١٩٥ - مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ
فِيهِ النَّدْبُ إِلَى الِاغْتِسَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْأَحَادِيثُ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ كَثِيرٌ جِدًّا مِنْهَا مَا ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَمِنْهَا مَا هُوَ نَدْبٌ وَسَنُبَيِّنُ مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا ذِكْرُهُ فِيهِ السَّاعَاتِ الْخَمْسَ وَأَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ فِي السَّادِسَةِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ
فَقَالَتْ طَائِفَةٌ أَرَادَ السَّاعَاتِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَفَائِهَا وَهُوَ أَفْضَلُ الْبُكُورِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ كُلُّهُمْ يَسْتَحِبُّ الْبُكُورَ إِلَيْهَا
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ بَكَّرَ إِلَيْهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لكان حسنا
[ ٢ / ٦ ]
وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لَا يَنْبَغِي التَّهْجِيرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَاكِرًا!
قَالَ هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇
وَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ فِي هَذَا وَالنَّبِيُّ ﵇ يَقُولُ كَالْمُهْدِي جَزُورًا
وَأَمَّا مَالِكٌ فَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ عمر عن حرملة أنه سأل بن وَهْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ السَّاعَاتِ أَهُوَ الْغُدُوُّ مَنْ أَوَّلِ سَاعَاتِ النَّهَارِ أَوْ إِنَّمَا أَرَادَ بهذا القول ساعات الرواح
فقال بن وَهْبٍ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا فَقَالَ أَمَّا الَّذِي يَقَعُ فِي قَلْبِي فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ سَاعَةً وَاحِدَةً تَكُونُ فِيهَا هَذِهِ السَّاعَاتُ مَنْ رَاحَ فِي أَوَّلِ تِلْكَ السَّاعَةِ أَوِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ أَوِ الْخَامِسَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ مَا صُلِّيَتِ الْجُمُعَةُ حَتَّى يَكُونَ النَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ أو قريبا من ذلك
وكان بن حَبِيبٍ يُنْكِرُ قَوْلَ مَالِكٍ هَذَا وَيَمِيلُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ
وَقَالَ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا تَحْرِيفٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَمُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ
قَالَ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَكُونُ سَاعَاتٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ
قَالَ وَالشَّمْسُ إِنَّمَا تَزُولُ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النَّهَارِ وَهُوَ وَقْتُ الْأَذَانِ وَخُرُوجِ الْإِمَامِ إِلَى الْخُطْبَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السَّاعَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ سَاعَاتُ النَّهَارِ الْمَعْرُوفَاتُ فَبَدَأَ بِأَوَّلِ سَاعَاتِ النَّهَارِ فَقَالَ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ثُمَّ قَالَ فِي الْخَامِسَةِ بَيْضَةً ثُمَّ انْقَطَعَ التَّهْجِيرُ وَحَانَ وَقْتُ الْأَذَانِ
قَالَ فَشَرْحُ الْحَدِيثِ بَيِّنٌ فِي لَفْظِهِ وَلَكِنَّهُ حُرِّفَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَشُرِحَ بِالْخُلْفِ مِنَ الْقَوْلِ وَمَا لَا يَتَكَوَّنُ وَزَهَّدَ شَارِحُهُ النَّاسَ فِيمَا رَغَّبَهُمْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من التَّهْجِيرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِنَّمَا يَجْتَمِعُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قُرْبَ زوال الشمس
[ ٢ / ٧ ]
قَالَ وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ بِالتَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَقَدْ سُقْنَا ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِ وَاضِحِ السُّنَنِ بِمَا فِيهِ بيان وكفاية
هذا كله قول بن حَبِيبٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا كُلُّهُ تَحَامُلٌ مِنْهُ عَلَى مَالِكٍ فَهُوَ الَّذِي قَالَ الْقَوْلَ الَّذِي أَنْكَرَهُ وَجَعَلَهُ خُلْفًا مِنَ الْقَوْلِ وَتَحْرِيفًا مِنَ التَّأْوِيلِ
وَالَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ تَشْهَدُ لَهُ الْآثَارُ الصِّحَاحُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا الْعَمَلُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَهُ وَهَذَا مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الِاحْتِجَاجُ بِالْعَمَلِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُتَرَدِّدٌ كُلَّ جُمُعَةٍ لَا يَخْفَى عَلَى عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ
فَمِنَ الْآثَارِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا مَالِكٌ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَامَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ النَّاسَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِسْنَادَ إِلَى الزُّهْرِيِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طُرُقٍ جَلَبْنَا فِيهَا الِاخْتِلَافَ عَنْهُ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ غَيْرِهِ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ
أَلَا تَرَى إِلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ يَكْتُبُونَ النَّاسَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ فَجَعَلَ الْأَوَّلَ مُهَجِّرًا
وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إِنَّمَا هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْهَاجِرَةِ وَالْهَجِيرِ وَذَلِكَ وَقْتُ النُّهُوضِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِهِ هَاجِرَةٌ وَلَا هَجِيرٌ
وَفِي الْحَدِيثِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ وَلَمْ يَذْكُرِ السَّاعَاتِ
وَالطُّرُقُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي التَّمْهِيدِ وَفِي بَعْضِهَا الْمُتَعَجِّلُ إِلَى
[ ٢ / ٨ ]
الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَفِي أَكْثَرِهَا الْمُهَجِّرُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً الْحَدِيثَ
وَفِي بَعْضِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ الرَّائِحَ إِلَى الْجُمُعَةِ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَفِي آخِرِهَا كَذَلِكَ وَفِي أَوَّلِ السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً وَفِي آخِرِهَا كَذَلِكَ
وَهَذَا كُلُّهُ مَذْكُورٌ فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﵇ بِالْمُهَجِّرِ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً النَّاهِضَ إِلَيْهَا فِي الْهَجِيرِ وَالْهَاجِرَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ التَّارِكَ لِأَشْغَالِهِ وَأَعْمَالِهِ مِنْ طَلَبِ الدُّنْيَا لِلنُّهُوضِ إِلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهِيَ تَرْكُ الْوَطَنِ وَالنُّهُوضُ إِلَى اللَّهِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمُهَاجِرُونَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أُحِبُّ التَّبْكِيرَ إِلَى الْجُمُعَةِ وَلَا تُؤْتَى إِلَّا مَشْيًا
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ فَالذِّكْرُ هُنَا الخطبة وقد بين ذلك في حديث بن الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلُهُ يَسْتَمِعُونَ الْخُطْبَةَ
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ بِحَدِيثِ هَذَا الْبَابِ فِي تَفْضِيلِ الْبُدْنِ عَلَى الْبَقَرِ وَالْبَقَرِ عَلَى الضَّأْنِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا
وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَفْضَلُ الضَّحَايَا فُحُولُ الضَّأْنِ وَإِنَاثُ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ فُحُولِ الْمَعْزِ وَفُحُولُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ إِنَاثِهَا وَإِنَاثُ الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي الضَّحَايَا
واحتج بعضهم في ذلك بقوله تعالى (وفدينه بذبح عظيم) الصَّافَّاتِ ١٠٧ وَذَلِكَ كَبْشٌ لَا جَمَلٌ وَلَا بَقَرَةٌ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ حَيَوَانًا أَفْضَلَ مِنَ الْكَبْشِ لَفَدَى بِهِ إِسْحَاقَ وَضَحَّى رَسُولُ الله بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ وَأَكْثَرُ مَا ضَحَّى بِالْكِبَاشِ
وَذَكَرَ بن أبي شيبة عن بن عُلَيَّةَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ الذِّبْحُ العظيم الشاة
[ ٢ / ٩ ]
وَقَدْ رَوَى الْحُنَيْنِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ جِبْرِيلُ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ تَرَى عِيدَنَا فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ لَقَدْ تَبَاهَى بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَقَالَ اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنَ الْمُسِنِّ مِنَ الْمَعْزِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ ذِبْحًا خَيْرًا مِنْهُ لَفَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ
وَهَذَا حَدِيثٌ لَا أَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا انْفَرَدَ بِهِ الْحُنَيْنِيُّ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْكَبْشُ أَوَّلُ قُرْبَانٍ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ ثُمَّ فَدَى بِمِثْلِهِ الذَّبِيحَ وَحَسْبُكَ بِهَذَا كُلِّهِ فَضْلًا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْإِبِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُضَحَّى بِهَا مِنَ الْبَقَرِ وَالْبَقَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْغَنَمِ وَالضَّأْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْمَعْزِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْجَزُورُ فِي الْأُضْحِيَةِ أَفْضَلُ مَا ضُحِّيَ بِهِ ثُمَّ يَتْلُوهُ الْبَقَرُ ثُمَّ يَتْلُوهُ الشَّاءُ
وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا حَدِيثُ هَذَا الْبَابِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ فِي تَقْدِيمِ الْبُدْنِ فِي الْفَضْلِ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ قَوْلُهُ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ثُمَّ بَقَرَةً ثُمَّ كَبْشًا حَتَّى الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْهَدَايَا الْإِبِلُ فَكَانَ هَذَا الْإِجْمَاعُ يَقْضِي عَلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الضَّحَايَا لِأَنَّهَا نُسُكَانِ شَرِيعَةٌ وَقُرْبَانٌ
وَقَدْ قَالُوا أَيْضًا مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ شَاةٌ فَدَلَّ عَلَى نُقْصَانِ ذَلِكَ عَنْ مَرْتَبَةِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ
وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ فَقَالَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِبِلَ أَنْفَسُ وَأَغْلَى عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْغَنَمِ
قَالَ وأما قوله تعالى (وفدينه بذبح عظيم) الصَّافَّاتِ ١٠٧ فَجَائِزٌ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ عَظِيمٌ لِمَا ذكر عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا وأنه الذي قربه بن آدَمَ فَتُقُبِّلُ مِنْهُ وَرُفِعَ إِلَى الْجَنَّةِ فَلِهَذَا قال فيه (العظيم) وَاللَّهُ أَعْلَمُ
١٩٦ - ثُمَّ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْضًا عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ
[ ٢ / ١٠ ]
يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ
١٩٧ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ (الْمَقْبُرِيِّ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ ظَاهِرُهُمَا الْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ لَازِمٌ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَرْضًا إِلَّا أَهَّلَ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ أوجبوه وجعلوا تاركه غامدا عَاصِيًا لِلَّهِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُجِيزُونَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ دُونَ غُسْلٍ لَهَا وَاحْتَجُّوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا وَهُمَا ثَابِتَانِ وَلَكِنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا غَيْرُ ظَاهِرِهِمَا بِالدَّلَائِلِ الْمُوجِبَةِ إِخْرَاجَهُمَا عَنِ الظَّاهِرِ
فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ حَدِيثِ الْجَرِيرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَتَوَضَّأَ فيها وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ
فَهَذَا أَبُو سَعِيدٍ قَدْ رَوَى الْحَدِيثَيْنِ مَعًا وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ كَأَنَّهُ قَالَ وَاجِبٌ فِي الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ وَحُسْنِ الْمُجَالَسَةِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ وَجَبَ حَقُّكَ أَيْ فِي كَرَمِ الْأَخْلَاقِ وَالْبِرِّ بِالصَّدِيقِ وَنَحْوِ هَذَا
وَمِثْلُ هَذَا حَدِيثُ سَمُرَةَ ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا فِي التَّمْهِيدِ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ
وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ قُلْتُ لِلْبُخَارِيِّ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ
[ ٢ / ١١ ]
سَمُرَةَ إِلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ قَالَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً وَجَعَلَ رِوَايَتَهُ عَنْ سَمُرَةَ سَمَاعًا وَصَحَّحَهَا
وَمِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ وَالسِّوَاكُ وَيَمَسُّ طِيبًا إِنْ وجد
ومعلوم أن الطيب والسواك ليس بِوَاجِبَيْنِ فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَإِنَّهُ أَرَادَ الْهَيْئَةَ وَالْكَيْفِيَّةَ فَفِي هَذَا جَاءَ تَشْبِيهُهُ لَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا فِي الْفَرْضِ وَالْوُجُوبِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلَائِلِ مَعَ أَنَّهُ مَحْفُوظٌ مَعْلُومٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ وَلَا يُوجِبُهُ فَرْضًا وَيَقُولُ فِيهِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ
وَرَوَاهُ سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مَوْلًى لِبَنِي أَدْهَمَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَقِيَ امْرَأَةً قَدْ تطيبت أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللَّهِ قَالَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ قَالَ وَلَهُ تَطَيَّبْتِ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَارْجِعِي فَاغْسِلِي عَنْكِ الطِّيبَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْكِ حَتَّى تَرْجِعِي فَتَغْسِلِيهِ عَنْكِ كَغُسْلِكِ مِنَ الْجَنَابَةِ
وَبَعْضُ رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَاصِمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﵇
وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى الْحَدِيثَ يَشْهَدُ أَيْضًا بِمَا وَصَفْنَا وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا وَقَدْ سَاوَى أَبُو هُرَيْرَةَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالطِّيبِ لِلْجُمُعَةِ وَالطِّيبُ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ
رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ حَقُّ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا يَغْسِلُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ وَيَمَسُّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ لِأَهْلِهِ
[ ٢ / ١٢ ]
وَهَذَا الْحَدِيثُ أَثْبَتُ إِسْنَادًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَقَدْ مَضَى فِي الطِّيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي بَابِ السِّوَاكِ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ فَإِنَّ أَبَا حَاتِمٍ ذَكَرَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ سأل عَنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ فَبِهَا أَيْ بِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتِ الْخَصْلَةُ هِيَ أَوْ قَالَ وَنِعْمَتِ الْخَصْلَةُ فَعَلَ
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَنِعْمَتْ بِالتَّاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ هُنَا
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَوْ كَانَ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ وَاجِبًا فَرْضًا لَكَانَ مِنْ فَرَائِضِ الْجُمُعَةِ أَلَّا تُجْزِئَ إِلَّا بِهِ
وَقَدْ أَجْمَعُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ عَلَى وُضُوءٍ دُونَ غُسْلٍ جَائِزَةٌ مَاضِيَةٌ
وَيَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ عُثْمَانَ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ يَخْطُبُ فَقَالَ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ انْقَلَبْتُ مِنَ السُّوقِ فَسَمِعْتُ النِّدَاءَ فَمَا زِدْتُ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْتُ فَقَالَ عُمَرُ الْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ! وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْغُسْلِ وَلَا بِالْإِعَادَةِ إِذَا صَلَّاهَا بِالْوُضُوءِ بِغَيْرِ غُسْلٍ
وَعُثْمَانُ قَدْ عَلِمَ مِنْ ذَلِكَ مَا حَمَلَهُ عَلَى شُهُودِهَا بِغَيْرِ غُسْلٍ
١٩٨ - وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَابِ عن بن شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ يَخْطُبُ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ عُثْمَانُ وَصَحَّ أَنَّهُ عُثْمَانُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَنْ وَصَلَ الْحَدِيثَ وَأَسْنَدَهُ وَمَنْ قَطَعَهُ وَأَرْسَلَهُ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي وَالتَّوْجِيهَاتِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَوْلُ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْوُضُوءُ أيضا وقد علمت أن رسول الله كان يأمر
[ ٢ / ١٣ ]
بِالْغُسْلِ! مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ بن شهاب عن بن السَّبَّاقِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَذَلِكَ فِي بَابِ السِّوَاكِ
وَذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ عُمَرَ أَوَّلُ مَنْ تَسَمَّى بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْرَدْنَا الْخَبَرَ بِذَلِكَ وما كان سببه هناك
وفي حديث بن شِهَابٍ هَذَا مِنَ الْفِقْهِ أَيْضًا شُهُودُ الْفُضَلَاءِ السُّوقَ وَطَلَبُهُمُ الرِّزْقَ بِالتِّجَارَةِ وَفِيهِ أَنَّ السُّوقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَكُنِ النَّاسُ يُمْنَعُونَ مِنْهُ إِلَّا فِي وَقْتِ النِّدَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (إِذَا نودي للصلوة مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الْجُمُعَةِ ٩
وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ لَيْسَ عَلَى الْوُجُوبِ مَا رَوَتْهُ عائشة وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي الْوَجْهِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُمِرُوا بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلَ مَا أُمِرُوا بِهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ سَأَلْتُ عَمْرَةَ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ فَذَكَرَتْ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ يَرُوحُونَ بِهَيْئَتِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ لَوِ اغْتَسَلْتُمْ
وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ نافع عن بن عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَغْدُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ فإذا كانت الجمعة جاؤوا وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ دَرِنَةٌ وَأَلْوَانُهَا مُتَغَيِّرَةٌ قَالَ فَشَكَوْا ذلك إلى رسول الله فَقَالَ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَيَتَّخِذْ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ
وَفِي الْمُوَطَّأِ لمالك عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرُوحُ إِلَى الْجُمُعَةِ إِلَّا ادَّهَنَ وَتَطَيَّبَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَرَامًا وَلَمْ يَذْكُرْ غُسْلًا
وَرَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ نَاسًا من أهل العراق جاؤوا فقالوا يا بن عَبَّاسٍ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ قَالَ لَا وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَا حَرَجَ وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ وَكَانَ
[ ٢ / ١٤ ]
مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُتَقَارِبَ السَّقْفِ إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَقَدْ عَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ تِلْكَ الرِّيحَ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوَسُعَ مَسْجِدُهُمْ وَذَهَبَ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَرَنَهُ بِالسِّوَاكِ وَالطِّيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَفِي إِجْمَاعِ الْجُمْهُورِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سُقُوطِ وُجُوبِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وُجُوبَ فَرْضٍ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ غُسْلٍ أجزائه الْجُمُعَةُ مَا يُغْنِي عَنْ كُلِّ قَوْلٍ
إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هَلْ غُسْلُ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ لِلْأُمَّةِ أَمْ هُوَ اسْتِحْبَابٌ وَفَضْلٌ أَمْ كَانَ لِعِلَّةٍ فَارْتَفَعَتْ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأَنَّهَا قَدْ عَمِلَ بِهَا رَسُولُ الله وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَالْمُسْلِمُونَ وَاسْتَحَبُّوهَا وَنَدَبُوا إِلَيْهَا
وَهَذَا سَبِيلُ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ بِقَوْلِهِ مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ
وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالْوُجُوبِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ
ثُمَّ جَاءَتِ الْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ بِجَوَازِ شُهُودِهِ بِغَيْرِ غُسْلٍ وَبِأَنَّهُ أَفْضَلُ إِنِ اغْتَسَلَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أمر سنة لا فرض
وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ هُوَ قَالَ هُوَ سُنَّةٌ وَمَعْرُوفٌ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ فِي الْحَدِيثِ وَاجِبٌ قَالَ لَيْسَ كُلُّ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ يَكُونُ كَذَلِكَ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ أَوَاجِبٌ هُوَ قَالَ هُوَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ دُونَ منزله السنة إلا أن رواية بن وَهْبٍ عَنْهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ بن عبد الحكم وغيره
وقد قال بن الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَغْتَسِلْ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا ثم يغتسل وقاله بن كنانة
[ ٢ / ١٥ ]
قال بن كِنَانَةَ إِنَّمَا تَرَكَ عُمَرُ رَدَّ عُثْمَانَ لِلْغُسْلِ لِضِيقِ الْوَقْتِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ سَعَةٌ لَرَدَّهُ حتى يغتسل
ذكر عبد الرزاق عن بن جُرَيْجٍ قَالَ سَأَلْتُ عَطَاءً قُلْتُ لَهُ الْغُسْلُ وَاجِبٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَيْسَ بِآثِمٍ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا
وَهَذَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْوُضُوءُ لِلْجُمُعَةِ دُونَ غُسْلٍ رَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْأَعْمَشِ هَكَذَا
وذكر عبد الرزاق عن بن عُيَيْنَةَ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ وَبَرَةَ عَنْ هَمَّامِ بن الحارث عن بن مَسْعُودٍ قَالَ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ
وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ إِنَّهُ سُنَّةٌ وَيَحْتَجُّ فِي تَفْسِيرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ فِي وُجُوبِهِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ الْحَدِيثَ وَبِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وُجُوبَ سُنَّةٍ وَلَكِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُرَغَّبٌ فِيهِ كَالطِّيبِ وَالسِّوَاكِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ الطِّيبُ يُغْنِي عَنْهُ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ كَانَ لِعِلَّةٍ قَدْ زَالَتْ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْآثَارِ عن عائشة وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا غُسْلَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَتْ إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ فَيَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ وَبِهِمْ وَسَخٌ فَإِذَا أَصَابَهُمُ الرَّوْحُ سَطَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ فَتَأَذَّى بِهِمُ النَّاسُ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أو لا تَغْتَسِلُونَ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ غُسْلًا وَاجِبًا إِلَّا غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ
وَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ الطِّيبُ يُجْزِئُ مِنَ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
[ ٢ / ١٦ ]
١٩٩ - وأما حديثه عن نافع عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ
فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ اخْتِلَافَ الْأَلْفَاظِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ عَنْهُ كَمَا قَالَ يَحْيَى إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ وَالْمَعْنَى كُلُّهُ سَوَاءٌ
وَذَكَرْنَا هُنَاكَ مَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ من أصحاب نافع عن نافع عن بن عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ كَمَا قَالَ مالك ومن جعله عن نافع عن بن عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ وَخَالَفَ فِي لَفْظِهِ فَقَالَ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ الرَّوَاحُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَعَلَى مَنْ رَاحَ إِلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ وَكُلُّهُمْ يَرْفَعُونَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﵇ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَيْسَ بِمُغْتَسِلٍ لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْجُمُعَةِ وَلَا فَاعِلٍ لِمَا أُمِرَ بِهِ
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَشُهُودِهَا لَا لِلْيَوْمِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ حديث جابر عن النبي ﵇ أنه قَالَ الْغُسْلُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمًا وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ عَلَى ما ذكرنا
وأما ألفاظ حديث بن عُمَرَ هَذَا إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ أَوْ إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ إِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ الرَّوَاحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ قَالَ فِي الْمُوَطَّأِ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلَ نَهَارِهِ وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْغُسْلَ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ حَتَّى يَغْتَسِلَ لِرَوَاحِهِ
وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ
قَالَ مَالِكٌ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُعَجِّلًا أَوْ مُؤَخِّرًا وَهُوَ يَنْوِي بِذَلِكَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَأَصَابَهُ مَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْوُضُوءُ وَغُسْلُهُ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ
وَمَذْهَبُ اللَّيْثِ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا فِي ذَلِكَ
[ ٢ / ١٧ ]
وَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُ يُجْزِيهِ إِنِ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ
وَقَالَ اللَّيْثُ بَعْدَ الْفَجْرِ
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلِهِ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ
وَهُوَ قَوْلُ بن وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إِذَا اغْتَسَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ شَهِدَ الْجُمُعَةَ لَمْ يَكُنْ كَمَنْ شَهِدَ الْجُمُعَةَ عَلَى غُسْلٍ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إِنْ كَانَ الْغُسْلُ لِلْيَوْمِ فَاغْتَسَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ بِوُضُوءٍ فَغُسْلُهُ تَامٌّ وَإِنْ كَانَ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّمَا شَهِدَ الْجُمُعَةَ عَلَى وُضُوءٍ
وقال مالك في اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ عِنْدَ الرَّوَاحِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ شهد الْجُمُعَةَ أَجْزَأَهُ غُسْلُهُ وَإِنِ اغْتَسَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ يُرِيدُ الْجُمُعَةَ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ
قَالَ الطَّحَاوِيُّ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ عِنْدَهُ لِلْيَوْمِ لَا لِلرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الْغُسْلُ هُوَ لِلرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَإِنِ اغْتَسَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْغُسْلُ لِلْجُمُعَةِ سُنَّةٌ وَمَنِ اغْتَسَلَ لِلْفَجْرِ لِلْجَنَابَةِ وَلَهَا أَجْزَأَهُ وَإِنِ اغْتَسَلَ لَهَا دُونَ الْجَنَابَةِ وَهُوَ جُنُبٌ لَمْ يُجْزِهِ
وقال بن الْمَاجِشُونِ إِذَا اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ أَجَزْأَهُ الْغُسْلُ
فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ فِي ذَلِكَ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَمَذْهَبِ الثَّوْرِيِّ
وقال الأثرم سئل بن حَنْبَلٍ عَنِ الَّذِي يَغْتَسِلُ سَحَرَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُحْدِثُ أَيَغْتَسِلُ أَمْ يُجْزِيهِ الْوُضُوءُ فَقَالَ يُجْزِيهِ وَلَا يُعِيدُ الْغُسْلَ
ثُمَّ قَالَ مَا سَمِعْتُ في هذا بأعلى من حديث بن أبزى
وحديث بن أبزى ذكره بن أبي شيبة قال حدثنا بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُحْدِثُ بَعْدَ الْغُسْلِ فَيَتَوَضَّأُ وَلَا يُعِيدُ غُسْلًا
[ ٢ / ١٨ ]
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ وَعَلَى أَنَّهُ كَانَ غُسْلُهُ قَبْلَ الرَّوَاحِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَمْ يَذْكُرْ جَنَابَتَهُ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهُ يجزئ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا لَهَا فِي حِينِ الْغُسْلِ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ بن كنانة وأشهب وبن وهب ومطرف وبن نافع ومحمد بن مسلمة وبن الْمَاجِشُونِ وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَصْحَابُ مَالِكٍ
وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ
وَقَالَ آخَرُونَ لَا يُجْزِيهِ ذَلِكَ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ حَتَّى يَنْوِيَ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَيَكُونُ ذَاكِرًا لِجَنَابَتِهِ فِي حِينِ غُسْلِهِ قَاصِدًا إِلَى الِاغْتِسَالِ مِنْهَا
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هذا بن القاسم وحكاه بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ
وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ لِلْجَنَابَةِ لَا يَنْوِي الْجُمُعَةَ مَعَهَا أَنَّهُ غَيْرُ مُغْتَسِلٍ لِلْجُمُعَةِ وَلَا يُجْزِيهِ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ إِلَّا مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ يُجْزِيهِ غُسْلُ الْجَنَابَةِ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ
وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَرْقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَشْهَبَ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ لِلْفَرِيضَةِ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاةَ السُّنَّةِ وَالنَّافِلَةِ وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلنَّافِلَةِ فَيُصَلِّيَ بِهِ الْفَرِيضَةَ
وَهَذَا يَقْضِي لِقَوْلِ أَشْهَبَ
وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالطَّبَرِيُّ الْمُغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُجْزِيهِ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَمِنَ الْجَنَابَةِ جَمِيعًا إِذَا نَوَى غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْجُمُعَةَ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ يَنْوِي غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ جَمِيعًا فِي وَقْتِ الرَّوَاحِ أَنَّهُ يُجْزِيهِ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَلَا يَضُرُّهُ اشْتِرَاكُ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ إِلَّا قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّهُمْ شَذُّوا فَأَفْسَدُوا الْغُسْلَ إِذَا اشْتَرَكَ فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفْلُ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ
وَلَوْ نَوَى بِوُضُوءِ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ لَمْ يَضُرَّهُ
وَقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِابْنِ حَنْبَلٍ رَجُلٌ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ جَنَابَةٍ يَنْوِي بِهِ غُسْلَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ أَرْجُو أَنْ يُجْزِيَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا قُلْتُ لَهُ يُرْوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُجْزِيهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَنْكَرَهُ
[ ٢ / ١٩ ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ ليث عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ غُسْلًا وَاحِدًا