٦٣ - مالك عن بن شهاب عن عباد بن زياد وهو مِنْ وَلَدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَالَ الْمُغِيرَةُ فَذَهَبْتُ مَعَهُ بِمَاءٍ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَكَبْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَ وَجْهَهَ ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيِ الْجُبَّةِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسْلَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَؤُمُّهُمْ وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ فَفَزِعَ النَّاسُ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَحْسَنْتُمْ»
قَالَ أَبُو عمر حديث مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ عِلَّةَ إِسْنَادِهِ وَمَا وَقَعَ لِمَالِكٍ وَبَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْهُ مِنَ الْوَهْمِ فِيهِ
وَذَكَرْنَا هُنَاكَ طُرُقَهُ عَنِ المغيرة من حديث بن شِهَابٍ وَغَيْرِهِ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا مَنْ رَوَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - كَمَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ وَمَنْ أَفْتَى بِهِ وَعَمِلَ بِهِ مِنْهُمْ - ﵃ وَمِنَ التَّابِعِينَ وَجَمَاعَةِ فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَّهُمُ الْكَافَّةُ وَالْجَمَاعَةُ وَالْعَامَّةُ الَّتِي لَا يُحْصَى عَدَدُهَا وَصَحِبْنَا مِنْهُمْ أَعْدَادًا فَوَصَلَتِ الرِّوَايَةُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ عَنْهُمْ فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ نَظَرَ إِلَيْهِ هُنَاكَ
وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا مِنَ الْعِلْمِ ضُرُوبٌ مِنْهَا خُرُوجُ الْإِمَامِ بِنَفْسِهِ فِي الْغَزْوِ لِجِهَادِ الْعَدُوِّ وَكَانَتْ تِلْكَ غَزْوَةُ تَبُوكَ آخِرُ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَهِيَ الْغَزْوَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِغَزْوَةِ الْعُسْرَةِ
قَالَ بن إِسْحَاقَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى تبوك فصالحه أهل أيلة وكتبت لهم كتابا
[ ١ / ٢١٣ ]
وَذَكَرَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ كَانَ خُرُوجُهُ إِلَيْهَا فِي رَجَبٍ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ
وَفِيهِ أَدَبُ الْخَلَاءِ وَالْبُعْدُ عَنِ النَّاسِ عِنْدَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ
وَفِيهِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ تَرْكُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُ صَبَّ عَلَيْهِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى الْخُفَّيْنِ
وَفِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ فَتَبَرَّزَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَتَوَضَّأَ
وَفِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى جِئْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ
وَفِي الْآثَارِ كُلِّهَا أَنَّ الْإِدَاوَةَ كَانَتْ مَعَ الْمُغِيرَةِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ نَاوَلَهَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَهَبَ بِهَا ثُمَّ لَمَّا انْصَرَفَ رَدَّهَا إِلَيْهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ مِنْهَا عَلَيْهِ
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِيهَا أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بَانَ بِذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ وَلَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْآثَارِ
فَلِذَلِكَ اسْتَنْبَطَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ جَائِزٌ الِاسْتِجْمَارُ بِالْأَحْجَارِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ
وقال بن جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «فَتَبرَّزَ لِحَاجَتِهِ قِبَلَ الْغَائِطِ فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً»
وَقَالَ مَعْمَرٌ «فَتَخَلَّفَ وَتَخَلَّفْنَا مَعَهُ بِإِدَاوَةٍ»
وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مَنْ كَرِهَ الْأَحْجَارَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ
فَإِنْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ يَوْمَئِذٍ مِنْ نَقْلِ مَنْ يُقْبَلُ نَقْلُهُ وَإِلَّا فَالِاسْتِدْلَالُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ صَحِيحٌ بِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَرْكُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ وَالْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى الْأَحْجَارِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ
وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ الْيَوْمَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَأَنَّ الْأَحْجَارَ رُخْصَةٌ وَتَوْسِعَةٌ وَأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِهَا جَائِزٌ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ
وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِنْجَاءِ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ
وَفِيهِ لُبْسُ الضَّيِّقِ مِنَ الثِّيَابِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ وَذَلِكَ فِي الْغَزْوِ مُسْتَحَبٌّ لماء فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأَهُّبِ وَالِانْشِمَارِ وَالتَّأَسِّي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لِبَاسِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ عِنْدَنَا فِي الْحَضَرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوقَفْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي السَّفَرِ
