هو مشتق من السَّوْك، وهو الدَّلك، وقيل: من التساؤك، وهو التمايل (^١).
٤٦ - (صحيح) حدثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يرفعه، قال: "لولا أن أشُقَّ على المؤمنين لأمرتُهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاةٍ" (^٢).
_________________
(١) من قولهم: "تساوكت الإبل" إذا اضطربت أعناقها من الهزال، قاله ابن فارس. وانظر: "المحكم" لابن سيده (٧/ ٩٣)، و"معجم مقاييس اللغة" (١/ ١١٧ - ١١٨)، و"شرح الإحياء" للزَّبيدي (٢/ ٣٤٨)، و"بغية النساك في أحكام السواك" للسفاريني (ص ٥٣ - ٥٤)، و"الدِّراك فيما يتعلّق بالسواك" (٢٠، ٢١). وانظر كلام المصنف بإسهاب في: "تهذيب الأسماء واللغات" (٣/ ١٥٧)، "المجموع" (١/ ٣٣٦)، "تحرير ألفاظ التنبيه" (٣٣)، "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٨٠ - ١٨١).
(٢) أخرجه البخاري (٨٨٧) من طريق مالك عن أبي الزِّناد به، و(٧٢٤٠) من طريق الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج به. وأخرجه مسلم (٢٥٢) عن قتيبة بن سعيد وزهير بن حرب وعمرو الناقد قالوا: حدثنا سفيان به، بدون ذكر جملة العشاء، وهذه الزيادة ثابتة من حديث سفيان فقد رواها غير قتيبة بن سعيد جماعة، منهم: أولًا: الشافعي في "مسنده" (ص ١٣)، ومن طريقه البيهقي في "الكبرى" (١/ ٣٥). ثانيًا: عبد الرزاق في "مصنفه" (١/ ٥٥٦). =
[ ٢١٤ ]
٤٧ - (صحيح) حدثنا إبراهيم بن موسى، نا عيسى بن يونس، نا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن زيد بن خالد الجهني، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لولا أن أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاةٍ". قال أبو سلمة: فرأيتُ زيدًا يجلس في المسجد، وإن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاةِ استاك (^١).
حديث أبي هريرة على شرط الصحيحين.
قوله: "عن أبي هريرة يرفعه" أي: قال: قال رسول الله - ﷺ -، فحكمه حكم المسند بناءً على أن قول التابعي عن الصحابي: يرفع الحديث، أو
_________________
(١) = ثالثًا: الحميدي في "مسنده" (٢/ ٤٢٨). رابعًا: أحمد بن حنبل في "مسنده" (٢/ ٢٤٥). خامسًا: محمد بن منصور كما عند النسائي في "المجتبى" (٥٣٤). سادسًا: علي بن خشرم كما عند ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٧٢). سابعًا: أبو خيثمة كما عند أبي يعلى (١١/ ١٥٠). فهي زيادة من ثقة مقبولة، وصححها المصنف هنا وفي "خلاصة الأحكام" (١/ ٢٦٠) رقم (٧١٩) وفي "المجموع" (٣/ ٥٦).
(٢) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٣٧). وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤/ ١١٤، ١١٦)، (٥/ ١٩٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٥)، والترمذي في "سننه" (٢٣) والنسائي في "الكبرى" (٣٠٤١) والطحاوي (١/ ٤٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٥/ ٢٤٣، ٢٤٤) (رقم ٥٢٢٣، ٥٢٢٤)، والبيهقي (١/ ٣٧) والبغوي (١٩٨) وابن عساكر في "أربعينه" (ص ٨٩) من طريق محمد بن إسحاق به. ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن فالإسناد ضعيف، وله طريق أخرى تقويه عند أحمد (٤/ ١١٦): ثنا عبد الصمد ثنا حرب بن شداد عن يحيى ثنا أبو سلمة به، دون قوله: "فكان زيد ابن خالد " الخ. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
[ ٢١٥ ]
ينميه، أو: يبلغ به النبي - ﷺ -، ويكون الحديث بمعنى قوله: قال رسول الله - ﷺ - في وجوب الصحّة والإسناد إليه، وأنَّ رَفْعَهُ لا فرق فيه بين قول الصحابي: عن النبي - ﷺ -، أو: قال، أو: سمعتُه، أو: حدَّث، أو: رأيت، وغير ذلك، حيث جاء بلفظةٍ منها، وأتى بعبارة مجملةٍ صحيحة صريحة في الرفع (^١).
قوله - ﷺ -: "لولا أن أشقَّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة".
فيه أن السواك مستحبٌّ، وأنه ليس بواجب (^٢)، وأن الأمر للوجوب (^٣)، وأن تأخير العشاء أفضل، وأنه يستحبُّ السواك لكلِّ صلاةٍ
_________________
(١) قال المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٥٥): "قولهم: رواية أو يرفعه أو ينميه أو يبلغ به، كلها ألفاظ موضوعة عند أهل العلم لإضافة الحديث إلى رسول الله - ﷺ -، لا خلاف في ذلك بين أهل العلم"، وقرره أيضًا فيه (٧/ ١٤٩) عند حديث (١٠٢٠) وفيه "عن أبي هريرة يبلغ به" قال: "معناه يبلغ به النبي - ﷺ - فكأنه قال: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -، ولا فرق بين هاتين الصيغتين باتفاق العلماء، والله أعلم". وهذا الذي قرره فيه أيضًا (٥/ ١٧٧) نقلًا عن الإمام مسلم، وفي التقريب" (١/ ٢٨٥) "والإرشاد" (١/ ١٦٣)، وهو المقرر في كتب المصطلح، كما تراه في "جزء من علوم الحديث" لأبي عمرو الداني (ص ٥٤، ٥٨ - بتحقيقي) وبينته -ولله الحمد- في شرحي عليه المسمى "بهجة المنتفع" (ص ١٧٨ - ١٧٩) وكلاهما نشر المكتبة الأثرية، الأردن. ويدل عليه صنيع البخاري في "صحيحه" انظر منه رقمي (٥٦٨٠، ٥٦٨١).
(٢) ذلك أن (لولا) كلمة تمنع الشيء لوقوع غيره، فصار الوجوب بها ممنوعًا، ولو كان السواك واجبًا؛ لأمرهم به شقَّ أو لم يشقّ، أفاده الخطابي في "المعالم" (١/ ٢٨ - ٢٩).
(٣) لولا أنه إذا أمرنا بالشيء صار واجبًا، لم يكن لقولهِ "لأمرتهم به" معنى، وكيف يشفق عليهم من الأمر بالشيء، وهو إذا أمر به لم يجب ولم يلزم، فثبت أنهُ على الوجوبِ ما لم يقم دليل على خلافهِ، أفادهُ الخطابي (١/ ٢٩)، وقال المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٨٢) عنه: "وهو =
[ ٢١٦ ]
طاهرًا كان أو غير طاهر، وهو من لم يجد ماءً ولا ترابًا، وأنه إذا صلّى في المجلس صلوات استحبَّ لكل صلاةٍ، ولكلِّ ركعتين يسلِّم منهما.
ولفظة (عند) بكسر العين وفتحها وضمّها ثلاث لغات (^١)، الكسر أفصح وأشهر.
وفي حديث زيد بن خالد استحباب السواك في المسجد، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور (^٢).
٤٨ - (حسن) حدثنا محمد بن عوفٍ الطائيُّ، ثنا أحمد بن خالد، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عبد الله بن عبد الله ابن عمر، قال: قلت: أْرأيت توضُّؤ ابن عمر لكل صلاةٍ طاهرًا وغير طاهرٍ، عمَّ ذاكَ؟ فقال: حدثتنيه أسماءُ بنتُ زيد بن الخطاب، أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامرٍ حدثها، أن رسول الله - ﷺ - أُمر بالوضوء لكل صلاةٍ طاهرًا وغير طاهرٍ، فلما شق ذلك عليه أُمر بالسواك لكل صلاةٍ، فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوَّة، فكان لا يدعُ الوضوءَ لكلِّ صلاةٍ (^٣).
_________________
(١) = مذهب أكثر الفقهاء، وجماعات من المتكلمين وأصحاب الأصول"، وانظر "شرحي على الورقات" (١٣١).
(٢) قاله في "تحرير ألفاظ التنبيه" (ص ٣٣) وزاد: "وهي حضرة الشيء، وهي ظرف مكان وزمان، تقول: عند الليل، وعند الحائط. قال الجوهري: ولم يدخلوا عليها من حروف الجر سوى (من)، فيقال: من عنده، ولا يقال: مضيتُ إلى عنده".
(٣) انظر: "المجموع" (١/ ٣٢٨) " الفتاوى الكبرى"، (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، "كشاف القناع" (١/ ٧٣)، "المغني" (١/ ١٣٥)، "تحفة الأحوذي" (١/ ١٠٤ - ١٠٥). وينقل الكراهية عن بعض المالكية، انظر: "الدِّراك فيما يتعلق بالسواك" لجعفر الكتاني (ص ١٠٠ - ١٠١).
(٤) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٣٧). =
[ ٢١٧ ]
قال أبو داود: إبراهيم بن سعدٍ رواه عن محمد بن إسحاق، قال: عبيد الله بن عبد الله (^١).
قوله: "حدثنا محمد بن عوف الطائي .. " إلى آخره. هو حديث ضعيف، فيه محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى. وقد اختلفوا في توثيق ابن إسحاق (^٢) مع اتفاقهم على أنه مدلّس (^٣)، والمدلِّس إذا قال:
_________________
(١) = وأخرجه أحمد (٥/ ٢٢٥)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٦٧، ٦٨، ٦٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٤/ ٢٤٤) رقم (٢٢٤٧)، والدارمي (١/ ١٧٥)، والبزار (٣٣٧٨، ٣٣٨٢)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٧١) رقم ١٥، ١٣٨)، والفسوي في "المعرفة" (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٢ - ٤٣)، والحاكم (١/ ١٥٦)، والبيهقي (١/ ٣٧ - ٣٨). وفيه عنعنة ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث في رواية أحمد والموطن الأول عند ابن خزيمة والحاكم فإسناده حسن والحديث صحيح بشواهده، وصححه الحاكم على شرط مسلم: وانتقده ابن رجب في "فتح الباري" (٨/ ١٢٧) بقوله: "وليس كما قال". قلت: نعم، لأنّ مسلمًا أخرج لابن إسحاق في المتابعات. وحسنه ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٣/ ٢٥٨).
(٢) روايته عند أحمد (٥/ ٢٢٥)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٥/ ٦٨)، والبزار (٣٣٧٨، ٣٣٨٢)، وابن خزيمة (١٥)، والحاكم (١/ ١٥٦). ومراد أبي داود: بيان الاختلاف على ابن إسحاق في اسم (عبيد الله بن عبد الله بن عمر)، فروي عنه مصغّرًا ومكبّرًا، وهذا خلاف لا يضر، فكلاهما ثقة، ووقع مصغّرًا في أصل الحديث في رواية ابن الأعرابي. (تنبيه) في مطبوع "التاريخ الكبير" من طريق إبراهيم بن سعد وقع مكبرًا، وهذا خطأ من الناسخ أو الناشر، وسقط ذكره في الرواية الأولى عند البزار، وتحرف في الثانية، فوقع (مكبرًا)، فليصحح.
(٣) الراجح أنه حسن الحديث، انظر: "تهذيب الكمال" (٢٤/ ٤٠٥) والتعليق عليه.
(٤) لكنه صرح بالتحديث، انظر التخريج السابق.
[ ٢١٨ ]
(عن) لا يحتج به (^١)، والله أعلم.
قوله: "محمد بن يحيى بن حَبّان" بفتح الحاء وبالموحدة (^٢).
قوله: "أرأيتَ توضِّي ابن عمر لكل صلاةٍ طاهرًا وغير طاهر؟! " هكذا هو في جميع النسخ: (توضّي) بالياء، وصوابه (توضُّؤ) بضمِّ الضاد (^٣) وبعدها همزةٌ تكتَبُ واوًا (^٤).
وقوله: "طاهرًا أو غير طاهر"، معناه: سواء كان باقيًا على الطهارة الأولى أم أحدث.
قوله: "فلمّا شقَّ ذلك عليه أُمِر (^٥) بالسِّواك لكلِّ صلاةً"، معناه: نَسْخُ
_________________
(١) قال المصنّف في "شرح صحيح مسلم" (٥/ ٥٧): "إذا قال المدلس (عن)، لم يتحقق اتّصاله، فإذا جاء في طريق آخر سماعه تحققنا به اتصال الأول"، وهذا هو المقرر في "الإرشاد" (١/ ٢٠٩)، و"التقريب" (١/ ٣٦١) كلاهما للمصنف رحمه الله تعالى.
(٢) هكذا ضبطه في مواطن من "شرح صحيح مسلم" منها (١/ ٦٦، ٣١٣ و٤/ ٢٧٠ - ٢٧١). وقال في الموطن الثاني: "وأما (حبان): فبفتح الحاء وبالموحدة، ومحمد بن يحيى هذا تابعي، سمع أنس بن مالك -﵁ -".
(٣) في هامش "صفوة الزبد" (ق ٢٧/ أ) ما نصه: "من خط المؤلف: جميع النسخ "توضي" بالياء. قال النووي: صوابه بالواو بعد الضاد المضمومة"، وهكذا نقله السيوطي في شرحه "مرقاة الصعود" (ص ١٥ - مختصره "درجات") للبجمعوي.
(٤) نقله السيوطي في "مرقاة الصعود" (١٥ - درجات) هكذا: "قال النووي: كذا بكل نسخهِ بكسر ضاد فياء، وصوابه "توضؤ" بضمَّة فهمز على واو"، ثم قال: "قلت: كلاهما مصدر (توضّأ)، والأول أبدل همزه واوًا، فأبدل بياء، لفقد كلمة معربة لامها واو قبلها ضمّة لازمة".
(٥) بضمّ الهمزة على بناء المفعول، قاله صاحب "العون" (١/ ٤٩) وإلا ففيه =
[ ٢١٩ ]
الأمر بالوضوء لكلِّ صلاة إلى الأمر بالسواك، فَيُحْتَمَلُ أنه كان مأمورًا به أوَّلًا وجوبًا، ونُسخ الوجوب وصار مستحبًّا، ويحتمل أنه كان مأمورًا به نَدْبًا مُتأكِّدًا، فنُسخ التأكُّد، وبقي مطلق الندب، كما يقوله أصحابنا في صوم يوم عاشوراء ونَسْخه، ولهم فيه وجهان كهذين الاحتمالين (^١)، والله أعلم.
_________________
(١) = دليل على جواز الاجتهاد للنبي - ﷺ - فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى.
(٢) قال المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٨/ ٦): "اتفق العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سنة ليس بواجب، واختلفوا في حكمه في أول الإسلام حين شرع صومه قبل صوم رمضان، فقال أبو حنيفة: كان واجبًا، واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين مشهورين أشهرهما عندهم: أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يكن واجبًا قط في هذه الأمة، ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبًا دون ذلك الاستحباب. والثاني: كان واجبًا، كقول أبي حنيفة. وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه، وأصحاب الشافعي يقولون: كان مستحبًّا فصح بنية من النهار"، وبنحوه في "المجموع" (٦/ ٤٣٣ - ٤٣٤). وينظر: احتجاج بعضهم بهذا الحديث على أن المتيمم لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد، وأن عليه التيمم لكل صلاة فريضة ذلك أن الطهارة بالماء كانت مفروضة عليه لكل صلاة، وكان معلومًا أن حكم التيمم الذي جعل بدلًا عنها مثلها في الوجوب، فلما وقع التخفيف بالعفو عن الأصل، ولم يذكر سقوط التيمم كان باقيًا على حكمه الأول، والمسألة مبسوطة في "الخلافيات" (٢/ ٤٦١ - ٤٦٦) المسألة (٢٧)، وانظر تعليقي عليها.
[ ٢٢٠ ]