١٧٠ - مَالِكٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرحمن المعاوي
[ ١ / ٤٧٦ ]
أَنَّهُ قَالَ رَآنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَعْبَثُ بِالْحَصْبَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا انْصَرَفْتُ نَهَانِي وَقَالَ اصْنَعْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ فَقُلْتُ وَكَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ قَالَ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى وَقَالَ هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ
الْمُعَاوِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي مُعَاوِيَةَ فِي الْأَنْصَارِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ اللَّعِبِ بِالْحَصْبَاءِ وَالْعَبَثِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْحَصْبَاءِ
وَلَا يَجُوزُ الْعَبَثُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ فِي الصلاة
وإنما منع بن عُمَرَ مِنْ أَمْرِهِ الْمُعَاوِيَّ بِالْإِعَادَةِ لِلصَّلَاةِ الَّتِي يَعْبَثُ فِيهَا بِالْحَصْبَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ مِنْهُ يَسِيرًا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ صَلَاتِهِ وَلَا عَنْ إِقَامَةِ شَيْءٍ مِنْ حُدُودِهَا
وَالْعَمَلُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَسْحُ الْحَصْبَاءِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَتَرْكُهَا خَيْرٌ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﵇ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَحَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ
وَفِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْيَدَيْنِ عَمَلًا فِي الصَّلَاةِ تُشْغَلَانِ به فيها وذلك ما وصف بن عُمَرَ فِي الْجُلُوسِ وَهَيْئَتِهِ
وَأَمَّا الْقِيَامُ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى
[ ١ / ٤٧٧ ]
وقد قال بن عُمَرَ الْيَدَانِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمَقْصُودَ لَهُ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ حَيْثُ وَصَفْنَا فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ تَسْكِينُهُمَا لِأَنَّ إِرْسَالَهُمَا لَا يُؤْمَنُ الْعَبَثُ مَعَهُ
وَمَا وَصَفَ بن عُمَرَ مِنْ وَضْعِ كَفِّهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى وَقَبْضِ أَصَابِعِ يَدِهِ تِلْكَ كُلِّهَا إِلَّا السَّبَّابَةَ مِنْهَا فَإِنَّهُ يُشِيرُ بِهَا وَوَضْعِ كَفِّهِ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى مَفْتُوحَةً مَفْرُوجَةَ الْأَصَابِعِ كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ فِي الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا لَا خِلَافَ - عَلِمْتُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ - فِيهَا
وَحَسْبُكُ بِهَذَا إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيكِ أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى تَحْرِيكَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَهُ
وَكُلُّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ فِي الْآثَارِ الصِّحَاحِ الْمُسْنَدَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - وجميعه مباح والحمد لله
وروى بن عُيَيْنَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَاوِيُّ قَالَ صَلَّيْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَلَّبْتُ الْحَصْبَاءَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَا تُقَلِّبِ الْحَصَى فَإِنَّ تَقْلِيبَ الْحَصَى مِنَ الشَّيْطَانِ افْعَلْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَفْعَلُ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُمْنَى فَضَمَّ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ وَنَصَبَ السَّبَّابَةَ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخْذِهِ الْيُسْرَى
قَالَ سُفْيَانُ وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَاهُ عَنْ مُسْلِمٍ ثُمَّ لَقِيتُهُ فَسَمِعْتُهُ مِنْهُ وَزَادَنِي فِيهِ قَالَ هِيَ مِذَبَّةُ الشَّيْطَانِ لَا يَسْهُو أَحَدُكُمْ مَا دَامَ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ وَيَقُولُ هَكَذَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْإِسْنَادَ إلى بن عُيَيْنَةَ فِي التَّمْهِيدِ
١٧١ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَصَلَّى إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ فَلَمَّا جَلَسَ الرَّجُلُ فِي أَرْبَعٍ تَرَبَّعَ وَثَنَى رِجْلَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ عَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَإِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَإِنِّي أَشْتَكِي
فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِسُنَّةِ الصَّلَاةِ أَوْ فَرِيضَتِهَا جَاءَ بِمَا
[ ١ / ٤٧٨ ]
يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يُبَايِنُهَا وَاللَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
وَفِيهِ أَنَّ التَّرَبُّعَ لَا يَجُوزُ لِلْجَالِسِ فِي صَلَاتِهِ مِنَ الرِّجَالِ إِذَا كَانُوا أَصِحَّاءَ
وَاخْتُلِفَ فِيهِ لِلنِّسَاءِ وَدَلِيلُ ذلك أن بن عُمَرَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَقَالَ لَهُ
١٧٢ - سُنَّةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْصِبَ رِجْلَكَ الْيُمْنَى وَتُثْنِيَ رِجْلَكَ الْيُسْرَى فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ - وَكَانَ يَتَرَبَّعُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا جلس - فقال بن عُمَرَ إِنَّ رِجْلَيَّ لَا تَحْمِلَانِي
١٧٣ - وَذَكَرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ أَرَاهُمُ الْجُلُوسَ فِي التَّشَهُّدِ فَنَصَبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَى وِرْكِهِ الْأَيْسَرِ وَلَمْ يَجْلِسْ عَلَى قَدَمِهِ ثُمَّ قَالَ أَرَانِي هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَحَدَّثَنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ
فَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدَيْنِ جَمِيعًا فِي الصَّلَاةِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يُفْضِي بِأَلْيَتِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجُلُوسُ الْمَرْأَةِ عِنْدَهُ كَجُلُوسِ الرَّجُلِ سَوَاءٌ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يَنْصِبُ الْيُمْنَى وَيَقْعُدُ عَلَى الْيُسْرَى
وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى
وَقَالَ فِي الْجَلْسَةِ الْآخِرَةِ مِنَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ أَوِ الْعِشَاءِ إِذَا قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ أَمَاطَ رِجْلَيْهِ جَمِيعًا فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ وِرْكِهِ الْأَيْمَنِ وَأَفْضَى بِمَقْعَدَتِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَأَضْجَعَ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى
وَكَذَلِكَ الْقَعْدَةُ عِنْدَهُ فِي الثَّالِثَةِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَفِي صَلَاةِ الصُّبْحِ
وَقَالَ بن حَنْبَلٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ سَوَاءٌ إِلَّا فِي الْجَلْسَةِ فِي الصُّبْحِ
[ ١ / ٤٧٩ ]
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ إِنْ فَعَلَ هَذَا فَحَسَنٌ وَإِنْ فَعَلَ هَذَا فَحَسَنٌ
كُلُّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي التَّمْهِيدِ
فَالْكُوفِيُّونَ يَذْهَبُونَ إِلَى حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ
وَالشَّافِعِيُّ يَذْهَبُ فِي الْجِلْسَةِ الْآخِرَةِ إِلَى حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ
وَمَالِكٌ يَذْهَبُ إِلَى مَا رَوَاهُ فِي مُوَطَّئِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ
وَأَمَّا جُلُوسُ الْمَرْأَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالرَّجُلَ فِي الْجُلُوسِ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ لَا يُخَالِفُهَا فِيمَا بَعْدُ الْإِحْرَامِ إِلَّا فِي اللِّبَاسِ وَالْجَهْرِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ تُسْدِلُ الْمَرْأَةُ رَجْلَيْهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ
وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ تَقْعُدُ كَيْفَ تَيَسَّرَ لَهَا
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ بِأَسْتَرَ مَا يَكُونُ لَهَا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ كَأَيْسَرَ مَا يَكُونُ لَهَا
١٧٤ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ المغيرة بن حكيم أنه رأى بن عُمَرَ يَرْجِعُ فِي سَجْدَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أَفْعَلُ هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْتَكِي
فَفِيهِ أن بن عُمَرَ قَالَ فِي انْصِرَافِ الْمُصَلِّي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ إِنَّهَا لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلَاةِ وَالسُّنَّةُ إِذَا أُطْلِقَتْ فَهِيَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى تُضَافَ إِلَى غَيْرِهِ كَمَا قِيلَ سُنَّةُ العمرين ونحو هذا
وهذا الذي يعني بن عمر أن تكون سنة الصلاة هو الإقعاء المنهي عَنْهُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ
وَمَنْ جَعَلَ الْإِقْعَاءَ انصراف المصلي بين السجدتين على صدور قدميه مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - نَهَى أَنْ يُقْعِيَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ كَمَا يُقْعِيَ الْكَلْبُ
[ ١ / ٤٨٠ ]
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - قَالَ «لَا تَقَعِيَنَّ عَلَى عَقِبَيْكَ فِي الصَّلَاةِ»
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْحَارِثَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْحَارِثِ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ وَثَّقَهُ آخَرُونَ
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَرِهَ الْإِقْعَاءَ
وَعَنْ قَتَادَةَ مِثْلُهُ
وَكَرِهَ الْإِقْعَاءَ فِي الصَّلَاةِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ
إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ قَالَ الْإِقْعَاءُ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتِهِ نَاصِبًا فَخْذَيْهِ مِثْلَ إِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَالسَّبُعِ
وَهَذَا إِقْعَاءٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَمَّا أَهْلُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْإِقْعَاءَ أَنْ يَجْعَلَ أَلْيَتَهُ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الْفُقَهَاءِ
وَأَمَّا الَّذِينَ أَجَازُوا رُجُوعَ الْمُصَلِّي عَلَى عَقِبَيْهِ وَجُلُوسَهُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فجماعة
قال طاوس رأيت العبادلة يقعون بن الزبير وبن عباس وبن عُمَرَ
وَكَذَلِكَ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قال رأيت العبادلة يقعون في الصلاة بن عباس وبن عمر وبن الزبير
قال أبو عمر أما بن عُمَرَ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ نَقَلَهَا مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ اشْتَكَى وَأَنَّ رِجْلَيْهِ كَانَتَا لَا تَحْمِلَانِهِ وَقَدْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَتْ سُنَّةَ الصَّلَاةِ وَكَفَى هَذَا فَهُوَ يَخْرُجُ فِي الْمُسْنَدِ
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ أَنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ فَدَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَلَمْ
[ ١ / ٤٨١ ]
تَعُدْ كَمَا كَانَتْ فَكَانَ يَشْتَكِي مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَكَانَتْ رِجْلَاهُ لَا تَحْمِلَانِهِ فَكَانَ يَتَرَبَّعُ
وقال حبيب بن أبي ثابت إن بن عُمَرَ كَانَ يُقْعِي بَعْدَ مَا كَبُرَ
وَأَمَّا بن عَبَّاسٍ فَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ بن طاوس عن أبيه أنه رأى بن عمر وبن عباس وبن الزُّبَيْرِ يُقْعُونَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَ حَدَّثَنَا حجاج بن محمد عن بن جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ الْإِقْعَاءُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ قَالَ هِيَ السُّنَّةُ قَالَ قلنا إنا لنراه جفاء بالرجل فقال بن عَبَّاسٍ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﵇
وَقَالَ إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال سمعت بن عَبَّاسٍ يَقُولُ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَمَسَّ عَقِبَيْكَ أليتك
فهذا بن عَبَّاسٍ يُثْبِتُ هَذَا الْمَعْنَى سُنَّةً وَهُوَ الَّذِي نفاه بن عُمَرَ عَنِ السُّنَّةِ وَالْمُثْبِتُ أُولَى مِنَ النَّافِي مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَمِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ أَيْضًا لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُسْنَدَ إِنَّمَا فِيهِ أَنْ يُقْعِيَ الرَّجُلُ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ وَالْكَلْبُ إِنَّمَا يَقْعُدُ عَلَى أَلْيَتِهِ وَرِجْلَاهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى هَذَا هُوَ الْإِقْعَاءُ عِنْدَ الْعَرَبِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي «التَّمْهِيدِ» حَدِيثَ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ لَهُ «يَا بُنَيَّ إِذَا سَجَدْتَ فَأَمْكِنْ كَفَّيْكَ وَجَبْهَتَكَ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَنْقُرْ نَقْرَ الدِّيكِ وَلَا تُقْعِ إِقْعَاءَ الْكَلْبِ وَلَا تَلْتَفِتِ الْتِفَاتَ الثَّعْلَبِ»
فَالَّذِي فَسَّرَ بِهِ الْإِقْعَاءَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى أُولَى عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ
يُقَالُ أَقْعَى الْكَلْبُ وَلَا يُقَالُ قَعَدَ وَقُعُودُهُ إِقْعَاؤُهُ وَيُقَالُ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَكُونُ إِذَا قَامَ أَقْصَرَ مِنْهُ إِذَا قَعَدَ إِلَّا الْكَلْبَ إِذَا أَقْعَى فَمَنِ انْصَرَفَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْحَالِ وَقَعَدَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ فَهُوَ الْإِقْعَاءُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى أَلْيَتِهِ وَيَنْصُبَ رِجْلَيْهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَمَنْ أَوْجَبَ الْإِعَادَةَ عَلَى فَاعِلِ هَذَا لَمْ يَخْرُجْ لِأَنَّ فِعْلَهُ طَابَقَ النَّهْيَ فَفَسَدَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ١ / ٤٨٢ ]
وَمَنْ لَمْ يَرَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ إِعَادَةً فَلِأَنَّهَا هَيْئَةُ عَمَلٍ قَدْ حَصَلَ مَعَهَا الْجُلُوسُ وَهَيْئَةُ الْعَمَلِ لَا يُعْدَمُ مَعَهَا الْعَمَلُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