١٨٣ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا فليصلي رَكْعَةً وَلِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَإِنْ كَانَتِ الرَّكْعَةُ الَّتِي صَلَّى خَامِسَةً شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ رَابِعَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ (١) لِلشَّيْطَانِ»
لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مَالِكٍ فِي إِرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَنْ وَصَلَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنَ الثِّقَاتِ وَمَنْ أَرْسَلَهُ عَنْهُ وَتَابَعَ مَالِكًا عَلَى ذَلِكَ
قَالَ الْأَثْرَمُ سَأَلْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي السَّهْوِ أَتَذْهَبُ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ أَذْهَبُ إِلَيْهِ قُلْتُ إِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي إِسْنَادِهِ قَالَ إِنَّمَا قَصَّرَ بِهِ مَالِكٌ وَقَدْ أَسْنَدَهُ عِدَّةٌ منهم بن عَجْلَانَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ جَسِيمٌ يَطَّرِدُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ أَنَّ
[ ١ / ٥١٣ ]
الْيَقِينَ لَا يُزِيلُهُ الشَّكُّ وَأَنَّ الشَّيْءَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِ الْمَعْرُوفِ حَتَّى يُزِيلَهُ يَقِينٌ لَا شَكَّ مَعَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الظُّهْرِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَإِذَا أَحْرَمَ بِهَا لَزِمَهُ إِتْمَامُهَا فَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَيَقِينُهُ أَنَّهُ عَلَى أَصْلِ فَرْضِهِ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ لَا يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلَّا يَقِينٌ مِثْلُهُ
وَقَدْ غَلَطَ قَوْمٌ مِنْ عَوَامِّ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ فِي هَذَا الْبَابِ فَظَنُّوا أَنَّ الشَّكَّ أَوْجَبَ عَلَى الْمُصَلِّي إِتْمَامَ صَلَاتِهِ وَالْإِتْيَانِ بِالرَّكْعَةِ وَاحْتَجُّوا بِذَلِكَ لِإِعْمَالِ الشَّكِّ فِي بَعْضِ نَوَازِلِهِمْ
وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ بَلِ الْيَقِينُ بِأَنَّهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ فَرْضًا أَوْجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامَهَا
وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - قَالَ «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ إِنَّكَ أَحْدَثْتَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ بِأُذُنَيْهِ صَوْتَهُ أَوْ يَجِدَ بِأَنْفِهِ رِيحَهُ»
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﵇ - الرَّجُلَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ الشَّيْءُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ «لَا تَنْصَرِفْ حَتَّى تَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ تَجِدَ رِيحًا»
أَلَا تَرَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ أَصْلِ طَهَارَتِهِ الَّتِي كَانَ قَدْ تَيَقَّنَهَا بِشَكٍّ عَرَضَ لَهُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ الْحَدَثَ
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا وَفِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ مَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ يَقِينِهِ بِالْوُضُوءِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَحَدٌ غَيْرُهُ إِلَّا مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ من أصحابه
وقد خالف بن نَافِعٍ مَالِكًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ إِنَّ ذَلِكَ استحباب من مالك واحتياط منه
وقال بن خواز مَنْدَادَ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ أَحْدَثَ أَمْ لَا فَقَالَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَقَالَ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ
قَالَ وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ
[ ١ / ٥١٤ ]
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَصْلِ حَدَثًا كَانَ أَوْ طَهَارَةً
وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ وَالطَّبَرِيِّ
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إِنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا فَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ
وَقَالَ فِيمَنْ وَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا وَقَدْ بَاتَ فِيهِ لَيَالِيَ وَأَيَّامًا إِنَّهُ لَا يُعِيدُ صَلَاتَهُ وَلَا يَغْتَسِلُ إِلَّا مِنْ أَحْدَثِ نَوْمٍ نَامَهُ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ أَيْقَنَ بِالْحَدَثِ وَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ أَنَّ شَكَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً وَأَنَّ الْوُضُوءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ
وَلَا خِلَافَ - عَلِمْتُهُ - بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَحَدٌ أَحَدًا بِالشَّكِّ فِي حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ لَا تُفْسِدُهَا مَا كَانَتْ سَهْوًا أَوْ فِي إِصْلَاحِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الشَّاكَّ فِي صَلَاتِهِ إِذَا أَمَرْنَاهُ بِالْبِنَاءِ عَلَى يَقِينِهِ وَهُوَ يَشُكُّ هَلْ صَلَّى وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ
وَمُمْكِنٌ أَنْ يَكُونَ صَلَّى اثْنَتَيْنِ فَغَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ فِي صَلَاتِهِ رَكْعَةً
وَقَدْ أَحْكَمَتِ السُّنَّةُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ
وَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَا كَمَا ذَكَرْنَا بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ مِثْلَ نِصْفِهَا سَاهِيًا إِنَّ صَلَاتَهُ فَاسِدَةٌ
وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا ضَعِيفٌ لَا وَجْهَ لَهُ يَصِحُّ وَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ غَيْرُ ذَلِكَ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ هَلْ صَلَّى وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ مَنْ شَكَّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ عَلَى أَصْلِهِ مَنْ قَالَ بِالتَّحَرِّي وَمَنْ قَالَ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ
عَلَى أَنَّ التَّحَرِّيَ عِنْدَنَا يَعُودُ إِلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ الله الظُّهْرَ خَمْسًا سَاهِيًا فَسَجَدَ لِسَهْوِهِ
وَحُكْمُ الرَّكْعَةِ وَالرَّكْعَتَيْنِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ والأصول
[ ١ / ٥١٥ ]
وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي التَّمْهِيدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ السَّاهِيَ فِي صَلَاتِهِ إِذَا فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ
وَفِيهِ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ مَا قَدَّمْنَا عَنْهُمْ ذِكْرَهُ قَالُوا كُلُّ سَهْوٍ كَانَ نُقْصَانًا مِنَ الصَّلَاةِ فَالسُّجُودُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ لحديث بن بُحَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
١٨٤ - أَنَّهُ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ دُونَ أَنْ يَجْلِسَ فَسَجَدَ لِسَهْوِهِ قَبْلَ السَّلَامِ وَقَدْ نَقُصَ الْجِلْسَةُ الْوُسْطَى وَالتَّشَهُّدُ
قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ كَانَ السَّهْوُ زِيَادَةً فَالسُّجُودُ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُ - ﵇ - سَهَا فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَوْمَئِذٍ وَتَكَلَّمَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَبَنَى فَزَادَ سَلَامًا وَعَمَلًا وَكَلَامًا وَهُوَ سَاهٍ لَا يَظُنُّ أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ
وَيَقُولُ مَالِكٌ هَذَا وَمَنْ تَابَعَهُ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ
وَاسْتِعْمَالُ الْأَخْبَارِ عَلَى وُجُوبِهَا أُولَى مِنَ ادِّعَاءِ النَّسْخِ فِيهَا وَمِنْ جِهَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بَيِّنٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ السُّجُودَ فِي النُّقْصَانِ إِصْلَاحٌ وَجَبْرٌ وَمَحَالٌّ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ وَالْجَبْرُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ
وَأَمَّا السُّجُودُ فِي الزِّيَادَةِ فَإِنَّمَا هُوَ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ وَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَرَاغِ
وَجُمْلَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ مَنْ وَضَعَ السُّجُودَ الَّذِي قَالُوا إِنَّهُ بَعْدُ - قَبِلُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُمْ أَشَدُّ اسْتِثْقَالًا لِوَضْعِ السُّجُودِ الَّذِي بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ وَذَلِكَ لِمَا رُئِيَ وَعُلِمَ مِنَ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ السُّجُودُ كُلُّهُ فِي السَّهْوِ زِيَادَةً كَانَ أَوْ نُقْصَانًا بَعْدَ السَّلَامِ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز
وحجة الكوفيين في ذلك حديث بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى خَمْسًا
[ ١ / ٥١٦ ]
سَاهِيًا وَسَجَدَ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْآثَارَ كُلَّهَا في التمهيد
وعارضوا حديث بن بُحَيْنَةَ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَزَعَمُوا أَنَّهُ أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةَ التَّسْلِيمِ وَالسُّجُودِ بَعْدَهُ وهذا ليس بشيء لأن حديث بن بُحَيْنَةَ ثَابِتٌ بِنَقْلِ الْأَئِمَّةِ وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ لَيْسَ مِثْلُهُ بِحُجَّةٍ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ حُكْمَ مَنْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ أَلَّا يَسْجُدَ فِي مَوْضِعِ سَهْوٍ وَلَا فِي حَالِهِ تِلْكَ وَأَنَّ حُكْمَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ إِلَى آخَرِ صَلَاتِهِ لِتُجْمَعَ السَّجْدَتَانِ كُلَّ سَهْوٍ فِي صَلَاتِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّلَامَ قَدْ يُمْكِنُ فِيهِ السَّهْوُ أَيْضًا فَوَاجِبٌ أَنْ تُؤَخَّرَ السَّجْدَتَانِ عَنِ السَّلَامِ أَيْضًا كَمَا تُؤَخَّرُ أَيْضًا عَنِ التَّشَهُّدِ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ قَبْلَ السَّلَامِ
وَهُوَ قَوْلُ بن شهاب وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وبن أبي ذئب
وقال بن شِهَابٍ كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ
وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ صَحِيحٌ
وَفِيهِ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ وَإِلْغَاءُ الشَّكِّ وَالْعِلْمُ مُحِيطٌ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ زِيَادَةً لَمْ يَكُنْ نُقْصَانًا
وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ نَابَهُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ أَنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَالزِّيَادَةُ مَعَ ذَلِكَ مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ
وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَلِحَدِيثِ بن بُحَيْنَةَ إِذْ قَامَ مِنَ اثْنَتَيْنِ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ مَا يُرْوَى فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
قَالُوا فَعَلِمْنَا بِهَذَا أَنْ لَيْسَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ زِيَادَةً وَلَا نُقْصَانًا وَأَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ إِصْلَاحُ الصَّلَاةِ وَإِصْلَاحُهَا لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا وَإِنَّمَا جَازَ تَأْخِيرُ السَّجْدَتَيْنِ عَنْ جَمِيعِ الصَّلَاةِ مَا خَلَا السَّلَامَ لِأَنَّ السلاح يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ السَّجْدَتَانِ مُصْلِحَتَيْنِ
أَلَا تَرَى أَنَّ مُدْرِكَ بَعْضِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ لَا يَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ وَيَتَّبِعُ الْإِمَامَ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْهِ حَاشَا السَّلَامَ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَالْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا
[ ١ / ٥١٧ ]
وَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُ إِنَّ الْمُصَلِّيَ لَوْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَضُرَّهُ وَكَذَلِكَ لَوْ سَجَدَ بعد السلام فيا قَالُوا فِيهِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَضُرَّهُ ولم يكن عليه شيء
وأما بن حنبل فذكر الأثرم قال سألت بن حَنْبَلٍ عَنْ سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَمْ بَعْدَهُ فَقَالَ فِي مَوَاضِعَ قَبْلَ السَّلَامِ وَفِي مَوَاضِعَ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ
وَمَنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ سَجَدَ أَيْضًا بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ
وَفِي التَّحَرِّي يَسْجُدُ بَعْدَ السلام على حديث بن مسعود حديث مَنْصُورٍ
وَفِي الْقِيَامِ مِنَ اثْنَتَيْنِ يَسْجُدُ قَبْلَ السلام على حديث بن بُحَيْنَةَ
وَفِي الشَّكِّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَيْضًا فِي التَّمْهِيدِ
وَقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِابْنِ حَنْبَلٍ فَمَا كَانَ سِوَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَالَ يَسْجُدُ فِيهَا كُلِّهَا قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ يُتِمُّ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ
قَالَ وَلَوْلَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - لَرَأَيْتَ السُّجُودَ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ
وَلَكِنْ أَقُولُ كُلُّ مَا رُوِيَ عَنْهُ - ﵇ - أَنَّهُ سَجَدَ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ وَسَائِرُ السَّهْوِ يَسْجُدُ فِيهِ قَبْلَ السَّلَامِ
وَقَالَ دَاوُدُ لَا يَسْجُدُ أَحَدٌ لِلسَّهْوِ إِلَّا فِي الْخَمْسَةِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِيمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةً صَلَّى أَمِ اثْنَتَيْنِ أَوْ لَمْ يَدْرِ اثْنَتَيْنِ صَلَّى أَمْ ثَلَاثًا أَوْ لَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَلَا يَجْزِيهِ التَّحَرِّي وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الثَّوْرِيِّ
وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَالطَّبَرِيِّ
وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ «أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ وَحَدِيثُ» عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف وحديث بن عُمَرَ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا شَكَّ اسْتَقْبَلَ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَتَحَرَّ وَإِنْ لَقِيَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ تَحَرَّى
[ ١ / ٥١٨ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَتَحَرَّى سَوَاءَ كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَتَحَرَّى قَالَ وَإِنْ نَامَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى اسْتَأْنَفَ
وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِنْ كَانَ هَذَا شَيْئًا يَلْزَمُهُ وَلَا يَزَالُ يَشُكُّ أَجْزَأَتْهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ عَنِ التَّحَرِّي وَعَنِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا يَلْزَمُهُ اسْتَأْنَفَ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الشَّكُّ عَلَى وَجْهَيْنِ الْيَقِينُ وَالتَّحَرِّي فَمَنْ رَجَعَ إِلَى الْيَقِينِ أَلْغَى الشَّكَّ وَسَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَإِذَا رَجَعَ إِلَى التَّحَرِّي وَهُوَ أَكْثَرُ الْوَهْمِ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بعد السلام على حديث بن مَسْعُودٍ الَّذِي يَرْوِيهِ مَنْصُورٌ
وَبِهِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ دَاوُدُ التَّحَرِّي هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى الْيَقِينِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ مَنْ جَعَلَ التَّحَرِّي وَالرُّجُوعَ إِلَى الْيَقِينِ سَوَاءٌ صَحَّ لَهُ اسْتِعْمَالُ الْخَبَرَيْنِ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَأَيُّ تَحَرٍّ يَكُونُ لِمَنِ انْصَرَفَ وَهُوَ شَاكٍ لَمْ يَبْنِ عَلَى يَقِينِهِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ تَحَرَّى وَعَمِلَ عَلَى أَغْلَبِ ظَنِّهِ وَأَكْثَرِهِ عِنْدَهُ أَنَّ شُعْبَةً مِنَ الشَّكِّ تَصْحَبُهُ إِذَا لَمْ يَبْنِ عَلَى يَقِينِهِ
وقد ذكرنا علة حديث بن مَسْعُودٍ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ فِي التَّحَرِّي فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ
١٨٥ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَخَّ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَهُوَ جَالِسٌ
وَهَذَا عِنْدِي هُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ لِأَنَّهُ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا ظَنَّ أَنَّهُ نَسِيَهُ من صلاته
وقد وروى هَذَا الْحَدِيثَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - مَرْفُوعًا - وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ
[ ١ / ٥١٩ ]
وَالْمَوْقُوفَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ فَرْقٌ بَيْنَ مَنِ اعْتَرَاهُ ذَلِكَ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَوْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ
١٨٦ - وكذلك حديث مالك عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنِ النِّسْيَانِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ لِيَتَوَخَّ أَحَدُكُمُ الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُصَلِّهِ
هُوَ عَلَى مَا قُلْنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ تَأَوَّلَ الْكُوفِيُّونَ وَمَنْ قَالَ بِالتَّحَرِّي - وَهُوَ الْعَمَلُ عَلَى أَكْثَرِ الظن في حديثي بن عُمَرَ هَذَيْنِ قَوْلُهُ يَتَوَخَّى - أَنَّهُ أَرَادَ الْعَمَلَ على أكثر الظن
وَتَأْوِيلُنَا أَحْوَطُ وَأَشْبَهُ بِالْأُصُولِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ لَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَجْعَلْهَا ثَلَاثًا»
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ عَنْ عَفِيفِ بْنِ عُمَرَ السَّهْمِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ
١٨٧ - سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكَعْبَ الْأَحْبَارِ عَنِ الَّذِي يَشُكُّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَكِلَاهُمَا قَالَ لِيُصَلِّ رَكْعَةً أُخْرَى ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ
وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - فَصَارَ سُنَّةً مَعْمُولًا بِهَا
وَهَذَا الْبَابُ كُلُّهُ فِيهِ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ وَالسُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - وَعَنِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى