٢٠٠ - ذَكَرَ فِيهِ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصَتَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْتَ
وَبَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ يَقُولُ فِيهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْأَلْفَاظُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَلِمَالِكٍ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْإِسْنَادِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ قَدْ لَغَوْتَ أَيْ جِئْتَ بِالْبَاطِلِ وَمَا لَيْسَ بِحَقٍّ وَاللَّغْوُ الْبَاطِلُ
قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) الْفُرْقَانِ ٧٢ قَالَ لَا يُسَاعِدُونَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى بَاطِلِهِمْ
قَالَ وَالزُّورُ الْكَذِبُ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ اللَّغْوُ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ لَيْسَ بِحَسَنٍ وَالْفُحْشُ أَشَدُّ مِنَ اللَّغْوِ وَاللَّغْوُ وَالْهَجْرُ فِي الْقَوْلِ سَوَاءٌ وَاللَّغْوُ وَاللَّغَا لُغَتَانِ
قَالَ الْعَجَّاجُ
(عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ
[ ٢ / ٢٠ ]
وَلَا خِلَافَ عَلَيْهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا وَجَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى خِلَافٌ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ إِلَّا فِي حِينِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الْخُطْبَةِ خَاصَّةً
وَفِعْلُهُمْ هَذَا مَرْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمُ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَلَا عِلْمَ لِمُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْخُطْبَةَ إِذَا لَمْ يَسْمَعْهَا لِبُعْدِهِ مِنَ الْإِمَامِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَجُوزُ لِكُلِّ مَنْ شَهِدَ الخطبة سمع أو لم يسمع
وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ اسْتَمِعُوا وَأَنْصِتُوا
فَإِنَّ الْمُنْصِتَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لِلْمُسْتَمِعِ الصَّامِتِ
وَعَنِ بن عمر وبن عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَكْرَهَانِ الْكَلَامَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَلَا مُخَالِفَ لِهَؤُلَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ
فَسَقَطَ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِنِّي لَأَقْرَأُ حِزْبِي إِذَا لَمْ أَسْمِعِ الْإِمَامَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وعن بن جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ يَحْرُمُ الْكَلَامُ مَا كَانَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَالَ وَيَوْمُ عرفة والعيدين كذلك في الخطبة
قال بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ أُسَبِّحُ وَأُهَلِّلُ وَأَدْعُو اللَّهَ فِي نَفْسَيْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَنَا أَعْقِلُ الْخُطْبَةَ قَالَ لَا إِلَّا الشَّيْءَ الْيَسِيرَ وَاجْعَلْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ
قُلْتُ لِعَطَاءٍ كُنْتُ لَا أَسْمَعُ الْإِمَامَ أُسَبِّحُ وَأُهَلِّلُ وَأَدْعُو اللَّهَ لِنَفْسِي وَلِأَهْلِي وَأُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ نَعَمْ
[ ٢ / ٢١ ]
وَعَنْ مَعْمَرٍ قَالَ سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنِ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ قَالَ كَانَ يُؤْمَرُ بِالصَّمْتِ
قُلْتُ فَإِنْ ذَهَبَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فِي الْجُمُعَةِ قَالَ تَكَلَّمْ إِنْ شِئْتَ
قَالَ مَعْمَرٌ وَقَالَ قَتَادَةُ إِنْ حَدَّثُوا فَلَا تُحَدِّثْ
وَقَدْ مَضَى فِي التَّمْهِيدِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ
وَمِمَّنْ يَرَى أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْمَوْعِظَةِ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ
وَالْأَسَانِيدُ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ
وَأَمَّا عِكْرِمَةُ وَعَطَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الخرساني فَقَالَا مَنْ قَالَ صَهٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَا وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يُرِيدُ فِي تَمَامِ أَجْرِ الَّذِي شَاهَدَ الْخُطْبَةَ صَامِتًا أَيْ لَا جُمُعَةَ لَهُ مِثْلَ جُمُعَةِ هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ يَقُولُونَ إِنَّ جُمُعَتَهُ مُجْزِيَةٌ عنه ولا يصلي أربعا
قال بن وَهْبٍ مَنْ لَغَا كَانَتْ صَلَاتُهُ ظُهْرًا يَعْنِي فِي الْفَضْلِ
قَالَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ جُمُعَةٌ وحرم فضلها
وقال بن جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ هَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا يَقْطَعُ جُمُعَةَ الْإِنْسَانِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا مِنْ كَلَامٍ أَوْ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ قَالَ لَا
وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَتْ قَصُرَتْ لِلْخُطْبَةِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهَا لَا يُفْسِدُهَا مَا كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْهَا فَقَدْ يُدْرِكُ الْمُصَلِّي مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً وَتَفُوتُهُ الْخُطْبَةُ فَتُجْزِيهِ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ
وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَوْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَاخْتَلَفُوا فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلَامِ فِي الْخُطْبَةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ إِشَارَةً كَمَا يَرُدُّهُ فِي الصَّلَاةِ
وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةُ
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ قَالُوا لَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ
[ ٢ / ٢٢ ]
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ
وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ بِالْعِرَاقِ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ بِمِصْرَ وَلَوْ سَلَّمَ رَجُلٌ لَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ كَرِهْتُ ذَلِكَ وَرَأَيْتُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ
قَالَ وَلَوْ شَمَّتَ عَاطِسًا قَدْ حَمِدَ اللَّهَ رَجَوْتُ أَنْ يَسَعَهُ فَضْلُهُ لِأَنَّ التَّشْمِيتَ سُنَّةٌ
وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ وَحَكَى الْبُوَيْطِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا
وَكَذَلِكَ حَكَى إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَكَذَلِكَ حَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الْخُطْبَةَ شَمَّتَ وَرَدَّ السَّلَامِ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمَّا كَانَ مَأْمُورًا بِالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ كَمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يُشَمِّتْ كَمَا لَا يُشَمِّتُ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ فَإِنْ قِيلَ رَدُّ السَّلَامِ فَرْضٌ وَالصَّمْتُ لِلْخُطْبَةِ سُنَّةٌ قِيلَ لَهُ الصَّمْتُ فَرْضٌ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ فَرْضٌ وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِالْخَاطِبِ وَالْمَخْطُوبِ عَلَيْهِمْ
قَالَ أَبُو عُمَرَ الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ الصَّمْتَ فَرْضٌ وَاجِبٌ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﵇ وَهِيَ سُنَّةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهَا مَعْمُولٌ بِهَا
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ وَلَغَا لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِلْجُمُعَةِ وَلَا يُقَالُ لَهُ صَلِّهَا ظُهْرًا فَلَمَّا أَجْمَعُوا عَلَى مَا وَصَفْنَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِنْصَاتَ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِهَا لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ أَنْ يَفْسَدَ الْعَمَلُ بِتَرْكِهَا فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْإِنْصَاتَ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
٢٠١ - وَذَكَرَ مَالِكٌ أَيْضًا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ بن شِهَابٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ
[ ٢ / ٢٣ ]
الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ فَإِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ (قَالَ ثَعْلَبَةُ) جَلَسْنَا نَتَحَدَّثُ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ وَقَامَ عُمَرُ يخطب أنصتنا أنصتنا فلم يتكلم منا أحد
قال بن شِهَابٍ فَخُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ ثَعْلَبَةَ أَنْصَتْنَا فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مِنَّا أَحَدٌ وقول بن شِهَابٍ كَلَامُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الْكَلَامَ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِنْصَاتِ لَيْسَ بِرَأْيٍ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ يُحْتَجُّ بِهَا كَمَا احْتَجَّ بن شِهَابٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَكَلَامُهُ يَقْطَعُ الْكَلَامَ خَبَرٌ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ لَا عَنْ رَأْيٍ اجْتَهَدَهُ وَهُوَ يَرُدُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا حَدِيثَ جَابِرٍ وَحَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَحَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَمَرَ مَنْ جَاءَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَمَرَ بِذَلِكَ سُلَيْكًا الْغَطَفَانِيَّ وَغَيْرَهُ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنَّ مَنْ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ أن يجلس ولا يركع لحديث بن شِهَابٍ هَذَا وَهُوَ سُنَّةٌ وَعَمَلٌ مُسْتَفِيضٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ
وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﵇ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا مَنَازِلِهِمُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ
[ ٢ / ٢٤ ]
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا عَمَلَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ إِلَّا اسْتِمَاعَ الْخُطْبَةِ لِطَيِّ الصُّحُفِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَعْنَى ذَلِكَ أَيْضًا
