١٠١ - مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا (١) ثُمَّ شَأْنَكَ بِأَعْلَاهَا»
١٠٢ - مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ مُضْطَجِعَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهَا قَدْ وَثَبَتْ وَثْبَةً شَدِيدَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا لَكِ لَعَلَّكَ نَفِسْتِ» يَعْنِي الْحَيْضَةَ فَقَالَتْ نَعَمْ قَالَ «شُدِّي عَلَى نَفْسِكِ إِزَارَكِ ثُمَّ عُودِي إِلَى مَضْجَعِكِ»
فِي حَدِيثِ رَبِيعَةَ مِنَ الْأَحْكَامِ جَوَازُ نَوْمِ الشَّرِيفِ مَعَ أَهْلِهِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَسَرِيرٍ وَاحِدٍ
وَفِيهِ أَنَّهُ ﵇ - لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ «نَفِسْتِ» أَيْ أُصِبْتِ بِالدَّمِ وَالنَّفْسُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الدَّمِ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ يَمُوتُ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ يَعْنِي بِهَا دَمًا سَائِلًا
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَعَانِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مُتَّصِلَةً بِالْأَسَانِيدِ الْقَوِيَّةِ فِي كِتَابِ «التَّمْهِيدِ»
وَتَدُلُّ تَرْجَمَةُ (هَذَا) الْبَابِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَا يُقْرَبُ مِنْهَا مَا تَحْتَ الْإِزَارِ وَلَا يَحِلُّ مِنْهَا إِلَّا مَا فَوْقَهُ
[ ١ / ٣١٩ ]
وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) الْبَقَرَةِ ٢٢٢
فَبَيَّنَ ﵇ كَيْفَ اعْتِزَالُهُنَّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) الْبَقَرَةِ ٢٢٣ أَنَّهُ أَرَادَ الْجِمَاعَ لَا الْمُؤَاكَلَةَ وَلَا الْمُشَارَبَةَ وَلَا الْمُجَالَسَةَ وَلَا الْمُضَاجَعَةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَنَحْوُ هَذَا كُلِّهِ وَأَنَّهُ أَرَادَ الْجِمَاعَ نَفْسَهُ وَجَعَلَ الْمِئْزَرَ قَطْعًا لِلذَّرِيعَةِ وَتَنْبِيهًا عَلَى الْحَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
١٠٣ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا هَلْ يُبَاشِرُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَتْ لِتَشُدَّ إِزَارَهَا عَلَى أَسْفَلِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا إِنْ شَاءَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَجِدُ بَعْدَ السُّنَّةِ أَقْعَدَ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ عَائِشَةَ فَكَانَتْ تُفْتِي بِمَعْنَى مَا وَعَتْ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - فِي ذَلِكَ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ أَخْرَجُوهَا وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبَيْتِ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عن ذلك فأنزل الله (تَعَالَى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) الْبَقَرَةِ ٢٢٢ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ»
فَبَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الَّذِي فِيهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ وَمُرَادُ اللَّهِ بِهَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﵇
وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ وَمَا يُسْتَبَاحُ مِنْهَا - فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ لَهُ مِنْهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ
وَحُجَّتُهُمْ ظَوَاهِرُ الْآثَارِ عَنْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ تَشُدَّ إِزَارَهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا
[ ١ / ٣٢٠ ]
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَجْتَنِبُ مَوْضِعَ الدَّمِ
وَمِمَّنْ رُوِيَ عنه هذا المعنى بن عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعِكْرِمَةُ
وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ
وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - قَوْلُهُ «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلَا النِّكَاحَ)
وَفِي رِوَايَةِ بَعْضِ رُوَاتِهِ «مَا خَلَا الْجِمَاعَ»
وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ قُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ قَالَ إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ»
رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ عَنِ الْبَهْزِيِّ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا (لَيْسَتْ فِيهِ الْحَيْضَةُ فَهُوَ فِي الطَّهَارَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ ذَلِكَ الْعُضْوُ عَلَيْهِ) قَبْلَ الْحَيْضَةِ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي أُمِرْنَا بِالِاجْتِنَابِ لَهُ مِنْ أَجْلِهِ
وَرَوَى أَيُّوبُ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ قَالَتْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الْفَرْجَ
وَرَوَى اللَّيْثُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عِقَالٍ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي إِذَا حَاضَتْ قَالَتْ مَا عَدَا فَرْجَهَا
وَإِذَا تَرَتَّبَتْ هَذِهِ الْآثَارُ مَعَ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الْبَابِ وَحَدِيثِ رَبِيعَةَ وَالْأَحَادِيثِ عَنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُهُنَّ أَنْ تَشُدَّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا إِذَا حَاضَتْ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا - لَمْ تَتَدَافَعْ وَكَانَ بَعْضُهَا يَعْضِدُ بَعْضًا عَلَى مَا تَأَوَّلْنَا مِنْ قَطْعِ الذَّرِيعَةِ فِي شَدِّ الْإِزَارِ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَحْظُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ حَدِيثًا مُسْنَدًا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهَا وَهِيَ حَائِضٌ - «اكْشِفِي عَنْ فَخِذَيْكِ فَكَشَفَتْ فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذَيَّ وَحَنَيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ وَكَانَ قَدْ أَوْجَعَهُ البرد
[ ١ / ٣٢١ ]
وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ مَا قُلْنَاهُ وَبِاللَّهِ تَوْفِيقُنَا
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا يَعُودُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (مِنْ غُرْمٍ)
وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ دِينَارٍ لحديث خصيف عن مقسم عن بن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - فَإِذَا وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ وَقَالَ أَحْمَدُ مَا أَحْسَنَ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مِقْسَمٍ عن بن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ
وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ هِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَرُبَّمَا لَمْ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ أَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِبَغْدَادَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ بِمِصْرَ
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ من أهل الحديث إن وطىء في الدم فعليه دينار (وإن وطىء فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِينَارٍ)
لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الجزري عن مقسم عن بن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - بِذَلِكَ كَذَلِكَ رواه بن جُرَيْجٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عن بن عباس
وقال الأوزاعي من وطىء امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ يَتَصَدَّقُ بِخُمْسَيْ دِينَارٍ وَرَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
قَالَ أَبُو عُمَرَ حُجَّةُ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ إِلَّا الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ - اضْطِرَابُ هَذَا
[ ١ / ٣٢٢ ]
الحديث عن بن عباس مرسلاوالذمم عَلَى الْبَرَاءَةِ لَا يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ فِيهَا شَيْءٌ لِمِسْكِينٍ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مَدْفَعَ فِيهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي وَطْءِ الْحَائِضِ بَعْدَ الطُّهْرِ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ مُضِيِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ الْغُسْلِ فَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الْعَشْرَةِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى تَغْتَسِلَ أَوْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا الْحُكْمُ لَا وَجْهَ لَهُ وَقَدْ حَكَمُوا لِلْحَائِضِ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا بِحُكْمِ الْحَائِضِ فِي الْعِدَّةِ وَقَالُوا لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَا لَمْ تَغْتَسِلْ
فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ هَذَا لَا يَجِبُ أَنْ تُوطَأَ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَهُوَ الصَّوَابُ مَعَ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي ذَلِكَ
١٠٤ - وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنِ الْحَائِضِ هَلْ يُصِيبُهَا زَوْجُهَا إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَا لَا حَتَّى تَغْتَسِلَ
فَإِنْ قِيلَ إِنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تقربوهن حتى يطهرن) الْبَقَرَةِ ٢٢٢ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُنَّ إِذَا طَهُرْنَ مِنَ الْمَحِيضِ حَلَّ مَا حَرُمَ مِنْهُنَّ مِنْ أَجْلِ الْمَحِيضِ لِأَنَّ حَتَّى غَايَةٌ فَمَا بَعْدَهَا بِخِلَافِهَا
فَالْجَوَابُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) دَلِيلًا عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ بَعْدَ الطُّهْرِ حَتَّى يَتَطَهَّرْنَ بِالْمَاءِ لِأَنَّ تَطَهَّرْنَ تَفَعَّلْنَ مِنْ قَوْلِهِ تعالى (وإن كنتم جنبا فاطهروا) الْمَائِدَةِ ٦ وَيُرِيدُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ وَقَدْ يَقَعُ التَّحْرِيمُ بِالشَّيْءِ وَلَا يَزُولُ بِزَوَالِهِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى
دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْمَبْتُوتَةِ (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) الْبَقَرَةِ ٢٣٠ وَلَيْسَ بِنِكَاحِ الزَّوْجِ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى يُطَلِّقَهَا الزَّوْجُ وَتَعْتَدَّ مِنْهُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «ولا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تحيض حيضة
[ ١ / ٣٢٣ ]
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تُوطَأُ نُفَسَاءٌ وَلَا حَائِضٌ حَتَّى تَطْهُرَ وَلَمْ تَكُنْ (حَتَّى) هُنَا بِمُبِيحَةٍ لِمَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى حَظْرِهِ
وَفِي الْمَسْأَلَةِ اعْتِرَاضَاتٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا