٨٣ - (صحيح) حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن صفوان بن سُليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق، قال: إن المغيرة بن أبي بُردة -وهو من بني عبد الدار- أخبرهُ، أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجلٌ رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله؛ إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عَطِشنا، أفنتوضأُ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "هو الطَّهور ماؤه الحِل مَيْتَتُهُ" (^١).
_________________
(١) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٢٢) رقم (١٢)، ومن طريقه الشافعي في "الأم" (١/ ١٦)، و"المسند" (٨/ ٣٣٥ - مع الأم)، ومحمد بن الحسن في "الموطأ" رقم (٤٦)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣١)، وفي "المسند" كما في "نصب الراية" (١/ ٩٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٧ و٣٦١ و٣٩٣)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٤٧٨)، والنسائي في المجتبى (١/ ١٧٦) (٧/ ٢٠٧)، وفي "الكبرى" رقم (٦٧)، والترمذي (١/ ١٠٠ - ١٠١) رقم (٦٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، والدارمي (١/ ١٨٦)، (٢/ ٩١)، وابن خزيمة (١١١)، وأبو عبيد في "الطهور" (رقم ٢٣١ - بتحقيقي)، وابن حبان رقم (١١٩ - موارد الظمآن)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٤٧)، وابن الجارود (٤٣)، والدارقطني (١/ ٣٦)، والحاكم (١/ ١٤٠ - ١٤١)، وفي "معرفة علوم الحديث" (ص ٨٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٣)، و"السنن الصغرى" (١/ ٣٦) رقم (١٥٥)، والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٥٥ - ٥٦) وقم (٢٨١)، والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير" (١/ ٣٤٦)، وقال: "إسناده متصل ثابت". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". ونقل =
[ ٣٤٥ ]
حديث الباب صحيح، والسائل عن ماء البحر اسمه عُبَيْدٌ، وقيل: عبد، وممن حكى الوجهين فيه الحافظ أبو موسى الأصبهاني (^١)، وأما
_________________
(١) = عن البخاري تصحيحه لهذا الحديث، وصححه المصنف هنا وفي "المجموع" (١/ ٨٢)، وفي "خلاصة الأحكام" (١/ ٦٣). وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن السكن وابن المنذر والخطّابي والطحاوي وابن منده وابن حزم والبيهقي وعبد الحق وابن الأثير وابن الملقن والزّيلعي وابن حجر والشوكاني والصنعاني وأحمد شاكر وشيخنا الألباني. (لطيفة) قال ابن ماجه (٣٢٤٦): "بلغني عن أبي عبيد الجواد أنه قال: "هذا نصف العلم؛ لأن الدنيا بر وبحر، فقد أفتاك في البحر وبقي البر". انظر: "التمهيد" (٢/ ٧٧)، و"نصب الراية" (١/ ٩٥)، و"التلخيص الحبير" (١/ ٩)، و"خلاصة البدر المنير" رقم (١)، و"تحفة المحتاج" رقم (٣)، و"البناية شرح الهداية" (١/ ٢٩٧)، وتعليق شاكر على "جامع الترمذي" (١/ ١٠١)، و"نيل الأوطار" (١/ ٧١)، و"سبل السلام" (١/ ٥١)، و"إرواء الغليل" (١/ ٤٢)، و"البدر المنير" (٢ - ٥). وقال الإمام الشافعي في هذا الحديث: "هذا الحديث نصف علم الطّهارة". انظر: "المجموع" (١/ ٨٤).
(٢) قال المصنّف في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢/ ٣١٥): "اسم هذا السائل: عبيد، وقيل: عبد، قال أبو موسى الأصبهاني في كتابه "معرفة الصحابة": قال ابن منيع: بلغني أن اسمه عبد، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبيد، وذكره أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "معرفة الصحابة" فيمن اسمه عبيد" انتهى، وبنحوه في "الإشارات" (ص ٥٩٢ رقم ٢٤٤)، له، وهو من استدراكه على الخطيب. وقول ابن منيع عند ابن الأثير في "أسد الغابة" (٣/ ٣٣٦)، ووصف في رواية عند ابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة" (٢/ ٥٥٦) بأنه (عبد العركي) وترجمه أبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ١٩١٤) ترجمة رقم (١٩٦٢): "العركي" وقال: "قيل: إن اسمه عُبيد، أخرجه الطبراني فيمن اسمه عبيد" وأورد هذا الحديث من (مسنده)، ولا يوجد في مطبوع "المعجم الكبير" للطبراني هذه الترجمة، وفي دار الكتب المصرية: "البدر المنير بترتيب أحاديث المعجم الكبير" للهيثمي، وأورد فيه أسانيد الطبراني، وهو قيد =
[ ٣٤٦ ]
قول ابن السَّمعاني في "الأنساب" (^١) اسمه: العَرَكي -بفتح العين والراء- ففيه إيهامٌ أنه اسم عَلَمِ له، وليس كذلك، بل العركي وصف له، وهو ملاَّح السفينة (^٢).
وسُمِّي البحر لسعته واتساعه (^٣)، وقيل: لأنه مشقوق (^٤)، وَمَيْتَتُهُ: بفتح الميم.
_________________
(١) = التحقيق من قبل مجموعة من الطلبة في بعض الجامعات المغربية. وسمي في رواية عند ابن بشكوال (٢/ ٥٥٦) رقم (١٨٥) بـ (عبد الله المدلجي)، وأخرجها الطبراني في "الكبير"، وفي إسناديهما عبد الجبار بن عمر، ضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والنسائي، ووثقه ابن سعد، وانظر "مجمع الزوائد" (١/ ٢٢٥) وقال ابن حجر في "الإصابة" (٤/ ١٩٤): "قال البغوي: بلغني أن اسمه عبدود".
(٢) "الأنساب" (٤/ ١٨٢).
(٣) قال النووي في "الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات" (ص ٥٩٢/ رقم ٢٤٤): "لم يذكر الخطيب هذا الحديث. قال السمعاني في "الأنساب": اسم هذا الرجل (العركي) -بفتح العين والراء- كذا قاله السمعاني، وغلط في قوله: اسمه (العركي)، وإنما (العركي) وصف، وهو ملاح السفينة، وإنما اسمه عبيد، قاله الطبراني وأبو نعيم. وقال ابن منيع: بلغني أن اسمه عبيد". وعبارته في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢/ ٣١٥) أدق وألين -من هنا- ومستند هذا القول: ما أخرجه الطبراني -وعنه أبو نعيم في "المعرفة" (٤/ ١٩١٢) - بسنده إلى العركي أنه سأل النبي - ﷺ - الحديث، وإسناده حسن، كما في "المجمع" (١/ ٢١٥). وانظر: "تجريد أسماء الصحابة" (١/ ٣٦١)، "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد" (١/ ١٦٣) وفيه تعقب السمعاني بمثل عبارة النووي السابقة في الهامش وأثبت ناسخ أصله على "غلط" ما نصه: "يمكن أن نقول: إنه -أي العركي- اشتهر به، حتى صار علمًا له بالغلبة".
(٤) انظر "التوقيف على مهمات التعريف" (١/ ١٦٦).
(٥) قال المصنف في "تحرير ألفاظ التنبيه" (١٧١) "البحر: من البحر وهو =
[ ٣٤٧ ]
وفي هذا الحديث فوائد، منها: جواز الطهارة بماء البحر (^١)، وبه قال جميع العلماء (^٢) إلا ابن عمر (^٣) وابن عمرو (^٤)
_________________
(١) = الشَّقّ، ومنه: البحيرة: مشقوقة الأذن، وقيل: من الاتساع، ومنه: فلان بحر؛ أي: واسع العطاء والجود، والفرس بحرة أي: الجري". وانظر: "العين" (٣/ ٢٢٠)، "لسان العرب" (٤/ ٤٤١ - ٤٤٣)، "والقاموس المحيط" (١/ ٤٤٢) جميعها مادة (بحر).
(٢) قال البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٥٦): "في هذا الحديث فوائد، منها: أن التوضؤ بماء البحر يجوز مع تغير طعمه ولونه، وهو قول أكثر أصحاب النبي - ﷺ - وعامة العلماء، وكذلك على ما نبع من الأرض على أي لون وطعم كان، جاز الوضوء، وكذلك ما تغير بطول المكث في المكان". قال أبو عبيدة: نعم، هو كذلك ما لم يسلب خواص الماء كالبحر الميت، فإنه ملح أجاج، وفي استخدامه في الوضوء نظر، فليتأمل.
(٣) حكى الإجماع جمع، منهم: ابن المنذر في "الإجماع" (٣٣)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٦/ ٢٢١)، وابن دقيق العيد في "الإحكام" (١/ ٢٢)، وابن القطان في "الإقناع" (١/ ١٦٠).
(٤) صح عنه قوله: "التيمم أحب إلي من ماء البحر"، أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢)، وعبد الرزاق (٨/ ٣)، وأبو عبيد في "الطهور" (٢٤٨)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٤٩). وكأني بابن العربي يرده في "القبس" (١/ ١٤٢)، لما قال: "قد ركبت الصحابة البحر من عهد النبي - ﷺ - ركوبًا، فما روي عن أحد منهم أنه احتمل ترابًا للتيمم".
(٥) صح عنه قوله: "ماء البحر لا يجزيء من وضوء ولا جنابة" أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٢٢)، وعبد الرزاق (١/ ٩٣)، وابن المنذر (١/ ٢٥٠)، وأبو عبيد في "الطهور" (٢٤٧)، والجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ٣٤٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ٣٣٤)، وأعله الجوزقاني بمحمد بن المهاجر! وكذا صنع ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٢٧٩) وهو لم ينفرد به، ولذا تعقبه غير واحد، وانظر: "اللآليء المصنوعة" (٢/ ٢ - ٣)، "تنزيه الشريعة" (١/ ٦٩)، "الفوائد المجموعة" (ص ٦) والتعليق عليه.
[ ٣٤٨ ]
وسعيد بن المسيب (^١).
ومنها: أنَّ الماء إذا خالطه ما أزال عنه اسم الماء المطلق لم تَجُزْ الطهارة به (^٢)، هذا مذهب الشافعي والجمهور (^٣)، وجوَّزه أبو
_________________
(١) حكى المصنف في "المجموع" (١/ ١٣٧)، وابن قدامة في "المغني" (١/ ١٥ - ١٦)، وابن العربي في "القبس" (١/ ١٤١)، وابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٤٤)، وابن الأثير في "الشافي" (١/ ٦٦) وغيرهم مذهب السابقين، وعند بعضهم -كالمصنف- مذهب ابن المسيب. وأخرج ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢)، وابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٢٥٠) عنه: "إذا أُلجئت إلى البحر فتوضأ منه، أو فلا بأس به"، وفي هذا دلالة على أنه طاهر عنده. وحكي هذا المذهب عن أبي هريرة، فأسنده ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢)، وأبو عبيد في "الطهور" (٢٤٦)، والجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ٣٤٤ - ٣٤٥)، وسعيد بن منصور في "سننه" -كما في "إعلام الموقعين" (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦ - بتحقيقي) - وفيه راوٍ مبهم، فهو مما لم يثبت عنه. وانظر: "الموضوعات" (٣/ ٢٧٩)، "اللآليء المصنوعة" (٢/ ٢ - ٣)، "تنزيه الشريعة" (١/ ٦٩)، "الفوائد المجموعة" (ص ٦ - ٧). وأثر هذا المذهب عن أبي العالية رفيع بن مهران، كما عند ابن أبي شيبة (١/ ١٢٢) وفي إسناده من تكلم فيه. ويعجبني كلام الزرقاني في "شرح الموطأ" (١/ ٥٢): "التطهير بماء البحر حلال كما عليه جمهور السلف والخلف، وما نقل عن بعضهم من عدم الإجزاء به مزيف أو مؤوَّل، بأنه أراد بعدم الإجزاء على وجه الكمال عنده"، وارتضاه المباركفوري في "تحفة الأحوزي" ١/ ١٩٢) وقال قبله: "لم يقم على الكراهية دليل صحيح". وانظر: "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٥٩).
