الحاقن: من يدافع البول، والحاقب -بالباء-: من يدافع الغائط (^١).
٨٨ - (صحيح) حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، أنه خرج حاجًّا -أو معتمرًا- ومعه الناس وهو يؤمهم، فلما كان ذات يوم أقام الصلاة صلاة الصبح ثم قال: ليتقدّم أحدكم، -وذهب [إلى] الخلاء- فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء" (^٢).
_________________
(١) بنحوه في "تهذيب الأسماء واللغات" (٣/ ٦٧ و٦٨).
(٢) أخرجه من طريق أبي داود البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٧٢). وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ١٦٨) من طريق زهير به. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣) من طريق حفص بن غياث، والترمذي (١٤٢)، والطحاوي في "المشكل" (١٩٩٦) من طريق أبي معاوية، وابن ماجه في "سننه" (٦١٦)، والحميدي (٢/ ٣٨٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٦٤٠)، وابن خزيمة (٩٣٢) من طريق سفيان بن عيينة، وابن خزيمة (٩٣٢) و(١٦٥٢)، وابن عبد البر (٢٢/ ٢٠٤) من طريق حماد ابن زيد، وأحمد (٣/ ٤٨٣)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٥/ ٣٣) من طريق يحيى بن سعيد، والطحاوي في "المشكل" (١٩٩٥) من طريق عيسى بن يونس، و(١٩٩٦) من طريق عبد الله بن نمير، وابن عبد البر (٢٢/ ٢٠٥) من طريق وكيع، وعبد الرزاق (١٧٥٩)، وابن حزم (٤/ ٤٧) من طريق معمر، =
[ ٣٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وعبد الرزاق (١٧٦٠) عن الثوري، والدارمي (١/ ٣٩٢)، وابن عبد البر (٢٢/ ٢٠٤) عن محمد كناسة، وابن خزيمة في "صحيحه" (٩٣٢) من طريق كل من عمرو بن علي وأيوب وحماد بن سلمة، وأخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ١٥٩)، ومن طريقه الشافعي في "المسند" (١١٧١)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٥/ ٣٣)، والنسائي في "المجتبى" (١٣٧٨)، والطحاوي في "المشكل" (١٩٩٤)، وابن حبان في صحيحه" (٢٠٧١)، والبيهقي (٣/ ٧٢)، والبغوي (٨٠٣) عن هشام به، وابن حزم (٤/ ٤٧) عن حماد بن سلمة جميعهم عن هشام به، وفي رواية معمر: كنا مع عبد الله بن أرقم فأقام الصلاة، وهكذا قال الثوري وهذا يدل على اتصاله. فالحديث صحيح. وأخرجه عبد الرزاق (١٧٦١)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٣٣) من طريق ابن جريج، عن أيوب بن موسى، عن هشام بن عروة، قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري، فأقام الصلاة ولم يسنن البخاري متنه. وسقط من إسناد عبد الرزاق: عن عروة، واستدرك من "التمهيد" (٢٢/ ٢٠٤). وأخرجه البخاري في "التاريخ" (٥/ ٣٢)، والطحاوي في "المشكل" (١٩٩٧) من طريق وهيب بن خالد، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٣٣) أيضًا من طريق أبي ضمرة أنس بن عياض، كلاهما عن هشام، عن أبيه، عن رجل، عن عبد الله بن الأرقم. وقال الطحاوي: "وفي حديث وهيب بن خالد، عن هشام ما قد دل على فساد إسناد هذا الحديث من أصله؛ لأنه أدخل فيه بين عروة وعبد الله بن الأرقم رجلًا مجهولًا لا يعرف"!! وقال الترمذي في "العلل الكبير" (١/ ١٩٨): "سالت محمدًا (يعني البخاري) عن حديث هشام بن عروة، عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم، عن النبي - ﷺ - فقال: رواه وهيب عن هشام، عن أبيه، عن رجل، عن عبد الله بن الأرقم، وكان هذا أشبه عندي. قال الترمذي: "رواه مالك وغير واحد من الثقات عن هشام، عن أبيه، عن ابن الأرقم، ولم يذكروا فيه: عن رجل". وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٢/ ٢٠٣): "ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه، واختلف فيه عن هشام بن عروة، فرواه مالك =
[ ٣٦٤ ]
قال أبو داود: روى وهيب بن خالد وشُعيب بن إِسحاق وأبو ضَمْرَة هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه عن رجل حدّثه. عن عبد الله ابن أَرقم، والأكثر الذين رووه عن هشام، قالوا كما قال زهير.
٨٩ - (صحيح) حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ومسدد، ومحمد ابن عيسى -المعنى- قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبي حَزْرَة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد -قال ابن عيسى في حديثه: ابن أبي بكر، ثم اتفقوا- أخو القاسم بن محمد، قال: كنا عند عائشة فجيء بطعامها، فقام القاسم [بن محمد] يصلي، فقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يُصلَّى بحضرة الطعام، ولا وهو يُدَافِعُهُ الأخْبثان" (^١).
_________________
(١) = كما ترى، وتابعه زهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، ومحمد بن إسحاق، وشجاع بن الوليد، وحمادة بن زيد، ووكيع، وأبو معاوية، والمفضل بن فضالة ومحمد بن كناسة، كلهم رواه عن هشام بن عيوة، عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم كما رواه مالك. ورواه وهيب بن خالد، وأنس بن عياض، وشعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن الأرقم، فأدخل هؤلاء بين عروة وبين عبد الله بن الأرقم رجلًا. ذكر ذلك أبو داود، ورواه أيوب بن موسى، عن هشام، عن أبيه أنه سمعه من عبد الله بن الأرقم، فالله أعلم،، ثم أورد ابن عبد البر حديث عبد الرزاق المذكور آنفًا برقم (١٧٦١) بإسناده، وفيه أن عروة قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم، ثم قال: "فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه في هذا الحديث متصلة، وابن جريج وأيوب بن موسى ثقتان حافظان". قلت: وصرح بعض رواته عن هشام -وهما معمر والثوري- بأن عروة كان مع عبد الله بن الأرقم ورد ذلك في روايتي عبد الرزاق (١٧٥٩١) و(١٧٦٠) وتقدمت، فزالت علة الانقطاع، وصح الحديث، والحمد لله رب العالمين. وصححه المصنف هنا وفي "خلاصة الأحكام" (١/ ٤٨٩) رقم (١٦٢٦).
(٢) أخرجه مسلم (٥٦٠) من طريق إسماعيل بن جعفر أخبرني أبو حزرة به. =
[ ٣٦٥ ]
٩٠ - (ضعيف) حدثنا محمد بن عيسى، قال؛ حدثنا ابن عياش، عن حبيب بن صالح، عن يزيد بن شُريح الحضرمي، عن أبي حيِّ المؤذن، عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ثلاث لا يَحِل لأحد أن يفعلهن: لا يوم رجل قومًا فيخُصُّ نفسه بالدعاء دونهم؛ فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن؛ فإن فعل فقد دخل، ولا يصلي وهو حَقِنٌ حته يتخفَّف" (^١).
_________________
(١) = وهو في "حديث علي بن حجر السعدي عن إسماعيل بن جعفر المدني" (رقم ٤٣٢) ومن طريقه مسلم.
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ٢٨٠)، والترمذي (٣٥٧)، وابن قانع في "معجم الصحابة"، (١/ ١١٩ - ١٢٠)، والبغوي (٤٦١) من طريق إسماعيل بن عياش به. وأخرجه ابن ماجه (٦١٩، ٩٢٣)، وأحمد (٥/ ٢٨٠)، والفسوي (٢/ ٣٥٥)، وابن قانع (١/ ١١٩ - ١٢٠)، والطبراني في "مسند الشاميين" (١١١٣)، والبيهقي (٣/ ١٢٩ - ١٣٠)، والمزي في "تهذيب الكمال" (١٢/ ٣٩٣) من طريق بقيّة بن الوليد، وأخرجه أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" (٤/ ١٨٣) رقم (١٨٥٧)، والطبراني في "مسند الشاميين" (٢/ ١٢٧) من طريق صفوان بن عمرو جميعهم عن حبيب بن صالح به. وتابعهم محمد بن الوليد عن يزيد بن شريح: أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (ص ١٥٨). قال الترمذي عقبه: "حديث ثوبان حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن صالح عن السفر بن نسر عن يزيد بن شريح عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ -، وروي عن يزيد بن شريح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن عن ثوبان -في هذا- أجود إسنادًا وأشهر". وحديث معاوية بن صالح علَّقه البخاري في "التاريخ الكبير" (٨/ ٣٤١)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٥٠، ٢٦٠، ٢٦١)، والطبراني في "مسند الشاميين" =
[ ٣٦٦ ]
٩١ - (صحيح إلاَّ جملة الدعوة) حدثنا محمود بن خالد السُّلمي، قال: حدثنا أحمد بن علي، قال: حدثنا ثور، عن يزيد بن شُريح الحضرمي، عن أبي حي المؤذن، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: "لا يَحِلُّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُصلي وهو حَقِنٌ حتى يتخفف" ثم ساق نحوه على هذا اللفظ، قال: "ولا يَحِلُّ لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يوم قومًا إلاَّ بإذنهم، ولا يختص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم" (^١).
قال أبو داود: هذا من سُنن أهل الشام، لم يُشْرِكهم فيها أحد.
وفي الباب أربعة أحاديث:
أحدهما: حديث عبد الله بن أرقم، وهو صحيح، قال الترمذي: حسن صحيح.
الثاني: حديث عائشة، صحيح رواه مسلم.
_________________
(١) = (١٩٧٧)، وفي "الكبير" (٧٥٠٧) وأحمد بن منيع -كما في "إتحاف الخيرة" (١٥٩٥) - وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٨/ ق ٣٠٣)، وفيه النَّسْر وهو ضعيف. وأما حديث ثوبان، ففيه يزيد بن شريح وهو (مقبول) يعني حيث يتابع، وأبو حي لم يوثقه أحد إلا ابن حبان. فالحديث ضعيف، ولجملته الأخيرة شواهد تقويها، منها الحديث المتقدم! وحسنه المصنف -تبعًا للترمذي- هنا وفي "خلاصة الأحكام" (١/ ٤٨٩ - ٤٩٠) رقم (١٦٢٨).
(٢) إسناده ضعيف كسابقه، وفيه ما سبق الإشارة إليه من الاضطراب، لكن لجملته الأولى والثانية شواهد يتقوى بها. انظر "ضعيف سنن أبي داود" (رقم ١٣). وقال المصنف عنه في "خلاصة الأحكام" (١/ ٤٩٠) رقم (١٦٣٠): "رواه أبو داود بإسناد فيه رجل فيه جهالة، ولم يضعفه"، وهي عبارته هنا كما ترى.
[ ٣٦٧ ]
الثالث: حديث ثوبان. قال الترمذي: هو حسن.
الرابع: في إسناده رجلٌ فيه جهالة، ولم يضعفه أبو داود.
وفي الإسناد أبو حَزْرة بحاءٍ مهملة ثم زاي ساكنة ثم راء، واسمه يعقوب بن مجاهد، وقيل: كنيته أبو يوسف، وأما أبو حَزْرة فلقب (^١).
وأبو حيّ بفتح الحاء وتشديد الياء، اسمه شداد بن حي الحمصي (^٢).
قوله - ﷺ -: "لا يصلي بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
الأخبثان: البول والغائط (^٣).
وقوله: "بحضرة الطعام" (^٤) هو بفتح الحاء وإسكان الضاد وفتحها،
_________________
(١) مثله في "شرح صحيح مسلم" (٥/ ٦٥ - ٦٦ ط قرطبة) للمصنف، وذكره مسلم في "الكنى والأسماء" (١/ ٢٦٧) رقم (٩٢١) على أنه كنية، وكذلك فعل الدولابي (٢/ ٤٥٥ ط الكوثر)، وتحرف فيه إلى "أبو حذرة" بالذال لا بالزاي، وهو كذلك في الطبعة الهندية (١/ ١٤٦)، وفي طبعة دار الكتب العلمية (١/ ٣١٢) فليصوب فيها جميعًا!. وهو مذكور على الجادة في "المقتنى في سرد الكنى" (١/ ١٧٢) للذهبي.
(٢) لم يسمه البخاري في "الكنى" (٢٦)، ولا أبو أحمد الحاكم في "الأسامي والكنى" (٤/ ١٨٣)، ولا ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥٧٩)، ولا ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٦٤). وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (١٢/ ٣٩٢)، وضبطه في "مؤتلف الدارقطني" (٧٨٥) والتعليق عليه.
(٣) وقد ورد مصرحًا به عند ابن حبان (٢٠٧٣) وغيره. وظاهر الحديث أن المعبر مدافعة الأخبثين معًا لا أحدهما، وليس كذلك، بل كل واحد منهما مستقل بالكراهة، لحديث عبد الله بن الأرقم المتقدم برقم (٨٨)، وفي بعض ألفاظه: "إذا أراد أحدكم الغالط فليبدأ به قبل الصلاة"، وإن كان الغائط لا ينفك عن البول غالبًا، فإنه قد لا يدافعه البول معه، لحقنه.
(٤) الحضور أعم من الوضع، والوضع أعم من القرب والعبرة تحقق العلة، إذ هذا النهي معقول المعنى. والقاعدة الأصولية (إن محمل النص إذا اشتمل =
[ ٣٦٨ ]
فإن حذفت الهاء قيل: (بِحَضَر) بفتح الحاء والضاد.
وهذا النهي للتنزيه (^١)، فتكره الصلاة في هذين الحالين، ولا تحرم تبطل وإن انتهى به ذلك إلى ما انتهى (^٢)، وقال بعض أصحاب
_________________
(١) = على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يُلْغَ)، وهو متحقق على وجه ظاهر في الصائم، ولذا ورد عند ابن حبان (٢٠٦٨) والطبراني في "الأوسط" زيادة "وهو صائم"، وصححها ابن حجر في "الفتح" (٢/ ١٦٠)، وانظر "الصحيحة" (٣٩٦٤). ولفظ مسلم (٥٦٠): "لا صلاة بحضرة الطعام"، و(لا صلاة) نكرة في سياق النفي، وهذا من ألفاظ العموم. نعم في "الصحيحين" من حديث أنس: "إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدءوا وبالعشاء"، والظاهر منه أن الألف اللام في (الصلاة) للعهد، وهي المغرب، ولكن يلحق بها من تشوق نفسه للطعام حالة تقديمه، بل قال المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٥/ ٦٣): "ويلحق بهذا ما كان في معناه مما يشغل القلب، ويذهب كمال الخشوع".
(٢) هذه الكراهة عند الجماهير من الشافعية وغيرهم، إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل أو تطهر، خرج الوقت صلى على حالته محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز تأخيرها، أفاده المصنف في "شرح صحيح مسلم" (٥/ ٦٣)، وابن الملقن في "الإعلام" (٢/ ٣٠٧).
(٣) النهي عن الصلاة في هذه الحالة لعلة عدم الخشوع والإقبال على أفعال الصلاة، وعليه: فإذا استحكمت المدافعة فالبطلان قوي. كأنه نقض طهارته، فيكون مصليًّا بغير طهارة، كما لو انصب للخروج، فإذا حقنه حينئذٍ فكأنه حبسه في ثوبه! قال ابن حبان (٣/ ٣٥٧): "المرء مزجور عن الصلاة عند وجود البول والغائط، والعلة المضمرة في هذا الزجر: هي أن يستعجله أحدهما، حتى لا يتهيأ له أداء الصلاة على حسب ما يجب من أجله، والدليل على هذا تصريح الخطاب (ولا هو يدافعه الأخبثان) ولم يقل ولا هو يجد الأخبثين". فمدافعة الأخبثين إما أن تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط، أو لا، فإن أدت امتنع الدخول، فإن دخل واختلاَّ فسدت، وإن لم يؤد إلى ذلك، فالمشهور =
[ ٣٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فيه الكراهية. نعم هو مؤثر في صحة الصلاة: إن شغلته المدافعة عنها، ولا سيما إذا لم يدر كيف صلى، فهو الذي يعيد قبل الوقت وبعده، أثر ذلك على مالك، وتأوله بعض أصحابه إن كان الشغل خفيفًا فهو الذي يعيد في الوقت. قال القاضي عياض: "كلهم مجمعون على أنه إن بلغ ما لا يعقل به صلاته، ولا يضبط حدودها أنه لا يجوز له الدخول فيها، وأنه يقطع الصلاة، وإن أصابه ذلك فيها". ويمكن التفريق بين حكم الدخول في الصلاة وهو على هذه الحالة، وحكم إعادتها، فالنهي -عند الجماهير- إن كان ينفك فلا يقتضي البطلان، وإلا فيقتضيه، وفي تنزيله على هذه المسألة خلاف كتنزيله على الصلاة في الأرض المغصوبة، وأما من جعله باطلًا إن كان في حق الله تعالى، وليس كذلك إن كان لحق العبد فلا يقول بذلك، وهذا الضابط هو الذي ارتضاه ابن تيمية مناصرًا المازري، خلافًا لتعكير العلائي عليه في كتابه "تحقيق المراد"؛ محتجًّا بالتداخل بين حق الله وحق العبد، ويدفع تشويشه بما قرره جمع من المحققين بأن الحق الذي يقبل الإسقاط أو المسامحة فهو للعبد، وإلا فهو لله ﷿، وبسطتُه في شرحي على "الورقات" المسمى "التحقيقات والتنقيحات" (١٦٣ - ١٦٨)، ونخلص مما مضى أن لمدافِع الأخبثين أربعة أحوال: أحدهما: أن يكون بحيث لا يعقل بسببهما الصلاة وضبط حدوده، فلا تحل له الصلاة ولا الدخول فيها إجماعًا. ثانيها: أن يكون بحيث يعقلها مع ذهاب خشوعه بالكلية. ثالثها: أن يكون بحيث يؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط. رابعها: أن يكون بحيث يؤدي إلى الشك في شيء من الأركان، وقد عرفت حكم ذلك. وانظر في هذا: "إكمال المعلم" (٢/ ٤٩٣ - ٤٨٥)، "عارضة الأحوذي" (١/ ٢٣٥)، "القبس" (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠) لابن العربي، "إحكام الأحكام" (٢/ ٧١ - ٧٣)، "العُدة في شرح العمدة" (١/ ٣١٦ - ٣١٧) لابن العطار، "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥) لابن الملقن، =
[ ٣٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قال: "والتحقيق أنه إن منع من ركن أو شرط امتنع الدخول، وفسدت باختلالهما، وإلا فهو مكروه إن نظر إلى المعنى، أو ممتنع إن نظر إلى ظاهر النهي، فلا يقتضي ذلك الإعادة على مذهب الشافعي". (تنبيهات وفروع) (أ) (تنبيه): استنبط بعض العلماء من قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، صحة الصلاة مع نوع مدافعة، إذ وقع بوله عقب الصلاة، وقد ينازع في هذا! (فرع) حاقن على وضوء حضرته الصلاة ولا ماء عنده، يحدث ثم يتيمم، إذ الصلاة بالتيمم وهو غير حاقن أفضل من صلاته بالوضوء وهو حاقن، إذ صلاة الحاقن مكروهة أو محرمة، وصلاة المتيمم صحيحة لا كراهية فيها باتفاق، قاله ابن تيمية. (فرع آخر): لو لم يحضر الطعام، ونفسه تتوق إليه، فالحكم فيه كما لو حضره، لوجود المعنى وهو ترك الخشوع، ولا سيما إن تيسر حضوره عن قرب، وإلا فلا ينبغي أن يلحق بالحاضر، فإن حضور الطعام يوجب زيادة تشوّق وتطلع إليه، والعبرة بالمعنى، وتأمل قوله - ﷺ -: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء" استدل به بعض الشافعية والحنابلة على تخصيص ذلك بمن لم يسرع في الأكل، وأما من شرع ثم أقيمت الصلاة، فلا يتمادى بل يقوم إلى الصلاة. والنظر إلى اللفظ يقضي بهذا، وإلا فصنيع ابن عمر خلافه: أخرج ابن أبي شيبة بسند حسن عن أبي هريرة وابن عباس أنهما كانا يأكلان طعامًا، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال له ابن عباس: "لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء"، وفي رواية: "لئلا يعرض لنا في صلاتنا". ولابن أبي شيبة عن الحسن بن علي قال: "العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة". وعند ابن حبان: عن نافع: أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت = (أ) مأخوذة من شرحي المسموع على "صحيح مسلم"، يسر الله تفريغه ونشره، وحاولت -جهدي- الاستيعاب في الكلام على كل حديث: رواية ودراية، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
[ ٣٧١ ]
الشافعي (^١) إن انتهى إلى ذهاب خشوعه لم تصح صلاته، والمشهور الأول، وبه قال جماهير العلماء (^٢)، والمراد بالطعام ما يريد أكله في الحال، ولا يمنعه منه إلا الصلاة، فأما ما لا يريد أكله في الحال، كالصائم والشبعان ومن ينتظر غائبًا يعلم أنه لا يحضر إلا بعد فراغِهِ
_________________
(١) = الشمس، وكان أحيانًا يلقاه وهو صائم فيقدم له عشاؤه، وقد نودي للصلاة، ثم تقام وهو يسمع، فلا يترك عشاءه ولا يعجل حتى يقضي عشاءه، ثم يخرج فيصلي. وفي هذه الآثار إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا، ويستثنى من ذلك الصائم فلا تكره صلاته بحضرة الطعام، لصبره عليه، لكن إذا غلب استحب له الطعام. (ومضة) ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة الحق، ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة، ثم إن طعام القوم كان شيئًا يسيرًا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبًا. انظر: "فتح الباري" (٢/ ١٦٢). (تنبيه) ما يقع في بعض كتب الفقه: "إذا حضر العَشَاء والعِشَاء فابدأوا بالعشاء" لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ.