[ ١ / ٢١٤ ]
وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي لَا طُولَ فِيهِ جَائِزٌ بَيْنَ أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَذَلِكَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْوُضُوءِ كَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ وَغَسْلِ الْإِنَاءِ وَنَزْعِ الْخُفِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
فَإِنْ أَخَذَ الْمُتَوَضِّئُ فِي غَيْرِ عَمَلِ الْوُضُوءِ وَطَالَ تَرْكُهُ لِلْوُضُوءِ اسْتَأْنَفَهُ مِنْ أَوَّلِهِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى نَفْسِهِ شُغْلًا وَهُوَ يَتَوَضَّأُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ وُضُوئِهِ
وَإِذَا كَانَ الْعَمَلُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَقْطَعُهَا فَهُوَ أَحْرَى أَلَّا يَقْطَعَ الْوُضُوءَ
وَفِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ الْفَاضِلَ وَالْعَالِمَ وَالسُّلْطَانَ جَائِزٌ أَنْ يُخْدَمَ وَيُعَانَ عَلَى حَوَائِجِهِ وَإِنْ كَانَ أَعْوَانُهُ فِي ذَلِكَ أَحْرَارًا لَيْسُوا بِغِلْمَانِ رِقٍّ
وَفِيهِ الْوُضُوءُ بِمَا لَا تَدْخُلُ فِيهِ الْيَدُ مِنَ الْآنِيَةِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَسُنَ الصَّبُّ حِينَئِذٍ مِنْهُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ
وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا خِيفَ فَوْتُ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ فَوْتُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ مِنْهَا لَمْ يُنْتَظَرِ الْإِمَامُ وَإِنْ كَانَ فَاضِلًا جِدًّا
وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَفْضَلُ بِهَذَا الْحَدِيثِ
وَقَالَ مَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - لَمْ يَكُنْ لِيَشْتَغِلَ عَنِ الصَّلَاةِ حتى يخرج وقتها كلها
وَقَالَ لَوْ أُخِّرَتِ الصَّلَاةُ لِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا لَأُخِّرَتْ لِإِمَامَتِهِ ﵇ وَفَضْلِ الصَّلَاةِ مَعَهُ إِذْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فِي السَّفَرِ
وَفِيهِ جَوَازُ أَنْ يُقَدِّمَ النَّاسُ فِي مَسَاجِدِهِمْ إِمَامًا لِأَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَالِي وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَالْجُمُعَةِ الَّتِي هي إلى الولادة وَلَا يُفْتَاتُ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِلَّا أَنْ يُعَطِّلُوهَا أَوْ تَنْزِلَ نَازِلَةٌ ضَرُورَةً
وَفِيهِ جَوَازُ ائْتِمَامِ الْوَالِي فِي عَمَلِهِ بِرَجُلٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ
وَفِيهِ بَيَانٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﵇ - «لَا يُؤَمَّنَّ أَحَدُكُمْ فِي سُلْطَانِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» يَعْنِي بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَّا لِفَضْلٍ فِي الْوَقْتِ وَخَوْفِ فَوْتِهِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا كَانَ أَشَدَّ ضَرُورَةً مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِثْلَهُ
[ ١ / ٢١٥ ]
وَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةِ الْفَاضِلِ خَلْفَ الْمَفْضُولِ
وَفِيهِ أنه رسول الله حين صلى مع بن عَوْفٍ رَكْعَةً جَلَسَ مَعَهُ فِي الْأُولَى ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْأُخْرَى فَكَانَ فِعْلُهُ هَذَا كَقَوْلِهِ «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ»
وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ ذَلِكَ فِي فِعْلِهِمْ ذَلِكَ «أَحْسَنْتُمْ» دَلِيلٌ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَدَ وَيُشْكَرَ كُلُّ مَنْ بَرَزَ إِلَى أَدَاءِ فَرْضِهِ وَعَمِلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ
وَفِيهِ فَضْلٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذْ قَدَّمَهُ جَمَاعَةُ الصَّحَابَةِ لِأَنْفُسِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ بَدَلًا مِنْ نَبِيِّهِمْ ﵇
وَفِيهِ الْحُكْمُ الْجَلِيلُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ وَهُوَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ لَا خِلَافَ بَيْنِهِمْ فِي ذَلِكَ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ إِلَّا قَوْمًا ابْتَدَعُوا فَأَنْكَرُوا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالُوا إِنَّهُ خِلَافُ الْقُرْآنِ وَعَمَلُ الْقُرْآنِ نَسَخَهُ
وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُخَالِفَ رَسُولُ اللَّهِ كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) النَّحْلِ ٤٤
وَقَالَ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) النِّسَاءِ ٦٥
وَالْقَائِلُونَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ هُمُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْغَلَطُ وَلَا التَّشَاغُرُ وَلَا التَّوَاطُؤُ وَهُمْ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُمْ فُقَهَاءُ الْمُسْلِمِينَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِنْكَارُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَهِيَ رِوَايَةٌ أَنْكَرَهَا أَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ وَالرِّوَايَاتُ عَنْهُ بِإِجَازَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ وَعَلَى ذَلِكَ بَنَى مَوَطَّأَهُ وَهُوَ مَذْهَبُهُ عِنْدَ كُلِّ مَنْ سَلَكَ الْيَوْمَ سَبِيلَهُ لَا يُنْكِرُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
[ ١ / ٢١٦ ]
وروى شعبة والثوري وبن عُيَيْنَةَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ رَأَيْتُ جَرِيرًا بَالَ وَتَوَضَّأَ مِنْ مَطْهَرَةٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ فَقِيلَ لَهُ أَتَفْعَلُ هَذَا فَقَالَ وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَفْعَلَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ
قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَكَانُوا - يَعْنِي أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرَهُمْ - يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِهِ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ عَنْ جَرِيرٍ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ جَرِيرًا بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَمَا يَنْبَغِي أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ
قَالُوا إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ
قَالَ مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ كَانَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ وَقِيلَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ عَشْرٍ وَقِيلَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَفِيهَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَقَدْ تَأَوَّلَ جَمَاعَةٌ مِنَ العلماء قول الله ﷿ (وامسحوا برؤوسكم وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) الْمَائِدَةِ ٦ أَنَّهُ أَرَادَ إِذَا كَانَا فِي الْخُفَّيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُونَ عَلَى الْخُفَّيْنِ
وَعَمِلَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَسَائِرُ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ
وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِنْكَارُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِلَّا عن بن عباس وعائشة وأبى هريرة
فأما بن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَ عَنْهُمَا بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ خِلَافُ ذَلِكَ وَمُوَافَقَةً لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ فِطْرٍ قَالَ قُلْتُ لعطاء إن عكرمة يقول قال بن عَبَّاسٍ سَبَقَ الْكِتَابُ الْخُفَّيْنِ قَالَ عَطَاءٌ كَذَبَ عكرمة أنا رأيت بن عَبَّاسٍ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا
[ ١ / ٢١٧ ]
وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ
وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ قَالَ سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَعَائِشَةَ فِي إِنْكَارِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ إِنَّمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ حُبِّبَ إِلَيَّ الْغَسْلُ فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى قَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ حُبِّبَ إِلَيَّ الْغَسْلُ لَمْ أَعِبْهُ قَالَ إِلَّا أَنْ يَتْرُكَ رَجُلٌ الْمَسْحَ وَلَا يَرَاهُ كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْبِدَعِ فَهَذَا لَا يُصَلَّى خَلْفَهُ
ثُمَّ قَالَ نَحْنُ لَا نَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ وَنَرَى الْمَسْحَ أَفْضَلَ
ثُمَّ قَالَ وَمَنْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا سَائِغًا لَا يُخَالِفُ فِيهِ السَّلَفَ صَلَّيْنَا خَلْفَهُ وَإِنْ كُنَّا نَرَى غَيْرَهُ
ثُمَّ قَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ مِنَ الدَّمِ وَنَحْنُ نَرَاهُ كُنَّا لَا نُصَلِّي خَلْفَهُ إِذًا كُنَّا لَا نُصَلِّي خَلْفَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمَالِكٍ وَمَنْ سَهَّلَ فِي الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ جَاءَ عَنْهُ إِنْكَارُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِمَّنْ لَا يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ فِيهِ إِلَّا عَائِشَةَ
وَكَذَلِكَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ رُوِيَ عَنْهُ إِنْكَارُ ذَلِكَ إِلَّا مَالِكًا وَالرِّوَايَاتُ الصِّحَاحُ عَنْهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ مُوَطَّؤُهُ يَشْهَدُ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَعَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَسْتَحِبُّ الْغَسْلَ وَيُفَضِّلُهُ عَلَى الْمَسْحِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ لِلْمَسْحِ عَلَى مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَحَبُّ إِلَيَّ الْغَسْلُ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي «التَّمْهِيدِ» حَدِيثَ أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يُحِيكَنَّ فِي صَدْرِ أَحَدِكُمُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَإِنْ جَاءَ مِنَ الْغَائِطِ لِأَنِّي كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ في المسح
وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ مَسَحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ كَانَ أَبِي لَا يُخْتَلَفُ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ إِلَّا أَخَذَ بِأَشَدِّهِ إِلَّا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ هُوَ السُّنَّةُ وَاتِّبَاعُهَا الْأَفْضَلُ
وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي «التَّمْهِيدِ»
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ فِي ذَلِكَ
[ ١ / ٢١٨ ]
إِحْدَاهَا - وَفِي أَشَدِّهَا نَكَارَةً - إِنْكَارُهُ الْمَسْحَ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ
وَالثَّانِيَةُ كَرَاهِيَةُ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَإِبَاحَتُهُ فِي السَّفَرِ
وَالثَّالِثَةُ إِبَاحَةُ الْمَسْحِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَعَلَى ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - أَحَادِيثُ فِي الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَأَحْسَنُهَا مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ حَدَّثَنَا بن وَضَّاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ السَّرْحِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يسار عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵇ - دَخَلَ دَارَ رَجُلٍ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خفيه»
قال بن وَضَّاحٍ فَقُلْتُ لِأَبِي عَلِيٍّ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مِقْلَاصٍ أَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ قَالَ نَعَمْ
ثُمَّ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الشَّافِعِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن نافع بإسناده مثله
قال بن نَافِعٍ وَقَالَ لِي أَبُو مُصْعَبٍ دَارَ حَمْلٍ بِالْمَدِينَةِ
قَالَ وَقَالَ لِي زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ عن بن وَهْبٍ قَدْ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ هَذَا مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ كُلُّهَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ وَأَنَّ مَالِكًا انْفَرَدَ بِهِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ
وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ انْفَرَدَ بِهِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بِقَوْلِهِ «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ - ﵇ - بِالْمَدِينَةِ فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ (١)
وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ أَحَدٌ «بِالْمَدِينَةِ» غَيْرُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَهُوَ ثِقَةٌ فَاضِلٌ إِلَّا أَنَّهُ خُولِفَ فِي ذَلِكَ عَنِ الْأَعْمَشِ وَسَائِرِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ لَا يقول فيه «بالمدينة»
قال بن وَضَّاحٍ السُّبَاطَةُ الْمَزْبَلَةُ وَالْمَزَابِلُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَضَرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[ ١ / ٢١٩ ]
قال أبو عمر قول بن وَضَّاحٍ الْمَزَابِلُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْحَضَرِ تَحَكُّمٌ مِنْهُ
وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ فِي الْبَادِيَةِ فِي الْحَضَرِ وَمَنْ مَرَّ بِالْبَادِيَةِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ لم يمتنع عليه البول عليها
وأظن بن وَضَّاحٍ إِنَّمَا قَصَدَ بِقَوْلِهِ - الِاحْتِجَاجَ لِرِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَجَاءَ بِلَفْظٍ غَيْرِ مُهَذَّبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ أَبُو عُمَرَ احْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ مِنْ أَصْحَابِنَا بِحَدِيثِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ «أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ لَهُ سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»
وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مِنْ جَهْلِ عَائِشَةَ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَلَيْسَ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا كَمَنْ عَلِمَهُ
وَقَدْ سَأَلَ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ عَلِيًّا كَمَا أَمَرَتْهُ عَائِشَةُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ «ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ»
وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ نَقَلَهُ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ سَلْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ثلاثة أيام وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لِلْمُقِيمِ»
رَفَعَهُ كَمَا رَفَعَهُ شُعْبَةُ وَأَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ عَنِ الْحَكَمِ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْحَكَمِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَرْفُوعًا عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ وَمَنْ رَفَعَهُ أَحْفَظُ وَأَثْبَتُ مِمَّنْ وَقَفَهُ
وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِلْمَسْحِ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ بِأَنَّهَا رُخْصَةٌ لِمَشَقَّةِ السَّفَرِ
[ ١ / ٢٢٠ ]
قِيَاسًا عَلَى الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْقِيَاسَ وَالنَّظَرَ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الْأَثَرِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْقِيتِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ لَا وَقْتَ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ طَاهِرٌ يَمْسَحُ مَا بَدَا لَهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ الْمُقِيمُ وَالْمُسَافِرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ
وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ البصري
وقد ذكرنا الأسانيد عنهم في التمهيد
وَرُوِيَ فِي الْمَسْحِ بِلَا تَوْقِيتٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ قَائِمٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَدَاوُدُ وَالطَّبَرِيُّ لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ
وَرُوِيَ التَّوْقِيتُ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَصَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ وَأَبِي بَكْرَةَ وَغَيْرِهِمْ
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ التَّوْقِيتُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ مِنْ طُرُقٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي «التَّمْهِيدِ» أَكْثَرُهَا مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبِأَسَانِيدَ حسان
وثبت ذلك عن علي وبن مسعود وبن عَبَّاسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَغَيْرِهِمْ
وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ عِنْدِي لِأَنَّ الْمَسْحَ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاطْمَأَنَّتِ النَّفْسُ إِلَى ذَلِكَ
فَلَمَّا قَالَ أَكْثَرُهُمْ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِلْمُقِيمِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا - وَجَبَ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ صَلَاتَهُ بِيَقِينٍ وَالْيَقِينُ الْغَسْلُ حَتَّى يُجْمِعُوا عَلَى الْمَسْحِ وَيَتَّفِقَ جُمْهُورُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ الْخَارِجُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ شَاذًّا كَمَا شَذَّ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ مَنْ لَمْ يَرَ الْمَسْحَ
ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ
[ ١ / ٢٢١ ]
قَالَ قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَانِ وَأَنْتَ مُقِيمٌ - كَفَاكَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْغَدِ وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثُ لَيَالٍ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ وَالْمَسْحِ عَلَيْهِ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يُمْسَحُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ الْخَرْقُ يَسِيرًا وَلَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ الْقَدَمُ فَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ الْقَدَمُ لَمْ يمسح عليه
وقال بن خُوَيْزِ مَنْدَادَ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ الْخَرْقُ لَا يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَمَنْ لَبِسَهُ يَكُونُ مِثْلَهُ يَمْشِي فِيهِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ
وَبِنَحْوِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ إِجَازَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ الْمُخَرَّقِ وَإِنْ تَفَاحَشَ خَرْقُهُ
قَالَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ مَا دَامَ يُسَمَّى خُفًّا
قَالَ وَقَدْ كَانَ خِفَافُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَا تَسْلَمُ مِنَ الْخَرْقِ
وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ تَشْدِيدٌ قَالَ فِي الْكِتَابِ الْمِصْرِيِّ إِذَا كَانَ الْخَرْقُ فِي مُقَدَّمِ الرِّجْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْسَحَ عَلَيْهِ إِذَا بَدَا مِنْهُ شَيْءٌ
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ وَعَلَى مَا ظَهَرَ مِنَ الْقَدَمِ
وَهُوَ قَوْلُ الطَّبَرِيِّ
وَأَصْلُهُ جَوَازُ الْمَسْحِ إِذَا كَانَ مَا ظَهَرَ مِنْهُ يُغَطِّيهِ الْجَوْرَبُ وَإِنْ ظَهَرَ شَيْءٌ مِنَ الْقَدَمِ لَمْ يُمْسَحْ
وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي إِجَازَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ إِذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ
وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ
وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ
وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ وَلِمَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَإِنْ كَانَا مُجَلَّدَيْنِ
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ أَنْ مَسَحَ عَلَيْهِمَا
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ غَسَلَ قَدَمَيْهِ
وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ مِثْلَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا إِنْ غَسَلَهُمَا مَكَانَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ أَخَّرَ غَسْلَهُمَا اسْتَأْنَفَ الوضوء
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ إِذَا خَلَعَ نَعْلَيْهِ أَعَادَ الْوُضُوءَ مِنْ أَوَّلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ تراخي الغسل وغيره
وقال بن أَبِي لَيْلَى وَدَاوُدُ إِذَا نَزَعَ خُفَّيْهِ بَعْدَ الْمَسْحِ صَلَّى كَمَا هُوَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ رِجْلَيْهِ وَلَا اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ قِيَاسًا عَلَى مَسْحِ شَعْرِ الرَّأْسِ
وَقَالَ بِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ
وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذِهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ خَاصَّةً
