٧٥ - (حسن صحيح) حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبيُّ، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حُميدة بنت عُبيد بن رِفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة- أن أبا قتادة دخل فسكبتْ له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني انظر إليه! فقال: أتعجبين يا بنت أخي؟ فقلت: نعم، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوَّافين عليكم والطوَّافات" (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود من طريق مالك في "الموطأ" (أ) (١/ ٢٢ - ٢٣/ رقم ١٣ - رواية يحيى و٥٥/ رقم ٢٨ - رواية سويد، ط- دار الغرب و٥٤/ رقم ٩٠ - رواية الشيباني و١/ ٢٥/ رقم ٥٤ - رواية أبي مصعب). وأخرجه من طرق عنه: الشافعي في "الأم" (١/ ٢٠)، و"المسند" (ص ٩)، والنسائي في "المجتبى" (كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، ١/ ٥٥)، و"السنن الكبرى" (رقم ٧٣)، والترمذي في "الجامع" (أبواب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة،١/ ١٥٣ - ١٥٤/ رقم ٩٢)، وابن ماجه في "السنن" (كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الهرة، ١/ ١٣١/ رقم ٣٦٧)، وأحمد في "المسند" (٥/ ٣٠٣ و٣٠٩)، وعبد الرزاق في "المصنف" (١/ ١٠١ رقم ٣٥٣)، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٤٧٨)، وأبو عبيد في = (أ) ورواه من طريقه يحيى بن يحيى الأندلسي، ووهم فيه، انظر: "الاستذكار" (٢/ ١١٣ - ١١٤)، "الإمام" (١/ ٢٣٢).
[ ٣٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "الطهور" (رقم ٢٠٦)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٣١ و١٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، والدارمي في "سننه" (١/ ١٨٧ - ١٨٨)، وابن حبان في "الصحيح" (٢/ ٢٩٤/ رقم ١٢٩٦ - مع "الإحسان")، وابن خزيمة في "الصحيح" (١/ ٥٥/ رقم ١٠٤)، والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٦٩/ رقم ٢٨٦)، والدارقطني في "السنن" (١/ ٧٠)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٨ - ١٩)، و"مشكل الآثار" (٣/ ٢٧٠)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٦٠)، وابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٥٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٤٥)، و"السنن الصغرى" (١/ ٥٨ - ٥٩/ رقم ١٤٤) وفي "المعرفة" (٢/ ٦٧/ رقم ١٧٧٠)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٠٣)، وابن منده في "الصحيح" -كما في "نصب الراية" (١/ ١٣٧) -، وابن الجارود في "المنتقى" (رقم ٦٠)، وابن حزم في "المحلى" (١/ ١٧٧)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣١٩)، وابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٤٤/ رقم ٦٣)، وابن دقيق العيد في "الإمام" (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤). وصححه الترمذي، ونقل عن البخاري قوله: "جوّد مالك بن أنس هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره". وقال العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٤٢): "إسناد ثابت صحيح". وقال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٤١): "صححه البخاري، والترمذي، والعقيلي، والدارقطني". وصححه أيضًا الحاكم، فقال: "هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، على أنهما على ما أصلاه في تركه، غير أنهما قد شهدا جميعًا لمالك بن أنس أنه الحكم في حديث المدنيين، وهذا الحديث مما صححه مالك واحتج به في "الموطأ"" ووافقه الذهبي. وقال ابن الملقن في "تحفة المحتاج" (١/ ١٤٥): "رواه مالك والأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي، وخالف ابن منده؛ فأعلَّه بما بان وهنُهُ". قلت: نقل كلام ابن منده وأيَّده: ابن دقيق العيدة فأفاد في "الإمام" (١/ ٢٣٤ - ٢٣٥) أن ابن منده خالف في التصحيح، فإنه لما أخرج الحديث =
[ ٣٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = في "صحيحه" بالاتفاق والاختلاف؛ قال: "وأم يحيى اسمها حُميدة، وخالتها هي كبشة، ولا يُعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث، ومحلهما محل الجهالة، ولا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه، وسبيله المعلول". وأجاب ابن دقيق العيد بأن ابن منده جرى على ما اشتهر عن أهل الحديث، أنه من لا يروي عنه إلا راوٍ واحدٌ فهو مجهول، ولعل من صححه اعتمد على كون مالك رواه وأخرجه مع ما عُلم من تشدده وتحرزه في الرجال. قرأت بخط الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر وروايته في "سؤالات أبي زرعة"؛ قال: سمعت الإمام أحمد بن حنبل يقول: مالك إذا روى عن رجل لم يُعرف؛ فهو حجة. وروى طاهر بن خالد بن نزار عن أبيه، عن سفيان بن عيينة؛ أنه ذكر مالك بن أنس، فقال: كان لا يبلغ من الحديث إلا صحيحًا، ولا يحدث إلا عن ثقات الناس، وما أرى المدينة إلا ستخرب بعد موت مالك بن أنس، وهذا اللفظ الذي لسفيان أعم من كلام أحمد الذي قبله، مع احتمال كلام أحمد لموافقته. وذكر بشر بن عمر الزهراني؛ قال: سكت مالك بن أنس عن رجل، فقال: هل رأيته في كتبي؟ قلت: لا. قال: لو كان ثقةً لرأيته في كتبي، وهذا يُفهم منه أن كل من في كتبه ثقة، وإن كان قد شغَّب في هذا بعض المتأخرين؛ لأنه لا يلزم من كون كل ثقة في كتابه أن يكون كل من في كتابه ثقة، إلا أن هذا يبطل فائدة هذا الكلام بالنسبة إلى السائل؛ لأنه لو كان في كتابه غير ثقة لم يدل وجوده في كتابه على أنه ثقة، وكلام مالك يدل على أنه أحاله في الثقة على وجوده في كتابه، وبالجملة؛ فإن سلكت هذا الطريق في تصحيح هذا الحديث (أعني: الاعتماد على تخريج مالك له)، فالقول ما قال ابن منده، وقد ترك الشيخان إخراجه في "صحيحيهما" اهـ. ونقل ابن الملقن كلام ابن منده ثم رد عليه باختصار؛ فقال في "خلاصة البدر المنير" (١/ ٢٠): "والعجب من الشيخ تقي الدين! كيف تابعه في "الإمام" على هذه المقولة! ". ورده بتفصيل طويل؛ فقال في "البدر المنير" (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٦) عقبه: "وقال شيخنا الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري: "بقي على ابن منده أن يقول: ولم يُعرف حالهما من جارح؛ فكثير من رواة الأحاديث مقبولون". =
[ ٣٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قلت (ابن الملقن): هذا لا بد منه، وأنا أستبعد كل البعد توارد الأئمة المتقدمين على تصحيح هذا الحديث، مع جهالتهم بحال حُميدة وكبشة؛ فإنَّ الإقدام على التصحيح -والحالة هذه - لا يحل بإجماع المسلمين؛ فلعلهم اطلعوا على حالهما، وخفي علينا". ثم نقل ابن الملقن كلام المصنف الآتي قريبًا على الحديث، فقال: "قال النووي - ﷺ - في "كلامه على سنن أبي داود": "وهذا الحديث عند أبي داود حسن، وليس فيه سبب محقق في ضعفه" ثم قال: "وصححه في "شرح المهذب" (أ) [١/ ١٧١] ". قلت (ابن الملقن): "وقد ظهر أن جميع ما علله به ابن منده -وتوبع عليه- فيه نظر: أما قوله: "إن حُميدة لا تُعرف لها رواية إلا في هذا الحديث"؛ فخطأ؛ فلها ثلاثة أحاديث: أحدها: هذا. وثانيها: حديث "تشميت العاطس"، أخرجه أبو داود [في "سننه" (رقم ٥٠٣٦)] مصرحًا باسمها، والترمذي مشيرًا إليها؛ فإنه قال [عقب حديث (رقم ٢٧٤٤)]: "عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها". وحسنه الترمذي على ما نقله ابن عساكر في "أطرافه"، والذي رأيته فيه: "أنه "حديث غريب، وإسناده مجهول". وثالثها: حديث "رهان الخيل طِلْق"، رواه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" [٦/ ٣٠٧٦] من حديث يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها مرفوعًا به. وأما قوله في كبشة؛ فكما قال؛ فلم أر لها حديثًا آخر، ولا يضرها ذلك، فإنها ثقة كما سيأتي. وأما قوله: "إن محلهما الجهالة"؛ فخطأ، أما حميدة؛ فقد روى عنها إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة راوي حديث الهرة، وابنه يحيى في حديث "تشميت العاطس" من طريق أبي داود، وقد وثقه ابن معين. = (أ) وصححه أيضًا في "خلاصة الأحكام" (١/ ١٨٠ - ١٨١) رقم (٤٢٧).
[ ٣٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وفي طريق الترمذي: أن الراوي عنها ابنها عمر بن إسحاق، فإن لم يكن غلطًا؛ فهو ثالث، وهو أخو يحيى. وذكرها ابن حبان في "ثقاته " [٦/ ٢٥٠]؛ فقد زالت عنها الجهالة العينية والحالية. وأما كبشة؛ فلم أعلم روى عنها غير حُميدة، لكن ذكرها في "الثقات"، وقد قال ابن القطان: "إن الراوي إذا وثق زالت جهالته، وإن لم يرو عنه إلا واحد". وأعلا من هذا أنها صحابية، كذا قال أبو حاتم بن حبان في "ثقاته" [٣/ ٣٥٧]، وكذا نقله أبو موسى المديني عن جعفر. وأما قوله: "ولا يثبت هذا الخبر بوجه من الوجوه" فخطأ؛ فقد أخرجه الدارقطني في "الأفراد"، فقال: ثنا موسى بن هارون، ثنا عمر بن الهيثم بن أيوب الطالقاني، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن أسيد بن أبي أسيد، عن أبيه: أن أبا قتادة كان يصغي الإناء للهرة، فتشرب منه، ثم يتوضأ بفضلها. فقيل له: أتتوضأ بفضلها؟! فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم". فهذه متابعة لكبشة، وهذا سند لا أعلم به بأسًا. فقد اتضح وجه تصحيح الأئمة لهذا الحديث، وخطأ معلله، وبالله التوفيق؛ فاستفده؛ فإنه من المهمات". وانظر: "التلخيص الحبير" (١/ ٤٢)، و"نصب الراية" (١/ ١٣٧)، و"المعتبر" (٢٣٠) للزركشي. وصححه ابن الأثير في "الشافي في شرح مسند الشافعي " (١/ ٨٩)، فقال: "وهذا الحديث صحيح مشهور". وصحح الحديث المصنف في "خلاصة الأحكام" (١/ ١٨١)، وفي "المجموع" (١/ ١٧١ و١٧٣)، ونقل عن البيهقي قوله: "إسناده صحيح"، وقال عقبه: "وعليه الاعتماد"، وكلامه هذا في "المعرفة" (٢/ ٦٧). وصححه الدارقطني في "العلل" (٥/ ق ١٠٤/ أ) أيضًا. وصحح الحديث أيضًا ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٠٣)، فقال: "وذلك لثبوت الخبر عن رسول الله - ﷺ - الدال على طهارة سؤره"، ثم ساق الحديث. =
[ ٣٢٦ ]
٧٦ - (حسن) حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا عبد العزيز، عن داود بن صالح بن دينار التمار، عن أمه: أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة [﵂]، فوجدتها تُصلي فأشارت إليَّ أنْ ضعيها، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوَّافين عليكم" وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ بفضلها (^١).
_________________
(١) = وصححه أيضًا ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣٢٢ و٣٢٣)، وابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (١/ ٢٦٨)، وتابع مالكًا جماعة. قال الدارقطني في "المؤتلف والمختلف" (٤/ ١٩٧٢): "رواه عن إسحاق: مالك بن أنس، وهشام بن عروة، وحسين المعلم، وغيرهم". وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣٢٢): "وقد روى هذا الحديث جماعة عن إسحاق كما رواه مالك، منهم: همام بن يحيى، وحسين المعلم، وهشام بن عروة، وابن عيينة، وإن كان هشام وابن عيينة لم يقيما إسناده، وهؤلاء كلهم يقولون في هذا الحديث عن النبي - ﷺ - أنه- قال: "إنها ليست بنجس"". ونحوه عند الدارقطني في "العلل" (٦/ ١٦٢)، وقد أطلت النفس في الكلام على طرقه وروايته في تعليقي على "الخلافيات" (٣/ ٨٤ - ٩٩) فانظره فإنه مهم فقد طال التعليق، وفيه -إن شاء الله تعالى- مقنع وكفاية.
(٢) أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في "المعرفة" (٢/ ٦٩)، و"الخلافيات" (٩١٣). وتابع عبد الله بن مسلمة جماعة، منهم: * سعيد بن منصور، عند الطحاوي في "المشكل" (٣/ ٢٧٠). * أسد بن موسى، عند الطحاوي في "المشكل" (٣/ ٢٧٠). * سعيد بن أبي مريم، عند الطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٣٨/ رقم ٣٦٦) -ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (٨/ ٤٠٣) - وعندهما عن داود عن أمه -كذا في مطبوع "الأوسط" و"تهذيب الكمال"، وأخشى أن يكون هذا =
[ ٣٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = تصرفًا من المحققين، فلم يدققوا في رسم "أمه"، ووجدوها هكذا في مصادر التخريج، فأثبتوها؛ فقد قال ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٣٦١): "وأخرجه الطبراني في معجم شيوخه" -قلت: أي "الأوسط"، والعجب من قول محققة "ولم أقف على الكتاب"!! - بحذف أم داود، والإتيان بأبيه بدلها". * يحيى بن بكير، عند الدارقطني في "السنن" (١/ ٧٠). * نعيم بن حماد، عند أبي عبيد في "الطهور" (رقم ٢٠٧ - بتحقيقي). * الحميدي، عند البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧). * إسحاق بن راهويه، أخرجه في "مسنده" (٤/ ١/ ١١٥/ و١١٨ ب- ١١٩/ أ) يقابله من المطبوع (٢/ ٤٣٦،/ ٤٥٨ رقم ٤٦٠، ٤٨٧ - مسند عائشة): أخبرنا عبد العزيز بن محمد، نا داود، عن أبيه (كذا)؛ أن مولاة لعائشة أرسلت إلى عائشة وسرده بلفظين، مطولًا ومختصرًا، وفيهما: "إنها ليست بنَجَس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات" من قول عائشة. ثم قالت: "ولقد رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ بفضلها". قال الدارقطني في "السنن" (١/ ٧٠): "رفعه الدراوردي عن داود بن صالح، ورواه عنه هشام بن عروة، ووقفه على عائشة". ونقله ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٣٦٠)، والزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٣٣)، عن الدارقطني هكذا: "تفرد به عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن أمه بهذه الألفاظ". وتصرف ابن حجر في "التلخيص الحبير" (١/ ٤٢) بهذه العبارة؛ فقال: "قال الدارقطني: تفرد برفعه داود بن صالح!! وكذا قال الطبراني والبزار، وقال: لا يثبت". قلت: لم أظفر بمقولة الطبراني في مطبوع "الأوسط"، وهو يعلق -غالبًا- بتفرد بعض الرواة عقب الحديث؛ فلعل ابن حجر كتب "والطبراني" بناءً على هذه العادة!! أما مقولة البزار؛ فقد قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (٢/ ٢٤٨): "وحديث عائشة فيه امرأة مجهولة عند أهل العلم، وهي أم داود بن صالح، =
[ ٣٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ولهذا قال البزار: "لا يثبت من جهة النقل"، والبيهقي أورده شاهدًا لحديث أبي قتادة". وقال ابن الملقِّن في "البدر المنير" (٢/ ٣٦٠) عقب نقله عن الدارقطني: "تفرد به عبد العزيز": "قلت: قال أحمد في داود [بن صالح]: "لا أعلم به بأسًا"، فإذا لا يضرُّ تفرده، لكن أمّه مجهولة لا يُعلم لها حال، ولهذا قال البزار: "لا يثبت من جهة النقل"، وقال الدارقطني في "علله": "اختلف في هذا الحديث، فرفعه قوم، ووقفه آخرون". واقتضى كلامه أن وقفه هو الصحيح، انتهى. قلت: ونص كلام الدارقطني في "العلل" (ج ٥/ ق ١٠٤/ أ): "يرويه داود بن صالح التمار، واختلف عنه؛ فرواه عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن أمه عن عائشة مرفوعًا (وفي المخطوط: موقوفًا!)، واختلف عن هشام بن عروة؛ فرواه عن داود بن صالح عن أمه عن عائشة موقوفًا، واختلف عن هشام؛ فقال عيسى بن يونس وأبو أسامة: عن هشام عن داود عن أمه، وقال علي بن مسهر وأبو معاوية ويحيى بن سعيد الأموي: عن هشام عن داود بن صالح عن جدته عن عائشة، ولم يختلف عن هشام في إيقافه على عائشة" انتهى. قلت: إسناده ضعيف على أي حال؛ لجهالة أم داود بن صالح، وقد ضعف الحديث بها ابن التركماني وابن الملقن -وسبق كلامهما- والطحاوي؛ قال في "مشكل الآثار" (٣/ ٢٧٠): "ليست من أهل الروايات التي يؤخذ مثل هذا عنها، ولا هي معروفة عند أهل العلم"، ومنه تعلم ما في قول صاحب "آثار السنن" (ص ١١): "إسناده حسن". وللحديث طرق أخرى عن عائشة، منها ما أخرجه ابن خزيمة في "الصحيح" (١/ ٥٤/ رقم ١٠٢)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٦٠)، والعُقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٤١)، والدارقطني في "السنن الكبرى" (١/ ٦٩)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٢٤٦)، وابن الجوزي في "التحقيق" (١/ ٤٥/ رقم ٦٤) من طريق سليمان بن مسافع، عن منصور بن صفية، عن أمه، عن =
[ ٣٢٩ ]
فيه حديثان: أحدهما: حديث كبْشَة، وهو صحيح، والثاني: حديث عائشة، وهو حسن عند أبي داود، وليس فيه سبب محقق في ضَعْفِهِ (^١).
قوله - ﷺ -: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوَّافين عليكم والطوافات". النَّجَس -بفتح الجيم- عين النجاسة (^٢). ووقع هنا: "والطَّوَّافات" بالواو، وكذا وقع في رواية الترمذي وابن ماجه، ووقع في "الموطأ" و"مسند الدارمي" ورواية الرَّبيع عن الشافعي: "أو الطوافات"
_________________
(١) = عائشة رفعته: "إنها ليست بنجس، هي كبعض أهل البيت". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي في "التلخيص" مع أنه ضعفه في "الميزان" في ترجمة (سليمان بن مسافع) (٢/ ٢٢٣ برقم ٣٥١١)؛ قال: "لا يعرف، أتى بخبر منكر"، يريد هذا، وتعقبه ابن حجر في "اللسان" (٣/ ١٠٦)؛ فقال: "وليس فيه نكارة كما زعم المصنف". قلت: نعم ليست النكارة في متنه، وإنما في رفعه؛ فتعقب ابن حجر للذهبي -وليس للعقيلي كما زعم محقق "الضعفاء"- ليس في محلِّه؛ إذ رواه عبد الملك بن مسافع الحَجَبِي، عن منصور، عن أمه، عن عائشة؛ قالت: "الهرة ليست بنجسة، إنها من عيال البيت"، أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٤٢)، وقال عنه في مقابل المرفوع: "هذا أولى". وانظر: "تنقيح التحقيق" (١/ ٢٦٩)، وتعليقنا على "الخلافيات" (٩١٠ - وما بعده).
(٢) نقل هذا الكلام وعزاه لكتابنا هذا: ابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٣٤٢ - ط العاصة، أو ١/ ٥٥٦ - ط الهجرة) وأقره، وقد سبق تخريجنا المطول للحديث، وأضبط وصف له كلام النووي هذا، فرحمه الله، ما أدقه!
(٣) عرفها المصنف بقوله في "تحرير ألفاظ التنبيه" (ص ٤٦): "النجاسةُ: في اللغة: المُسْتَقْذر، وشيء نجس ونَجِس، ونَجِسَ الشيء ينجَسُ كعلم يعلَم. وفي الاصطلاح: كلُّ عين حَرُم تناولُها على الإطْلاق، مع إمكان تناوُلها، لا لِحُرمَتها أو استقْذَارها أو ضررها في بدن أو عقل".
[ ٣٣٠ ]
بـ (أو)، قال صاحب (^١) "المطالع" (^٢) وغيره: يحتمل أن تكون (أو) للشكّ، ويحتمل أن تكون للتقسيم، ويكون قد ذكر الصِّنفين من المذكور والإناث، وهذا الثاني أظهر؛ لأنه بمعنى روايات الواو (^٣).
قال أهل اللغة: الطّوافون: الخدم والمماليك، وقيل: هم الذين يخدمون برفقٍ وعناية (^٤).
ومعنى الحديث: أن الطوافين من الخدم والصِّغار الذين سقط في حقهم الحجاب والاستئذان في غير الأوقاف الثلاثة التي سمَّاها الله تعالى
_________________
(١) هو ابن قُرْقُول، أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس ابن القائد، الحَمزي الوَهراني، من قرية (حَمْزة) من عمل (بجاية). كان رحّالًا في العلم، نقّالًا، فقيهًا، نظَّارًا، أديبًا، نحويًا، عارفًا بالحديث ورجاله، بديع الكتابة. وكتابه "المطالع" قال عنه الذهبي في "السير" (٢٠/ ٥٢٠): "غزير الفوائد". قلت: وضعه على مثال: "مشارق الأنوار"، بل اختصره منه، واستدرك عليه، وأصلح فيه أوهامًا، ووقفت على أكثر من نسخة خطية منه، ولله الحمد. انظر ترجمته في: "تكملة الصلة" (١٥١)، "وفيات الأعيان" (١/ ٦٢، ٦٣)، "شذرات الذهب" (٤/ ٢٣١).
(٢) "مطالع الأنوار" (ق ٢٧٣ - نسخة المكتبة السعودية)، وأصله في "مشارق الأنوار" (١/ ٣٢٣).
(٣) قال ابن الأثير في "الشافي" (١/ ٩٤): "والذي جاء في بعض الروايات "أو" وفائدته: أنها إما أن يكون ذكرًا أو أنثى، فجاء بحرف الشك لذلك. وأما ما جاء منها بواو العطف، فلأنه أراد أن ما يطوف بكم منها، يكون ذكرًا أو أنثى". ونقل السيوطي في "مرقاة الصعود" (١٨) عن النووي في "شرحه" هذا قوله: "الثاني أظهر".
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١٤/ ٣٤)، "لسان العرب" (٩/ ٢٢٦)، "الفائق في غريب الحديث" (٢/ ٣٦٩)، "مجمع بحار الأنوار" (٣/ ٤٦٥).
[ ٣٣١ ]
عورات (^١)، إنما سقط في حقِّهم دون غيرهم للضرورة وكثرة مداخلتهم بخلاف الأحرار البالغين، فكذا يُعفى عن الهرة للحاجة، هذا هو الصحيح في تفسيره، ولم يذكر جماعةٌ سواه (^٢). وذكر الخطابي (^٣) فيه تاويلًا آخر، وهو: أنه شَبَّهها بمن يطوف للحاجة والمسألة، ومعناه: أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساة من يطوف للمسألة (^٤).
واعلم أنه وقع هنا: "عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت
_________________
(١) في سورة النور: آية (رقم ٥٨)، ونصها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾ [النور: ٥٨].
(٢) نقله السيوطي في "زهر الربى" (١/ ٥٥)، والعظيم آبادي في "عون المعبود" (١/ ١٤٢)، والمباركفوري في "تحفة الأحوذي" (١/ ٣٠٩)، عن المصنف، وأقروه، وسبق كلامهم بتمامه في تقديمنا للكتاب، والله الهادي والموفق للصواب.
(٣) "معالم السنن" (١/ ٤١).
(٤) نقل ابن الأثير في "الشافي في شرح مسند الشافعي" (١/ ٩٣) التأويلين، وزاد: "وإنما قال: "من الطوافين والطوافات" بجمع السلامة، وجمع السلامة إنما هو لمن يعقل؛ لأنه لمّا أضافها ونسبها، وشبّهها بهم، حَسُنَ له ذلك". ونقل ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٥٦٢ - ٥٦٣) كلام المصنف هذا، وعزاه له، وارتضاه، وقال: "قال النووي (أ): وهذا الثاني قد يأباه سياق قوله ﵊: "إنها ليست بنجس" قال: "وهو كما قال، بل قال الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام": إنه غريب بعيد". (أ) في "المجموع" (١/ ٢٢٤).
[ ٣٣٢ ]
ابن أبي قتادة" وكذا وقع في رواية الشافعي والدارمى وابن ماجه، ووقع في رواية "الموطأ" والترمذي: "وكانت تحت أبي قتادة"، وهذا مجاز محمول على الأول، تقديره: تحت ابنه (^١).
وفي هذين الحديثين: طهارة الهرة، وجواز الطهارة بالماء الذي ولغت فيه ما لم يتيقَّن نجاسة فمها حال الولوغ، وأنه لا كراهة، وأنه يستحب الرفق بها، وأنه يجوز الأكل من الطعام الذي أكلت منه، ومن موضع أكلها.
_________________
(١) قال الترمذي عقب الحديث: "وقد روى بعضهم عن مالك: وكانت عند أبي قتادة، والصحيح ابن أبي قتادة"، وعند ابن ماجه: "وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة". وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٣١٩): "ورواه ابن المبارك عن مالك عن إسحاق بإسناد مثله، إلا أنه قال: "كبشة امرأة أبي قتادة"! وهذا وهم منه، وإنما هي امرأة ابن أبي قتادة". وقال ابن الأثير في "الشافي" (١/ ٩١): "والخلاف الواقع في زوج كبشة أنه أبو قتادة، أو ابنه، منشأه من أصحاب مالك، فإنهم اختلفوا عليه، والصحيح أنها كانت تحت عبد الله بن أبي قتادة، وبذلك يشهد قول أصحاب التواريخ والأنساب، والشافعي كذلك رواه، وإنما الشك من الربيع لا منه، وكذلك رواه أكثر المحققين". ونقل ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٥٦١) كلام النووي هذا، وقال على إثره: "ورأيت من وهَّم النووي في نقله ذلك عن "الموطأ"، ووهَم هو في ذلك، فكفى بالنووي أن يوافق نقله ما نقله ابن المبارك، لكن المشهور من رواية مالك في "الموطأ": "تحت ابن أبي قتادة" وكذلك هو موجود في "الملخص" [ص ١٣٦] للقابسي، فافهم ذلك".
[ ٣٣٣ ]