١٧٨ - ١٧٩ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ مُسْنَدًا مِنْ طَرِيقَيْنِ عن أيوب عن بن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى بن أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِمَا جَمِيعًا قوله - عليه وسلم - «أصدق ذو اليدين»
١٨٠ - ١٨١ - وذكر الحديث عن بن شِهَابٍ بِإِسْنَادَيْنِ مُرْسَلَيْنِ وَقَالَ فِيهِ
[ ١ / ٤٩٧ ]
فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَفِيهِ فَقَالَ «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ» أَيْضًا
وَلَيْسَ يَأْتِي ذِكْرُ ذِي الشمالين في هذا الحديث إلا عن بن شِهَابٍ وَلَمْ يُتَابِعْ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَسَائِرُ الْآثَارِ إِنَّمَا فِيهَا ذُو الْيَدَيْنِ لَيْسَ فِيهَا ذو الشمالين
قال بن وَضَّاحٍ قَدْ قِيلَ إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هُوَ كَمَا قَالَ بن وَضَّاحٍ إِلَّا أَنَّ الَّذِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ لَا ذُو الْيَدَيْنِ
وَنَحْنُ نُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الْعِلْمِ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ
أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي يَعْلَمُ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي إِصْلَاحِ صَلَاتِهِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ لِإِحْيَاءِ نَفْسٍ أَوْ مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْجِسَامِ - لَمْ تَفْسَدْ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ وَمَضَى عَلَيْهَا
وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ مَزِيدٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ قَالَ لَوْ نَظَرَ الْمُصَلِّي إِلَى غُلَامٍ يُرِيدُ أَنْ يَسْقُطَ فِي بِئْرٍ أَوْ مَكَانٍ فَصَاحَ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَأْسٌ أَنْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ
قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى ذِئْبًا يَثِبُ عَلَى غَنَمِهِ فَصَاحَ بِهِ أَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ تَرُدُّهُ السُّنَنُ وَالْأُصُولُ قال الله تعالى (وقوموا لله قانتين) الْبَقَرَةِ ٢٣٨
قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام
[ ١ / ٤٩٨ ]
وقال بن مَسْعُودٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ ما شاء وإن مما أحدث ألا تكلموا فِي الصَّلَاةِ»
وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ سمعت رسول الله يَقُولُ «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامٍ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّمْهِيدِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ جُمْلَةٌ إِلَّا مَا نَذْكُرُهُ بَعْدُ عَنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَلَيْسَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ بِشَيْءٍ لِأَنَّ إِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ وَمَا أَشْبَهَهُ ليس تمنع من استئناف الصلاة ولا يوجب الْبِنَاءَ عَلَى مَا مَضَى مِنْهَا إِذْ ذَلِكَ الْفِعْلُ مُبَايِنٌ لَهَا مُفْسِدٌ قَاطِعٌ فَإِنَّهُ يُطَابِقُ النَّهْيَ
وَفِي مُوَافَقَةِ الْأَوْزَاعِيِّ لِلْجَمَاعَةِ فِيمَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا فِي صَلَاتِهِ بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ أَنَّهَا قَدْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا - مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ كَلَامِ النَّاسِ فِيهَا عَامٌّ فَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِالدَّلِيلِ الْوَاضِحِ فَهُوَ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَقَدْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّهَا فَإِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ
فَرَوَى سَحْنُونٌ عن بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا صَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ سَاهِيًا فَسَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَفْقَهْ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ إِنَّكَ لَمْ تُتِمَّ فَأَتِمَّ صَلَاتَكَ فَالْتَفَتَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ هَذَا فَقَالُوا نَعَمْ - قَالَ يُصَلِّي بِهِمُ الْإِمَامُ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ وَيُصَلُّونَ مَعَهُ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِمْ مَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَيَفْعَلُونَ فِي ذَلِكَ مَا فَعَلَ النَّبِيُّ - ﵇ - يوم ذي اليدين
هذا قول بن الْقَاسِمِ فِي كُتُبِهِ «الْأَسَدِيَّةِ» وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ
[ ١ / ٤٩٩ ]
مَذْهَبِ مَالِكٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَبِهِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَاحْتَجَّ لَهُ فِي كِتَابٍ رَدَّهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ
وَكَذَلِكَ رَوَى عيسى عن بن القاسم قال عيسى سألت بن الْقَاسِمِ عَنْ إِمَامٍ فَعَلَ الْيَوْمَ كَفِعْلِ النَّبِيِّ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ وَتَكَلَّمَ أَصْحَابُهُ عَلَى نَحْوِ مَا تَكَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﵇ - يَوْمَ ذي اليدين فقال بن الْقَاسِمِ يَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - ﵇ - يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ وَلَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهَا سُنَّةً سَنَّهَا ﵇
زَادَ الْعُتْبِيُّ فِي هَذِهِ عَنْ عِيسَى عَنِ بن الْقَاسِمِ قَالَ وَلِيَرْجِعِ الْإِمَامُ فِيمَا شَكَّ فِيهِ إِلَيْهِمْ وَيُتِمُّ مَعَهُمْ وَتَجْزِيهِمْ
قَالَ عِيسَى قَالَ بن الْقَاسِمِ لَوْ أَنَّ إِمَامًا قَامَ مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ جَلَسَ فِي ثَالِثَةٍ فَسُبِّحَ بِهِ فَلَمْ يَفْقَهْ فَكَلَّمَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ خَلْفَهُ كَانَ مُحْسِنًا وأجزته صلاته
قال عيسى وقال بن كِنَانَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ مَا جَازَ لِمَنْ كَانَ يَوْمئِذٍ مَعَ النَّبِيِّ - ﵇ - لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ ظَنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قُصِرَتْ فَاسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ الْيَوْمَ أَنَّ قَصْرَهَا لَا يَنْزِلُ فَعَلَى مَنْ تكلم الإعادة
قال عيسى فقرأته على بن الْقَاسِمِ فَقَالَ مَا أَرَى فِي هَذَا حُجَّةً وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالُوا لَهُ بَلَى فَقَدْ كَلَّمُوهُ عَمْدًا بُعْدَ عِلْمِهِمْ أَنَّهَا لم تقصر
قال عيسى وقال لي بن وَهْبٍ إِنَّمَا ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَلَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُ الْيَوْمَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا كَلَامُ الْقَوْمِ لِلنَّبِيِّ - ﵇ - بَعْدَ أَنْ سَمِعُوهُ يَقُولُ «لَمْ تَقْصُرِ الصَّلَاةُ وَلَمْ أَنْسَ» فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ نَزَعَ بِهِ لِأَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ - هُوَ أَثْبُتُ النَّاسِ فِي أَيُّوبَ - رَوَى حَدِيثَ ذي اليدين عن أيوب عن بن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَحَقٌّ ما يقول ذو اليدين» فأومؤوا إِي نَعَمْ فَبَانَ بِهَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا النَّبِيَّ - ﵇ - يَقُولُ «لم تقصر الصلاة ولم أنس» ولكنهم أومؤوا أي نعم فعبر المحدث عن الإيمان بِالْقَوْلِ
وَالْعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِيمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْقَوْلُ فَالْإِيمَاءُ بِذَلِكَ أَحْرَى مِمَّنْ يَصِحُّ قَوْلُهُ إِذَا مُنِعَ مِنَ الْكَلَامِ وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فَلَا يُبَاحُ بِرِوَايَةٍ مُخْتَلِفٍ فِيهَا
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عن بن نَافِعٍ لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ آمُرْهُ أَنْ يستأنف
[ ١ / ٥٠٠ ]
وَرَوَى أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ عَنْ مالك مثل قول بن نافع خلاف رواية بن الْقَاسِمِ
قَالَ أَبُو قُرَّةَ سَمِعْتُ مَالِكًا يَسْتَحِبُّ إِذَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَعُودَ لَهَا وَلَا يَبْنِيَ
قَالَ وَقَالَ لَنَا مَالِكٌ إِنَّمَا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَكَلَّمَ أَصْحَابُهُ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قَصُرَتْ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَبْلَغَكَ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَلَّى خَلَفَ إِمَامٍ فَأَطَالَ التَّشَهُّدَ فَخَافَ رَبِيعَةُ أَنْ يُسَلِّمَ - وَكَانَ عَلَى الْإِمَامِ سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ - فَكَلَّمَهُ رَبِيعَةُ فَقَالَ إِنَّهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ فَقَالَ مَا بَلَغَنِي وَلَوْ بَلَغَنِي مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ أَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ وُجُوهَ الرِّوَايَاتِ عَنْ مَالِكٍ وأصحابه في هذا الباب
وروى بن وَضَّاحٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ قَالَ أَصْحَابُ مالك كلهم على خلاف ما رواه بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ ذِي الْيَدَيْنِ ولم يقل بقوله إلا بن الْقَاسِمِ وَحْدَهُ وَغَيْرُهُ يَأْبَوْنَهُ وَيَقُولُونَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْآنُ فَقَدْ عَرَفَ النَّاسُ الصَّلَاةَ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا أَعَادَهَا
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَا يَشُكُّ مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَّا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ الصَّلَاةَ وَظَنَّ ذُو الْيَدَيْنِ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قَصُرَتْ بِحَادِثٍ مِنَ اللَّهِ وَلَمْ يَقْبَلْ رسول الله مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ إِذْ سَأَلَ غَيْرَهُ وَلَمَّا سَأَلَ غَيْرَهُ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ ذِي الْيَدَيْنِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَلَمْ يَسْمَعِ النَّبِيُّ - ﵇ - رَدَّهُ عَلَيْهِ كَانَ فِي مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِ أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيَ فَأَجَابَهُ وَمَعْنَاهُ مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ جَوَابُهُ
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - لَمَّا أَخْبَرُوهُ فَقَبِلَ قولهم - لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا حَتَّى بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ قَالَ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - تَنَاهَتِ الْفَرَائِضُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا أَبَدًا
قَالَ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا إِمَامًا الْيَوْمَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ جَوَابُهُ فَمَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ كُنْتُ أُصْلِي فَنَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى قَضَيْتُ صَلَاتِي فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي» قُلْتُ كُنْتُ أَصْلِي قَالَ أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دعاكم)
[ ١ / ٥٠١ ]
وَهُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ شُعْبَةُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَفِيهِ أَنَّ مُجَاوَبَةَ النَّبِيِّ - ﵇ - وَاجِبَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ وَأَصْحَابَهُ مَخْصُوصُونَ بِذَلِكَ مَا كَانَ - ﵇ - حَيَّا فِيهِمْ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِجَابَتُهُ فِي الصَّلَاةِ إِشَارَةً كَمَا كَانَ - ﵇ - يضع فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ بِالْأَنْصَارِ إِذْ دَخَلُوا فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَكَانَ يُشِيرُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الْخِلَافُ بَيْنَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنَّمَا هُوَ أَنَّ مالكا يقول في رواية بن الْقَاسِمِ عَنْهُ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ تَعَمُّدُ الْكَلَامِ فِيهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صَلَاحِهَا وَشَأْنِهَا
وهو قول ربيعة وبن الْقَاسِمِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا تَعَمَّدَ الْكَلَامَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ عَالِمًا أَنَّهُ لَمْ يُتِمْهَا فَقَدْ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ فَإِنْ تَكَلَّمَ سَاهِيًا أَوْ تَكَلَّمَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ أَكْمَلَ صَلَاتَهُ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ عِنْدَ نَفْسِهِ فَهَذَا يَبْنِي وَلَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ كَلَامُهُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا حَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي صَلَاتِهِ لِإِصْلَاحِهَا لَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَإِنَّ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ إِنَّمَا تَكَلَّمَ ذُو الْيَدَيْنِ وَهُوَ يَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قَصُرَتْ وَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ - ﵇ - وَهُوَ دَافِعٌ لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ وَكَلَّمَ الْقَوْمَ فَأَجَابُوهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يجيبوه
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَهَذَا نَحْوَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ
وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الَّذِي تَحْصَّلَ عَلَيْهِ - قَوْلُهُ فِيمَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِلَّا الْإِمَامَ خَاصَّةً فَإِنَّهُ إِذَا تَكَلَّمَ لِيُصْلِحَ صَلَاتَهُ لَمْ تُبْطِلْ صَلَاتَهُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ فِيمَا مَضَى وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِإِمَامِ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعَصْرِ إِنَّهَا الْعَصْرُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ
[ ١ / ٥٠٢ ]
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَوْ كَانَ هَذَا مَا احْتَاجَ أَحَدٌ إِلَى التَّسْبِيحِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ نَابُهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ»
وَقَالَ ﵇ «إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ»
وَكَلَامُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَهْمٌ وَخَطَأٌ لَيْسَ بِصَوَابٍ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ تَمَامِهَا عَمْدًا يُفْسِدُهَا فَالْكَلَامُ بِذَلِكَ أَحْرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَهَوًا كَانَ أَوْ عَمْدًا لِصَلَاحٍ كَانَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي السَّلَامِ فِيهَا سَاهِيًا قَبْلَ تَمَامِهَا
فَبَعْضُهُمْ أَفْسَدَ صَلَاةَ الْمُسْلِمِ فِيهَا سَاهِيًا وَجَعْلَهُ كَالْمُتَكَلِّمِ عَامِدًا
وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُفْسِدْهَا بِالسَّلَامِ سَاهِيًا
وَكُلُّهُمْ يُفْسِدُهَا بِالْكَلَامِ عَامِدًا وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَتَادَةَ
وَزَعَمَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ مَنْسُوخٌ بحديث زيد بن أرقم وبن مَسْعُودٍ الَّذِي ذَكَرْنَا
قَالُوا وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بن أرقم وبن مَسْعُودٍ بَيَانُ أَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ نُسِخَ
[ ١ / ٥٠٣ ]
قَالُوا فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْسُوخٌ فِي قِصَّةِ ذي اليدين بما جاء في حديث بن مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ
قَالُوا وَإِنْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ أَرْسَلَ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَا سَمِعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
لِأَنَّهُ جَائِزٌ لِلصَّاحِبِ إِذَا حَدَّثَهُ صَاحِبٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمَا سَمِعَهُ من رسول الله - أن يحدث به عن رسول الله إذا لم يقل سمعت
واحتجوا بأن بن عَبَّاسٍ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ قَدْ حَدَّثُوا عَنْ رسول الله بِمَا أَخْبَرُوا عَنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ وَهُوَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ
أَلَا تَرَى إِلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - فِيمَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ «إِنَّهُ لَا صَوْمَ لَهُ» فَلَمَّا وُقِفَ عَلَيْهِ سُئِلَ هَلْ سَمِعْتَهُ من رسول الله قَالَ لَا عِلْمَ لِي إِنَّمَا أَخْبَرَنِيهِ مُخْبِرٌ
وَقَالَ أَنَسٌ مَا كَلَّ مَا نُحَدِّثُكُمْ بِهِ عن رسول الله سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَلَكِنَّ مِنْهُ مَا سَمِعْنَا وَمِنْهُ مَا أَخْبَرْنَا أَصْحَابُنَا
وَكُلُّ حَدِيثِ الصَّحَابَةِ مَقْبُولٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ
قَالُوا فَغَيْرُ نَكِيرٍ أَنْ يُحَدِّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهَا قَالُوا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ مَنْسُوخٌ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بدر
واحتجوا بما رواه بن وهب عن العمري عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ ذِي الْيَدَيْنِ
قَالُوا وَهَذَا الزُّهْرِيُّ مَعَ عِلْمِهِ بِالْأَثَرِ وَالسِّيَرِ وَهُوَ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ بِالْأَثَرِ فِي ذَلِكَ يَقُولُ إِنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ حَكَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ
قَالَ الزُّهْرِيُّ ثُمَّ اسْتَحْكَمَتِ الْأُمُورُ بَعْدُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَمَّا مَا ادَّعَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث بن مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَغَيْرُ مُسَلَّمِ لَهُمْ مَا ادَّعَوْا مِنْ نَسْخِهِ وَلَكِنَّهُ خَصَّ مِنْ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ مَعْنَى مَا تَضَمَّنَهُ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ وَقَدْ شَهِدَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِسْلَامُهُ كَانَ عَامَ خَيْبَرَ هَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بحديث بن مَسْعُودٍ فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَقُولُ كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ الرَّجُلُ مِنَّا
[ ١ / ٥٠٤ ]
صَاحِبَهُ فِي الْحَاجَةِ حَتَّى نَزَلَتْ (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) الْبَقَرَةِ ٢٣٨ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ ومعلوم أن سورة البقرة مدينة
فالجواب أن بن مَسْعُودٍ مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فِي جَمَاعَةِ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُ مِنَ الْجَمَاعَةِ الْمُنْصَرِفِينَ مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى مَكَّةَ حِينَ بَلَغَهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ الْخَبَرُ كَاذِبًا فَأَقْبَلُوا إِلَى مَكَّةَ فِي حِينِ كَوْنِ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ وَوَجَدُوا قُرَيْشًا أَشُدَّ مَا كانوا على النبي وأصحابه ثم أمره رسول الله فِيمَنْ أَمَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ (فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ) ثُمَّ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ مَنْ شَهِدَهَا مِنْهُمْ إِلَّا أَنَّ حَدِيثَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي وائل عنه أن رسول الله لَمْ يَرُدَّ ﵇ يَوْمئِذٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ لَهُ «إِنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ أَلَّا تُكَلِّمُوا فِي الصَّلَاةِ» قَدْ وَهِمَ فِي أَلْفَاظِهِ عَاصِمٌ وَكَانَ سَيِّئَ الْحِفْظِ عِنْدَهُمْ كَثِيرَ الْخَطَأِ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ فِيمَا خُولِفَ فِيهِ
وَحَدِيثُهُ حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ أَبِي النُّجُودِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - ﵇ - فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمْ يَرُدَّ عَلِيَّ فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ فَجَلَسْتُ حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ - ﵇ - صَلَاتَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَلَّمْتُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي فَلَمْ تَرُدَّ عَلِيَّ فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلَّا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ»
قَالَ سُفْيَانُ هَذَا أَجْوَدُ مَا وَجَدْنَا عِنْدَ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْوَجْهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَلَى خِلَافِ مَعْنَى حَدِيثِ بن عُيَيْنَةَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حِينِ انْصِرَافِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ بَلْ ظَاهِرُهُ وَمَسَاقُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ بن أَرْقَمَ
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﵇ - وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلِيَّ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ ما شاء وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة
[ ١ / ٥٠٥ ]
فَلَمْ يَذْكُرْ شُعْبَةَ أَنَّ كَلَامَهُ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ بِمَكَّةَ وَقَدْ رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وائل عن بن مَسْعُودٍ فَذَكَرَ انْصِرَافَهُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَى مَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ سَلَامَهُ عَلَى رَسُولِ الله فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَعْنَى
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - ﵇ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ لَنَا «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشَغَلًا»
وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا فِيهِ كَرَاهِيَةُ السَّلَامِ عَلَى الْمُصَلِّي وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ كُلْثُومُ بن المصطلق الخزاعي عن بن مَسْعُودٍ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ فِي حِينِ انْصِرَافِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ
أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ قَالَ أَخْبَرْنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ قَالَ أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الموصلي قال أخبرنا بن أَبِي عُيَيْنَةَ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَيْدٍ الْجَرَمِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ كُلْثُومٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
وَهَذَا الْحَدِيثُ لِلْقَاسِمِ قَالَ كُنْتُ آتِي النَّبِيَّ - ﵇ - وَهُوَ يُصَلِّي فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ عَلِيَّ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلِيَّ فَلَمَّا سَلَّمَ أَشَارَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ أَحْدَثَ فِي الصَّلَاةِ أَلَّا تُكَلِّمُوا فِيهَا إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ»
وَهَذَا حَدِيثٌ مُسْتَقِيمٌ صَحِيحٌ فِي مَعْنَى حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ لَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالِفُهُ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كَانَ أَحَدُنَا يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ فَنَزَلَتْ (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) الْبَقَرَةِ ٢٣٨ ثُمَّ أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهَيْنَا عَنِ الْكَلَامِ
[ ١ / ٥٠٦ ]
قَالَ أَبُو عُمَرَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ أَنْصَارِيٌّ وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ أَخْبَرْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرْنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْحَاجَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﵇ - حَتَّى نَزَلَتْ (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) الْبَقَرَةِ ٢٣٨ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ بَدْرٍ وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ عَامَ خَيْبَرَ فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ كَمَا ذَكَرْنَا وَلَكِنَّهُ قَدْ شَهِدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَحَضَرَهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ بَدْرٍ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ مَحْفُوظٌ مِنْ رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ وَلَيْسَ تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ بِحُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَفِظَهُ وَذَكَرَهُ
١٨٢ - (مُعَادٌ) - وَهَذَا مَالِكٌ قَدْ ذَكَرَ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ مولى بن أَبِي أَحْمَدَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵇ - الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
هَكَذَا حَدَّثَ به في الموطأ عنه بن القاسم وبن وهب وبن بُكَيْرٍ وَالْقَعْنَبَيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ
وَلَمْ يُقِلْ يَحْيَى وَطَائِفَةٌ مَعَهُ فِي حَدِيثِ دَاوُدَ بن حصين صلى لنا رسول الله وإنما قال صلى رسول الله
وَأَمَّا فِي حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ بن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ رسول الله انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَلَّى بِنَا وَبَيَّنَا نحن مع رسول الله محفوط مِنْ نَقْلِ الْحُفَّاظِ
فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ شَيْبَانَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَسَلَّمَ مِنَ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
[ ١ / ٥٠٧ ]
وَحَدِيثُ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ الْهِفَانِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ وَذَكَرَ الحديث
وحديث بن عون عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال صلى بنا رسول الله إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَكَذَلِكَ رواه بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ بن سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَرَوَاهُ - كَمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعِمْرَانُ بن حصين ومعاوية بن خديج وبن مَسْعَدَةَ صَاحِبُ الْحُبُوسِ وَكُلُّهُمْ لَمْ يَصْحَبِ النَّبِيَّ - ﵇ - إلا بالمدينة حاشا بن عُمَرَ مِنْهُمْ
وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَسَانِيدَهَا فِي «التَّمْهِيدِ» وَهِيَ صِحَاحٌ كُلُّهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَلَيْسَ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ أَكْثَرُ طُرُقًا مِنْ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ هَذَا إِلَّا قَلِيلًا وَأَحْسَنُ النَّاسِ سِيَاقَةً لَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيد عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلَاتِي الْعَشِيِّ الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهَا إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى وَخَرَجَ سُرْعَانَ النَّاسِ وَقَالُوا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَفِي النَّاسِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ فقام رجل - وكان رسول الله يُسَمِّيهِ ذَا الْيَدَيْنِ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرْتِ الصَّلَاةُ فَقَالَ «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ» قَالَ بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ الله فأقبل رسول الله على القوم فقال «أصدق ذو اليدين» فأومؤوا أن نعم فرجع رسول الله إِلَى مَقَامِهِ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ وَكَبَّرَ قَالَ فَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ سَلَّمَ فِي السَّهْوِ قَالَ لَمْ أَحْفَظْهُ وَلَكِنْ نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ
[ ١ / ٥٠٨ ]
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكُلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الحديث لم يقل فيه فأومؤوا إِلَّا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ من ها هنا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ الْإِمَامَ وَحْدَهُ إِنْ تَكَلَّمَ فِي شَأْنِ صَلَاتِهِ لَمْ يَضُرْ ذَلِكَ صَلَاتَهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا الْمَقْتُولُ يَوْمَ بَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَلَسْنَا نُدَافِعُهُمْ وَلَا نُنْكِرُ قَوْلَهُمْ إِنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ إن ذكروا ذا الشمالين لأن بن إِسْحَاقَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ ذَكَرُوهُ فِيمَنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ خَمْسَةُ رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَعُمَيْرُ بن أبي وقاص وذو الشمالين وبن بَيْضَاءَ وَمُهَجِّعٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
قَالَ أبو عمر إنما قال بن الْمُسَيَّبِ إِنَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ لِأَنَّ الْحَلِيفَ وَالْمَوْلَى يُعَدُّ مِنَ الْقَوْمِ فَمُهَجِّعٌ مَوْلَى عُمَرَ وَذُو الشمالين حليف بني زهرة
قال بن إِسْحَاقَ ذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غُبْشَانَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَفْصَى بْنِ خزاعة حليف لنبي زُهْرَةَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ ذُو الْيَدَيْنِ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولِ بِبَدْرٍ بِدَلِيلِ مَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَنْ ذَكَرْنَا مَعَهُ مِنْ حضورهم تلك الصلاة ممن كان إسلام بَعْدَ بَدْرٍ وَكَانَ الْمُتَكَلِّمُ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ
ذَكَرَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَقَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُسَيْنٍ رَجُلٌ طَوِيلُ الْيَدَيْنِ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ
وَمُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشِّمَالَيْنِ وَلَكِنَّ الْمَقْتُولَ بِبَدْرٍ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ سلم رسول الله مِنَ اثْنَتَيْنِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ سَمِعْتُ مُسَدَّدَ بْنَ مُسَرْهَدٍ يَقُولُ الَّذِي قُتِلَ بِبَدْرٍ إِنَّمَا هُوَ ذُو الشِّمَّالَيْنِ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وَذُو الْيَدَيْنِ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ يَكُونُ بِالْبَادِيَةِ فَيَجِيءُ فَيُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﵇
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَوْلُ مُسَدَّدٍ هَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسِّيَرِ وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُمْ
وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَحَمَلَهُ الزُّهْرِيُّ عَلَى أَنَّهُ الْمَقْتُولُ يَوْمَ بَدْرٍ فَوَهِمَ فِيهِ وَغَلِطَ وَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ
وَقَدِ اضْطَرَبَ الزُّهْرِيُّ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ اضْطِرَابًا كَثِيرًا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي «التَّمْهِيدِ»
وَكَانَ يَقُولُ لَمْ يَسْجُدْ رَسُولُ اللَّهِ السَّجْدَتَيْنِ يَوْمَئِذٍ فَجَهِلَ ذَلِكَ
وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَجَدَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ سَجْدَتَيْنِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ عَنْهُ فِي السَّلَامِ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ
وَقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى الزُّهْرِيِّ مَعَ جَلَالَتِهِ
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُصَنِّفِينَ عَوَّلَ عَلَى بن شِهَابٍ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَإِنَّمَا أَخْرَجُوهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَتِهِ لِاضْطِرَابِهِ وَقَدْ تَبَيَّنَ غَلَطُهُ أَنَّهُ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ
ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ بن جريج عن بن مُلَيْكَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ - وَذَكَرَ خَبَرَ ذِي الْيَدَيْنِ - قَالَ فَأَدْرَكَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَخُو بَنِي سُلَيْمٍ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ عُمِّرَ إِلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَإِنَّمَا تُوُفِّيَ بِذِي خُشُبٍ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ حَدَّثَنَا مَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الشَّغْنَثِيُّ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ مُطَيْرٍ وَمُطَيْرٌ حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ قَالَ يَا أَبَتَاهُ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ لَقِيَكَ بِذِي خُشُبٍ فَأَخْبَرَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَلَحِقَهُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ فَقَالَ «مَا قُصِرَتِ الصَّلَاةُ وَلَا نسيت» ثم أقبل رسول الله عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ «أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ» قَالَا صَدَقَ يَا رَسُولَ الله فرجع رسول الله وَثَّابَ النَّاسُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى فِي التَّمْهِيدِ
وَمُطَيْرٌ هَذَا مُطَيْرُ بْنُ سُلَيْمٍ مِنْ أَهْلِ وَادِي الْقُرَى رَوَى عَنْ ذِي الْيَدَيْنِ وَذِي الزَّوَائِدِ وَأَبِي الشُّمُوسِ الْبَلَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ شُعَيْبٌ وَسُلَيْمٌ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ بِجَرْحَةٍ
وَمَعْدِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَانَ يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَبْدَالِ الْفَضَلَةِ رَوَى عَنْهُ الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ وَبُنْدَارٌ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَعَلِيُّ بْنُ بَحْرِ بْنِ بَرِّيٍّ وَبِشْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى
[ ١ / ٥٠٩ ]
وَلَوْ صَحَّ لِلْمُخَالِفِينَ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ نَسْخِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ إِنَّمَا تَوَجَّهَ إِلَى الْعَامِدِ الْقَاصِدِ لَا إِلَى النَّاسِي لِأَنَّ النِّسْيَانَ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ وَالنَّاسِي وَالسَّاهِي لَيْسَا مِمَّنْ دَخَلَ تَحْتَ النَّهْيِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي النَّظَرِ
فَإِنْ قِيلَ إِنَّكُمْ تُجِيزُونَ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا إِذَا كَانَ فِي شَأْنِ صَلَاحِهَا قِيلَ لِقَائِلِ ذَلِكَ أَجَزْنَاهُ مِنْ بَابٍ آخَرَ قِيَاسًا عَلَى مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ التَّسْبِيحِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَإِبَاحَتِهِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَا أَغْفَلَهُ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاةٍ لِيَسْتَدْرِكَهُ اسْتِدْلَالًا بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ نَزَعَ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا بِمَا وَصَفْنَا وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِشَيْءٍ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ لَا يُقَاسُ بِالْكَلَامِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مُحَرَّمٌ فِيهَا الْكَلَامُ وَمُبَاحٌ فِيهَا التَّسْبِيحُ
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ» يُرِيدُ وَلَا يَتَكَلَّمْ
وَقَالَ «صَلَاتُنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ»
وَقَدْ نَهَى عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَلَوْ قَرَأَ فِي الرُّكُوعِ أَحَدٌ لَمْ تَفْسَدْ صَلَاتُهُ
وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِينَ لَمْ يُجِيزُوا الْكَلَامَ فِي شَأْنِ إِصْلَاحِ الصَّلَاةِ فَيَلْزَمُهُمْ أَلَّا يُجِيزُوا الْمَشْيَ لِلرَّاعِفِ وَالْخُرُوجَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِلْوُضُوءِ وَغَسْلِ الدَّمِ فِي الصَّلَاةِ لِضَرُورَةِ الرُّعَافِ فَإِنْ أَجَازُوا ذَلِكَ فَلْيُجِيزُوا الْكَلَامَ فِي شَأْنِ إِصْلَاحِ الصَّلَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَمِمَّنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ بِمَعْنَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَرَأَى الْبِنَاءَ جَائِزًا لِمَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وبن الزُّبَيْرِ وَعُرْوَةُ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالشَّعْبِيُّ
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وروي مثل قول الكوفين فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَقَتَادَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ
[ ١ / ٥١١ ]
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا إِثْبَاتُ حُجَّةِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي قَوْلِهِمْ إِذَا نَسِيَ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ فَشَهِدَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ إِنَّهُ يُنْفِذُهُ وَيُمْضِيهِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - رَجَعَ إِلَى قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ وَمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُنْفِذُهُ حَتَّى يَذْكُرَ حُكْمَهُ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الشُّهُودَ إِلَّا عَلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عِنْدَهُ بِخِلَافِ عِلْمِهِ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ مُمْكِنٌ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - ﵇ - لَمَّا قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ إِنَّ مَا ذَكَرَ ذُو الْيَدَيْنِ حَقٌّ تَيَقَّنَ ذَلِكَ فَرَجَعَ مِنْ شَكِّهِ إِلَى يَقِينٍ وَهَذَا مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الدِّينِ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَلَّا يُصَدِّقَهُمْ ثُمَّ يَعْمَلُ بِخَبَرِهِمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
وَفِيهِ إِثْبَاتُ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَى مَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ وَفِيهِ أَنَّ السُّجُودَ يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ إِذَا كَانَ زَادَ الْإِنْسَانُ فِي صَلَاتِهِ شَيْئًا سَهْوًا وَبِهِ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ السُّجُودَ بَعْدَ السَّلَامِ فِيمَا كَانَ زِيَادَةً أَبَدًا
وَفِيهِ أَنَّ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ عَلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي رُجُوعِ الْمُسْلِمِ سَاهِيًا فِي صَلَاتِهِ إِلَى تَمَامِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا هَلْ يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى إِحْرَامٍ أَمْ لَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يُحْدِثَ إِحْرَامًا يُجَدِّدُهُ لِرُجُوعِهِ إِلَى تَمَامِ صَلَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْزِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ الرُّجُوعَ إِلَى تَمَامِ صَلَاتِهِ فَإِنَّ كَبَّرَ فِي رُجُوعِهِ فَحَسَنٌ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ إِشْعَارُ حَرَكَاتِ الْمُصَلِّي وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ أَصْلَ التَّكْبِيرِ فِي غير الإحرام إنمغا كَانَ لِلْإِمَامِ ثُمَّ صَارَ سُنَّةً بِمُوَاظَبَةِ رَسُولِ الله حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ مَعَ قَوْلِهِ «فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا» يَعْنِي يُكَبِّرُونَ بِتَكْبِيرِهِ وَتَكْبِيرُ الصَّلَوَاتِ مَحْصُورٌ عَدَدُهُ فَلَا وَجْهَ لِلزِّيَادَةِ فِيهِ أَلَا تَرَى أن الذي يحسبه الْإِمَامُ لَا يُكَبِّرُ إِذَا قَامَ إِلَى قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ لِأَنَّ تِلْكَ التَّكْبِيرَةَ لَوْ كَبَّرَهَا كَانَتْ زَائِدَةً عَلَى تَكْبِيرِ الصَّلَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهُ إِذَا نَوَى الرُّجُوعَ إِلَى صَلَاتِهِ لِيُتِمَّهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُكَبِّرْ لِإِحْرَامٍ وَلَا غَيْرِهِ لِأَنَّ سَلَامَهُ سَاهِيًا لَا يُخْرِجُهُ مِنْ صَلَاتِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُفْسِدُهَا عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ بَنَى عَلَيْهَا فَلَا مَعْنَى لِلْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْنِفٍ لِصَلَاةٍ بَلْ هُوَ مُتَمِّمٌ لَهَا بَانٍ فِيهَا وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَنِ ابْتَدَأَ صَلَاتَهُ وَافْتَتَحَهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
[ ١ / ٥١٢ ]
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَكُلُّ سَهْوٍ كَانَ زِيَادَةً فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ سُجُودَهُ بَعْدَ السَّلَامِ - فَهَذَا مَذْهَبُهُ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِيهِ
وَقَوْلُهُ إِنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ سَهْوَانِ زِيَادَةٌ وَنُقْصَانٌ فَالسُّجُودُ لَهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا
هَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَهُ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي الزِّيَادَةِ وَحَدِيثِ بن بُحَيْنَةَ فِي النُّقْصَانِ وَلَوْ سَجَدَ عِنْدَهُ أَحَدٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَجَعَلَ السُّجُودَ كُلَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِالِاجْتِهَادِ لِلْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ
وَالسَّلَفُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ سَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﷿