(٢) حكاه أبو عبد الله محمد بن خفيف الضبي الشيرازي (ت ٣٧٢ هـ) قولًا عن الشافعي، أفاده عنه ابن العطار في "شرحه على عمدة الأحكام" (أ) (١/ ٣١٧) ثم استغربه جدًّا، قال ابن الملقن في "الإعلام" (٢/ ٣٠٥): "وهو كما ذكر".
(٣) على تفصيل سبق أن ذكرناه، والحمد لله، ونقله المصنف في شرح صحيح مسلم" (٥/ ٦٤) عن الجمهور، وزاد: "ونقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنها باطلة". قلت: بل يقولون -على أصولهم- بامتداد الوقت في حقه. (أ) وقع اسمه في مطبوعه: "عبد الله بن خفيف"! والتصويب من مصادر ترجمته" انظر -مثلًا-: "طبقات ابن السبكي" (٣/ ١٤٩).
[ ٣٧٢ ]
[من] (^١) الصلاة ونحو ذلك، فلا مَنْع من الصلاة في حقِّه ولا كراهة. ولو ضاق الوقت بحيث لو توضأ أو أكل خرج الوقت، فالمشهور أنه يصلي في الوقت على حاله، وقيل: يؤخرها حتى يتوضأ ويأكل ثم يقضيها بعد الوقت (^٢).
وفيه: أنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء في حال الإمامة، وأنه إذا عرض له شغل عن الصلاة استخلف.
وأما قوله - ﷺ -: "لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يومَّ قومًا إلاَّ بإذنهم" فقيل: المراد به: إذا كان في بيت قومٍ، وقيل: المراد: إذا لم يكن أفقههم وأقرأهم، ويحتمل أن المراد: من يترتب إمامًا دائمًا لقومٍ (^٣).
_________________
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) قالوا: لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته، وحكان أبو سعد المتولّي من الشافعية وجهًا لبعض أصحاب الشافعي، أفاده المصنّف في "شرح صحيح مسلم" (٥/ ٦٣ - ٦٤). وفي أحاديث الباب فوائد أُخرى مهمة، منها: فيه دليل على فضيلة هذه الأمة، وما منحها الله به من مراعاة حظوظها البشرية، وتقديمها على الفضائل الشرعية، ووضع التشديدات عنها، وتوفير ثوابها على ذلك، خصوصًا إذا قصده للمتابعة. وفيه: أنه تعارضت مفسدتان، اقتصر على أخفهما، وفيه: دليل على تقديم فضيلة حضور القلب على فضيلة أول الوقت.
(٣) لا يجوز الاستبداد عليهم بالإمامة، فأما إذا كان جامعًا لأوصاف الإمامة، بأن يكون أقرأ الجماعة وأفقههم، فإنهم عند ذلك يأذنون لا محالة في الإمامة، بل يسألونه ذلك، ويرغبون إليه فيها، وهو إذ ذاك أحقُّهم بها، أذنوا له أو لم يأذنوا، قاله الخطابي في "المعالم" (١/ ٤٥).
[ ٣٧٣ ]