٦٧ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا رَعَفَ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى وَلَمْ يَتَكَلَّمْ
[ ١ / ٢٢٧ ]
٦٨ - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرْعُفُ فَيَخْرُجُ فَيَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَلَّى
٦٩ - مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ رَأَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ رَعَفَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَتَى حُجْرَةَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَجَعَ فَبَنَى عَلَى مَا قَدْ صَلَّى
فِي هَذَا الْبَابِ وُجُوهٌ مِنَ الْفِقْهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا
مِنْهَا الرُّعَافُ هَلْ هُوَ حَدَثٌ يُوجِبُ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ أَمْ لَا
وَمِنْهَا بِنَاءُ الرَّاعِفِ عَلَى مَا قَدْ صَلَّى
وَمِنْهَا بِنَاءُ الْمُحْدِثِ أَيَّ حَدَثٍ كَانَ إِذَا نَزَلَ بِالْمُصَلِّي بَعْدَ أَنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ هَلْ يَبْنِي عَلَى مَا صَلَّى أَمْ لَا
وَنَحْنُ نُورِدُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا فِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ مُخْتَصَرًا كَافِيًا بعون الله
فأول ذلك قوله عن بن عُمَرَ «إِنَّهُ لَمَّا رَعَفَ انْصَرَفَ فَتَوَضَّأَ» حَمَلَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ غَسَلَ الدَّمَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ وَبَنَى عَلَى مَا صَلَّى
قَالُوا وَغَسْلُ الدَّمِ يُسَمَّى وُضُوءًا لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ
قَالُوا فَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لمن ادعى على بن عُمَرَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فِي دَعْوَاهُ ذَلِكَ - حُجَّةٌ لِاحْتِمَالِهِ الْوَجْهَيْنِ
وَكَذَلِكَ تَأَوَّلُوا حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَعَفَ فَمَسَحَهُ بِصُوفَةٍ ثُمَّ صَلَّى ولم يتوضأ
قالوا ويوضح ذلك فعل بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ غَسَلَ الدَّمَ عَنْهُ وَصَلَّى
وَحَمْلُ أَفْعَالِهِمْ عَلَى الِاتِّفَاقِ مِنْهُمْ أَوْلَى
وَخَالَفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ فَقَالُوا إِنَّ الْوُضُوءَ إِذَا أُطْلِقَ وَلَمْ يُقَيَّدْ بِغَسْلِ دَمٍ وَغَيْرِهِ فَهُوَ الْوُضُوءُ الْمَعْلُومُ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ
مَعَ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ مِنْ مَذْهَبِ بن عُمَرَ وَمَذْهَبِ أَبِيهِ عُمَرَ إِيجَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الرُّعَافِ وَأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمَا حَدَثًا مِنَ الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ لِلْوُضُوءِ إِذَا كَانَ الرُّعَافُ
[ ١ / ٢٢٨ ]
ظَاهِرًا سَائِلًا وَكَذَلِكَ كُلُّ دَمٍ سَالَ مِنَ الجسد وظهر
فذكر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا بن أبي ليلى عن نافع عن بن عُمَرَ قَالَ مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَإِنْ تَكَلَّمَ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ بن عُمَرَ قَالَ «إِذَا رَعَفَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ أَوْ وَجَدَ مَذْيًا فَإِنَّهُ ينصرف فيتوضأ»
ثم عن نافع عن بن عُمَرَ قَالَ مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ يَرْجِعْ فَيُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَى مَا مَضَى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ الرُّعَافُ وَالْقَيْءُ سَوَاءٌ يُتَوَضَّأُ مِنْهُمَا وَيَبْنِي مَا لم تتكلم
وذكر عبد الرزاق عن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ إِنْ رَعَفْتَ فِي الصَّلَاةِ فَاسْدُدْ مَنْخَرَيْكَ وَصَلِّ كَمَا أَنْتَ فَإِنْ خَرَجَ مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ فَتَوَضَّأْ وَأَتِمَّ عَلَى مَا مَضَى مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ
قَالَ أبو عمر ذكر بن عُمَرَ لِلْمَذْيِ الْمُجْتَمِعِ عَلَى أَنَّ فِيهِ الْوُضُوءَ مَعَ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ يُوَضِّحُ مَذْهَبَهُ فِيمَا ذَكَرْنَا
وروي مثل ذلك عن علي وبن مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ كُلُّهُمْ يَرَى الرُّعَافَ وَكُلَّ دَمٍ سَائِلٍ مِنَ الْجَسَدِ حَدَثًا يُوجِبُ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَبِذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي الرُّعَافِ وَالْفَصَادَةِ وَالْحِجَامَةِ وَكُلِّ نَجِسٍ خَارِجٍ مِنَ الْجَسَدِ يَرَوْنَهُ حَدَثًا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ وَيُوجِبُهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ
فَإِنْ كَانَ الدَّمُ يَسِيرًا غَيْرَ سَائِلٍ وَلَا خَارِجٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ مِنْ يَسِيرِ الدَّمِ إِلَّا مُجَاهِدًا وَحْدَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدِ احْتَجَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ فَفَتَلَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
قَالَ أَبُو عمر قد ذكرنا الخبر عن بن عمر وعن بن أَبِي أَوْفَى بِالْإِسْنَادِ عَنْهُمَا فِي «التَّمْهِيدِ»
وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الدَّمِ الْيَسِيرِ الْخَارِجِ مِنَ الْأَنْفِ إِذَا غَلَبَهُ بِالْفَتْلِ حَتَّى لَا يَقْطُرَ وَلَا يَسِيلَ - نَحْوُ ذَلِكَ
وَمَعْلُومٌ مِنْ مَذْهَبِ سَالِمٍ أَنَّهُ كَمَذْهَبِ أَبِيهِ فِي الرُّعَافِ
[ ١ / ٢٢٩ ]
وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ ثُمَّ رَعَفَ فَخَرَجَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَبَنَى عَلَى مَا صَلَّى
وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى الدَّمَ السَّائِلَ مِنَ الْجَسَدِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ وَلَا عِنْدَهُمْ لَهُ إِسْنَادٌ تَجِبُ بِهِ حُجَّةٌ
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﵇ - لِلْمُسْتَحَاضَةِ «إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ فَإِذَا ذَهَبَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»
قَالُوا فَأَوْجَبَ - ﵇ - الْوُضُوءَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ دَمِ الْعِرْقِ وَالسَّائِلِ فَكَذَلِكَ كَلُّ دَمٍ يَسِيلُ مِنَ الْجَسَدِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ لَفْظٌ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ رُوَاةُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْمُسْتَحَاضَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ مِنْ رُعَافٍ وَلَا قَيْءٍ وَلَا قَيْحٍ وَلَا دَمٍ يَسِيلُ مِنَ الْجَسَدِ وَلَا يُتَوَضَّأُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ دُبُرٍ أَوْ نَوْمٍ
هَذَا قَوْلُهُ فِي مُوَطَّئِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ
وَكَذَلِكَ الدَّمُ عِنْدَهُ يَخْرُجُ مِنَ الدُّبُرِ لَا وُضُوءَ فِيهِ
وَلَا وُضُوءَ عِنْدَهُ إِلَّا فِي الْمُعْتَادَاتِ مِنَ الْخَارِجِ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُدُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الرُّعَافِ وَالْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ وَسَائِرِ الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنَ الْجَسَدِ كَقَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً إِلَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ
وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَارِجُ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ مَاءً أَوْ حَصَاةً أَوْ دُودًا أَوْ بَوْلًا أَوْ رَجِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ مَذْهَبِهِ فِي مَوْضِعِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ
وَمِنْ حُجَّتِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ دَمَ الْعِرْقِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إِنَّمَا وَجَبَ فِيهِ الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ
[ ١ / ٢٣٠ ]
خَرَجَ مِنَ الْمَخْرَجِ وَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ سَبِيلِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَفِيهِ الْوُضُوءُ قَالَ وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ سَائِرِ الْجَسَدِ عَلَى الْمَخْرَجَيْنِ لِأَنَّهُمَا مَخْصُوصَانِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ وَبِأَنَّهُمَا سَبِيلَا الْأَحْدَاثِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا لَيْسَ سَائِرُ الْجَسَدِ يُشْبِهُهُمَا
وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَرَى فِي الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ وُضُوءًا طَاوُسٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبُو الزِّنَادِ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مَا أَعْلَمُ عَلَى الرَّاعِفِ وُضُوءًا
قَالَ وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ النَّاسُ
وَالْحُجَّةُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ إِنَّ الْوُضُوءَ الْمُجْتَمَعَ عَلَيْهِ لَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِنَقْضِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ لَا مُعَارِضَ لِمِثْلِهَا أَوْ بِالْإِجْمَاعِ مِنَ الْأُمَّةِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِيمَا وَصَفْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا بِنَاءُ الرَّاعِفِ عَلَى مَا قَدْ صَلَّى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ فقد ثبت ذلك عن عمر وعلي وبن عُمَرَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَحْدَهُ
وَرُوِيَ أَيْضًا الْبِنَاءُ لِلرَّاعِفِ عَلَى مَا صَلَّى مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ عَنْ جَمَاعَةِ التَّابِعِينَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا إِلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ مَذْهَب الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَبْنِي مَنِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ فِي الرُّعَافِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَحَدُ قولي الشافعي واستحب ذلك إبراهيم النخعي وبن سيرين
ذكر بن أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ إِذَا اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ اسْتَقْبَلَ وَإِنِ الْتَفَتَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ مَضَى فِي صَلَاتِهِ
قَالَ وَكِيعٌ وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَحَبُّ إِلَيَّ فِي الرُّعَافِ إِذَا اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ
قَالَ بن أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عن بن سِيرِينَ قَالَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ اسْتَأْنَفَ
قَالَ وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيَسْتَأْنِفَ
وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ مِنْهَا رَكْعَةً تَامَّةً بِسَجْدَتَيْهَا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ فَيَغْسِلُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَرْجِعُ فَيَبْتَدِئُ الْإِقَامَةَ وَالتَّكْبِيرَ وَالْقِرَاءَةَ
وَمَنْ أَصَابَهُ الرُّعَافَ فِي وَسَطِ صَلَاتِهِ أَوْ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ مِنْهَا رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا انْصَرَفَ فَغَسَلَ الدَّمَ عَنْهُ وَبَنَى عَلَى مَا صَلَّى حَيْثُ شَاءَ إِلَّا الْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ لَا يُتِمُّهَا إِلَّا فِي الْجَامِعِ
[ ١ / ٢٣١ ]
قَالَ مَالِكٌ وَلَوْلَا خِلَافُ مَنْ مَضَى لَكَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ لِلرَّاعِفِ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا
قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَبْنِي أَحَدٌ فِي الْقَيْءِ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَلَا يَبْنِي إِلَّا الرَّاعِفُ وَحْدَهُ
وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنْ يَبْنِيَ الرَّاعِفُ عَلَى مَا مَضَى قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الرَّاعِفِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا يَبْنِي وَالْأُخْرَى لَا يَبْنِي
وَأَمَّا الْبِنَاءُ فِي سَائِرِ الْأَحْدَاثِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ كُلُّ حَدَثٍ سَبَقَ الْمُصَلِّيَ فِي صَلَاتِهِ بَوْلًا كان أو غائطا أو رعافا أوريحا فَإِنَّهُ يَنْصَرِفُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صلى
وهو قول بن أَبِي لَيْلَى وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ يَبْنِي فِي كُلِّ حَدَثٍ بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَلَيْسَ الرُّعَافُ وَلَا الْقَيْءُ عِنْدَهُ حَدَثًا
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فِي الْكِتَابِ الْمِصْرِيِّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ أَحْدَثَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ يُعِيدُ مَا أَحْدَثَ فِيهِ وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الرُّعَافِ إِذَا رَعَفَ قَبْلَ تَمَامِ الرَّكْعَةِ بِسَجْدَتَيْهَا لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَلَمْ يَبْنِ عَلَيْهَا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِذَا كَانَ حَدَثُهُ مِنْ رُعَافٍ أَوْ قَيْءٍ تَوَضَّأَ وَبَنَى وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ ضَحِكٍ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ
وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَةٍ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يَبْنِي فِي الرُّعَافِ وَالْقَيْءِ خَاصَّةً بَعْدَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَلَا يَبْنِي فِي سَائِرِ الْأَحْدَاثِ
وَلَيْسَ الضَّحِكُ فِي الصَّلَاةِ حَدَثًا عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِنْ كَانَ حَدَثُهُ مِنْ قَيْءٍ أَوْ رِيحٍ تَوَضَّأَ أَوِ اسْتَقْبَلَ وَإِنْ كَانَ مِنْ رُعَافٍ تَوَضَّأَ وَبَنَى وَكَذَلِكَ الدَّمُ كُلُّهُ عِنْدَهُ مِثْلُ الرُّعَافِ
وَقَالَ بن شُبْرُمَةَ مَنْ أَحْدَثَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَإِنْ كَانَ إِمَامًا قَدَّمَ رَجُلًا فَصَلَّى بَقِيَّةَ صَلَاتِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مَا عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ وَالْإِمَامُ يَتَوَضَّأُ وَيَسْتَقْبِلُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّاعِفَ إِذَا تَكَلَّمَ لَمْ يَبْنِ فَقَضَى إِجْمَاعُهُمْ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ أَحْرَى أَلَّا يَبْنِيَ لِأَنَّ الْحَدَثَ إِنْ لَمْ يَكُنْ كَالْكَلَامِ فِي مُبَايَنَتِهِ لِلصَّلَاةِ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ الْكَلَامُ
[ ١ / ٢٣٢ ]
وَهَذَا أَوْضَحُ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ هُدَاهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى الْكُوفِيُّونَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ فِيمَنْ أَحْدَثَ فِي صَلَاتِهِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ قَيْءٍ أَوْ رُعَافٍ أَوْ غَائِطٍ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِيَ
إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ عَنْ عَلِيٍّ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ لَا غَيْرُ وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ الْبِنَاءُ إِلَّا فِي الْقَيْءِ وَالرُّعَافِ
وَهُوَ قول بن شِهَابٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ بِحَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ»
وَبِحَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»
وَقَدْ نُوزِعُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