١٨٩ - مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أمه عائشة زوج النبي ﷺ قَالَتْ أَهْدَى أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمِيصَةً شَامِيَّةً لها علم
[ ١ / ٥٢٩ ]
فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ «رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي»
هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ رُوَاةُ الْمُوَطَّأِ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ وَسَقَطَ لِيَحْيَى وَحْدَهُ عَنْ أُمِّهِ
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي التَّمْهِيدِ
وَاسْمُ أَبِي جَهْمٍ عُبَيْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ
١٩٠ - وَذُكِرَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ ثُمَّ أَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ وَأَخَذَ مِنْ أَبِي جَهْمٍ أَنْبَجَانِيَّةً لَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ فَقَالَ «إِنِّي نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ»
وَقَدْ رَوَى هَذَا الحديث بن شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا عَلَمٌ فَقَالَ «شَغَلَنِي أَعْلَامُ هَذِهِ اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأَتُونِي بِأَنْبَجَانِيَّةٍ»
هَكَذَا هُوَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ بِالتَّذْكِيرِ وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ أَنْبَجَانِيَّةَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ كِسَاءٌ أَنْبَجَانِيٌّ
وَالْكِسَاءُ لَا يُؤَنَّثُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ خَمِيصَةً أَوْ شَمْلَةً أَوْ نَحْوَ هَذَا
وَالْخَمِيصَةُ كِسَاءُ صُوفٍ رَقِيقٌ بِعَلَمِ أَكْثَرِ شَيْءٍ
وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ عَلَمٍ وَالْخَمَائِصُ مِنْ لِبْسِ الْأَشْرَافِ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَلَمُ فِيهَا أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَخْضَرَ
وَأَمَّا الْأَنْبَجَانِيُّ فَكِسَاءُ صُوفٍ غَلِيظٌ لَا علم فيه
وقال بن قُتَيْبَةَ إِنَّمَا هُوَ كِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ قَالَ وَلَا يُقَالُ أَنْبَجَانِيٌّ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبَجَ
قَالَ وَفُتِحَتْ بَاؤُهُ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ منظراني ومخبراني
وقال ثعلب أنبجانية بكسر الْبَاءِ وَكَسْرِهَا كُلُّ مَا كَثُفَ وَالْتَفَّ
قَالُوا شَاةٌ أَنْبَجَانِيَّةٌ أَيْ كَثِيرَةُ الصُّوفِ مُلْتَفَّتُهُ
[ ١ / ٥٣٠ ]
وغير بن قُتَيْبَةَ يَقُولُ جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ أَنْبَجَانِيٌّ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ رُوَاتَهُ عَرَبٌ فُصَحَاءُ وَمِنَ الْأَنْسَابِ مَا يَجْرِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَإِنَّمَا هُوَ مَسْمُوعٌ وَهَذَا لَوْ صَحَّ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْبَجَ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ قَبُولُ الْهَدَايَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيَأْكُلُهَا وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ
وَالْهَدِيَّةُ مِنْ أَفْعَالِ الْمُسْلِمِينَ الْكُرَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْفُضَلَاءِ وَيَسْتَحِبُّهَا الْعُلَمَاءُ مَا لَمْ يَسْلُكْ بِهَا سَبِيلَ الرِّشْوَةِ لِدَفْعِ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ أَوْ أَخْذٍ عَلَى حَقٍّ يَجِبُ الْقِيَامُ بِهِ
وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَا يَجِبُ مِنَ الْهَدَايَا لِإِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَعُمَّالِهِ وَسَائِرِ النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ قِبَلِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ «نَظَرْتُ إِلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي» فَإِنَّ قَوْلَهُ كَادَ يَفْتِنُنِي دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمْ تَقَعْ
وَكَادَ فِي اللُّغَةِ تُوجِبُ الْقُرْبَ وتدفع والوقوع وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يَخْطَفُ الْبَرْقُ بَصَرَ أَحَدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أبصارهم) الْبَقَرَةِ ٢٠
وَالْفِتْنَةُ الَّتِي خَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَنْزِلَ بِهِ بِسَبَبِ تِلْكَ الْخَمِيصَةِ وَنَظَرِهِ إِلَى عَلَمِهَا - هُوَ الشُّغْلُ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ بِمَا يَجِبُ فِيهَا مِنْ خُشُوعٍ وَعَمَلٍ وَفِكْرُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ لِأَنَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ حَدَّثَنَا محمد بن عبد السلام حدثنا بن أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ خَالِهِ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ لِمَ دَعَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَيْتِ فَقَالَ قَالَ «إِنِّي رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْبَيْتِ فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا (٢) فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ مُصَلِّيًا
وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ مُصَلِّيًا
وَسُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ وَغَيْرِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ مُعَلَّقٌ مُصْحَفٌ أَوْ سَيْفٌ أَوْ نَحْوُهُ
[ ١ / ٥٣١ ]
وَسُفْيَانُ عَنِ الْأَحْوَصِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ تَقَدَّمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بِحِمْصَ فَرَأَى فِي الْقِبْلَةِ عَرَقَةً فَقَالَ غَطُّوا عَنَّا هَذِهِ الْعَرَقَةَ
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ إِنَّمَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ لِأَنَّهُ كَرِهَهَا إِذْ كَانَتْ سَبَبَ غَفْلَةٍ وَشُغْلٍ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ كَمَا قَالَ «اخْرُجُوا عَنْ هَذَا الْوَادِي الَّذِي أَصَابَتْكُمْ فِيهِ الْغَفْلَةُ فَإِنَّهُ وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ (٢)
قَالَ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ إِلَى غَيْرِهِ مَا يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ
أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ «لَا تَتَصَدَّقِي مِمَّا لَا تَأْكُلِينَ»
قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقْوَى خَلْقِ اللَّهِ عَلَى دَفْعِ الْوَسْوَسَةِ وَلَكِنْ كَرِهَهَا لِلْغَفْلَةِ عن الذكر
هذا كله قول بن عُيَيْنَةَ
وَمِمَّا قَدَّمْتُهُ فِيمَا ظَهَرَ إِلَيَّ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَلِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ - ﵇ - لَمَّا رَدَّ الْخَمِيصَةَ إِلَى مُهْدِيهَا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُمْ وَأَعْلَمَهُ بِمَا نَابَهُ فِيهَا - كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ لِبَاسَهَا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ أَحْرَى بِأَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الشُّغْلِ بِهَا فِي صَلَاتِهِ فَوْقَ مَا خَشِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ
وَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ إِخْبَارُهُمْ لَهُ بِمَا عَرَضَ لَهُ فِي صَلَاتِهِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِعْلَامُهُ بِمَا نَابَهُ فِي الْخَمِيصَةِ عِنْدَ رَدِّهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ لِتَطِيبَ نَفْسُهُ وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ مَا لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ مِنْهُ مَنْ رُدَّتْ هَدِيَّتُهُ عَلَيْهِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَاهِبَ وَالْمُهْدِي إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَطِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَرْجِعُ فِيهَا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا
وَأَمَّا قوله «وأتوني بِأَنْبَجَانِيَّةٍ لَهُ» أَوْ بِأَنْبَجَانِيَّةٍ» عَلَى الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ - فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ يَشُقُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ أَنَسَهُ رسول الله بِأَنْ أَخَذَ مِنْهُ كِسَاءً آخَرَ لَا عَلَمَ فِيهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَلَا قَلًى لَهُ وَلَا كَرَاهِيَةً لِكَسْبِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَشْغَلُ الْمَرْءَ فِي صَلَاتِهِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِقَامَةِ فَرَائِضِهَا وَأَرْكَانِهَا لَا يُفْسِدُهَا وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتَهَا
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ أَنَسٍ قَالَ كَانَ لِعَائِشَةَ قِرَامٌ قَدْ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمِيطِي (٣) عَنَّا قِرَامَكِ فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ
[ ١ / ٥٣٢ ]
تَعْرِضُ لِي تَصَاوِيرُهُ فِي صَلَاتِي
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْمَدَنِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ بن إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ مُعَاذًا الْقَارِئَ يَسْأَلُ أَبِي زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي وَالرَّجُلُ فِي قِبْلَتِهِ مُسْتَقْبِلَهُ بِوَجْهِهِ فَقَالَ إِنِّي مَا أُبَالِي أَعَمُودٌ مِنْ عَمَدِ الْمَسْجِدِ اسْتَقْبَلَنِي فِي صَلَاتِي أَوِ اسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ إِنَّمَا كَرِهَهُ مَنْ كَرِهَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَشْغَلَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ وَرُبَّمَا كَانَ مِنْهُ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي الَّذِي يَسْتَقْبِلُهُ
١٩١ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطِهِ فَطَارَ دُبْسِيٌّ فَطَفِقَ يَتَرَدَّدُ يَلْتَمِسُ مَخْرَجًا فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ فَجَعْلَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ إِلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا هُوَ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ
وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى لِشُغْلٍ شَغَلَ نَفْسَهُ أَوْ لِمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ أَحْكَمَتْ فِيهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى يَقِينِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَالْبِدَارِ إِلَى طَاعَتِهِ
وَلَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ بِمِثْلِ الصَّدَقَاتِ فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ اللَّهِ وَتَصْرِفُ مِنْ مَصَارِعِ السُّوءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَقَدْ أَصَابَنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ هُنَا مَا بَلَغَ بِهِ مِنْ شُغْلِ نَفْسِهِ حَتَّى لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى
وَكُلُّ مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فِي دِينِهِ فَقَدْ فُتِنَ عَلَى قَدْرِ تِلْكَ الْمُصِيبَةِ وَلِلْفِتْنَةِ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ وُجُوُهٌ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنِ السَّبِيلَ مِنْ سُبُلِ اللَّهِ مَا هِيَ أَنَّ
[ ١ / ٥٣٣ ]
الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ يَضَعُهَا حَيْثُ رَآهُ مِنْ سُبُلِ الْبَرِّ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ وَيُنَفِّذُ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ لِلَّهِ
وَلِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا رُجُوعَ فِيهَا لِأَنَّهَا لِلَّهِ
وَلَيْسَ لَفْظُ الْهِبَةِ وَلَا الْعَطِيَّةِ وَلَا الْمِنْحَةِ كَذَلِكَ
وَقَالُوا فِي الدُّبْسِيِّ إِنَّهُ طَائِرٌ يُشْبِهُ الْيَمَامَةَ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ الْيَمَامَةُ نَفْسُهَا
وَقَوْلُهُ طَفِقَ يَتَرَدَّدُ كَقَوْلِهِ جَعَلَ يَتَرَدَّدُ وَفِيهِ لُغَتَانِ طَفِقَ يَطْفَقُ وَطَفِقَ يَطْفِقُ
١٩٢ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ الْآخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطٍ لَهُ بِالْقُفِّ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ الْحَدِيثَ
فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيهِ وَالْكَلَامَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءٌ إِلَّا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَهِمَ عَنِ الْأَنْصَارِيِّ مُرَادَهُ فَبَاعَ الْمَالَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُ وَلَمْ يَجْعَلِ الْحَائِطَ وَقْفًا
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ الصَّدَقَاتِ بِالرِّقَابِ وَمِنَ الصَّدَقَاتِ الْمَوْقُوفَاتِ وَكِلَاهُمَا خَيْرٌ وَعَمَلٌ صَالِحٌ وَلَيْسَ الْآبَارُ كَالْعُيُونِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ الدَّائِمَ جَارٍ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ تَعْتَرِهِ آفَةٌ فَآفَاتُ الدَّهْرِ كَثِيرَةٌ
وَفِي أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ مَا يُوجِبُ الْقَوْلَ فِي مَوْضِعِ نَظَرِ الْمُصَلِّي إِلَى أَيْنَ يَكُونُ
فَأَمَّا مَالِكٌ فَقَالَ يَكُونُ نَظَرُ الْمُصَلِّي أَمَامَ قِبْلَتِهِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ نَظَرُ الْمُصَلِّي إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ
وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي يَنْظُرُ فِي الْقِيَامِ إِلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ وَفِي الرُّكُوعِ إِلَى مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ وَفِي السُّجُودِ إِلَى أَنْفِهِ وَفِي قُعُودِهِ إِلَى حِجْرِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا التَّحْدِيدُ لَيْسَ عَلَى النَّظَرِ فِي الْأُصُولِ مَا يُوجِبُهُ وَحَسْبُ الْمُصَلِّي أَنْ يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَلَا يَلْتَفِتَ يَمِينًا وَلَا شَمَالًا فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لَهُ
وَمَنْ فَكَّرَ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنْ صَلَاتِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى مَا يَعْنِيهِ مِنْهَا شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِ النَّظَرِ إِلَى غيرها وبالله التوفيق
[ ١ / ٥٣٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم