قال جمهور أهل اللغة: الوُضوء بالضم: اسمٌ للفعل، وبالفتح: الماء الذي يتوضأ به (^١). قال كثيرون من أئمة اللغة المتقدمين: هو بالفتح فيهما، ولا يُعرف الضم، وحكى صاحب "المطالع" (^٢) وغيره الضَّم فيهما، وهو شاذ ضعيف.
٥٩ - (صحيح) حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: "لا يقبل الله [﷿] صدقة من فلول، ولا صلاة بغير طهور" (^٣).
٦٠ - (صحيح) حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، قال: حدثنا
_________________
(١) بنحوه في "تحرير ألفاظ التنبيه" (٣٤).
(٢) "المطالع" (ق ٥٥٠ - نسخة المكتبة السعودية)، وأصله في "مشارق الأنوار" (٢/ ٢٨٩).
(٣) أخرجه: النسائي (١/ ٨٨) و(٥/ ٤٢) وفي "السنن الكبرى": رقم (٩١) و(٢١١)، وابن ماجه (٢٧١)، وابن أبي شيبة (١/ ٥)، وأحمد (٥/ ٧٤ - ٧٥)، وأبو عوانة (١/ ٢٣٥)، وأبو القاسم البغوي في "الجعديات" (رقم (٩٩٦)، والطبراني في "المعجم الصغير" (١/ ٣٩)، وفي "المعجم الكبير" (١/ ١٥٨)، والدارمي (١/ ١٤٠)، والطيالسي (١/ ٤٩ - مع المنحة)، والبغوي (١/ ٣٢٩)، وابن حبان (١٧٠٢ - مع الإحسان)، والبيهقي (١/ ٤٢)، وأبو نعيم (٧/ ١٧٦ - ١٧٧)، وإسناده صحيح. وانظر: "فتح الباري" (٣/ ٢٧٨) و"إرواء الغليل" (١/ ١٥٤).
[ ٢٥١ ]
عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يقبل الله تعالى صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (^١).
٦١ - (حسن صحيح) حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سُفيان، عن ابن عقيل، عن محمد ابن الحنفية، عن علي -﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٥، ٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥).
(٢) أخرجه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل به: ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩ و٣/ ١٧)، وأحمد في "المسند" (١/ ١٢٣، ١٢٩)، والترمذي (٣) وقال: "هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه"، وقال أيضًا: "وسمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحُميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل. قال محمد: وهو مقارب الحديث". وأخرجه أيضًا: ابن ماجه (١/ ١٠١) رقم (٢٧٥)، والشافعي في "الأم" (١/ ١٠٠)، وفي "المسند" (ص ٣٤)، والدارمي (١/ ١٧٥)، وأبو أحمد الحاكم في "شعار أصحاب الحديث" (ص ٧٧)، والبزار في "البحر الزخار" (٢/ ٢٣٦) رقم (٦٣٣)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٤/ ١٤٤٨)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٧٣)، وأبو يعلى (١/ ٤٥٦) رقم (٦١٦)، والبغوي (٣/ ١٧)، والدارقطني في "السنن" (١/ ٣٦٠)، والبيهقي (٢/ ١٥ و١٧٣ و٣٧٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٧/ ١٢٤) و(٨/ ٣٧٢)، وفي "أخبار أصبهان" (١/ ٢٧١)، والضياء المقدسي في "المختارة" (١/ ٢٤٣)، والبغدادي في "تاريخ بغداد" (١٠/ ١٩٧). وحسنه البغوي، وقال النووي في "المجموع" (٣/ ٢٨٩): "رواه أبو داود =
[ ٢٥٢ ]
وفي الباب ثلاثة أحاديث: حديث أبي المَليح -بفتح الميم- عن أبيه، وهو صحيح ورواه مسلم (^١) -من رواية ابن عمر، واسم أبي المليح: عامر، وقيل: زيد، وقيل: عُمير. ولم يرو عنه غير ابنه المليح (^٢)، وإسناد حديثه هذا كلهم بصريون.
الثاني: حديث أبي هريرة، وهو في "الصحيحين".
_________________
(١) = والترمذي وغيرهما بإسنادٍ صحيح"، واحتج به في "شرح صحيح مسلم" (٤/ ١٢٨، ٢٨٧ - ٢٨٨) وحسنه في "خلاصة الأحكام" (١/ ٣٤٨). وقال الحافظ في "التلخيص الحبير": (١/ ٢١٦): "وصححه الحاكم وابن السكن"، وقال: "قال العقيلي: في إسناده لين، وهو أصلح من حديث جابر" وقال أيضًا: "قال ابن العربي: حديث جابر أصح شيء في هذا الباب، كذا قال، وقد عكس ذلك العقيلي، وهو أقعد منه بهذا الفن". قلت: وحديث جابر، عند: أحمد في "المسند" (٣/ ٣٤٠)، والترمذي (١/ ١٠)، والطبراني في "المعجم الصغير" (١/ ٢١٤)، وأبي نعيم في "ذكر أخبار أصبهان" (١/ ١٧٦) والخطيب في "الموضح" (١/ ٣٥٢)، وأبي الشيخ في "طبقات المحدثين بأصبهان" (٢/ ٢٨٠ - ٢٨١). وله شاهد آخر من حديث أبي سعيد، عند: ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٩)، والترمذي (٢/ ٣)، وابن ماجه (١/ ١٠١)، وأبي يوسف في "الآثار" (رقم (١)، والدارقطني في "السنن" (١/ ٣٥٩) والطبراني في "الأوسط" رقم (٢٤١١)، والحاكم (١/ ١٣٢)، والبيهقي (٢/ ٣٨٠)، والخطيب في "الموضح" (٢/ ١٧٨)، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وتعقبهما ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٢١٦). والحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح. وانظر: "نصب الراية" (١/ ٣٠٨)، و"التلخيص الحبير" (١/ ٢١٦)، و"إرواء الغليل" (٢/ ٨ - ٩) و"الطهور" (ص ١٢٨ - ١٣٠) بتحقيقنا.
(٢) في صحيحه برقم (٢٢٤).
(٣) كذا قال مسلم بن الحجاج في كتابه "المنفردات والوحدان" (ص ٣٥/ رقم ١٩) وسمَّى أبا المليح عامر بن أسامة.
[ ٢٥٣ ]
الثالث: حديث علي -﵁ -، وهو حديث حسن، في إسناده عبد الله ابن محمد بن عقيل، قال الترمذي: "هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حِفْظِهِ"، قال: "وسمعت البخاري يقول: كان أحمد ابن حنبل وإسحاق والحميدي يحتجُّون بحديثه"، هذا كلام الترمذي (^١)، وقد ضعَّف جماعة (^٢) عبد الله هذا.
قوله - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاةً بغير طُهور، ولا صدقةً من غُلول"، وهو بضمِّ الطاء والغين.
والمراد بالغلول هنا: الحرام، سواء كان من الغنيمة أو غيرها، وسُمي غلولًا لأن الأيدي مغلولة عنه، أْي: ممنوعة، والفعل منه غَل وأغَلَّ، والأول أشهر (^٣).
وهذا الحديث محمول على المتمكِّن من الطهارة، أما من لم يجد ماءً ولا ترابًا فإنه يجب عليه أن يصلّي بغير طهور، وتُقبل صلاته، ويثاب عليها، ولكن تلزمه الإعادة (^٤).
_________________
(١) سبق إيراده في تخريج الحديث.
(٢) انظرهم عند الذهبي في "الميزان" (ص ٤٨٤ - ٤٨٥)، وقال بعد سرده أسماءهم: "قلت: حديثه في مرتبة الحسن".
(٣) قال المصنف في "تحرير ألفاظ التنبيه" (ص ١١٧): "غلَّها: أي أخفاها، قال الأزهري: وأصله من غُلول (الغنيمة) -بضم الغين- وهي الخيانة فيها، قال: والإغلال: الخيانة في شيء يُؤتمن عليه. وقال الجوهري: قال أبو عبيدة: الغُلول من المغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد، ومما يبيِّن ذلك أن يقال من الخيانة: أغَلَّ يُغِلُّ، ومن الحقد: غلَّ يغِلُّ -بكسر الغين-. ومن الغلول: غَل يَغُلّ -بالضم-".
(٤) فضل الشارح في "شرحه على صحيح مسلم" (٣/ ١٢٩) هذه المسألة، وذكر أربعة أقوال للشافعي -رحمه الله تعالى- وهي مذاهب العلماء -قال: "قال =
[ ٢٥٤ ]
وأما عدم قبول الصدقة من غُلول فهو على عمومه، وهكذا حديث أبي هريرة (^١): "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ"، محمول على أنَّ من أمكنه الوضوء فتركه بلا عُذر (^٢)، وأما من تيمم حيث يجوز التيمم فصلاته مقبولة (^٣).
قوله: "محمد ابن الحنفيَّة" هي أمه، واسمها خولة بنت جعفر (^٤).
_________________
(١) = بكل واحد منها قائلون، أصحُّها عند أصحابنا: يجب عليه أن يصلّي على حاله، ويجب أن يعيد إذا تمكّن من الطهارة. والثاني: يحرم عليه أن يصلي ويجب القضاء. والثالث: يستحب أن يصلي ويجب القضاء. والرابع: يجب أن يصلي ولا يجب القضاء، وهذا القول اختيار المزني، وهو أقوى الأقوال دليلًا، وأما الإعادة فتجب بأمر مجدد، والأصل عدمه، وكذا يقول المزني: كل صلاة أمر بفعلها في الوقت على نوع من الخلل لا يجب قضاؤها". وينظر للمصنف: "المجموع" (٢/ ٢٨١ - ٢٨٦)، "روضة الطالبين" (١/ ١٢١)، "التنقيح في شرح الوسيط" (١/ ٣٩٢). وانظر تفصيل الفقهاء في المسألة: "عقد الجواهر الثمينة" (١/ ٨٢)، "الذخيرة" (١/ ٣٥٠)، "الخرشي" (١/ ٢٠)، نهاية المحتاج (١/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، "مغني المحتاج" (١/ ١٠٥)، "البحر الرائق" (١/ ١٧٢)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣). وانظر الخلاف مبسوطًا مع التوجيه والتدليل عند القاضي عبد الوهاب البغدادي في "الإشراف" (١/ ١٤٣ - ١٤٦) مسألة رقم (٨٦) مع تعليقي عليه.
(٢) المتقدم برقم (٦٠).
(٣) وعبارته في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٣٠): "فمعناه: حتى يتطهر بماء أو تراب، وإنما اقتصر - ﷺ - على الوضوء ة لكونه الأصل والغالب، والله أعلم".
(٤) على خلاف: هل هو مبيح للصلاة، أو رافع للحَدَث، انظر: "التحقيق" (٩٥) للنووي.
(٥) هي خولة بنت قيس بن مسلمة بن عبد الله بن ثعلب، أو بنت قيس بن جعفر بن قيس، أو خولة بنت إياس بن جعفر، ونسبتها إلى بني حنيفة باليمامة، =
[ ٢٥٥ ]
قوله - ﷺ -: "مفتاح الصلاة الوضوء، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، سُمّي الوضوء مفتاحًا؛ لأن الحدث مانعٌ من الصلاة كالغلق على الباب يمنع من دخوله إلا بمفتاح (^١)، وسُمِّي التكبير تحريمًا؛ لأنه يمنع المصلي من الكلام والأكل وغيرهما، وإنما يتحلل منها بالتسليم.
وفيه: دليلٌ لكون الطهارة شرطًا لصحة الصلاة (^٢)، وأنها لا تصح إلا
_________________
(١) = وقيل: كانت أمة لبني حنيفة سندية سوداء، انظر: "الإصابة" (٧/ ٦١٧) رقم (١١١٠٨)، "تحفة الأبيه فيمن نسب إلى غير أبيه" (١٠٨/ رقم ٤٥).
(٢) نقل الشارح في "تهذيب الأسماء واللغات" (٤/ ٦٧ - ٢٨) عن ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (١/ ١٦) قوله عن الحديث: "قوله: "مفتاح الصلاة": مجاز، ما يفتحها من غلقها، وذلك أن الحدث مانع منها فهو كالفعل، موضوع عن المحدث حتى إذا توضأ انحلّ الغلق، وهذه استعارة بديعة لا يقدر عليها إلا [مَنْ أُتي] النبوة". وضبط الشارح في "تحرير ألفاظ التنبيه" (٢٢١) (المِفتاح) بقوله: "بكسر الميم" وعرَّفه بقوله: "هو مفتاح الباب، وكل مُسْتغلق، وجمعه مفاتيح ومفاتح. قال الجوهري: قال الأخفش: هو كالأماني والأماني".
(٣) قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٢٨) في شرح حديث عليّ المتقدم: "وهذا الحديث نص لوجوب الطهارة للصلاة، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة". وقال الخطابي في "المعالم" (١/ ٣٣): "فيه من الفقه: أن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة، وتدخل فيها صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما من النوافل كلها". قال أبو عبيدة: القاعدة في ذلك أن كل صلاة تحريمها التكبير وتحليلها التسليم لا تجوز إلا بطهارة، والخلاف المعتبر في سجود الشكر وسجود التلاوة، وانظر: "شرح النووي على صحيح مسلم" (٣/ ١٢٩). ونقل ابن رسلان الرملي في "صفوة الزبد" (ق ٣١/ ب) عن النووي قوله في شرح قوله - ﷺ - في أول أحاديث الباب "ولا صلاة بغير طهور" قال: "قال =
[ ٢٥٦ ]
بتكبيرة الإحرام (^١) والسلام (^٢).
_________________
(١) = النووي: هذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة، وظاهره يقتضي انتفاء قبول الصلاة عند انتفاء شرطها، وهو الطهارة. فكذلك يقتضي بمفهومه: وجود القبول إذا وجد شرطه إن شاء الله، والقبول موكول إلى علم الله، ليس لنا بوجوده علم. والقبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة، رافعة عما في الذمة، ولما كان الإتيان بالصلاة بشروطها مظنة الإجزاء الذي ثمرته القبول، عبَّر عنه بالقبول مجازًا".
(٢) على خلاف مفصل فيه وفي ألفاظه عند الفقهاء، قال النووي في "شرح صحيح مسلم" (٤/ ١٢٨): "ولفظة التكبير (الله أكبر) فهذا يجزيء بالإجماع" وذكر الخلاف في (الكبير) و(الأكبر) أو (الرحمن أكبر) أو (أجل) أو (أعظم)، وانظر الهامش الآتي.
(٣) المشروع تسليمتان، ووقع خلاف في حكم التسليمة الثانية. انظر: "شرح النووي على صحيح مسلم" (٤/ ٢٨٨). وقال الخطابي في "معالم السنن" (١/ ٣٣ - ٣٤) ما نصه: "فيه من الفقه أن تكبيرة الافتتاح جزء من أجزاء الصلاة، وذلك لأنه أضافها إلى الصلاة كما يضاف إليها سائر أجزائها من ركوع وسجود، وإذا كان كذلك لم يجز أن تعرى مباديها عن النية، لكن تضامها كما لا يجزيه إلا بمضامَّة سائر شرائطها من استقبال القبلة وستر العورة ونحوهما. وفيه دليل أن الصلاة لا يجوز افتتاحها إلا بلفظ التكبير، دون غيره من الأذكار، ذلك لأنه قد عينه بالألف واللام اللتين هما للتعريف. والألف واللام مع الإضافة يفيدان السلب والإيجاب، وهو أن يسلبا الحكم فيما عدا المذكور ويوجبان ثبوت المذكور، كقولك: فلان مبيته المساجد، أي: لا مأوى له غيرها، وحيلة الهمِّ الصبر، أي: لا مدفع له إلا بالصبر، ومثله في الكلام كثير. وفيه دليل على أن التحليل لا يقع بغير السلام، لما ذكرنا من المعنى، ولو وقع بغيره لكان ذلك خُلْفًا في الخبر".
[ ٢٥٧ ]