أبلغ في الزجر.
قوله: "قَدِمَ وَفْدُ الجنّ"، فيه دليل على وجودهم وهو مذهب أهل الحق، وقد تظاهرت عليه دلائل القرآن والسنّة الصريحة (^١).
والوفد: هم جماعة من فضلاء قومهم يقصدون الملوك والكبار في مهمّات قومهم، واحدهم وافد، كراكب ورَكْب (^٢).
وفي أحاديث الباب: النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث والفحم، ويلحق بالعظم ما في معناه، وهو المطعوم والمحترم، وبالروث سائر النجاسات، وبالفحم كل ما لا يزيل النجاسة إزالة الحجر (^٣).
_________________
(١) أنكرت الفلاسفةُ الجنَّ والشياطين، وجعلوها القوى الفاسدة، قال ابن تيمية في "التفسير الكبير" (٧/ ٣٨١): "فهؤلاء النصارى مع كفرهم خير من هؤلاء المتفلسفة". وهم أحياء ناطقون، كما دلت على ذلك الدلائل الكثيرة من جهة الأنبياء، انظر: "مجموع فتاوى ابن تيمية" (١٠/ ٣٩٩)، و"مجموعة الرسائل والمسائل" (٢/ ٥١)، وكتابي "فتح المنان في جمع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن الجان" (١/ ٣٠)، نشر الدار الأثرية، عمان.
(٢) نقل المصنف في "شرح صحيح مسلم" (١/ ٢٥٣) عن صاحب "التحرير" قوله: "الوفد: الجماعة المختارة من القوم، ليتقدموهم في لقي العظماء، والمصير إليهم في المهمات". وانظر "النهاية" (٥/ ٢٠٩).
(٣) قدمنا نحوه عن المصنف في التعليق على (ص ١٠٢ - ١٠٣) فراجعه.
[ ١٩٢ ]