١١٦ - مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ
١١٧ - مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثوبه فدعا رسول الله بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ
قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَلَمْ يَغْسِلْهُ» يُرِيدُ وَلَمْ يَفْرُكْهُ وَيَقْرُصْهُ بِالْمَاءِ
وَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَلَمْ يَغْسِلْهُ» لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَزَعَمَ أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ «فَنَضَحَهُ»
وَلَا يَتَبَيَّنُ عِنْدِي مَا قَالَهُ لِصِحَّةِ رِوَايَةِ مَالِكٍ هَذِهِ وَقَدْ قَالَ فِيهَا وَلَمْ يَغْسِلْهُ نَسَقًا وَاحِدًا
[ ١ / ٣٥٥ ]
وكذلك رواية بن جريج عن بن شِهَابٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ «وَلَمْ يَغْسِلْهُ» كَمَا قَالَ مَالِكٌ
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عن بن عيينة وبن جريج كذلك أيضا
وذكره بن أبي شيبة عن بن عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ فِيهِ «فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ وَلَمْ يَزِدْ»
وَقَالَ فِيهِ مَعْمَرٌ «فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَزِدْ»
وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ «فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ» وَقَوْلَهُ فِي حديث بن شِهَابٍ «فَنَضَحَهُ» سَوَاءٌ
وَالنَّضْحُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَبُّ الْمَاءِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇ «إِنِّي لَأَعْرِفُ قَرْيَةً يَنْضَحُ الْبَحْرُ بِنَاحِيَتِهَا - أَوْ قَالَ بِحَائِطِهَا أَوْ سُورِهَا - لَوْ جَاءَهُمْ رَسُولِي مَا رَمَوْهُ بِسَهْمٍ وَلَا حَجَرٍ»
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَرْضًا يُقَالُ لَهَا عُمَانُ يَنْضَحُ بِنَاحِيَتِهَا الْبَحْرُ بِهَا حَيٌّ مِنَ الْمَغْرِبِ لَوْ أَتَاهُمْ رَسُولِي مَا رَمَوْهُ بِسَهْمٍ وَلَا حَجَرٍ»
وَقَدْ يَكُونُ النَّضْحُ أَيْضًا فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ الرَّشَّ
هَذَا وَذَاكَ مَعْرُوفَانِ فِي اللِّسَانِ فَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى صَبِّ الْمَاءِ عَلَى بَوْلِ الصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ وَلَا فَرْكٍ وَقَدْ يُسَمَّى الصَّبُّ غَسْلًا بِدَلِيلِ قَوْلِ الْعَرَبِ غَسَلَتْنِي السَّمَاءُ
وَقَدْ أَمَرَ - ﵇ - بِصَبِّ الذَّنُوبِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ وَيُذْهِبُهَا - فَقَدْ طَهَّرَ مَوْضِعَهَا بِعَرْكٍ وَبِغَيْرِ عَرْكٍ لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا غَلَبَ عَلَى النَّجَاسَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا فِيهِ شَيْءٌ وَغَمَرَهَا طَهَّرَهَا وَكَانَ الْحُكْمُ لَهُ لَا لَهَا
وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُحَرَّرًا فبما تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ بَوْلَ كُلِّ صَبِيٍّ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَلَا يَرْضَعُ نَجِسٌ كَبَوْلِ أَبِيهِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ إِذَا كَانَا يَرْضَعَانِ لَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا بَوْلُ الصَّبِيِّ وَالصِّبِيَّةِ كَبَوْلِ الرَّجُلِ مُرْضَعَيْنِ كَانَا أَوْ غَيْرَ مُرْضَعَيْنِ
[ ١ / ٣٥٦ ]
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا بَأْسَ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ مَا دَامَ يَشْرَبُ اللَّبَنَ وَلَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَوْلُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَتَّى يَأْكُلَ الطَّعَامَ وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي فَرْقُ مَا بَيْنَ الصَّبِيَّةِ وَبَيْنَهُ وَلَوْ غُسِلَ كَانَ أَحَبُّ إِلَيَّ
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ بول الصبية يغسل غسلا وبول الصبي يتبع مَاءً وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
وَذَكَرَ عَبْدُ الرزاق عن معمر وبن جريج عن بن شهاب قال مضت السنة بأن يرش بول الصبي ويغسل بول الجارية
ولفظ بن جريج مكان يرش ينضح
وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ جريج عن بن شهاب قال مضت السنة بأن يرش بول مَنْ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ وَمَضَتِ السُّنَّةُ بِغَسْلِ بَوْلِ مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ مِنَ الصِّبْيَانِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى مَعْنَى مَا فِيهِ مِنَ الْآثَارِ الصِّحَاحِ
وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ بَوْلُ الْغُلَامِ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ صَبًّا وَبَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلْ طَعِمَتْ أَوْ لَمْ تَطْعَمْ
وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ
وَكَانَ الْحَسَنُ يُفْتِي بِهِ لِصِحَّتِهِ عِنْدَهُ
وَرَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ فِي بَوْلِ الصَّبِيَّةِ يُغْسَلُ غَسْلًا وبول الصبي يتبع بالماء
وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ
وَقَدْ رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - أَنَّهُ قَالَ «يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ»
قَالَ قَتَادَةُ مَا لَمْ يَطْعَمَا الطَّعَامَ فَإِذَا طَعِمَا الطَّعَامَ غُسِلَا
[ ١ / ٣٥٧ ]
وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَفِي الْقِيَاسِ كَذَلِكَ بَوْلُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ
وَقَدْ رُوِيَتْ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا فِي أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ لَا يُغْسَلُ وَبَوْلَ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ - آثَارٌ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَعَلَى مَا اخْتَرْنَا فِي هَذَا تَتَّفِقُ مَعَانِي الْآثَارِ وَلَا تَخْتَلِفُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَدَارُ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَهُوَ حَسَبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