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ كُنَّا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﵇ فَجَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ ﵇ يَخْطُبُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﵇ اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالرُّكُوعِ بَلْ أَمْرَهُ أَنْ يَجْلِسَ دُونَ أَنْ يَرْكَعَ
وَذَهَبَ الشافعي وبن حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْ يَرْكَعَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ لِمَا ذَكَرْنَا
وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ يُرِيدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَمْ يُنْهَ فِيهِ عَنْ الصَّلَاةِ
وَنَذْكُرُ مِنْهُ ها هنا طُرُقًا فَنَقُولُ إِنَّ نَهْيَهُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ كَذَلِكَ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْأَوْقَاتِ
وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ وَمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَمْرُهُ ﵇ مَنْ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا قَاسِمٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ دَاوُدَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ سُلَيْكٌ الغطفاني ورسول الله يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَّيْتَ قَالَ لَا قَالَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا
[ ٢ / ٢٥ ]
قَالَ أَبُو عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَأَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ كُلُّهُمْ عَنْ جَابِرٍ
وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي ﵇
وَرَوَاهُ عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
وَهُوَ عِنْدَ أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ
وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ إِذَا جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
وَرَوَاهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَيْضًا وَغَيْرُهُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَدْ قَدَّمْنَا قَوْلَهُ ﵇ لِلَّذِي تَخَطَّى الرِّقَابَ اجْلِسْ
وَاسْتِعْمَالُ الْحَدِيثَيْنِ يَكُونُ بِأَنَّ الدَّاخِلَ إِنْ شَاءَ رَكَعَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْكَعْ كَمَا قَالَ مَالِكٌ بِإِثْرِ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ
قَالَ وَذَلِكَ حَسَنٌ وليس بواجب
وأما قوله في حديث بن شِهَابٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِذَا خَرَجَ عُمَرُ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ
فَهَذَا مَوْضِعٌ فِيهِ بَعْضُ الْإِشْكَالِ عَلَى مَنْ لَمْ تَتَّسِعْ عِنَايَتُهُ بِعِلْمِ الْآثَارِ عَنِ السَّلَفِ
فَإِنَّهُ قَدْ شُبِّهَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي مَوْضِعِ الْأَذَانِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ حَدَثَ فِي زَمَنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ
وَهَذَا قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ عِلْمِ قَائِلِهِ بِذَلِكَ
وَرُوِيَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﵇ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ
هَكَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ عَنِ بن أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِيهِ النِّدَاءُ الثالث
وكذلك رواه بن وهب عن يونس عن بن شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ سَوَاءً وَجَعَلَ النِّدَاءَ الَّذِي أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ عَلَى الزَّوْرَاءِ نداء ثالثا
[ ٢ / ٢٦ ]
وذكره أبو داود وغيره من طريق بن وَهْبٍ وَغَيْرِهِ
وَالنِّدَاءُ الثَّالِثُ هُوَ الْإِقَامَةُ
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ كَانَ الْأَذَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵇ وَأَبِي بَكْرِ وَعُمَرَ أَذَانًا وَاحِدًا حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ كَثُرَ النَّاسُ فَزَادَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَهَيَّأَ النَّاسَ لِلْجُمْعَةِ
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ الَّذِي زَادَهُ عُثْمَانُ إِنَّمَا هُوَ أَذَانٌ ثَانٍ عَلَى الزَّوْرَاءِ قَبْلَ الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ
وَكَذَلِكَ تَدُلُّ الْآثَارُ كُلُّهَا عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الْأَذَانَ إِنَّمَا كَانَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ
وَقَدْ رَفَعَ الْإِشْكَالَ في ذلك رواية بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ كَانَ يُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﵇ إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ عَلَى الزَّوْرَاءِ
فَهَذَا نَصٌّ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْآفَاقِ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ يُؤَذِّنُ بَيْنَ يَدَيِ الإمام مؤذن واحد أو مؤذنون
فذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَنَادَى الْمُنَادِي مُنِعَ النَّاسُ مِنَ الْبَيْعِ تِلْكَ السَّاعَةَ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّدَاءَ عِنْدَهُ وَاحِدٌ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ
ويشهد لهذا حديث بن شِهَابٍ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أراد بلالا المواظب على الأذان دون بن أُمِّ مَكْتُومٍ وَغَيْرِهِ
وَالَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قول بن الْقَاسِمِ رِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَخَذَ الْمُؤَذِّنُونَ فِي الْأَذَانِ حَرُمَ الْبَيْعُ
فَذَكَرَ الْمُؤَذِّنِينَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ
[ ٢ / ٢٧ ]
ويشهد بهذا حديث بن شِهَابٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَخْرُجَ عُمَرُ فَإِذَا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ هَكَذَا بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ
وَمَعْلُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُونَ وَاحِدًا وَجَمَاعَةً فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا كَانَ مُتَرَادِفًا لَا يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا
وَأَمَّا حِكَايَةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا قَعَدَ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْأَذَانِ فَإِذَا فَرَغَ قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَذَكَرَ المؤذن بلفظ الواحد على نحو رواية بن عَبْدِ الْحَكَمِ
قَالَ وَكَانَ عَطَاءٌ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ أَحْدَثَ الْأَذَانَ الثَّانِيَ وَيَقُولُ أَحْدَثَهُ مُعَاوِيَةُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَيُّهُمَا كَانَ فَالْأَذَانُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ وَهُوَ الَّذِي يُنْهَى عِنْدَهُ عَنِ الْبَيْعِ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ حَكَى عَنْهُمْ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَأَخَذُوا فِي السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَإِذَا فَرَغَ الْمُؤَذِّنُونَ مِنَ الْأَذَانِ قَامَ الْإِمَامُ فَخَطَبَ خُطْبَتَيْنِ هَكَذَا قَالَ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ
وَقَدْ أَجْمَعُ الْفُقَهَاءُ أَنَّ الْأَذَانَ بِعَرَفَةَ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ
وَفِيمَا أَوْرَدْنَا مِنَ الْأَثَرِ عَنِ السَّلَفِ وَعَنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ مَا فِيهِ بَيَانٌ وَشِفَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
٢٠٢ - وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ
وَالْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ كَثِيرَةٌ فِيهِ
[ ٢ / ٢٨ ]
مِنْهَا حَدِيثُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﵇ بِوَجْهِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ فَقَالَ تَرَاصُّوا وَأَصْلِحُوا صُفُوفَكُمْ إِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي
وَحَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ قَالَ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ
وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ مَسَحَ صُدُورَنَا وَقَالَ رُصُّوا الْمَنَاكِبَ بِالْمَنَاكِبِ وَالْأَقْدَامَ بِالْأَقْدَامِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فِي الصَّلَاةِ مَا يُحِبُّ فِي الْقِتَالِ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَهُ رِجَالٌ قَدْ وَكَّلَهُمْ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ فَيُخْبِرُونَهُ أَنْ قَدِ اسْتَوَتْ فَيُكَبِّرُ فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْإِحْرَامِ
وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ
وَاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ﵇ يُكَبِّرُ قَبْلَ فَرَاغِ بِلَالٍ مِنَ الْإِقَامَةِ وَقَالُوا يُكَبِّرُ الْإِمَامُ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ
[ ٢ / ٢٩ ]
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهَا
وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا وَجْهَانِ فِي حِينِ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ
٢٠٣ - وأما حديثه عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَحَصَبَهُمَا أَنِ اصْمُتَا
فَفِيهِ تَعْلِيمُ كَيْفَ الْإِنْكَارُ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمَا الْكَلَامَ بِالْكَلَامِ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْكَلَامُ
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا صَلَاتَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمَا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ظُهْرًا وَلَا غَيْرَهَا
٢٠٤ - وَكَذَلِكَ حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الَّذِي شَمَّتَ الْعَاطِسَ قَالَ لَهُ لَا تَعُدْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ
وَهَذَا الْقَوْلُ إِنَّمَا كَانَ مِنْ سَعِيدٍ وَمِنَ السَّائِلِ لَهُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَسُؤَالُ مَالِكٍ لِابْنِ شِهَابٍ عَنِ الْكَلَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذَا نَزَلَ الْإِمَامُ عَنِ الْمِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ قَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِ مَالِكٍ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَدِيمًا
وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ الْمَذْكُورِ لَكِنَّ الْعَمَلَ وَالْفُتْيَا عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ فِي ذَلِكَ وَالْأَمْرُ عِنْدِي فِيهِ مُبَاحٌ كُلُّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