(٢) ينظر: لو نقل ماء من البحر، فوجد فيه طعم زبل، أو لونه، أو ريحه، هل يحكم بنجاسته؟ قال البغوي في "تعليقه" بنجاسته، وانظر: "الإقناع" (١/ ٨١)، "حاشية البجيرمي" (١/ ٢٨١).
(٣) انظر: "الأم" (١/ ٣)، "المجموع" (١/ ١٢٤ - ١٢٥)، "نهاية المحتاج" =
[ ٣٤٩ ]
حنيفة (^١)، وموضع الدلالة للجمهور أنه شكّوا في جواز الطهارة بماء البحر من أجل ملوحته، فسألوا عنه؛ فلو لم يكن التغير في الجملة مؤثرًا لم يسألوا (^٢).
_________________
(١) = (١/ ٥٢)، "قوانين الأحكام الشرعية" (ص ٤٩)، "بداية المجتهد" (١/ ٢١)، "الإنصاف" (١/ ٢٢)، "شرح منتهى الإرادات" (١/ ١٤).
(٢) انظر: "البداية" (١/ ١٨)، "شرح فتح القدير" (١/ ١٦٩)، "بدائع الصنائع" (١/ ٨٤)، "البحر الرائق" (١/ ٢٣٣)، "تبيين الحقائق" (١/ ٦٩)، "فتح باب العناية" (١/ ٢٣٧)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٣٠٩). والمسألة مبسوطة مع أدلتها في "الخلافيات" (١/ ١٢٧ - ١٩٢) للبيهقي.
(٣) ويستفاد ذلك أيضًا، من قوله - ﷺ -: "هو الطهور ماؤه"، ولم يجب بقوله - مثلًا-: "نعم"، وأوضح ابن الأثير في "الشافي في شرح مسند الشافعي" (١/ ٦٤) وجهة الدلالة بكلام بديع، وتبعه جمع، منهم: الزرقاني في "شرحه على الموطأ" (١/ ٥٣) والسهارنفوري في "بذل المجهود" (١/ ٣١٥) والعظيم آبادي في "عون المعبود" (١/ ١٥٣) والمباركفوري في "تحفة الأحوذي" (١/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، ونص كلام ابن الأثير: "وفي جواب النبي - ﷺ - هذا السائل بقوله: "هو الطهور ماؤه، الحل " بلاغة معروفة من كلامه، وفصاحةٍ خاصةٍ بألفاظه، فإنه لو قال له في الجواب: نعم. لم يحل للسائل غرضه، لكنه - ﷺ - عدل عن هذا الجواب إلى الجواب الذي أتى بالغرض على أكمل وجه مقرونًا بعلة الجواز، وهي الطهورية المتناهية في مائه، ثم إنه قدم الطهارة على الماء، فقال: "هو الطهور ماؤه" ولم يقل: ماؤه الطهور؛ لأنه في هذا المقام أشد عناية بذكر الوصف الذي اتصف به الماء، وجاز الوضوء به، وهو الطهورية، دون ذكر الماء، فقدم في الذكر الأهم عنده والأحوج إليه. فانظر إلى ما في هذا الجواب السديد من الفائدة التي في قوله: "نعم"، هذا إلى ما كان يجوز أن يحمل لفظة "نعم" عليه من أن ذلك إنما أجازه رخصة لهذا السائل ولمن كان في حاله ممن معه القليل من الماء، وأنه مع كثرة الماء لا يجوز الوضوء به، وهذا الاحتمال من النبي - ﷺ - منتف بذكر العلة في جواز الوضوء به، وأن ذلك وصف لازم له، سواء قلَّ الماءُ مع المسافرين فيه أو كثر".
[ ٣٥٠ ]
ومنها: أن الطهور هو المطهِّر، وهو مذهب الشافعي والجمهور (^١)، وقال أصحاب أبي حنيفة: هو الطاهر (^٢). حجة الجمهور: أنهم سألوا عن طهوريته لا عن طهارته.
ومنها: أن ميتات البحر (^٣) كلها حلال إلاَّ الضِّفْدَع، لدليلٍ خصَّها (^٤)، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا.
ومنها: أن السمك الطافيء: هو الذي مات في البحر بغير سبب؛ حلالٌ، وهو مذهب الشافعي والجمهور (^٥)، وقال أبو حنيفة: لا يحلُّ (^٦)؛
_________________
(١) انظر: "المجموع" (١/ ١٢٩ - ١٣٠)، و"التحقيق" (٣٦) كلاهما للنووي، "المغني" (١/ ١٨)، "الشافي في شرح مسند الشافعي" (١/ ٦٢ - ٦٣)، "إحكام الأحكام" (١/ ٢٢) لابن دقيق العيد.
(٢) ولذا يرون جواز إزالة النجاسات بما سوى الماء من المائعات، وأنه يطهر كذلك. انظر: "الهداية" (١/ ١٨)، "مجمع الأنهر" (١/ ٢٧)، "بدائع الصنائع" (١/ ١٨٤)، "تحفة الفقهاء" (١/ ١٢٥)، "حاشية ابن عابدين" (١/ ٣٩).
(٣) فيه دليل على أن السمك لا ذبح فيه، لإطلاق اسم الميتة عليه.
(٤) يشير إلى ما ورد عند أبي داود (٣٨٧١، ٥٢٦٩)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، وأحمد (٣/ ٤٥٣، ٤٩٩)، والطيالسي (١٠٨٣)، وعبد بن حميد (٣١٣)، وابن أبي شيبة (٨/ ٩٢)، والدارمي (٢/ ٨٨)، والحاكم (٤/ ٤١٠ - ٤١١)، والبيهقي (٩/ ٣١٨)، والخطيب (٥/ ١٩٩)، وغيرهم -وهو حديث صحيح- أن طبيبًا سأل النبي - ﷺ - عن ضِفْدِع يجعلها في دواء، فنهاه عن قتلها. قال النووي في "المجموع" (٩/ ٣٥): "الصحيح المعتمد أن جميع ما في البحر تحل ميتته إلا الضفدع".
(٥) انظر: "المجموع" (٩/ ٣٣)، "حاشية الدسوقي" (١/ ٥٧)، "بلغة السالك" (١/ ٢٢)، "كشاف القناع" (١/ ١٩١)، "الفروع" (١/ ٢٥٠)، "المبدع" (١/ ٢٤٧).
(٦) انظر: "بدائع الصنائع" (٦/ ١٧٨)، "البحر الرائق" (١/ ٩٤)، =
[ ٣٥١ ]
ومنها: أن ركوب البحر جائز ما لم يَهج، ويغلب على الظن الهلاك (^١).
ومنها: أن المفتي إذا سُئل عن شيءِ، وعلم أن بالسائل حاجة إلى أمرٍ آخر متعلّق بالمسألة؛ يستحب له أن يذكره له ويعلمه إياه؛ لأنه سأل عن ماء البحر فأجيب بمائه وحكم ميتته؛ لأنهم يحتاجون إلى الطعام كالماء، وإذا جهلوا كونه مطهرًا فجهالتهم حِلُّ ميتته أوْلى (^٢)، وبها نظائر
_________________
(١) = "الاختيار" (١/ ٣٤)، "النافع الكبير" (٧٧، ٧٩)، "شرح العيني على سنن أبي داود" (١/ ٣٣٢ - ٣٣٣).
(٢) انظر في ركوب البحر: "مصنف ابن أبي شيبة" (٤/ ١٣٥ و٥/ ٣٣٦)، و"مصنف عبد الرزاق" (١١/ ١٤٩)، و"سنن سعيد بن منصور" (٢/ ١٨٥ - ١٨٧)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، و"مجمع الزوائد" (٤/ ٦٤)، و"فتح الباري" (٤/ ٢٩٩)، و"القرى لقاصد أم القرى" (٦٧ - ٦٨)، و"إتحاف السادة المتقين" (٤/ ٥١٣)، و"تفسير القرطبي" (٢/ ١٩٠ و٧/ ٣٤١)، و"أحكام القرآن" للجصاص (١/ ١٣١)، و"السلسلة الضعيفة" (١/ ٤٩٢) و"إسعاف أهل العصر بأحكام البحر" (٤١١ - ٤٢٨)، و"الأحاديث الواردة في البحر" (١٤، ٦٨، ١٢١، ١٣٢، ١٤١) وكتابي "المروءة وخوارمها" (١٠٨) وغيرها كثير.
(٣) أشار إلى هذه النكتة جماعة قبل النووي، منهم: الخطابي في "معالم السنن" (١/ ٤٣ - ٤٤) والرافعي -فيما حكاه المصنف عنه في مقدمة "المجموع" (١/ ٨٣) -، وابن العربي في "عارضة الأحوذي" (١/ ٨٨ - ٨٩)، وابن الأثير في "الشافي" (١/ ٦٤ - ٦٥) -وعبارته: "لما أجاب - ﷺ - السائل عن سؤاله، أضات إليه جوابًا على شيء ولم يسأله عنه، فقال - ﷺ -: "الحل ميتته"؛ لأنه لما سأله عن ماء البحر، فأجابه، رأى من المصلحة لهذا السائل أن يعرفه لهم في طعام البحر، لعلمه أنهم قد يعرض لهم إذا ركبوا البحر قلة الزاد، كما أعوزهم الماء العذب، فلما جمعتهم الحاجة إليهما جمع الجواب عنهما، وأبان عن الحكم فيهما، ولأن علم طهارة ماء البحر أمر ظاهر عند =
[ ٣٥٢ ]
كثيرة في الأحاديث (^١).
_________________
(١) = الأكثرين، وعلم حال ميتة البحر وكونها حلالًا مشكل في الأصل؛ فلما رأى السائل جاهلًا بأظهر الأمرين، علم أن أخفاهما بالبيان أولاهم، ولأن النبي - ﷺ - لما أعلمهم بطهارة ماء البحر، وقد علم أن في البحر حيوانًا قد يموت فيه، -والميتة نجس- احتاج أن يظهر أن حكم هذا النوع من الميتة حلال بخلاف سائر الميتات، وألا يتوسموا أن ماءه ينجس بحلولها فيه، وفي إضافة النبي - ﷺ - إلى الجواب جوابًا عما لم يسأل عنه دليل على جواز أمثاله من الزيادات في الأجوبة إذا كانت حال السائل كحال السائل، فإن ذلك تعربف بطرق الرشاد، وهداية إلى منهاج الصلاح"-. وانظر أيضًا: "المجموع" (١/ ٨٣)، "إعلام الموقعين" (٦/ ٤٥ بتحقيقي)، "فتح الباري" (١/ ٢٧٩)، "فتح العلام" (٥٠) لزكريا الأنصاري، "تحفة الأحوذي" (١/ ٢٢٦).
(٢) كالمسيء صلاته، فابتدأ - ﷺ - فعلمه الطهارة، ثم علمه الصلاة، وذلك -والله أعلم- لأن الصلاة شيء ظاهر تشتهيه الأبصار، والطهارة أمر يستخلي به الناس في ستر وخفاء، فلما رآه - ﷺ - جاهلًا بالصلاة حمل أمره على الجهل بأمر الطهارة، فعلمه إياها. أفاده الخطابي في "معالم السنن" (١/ ٤٤). وفي الحديث فوائد أخري غير المذكورة، مثل: إن العالم إذا تفرد بالجواب يتعين عليه ذلك، وأنه يجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم عما لا يعلمه، أو يتردد فيه.
[ ٣٥٣ ]