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ
إِحْدَاهَا أَنَّهُ لا شيء عليه مثل قول بن أَبِي لَيْلَى وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ
وَالثَّانِيَةُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ
وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ
فوجه قول بن أَبِي لَيْلَى وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أَنَّ نَزْعَ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ وَقَدْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ تَجِبُ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَلَا يُزِيلُ اخْتِلَافَهُمْ طَهَارَتَهُ وَشَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ ثُمَّ حَلْقِهِ
وَمَنْ قَالَ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ حُجَّتُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمَسْحِ مَغِيبُ الْقَدَمَيْنِ فِي الْخُفَّيْنِ فَإِذَا ظَهَرَتَا عَادَ الْحُكْمُ إِلَى أَصْلِهِ فَوَجَبَ غَسْلُهُ
وَمَنْ قَالَ بِغَسْلِهِمَا مَكَانَهُ وَابْتَدَأَ الْوُضُوءَ رَاعَى تَبْعِيضَ الْوُضُوءِ وَهَذَا الْمَعْنَى رَاعَى مَنْ رَأَى اسْتِئْنَافَ الْوُضُوءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَفِي التَّمْهِيدِ مَسَائِلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَ مَوْضِعَ ذِكْرِهَا هَذَا الْكِتَابُ
وَأَمَّا حَدِيثُ مَالِكٍ فِي تَأْخِيرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حِينَ بَالَ فِي السُّوقِ وَتَوَضَّأَ فَمَحْمُولٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ نَسِيَ لَا أَنَّهُ تَعَمَّدَ تَبْعِيضَ وُضُوئِهِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ
وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَوْضِعٌ لِلْقَوْلِ غَيْرَ الْمَسْحِ فِي الْحَضَرِ وَالْبَابُ كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ
٦٤ - مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدِمَ الْكُوفَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ أَمِيرُهَا فَرَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمْسَحُ عَلَى
[ ١ / ٢٢٣ ]
الْخُفَّيْنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ سَلْ أَبَاكَ إِذَا قَدِمْتَ عَلَيْهِ فَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَسِيَ أَنْ يَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ سَعْدٌ فَقَالَ أَسَأَلْتَ أَبَاكَ فَقَالَ لَا فَسَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُنَا مِنَ الْغَائِطِ فَقَالَ عُمَرُ نَعَمْ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُكُمْ مِنَ الْغَائِطِ
وَذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُلُّهُمْ عن بن عمر بهذا المعنى
وإنكار بن عُمَرَ عَلَى سَعْدٍ إِنَّمَا كَانَ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ لِأَنَّهُ جَهِلَ مَسْحَ الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ بَيِّنٌ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ
وَفِي رِوَايَةِ بن جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ «وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْكُوفَةِ» وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ وَهَذَا يَقْتَضِي الْمَسْحَ لِلْمُقِيمِ فَمَنْ أَرَادَ رِوَايَةَ هَذَا الْخَبَرِ بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَاتِّفَاقِ مَعَانِيهِ نَظَرَهُ فِي التَّمْهِيدِ
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ وَشَرْطُهُ فِيهِ «إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ» فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇ - رَوَاهُ عَنِ الشَّعْبِيِّ يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وذكره بن أَبِي زَائِدَةَ وَمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمْ
قَالَ الشَّعْبِيُّ شَهِدَ لِي عُرْوَةُ عَلَى أَبِيهِ كَذَلِكَ وَشَهِدَ أَبُوهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﵇
وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي «التَّمْهِيدِ» بِالطُّرُقِ وَالْأَسَانِيدِ
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِلَّا مَنْ لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى فِيمَنْ قَدَّمَ فِي وُضُوئِهِ غَسْلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَتَمَّ وُضُوءَهُ هَلْ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا أَمْ لَا)
وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يُوجِبِ النَّسَقَ وَلَا التَّرْتِيبَ فِيهَا
وَهِيَ مَسْأَلَةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا
وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَنْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ وُضُوءَهُ أَجْزَأَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَبِسَ خُفَّيْهِ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ مُحْتَجًّا لِلْكُوفِيِّينَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ رِجْلَيْهِ طَاهِرَتَانِ إِذَا غَسَلَهُمَا
[ ١ / ٢٢٤ ]
وَلَمْ يُكْمِلِ الطَّهَارَةَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا يُقَالُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ
وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْهُمْ إِنَّمَا يُرَاعَى الْحَدَثُ وَالْحَدَثُ لَا يَرِدُ إِلَّا عَلَى طِهَارَةٍ كَامِلَةٍ فَهُوَ كَمَنْ يُقَدِّمُ رِجْلَيْهِ
وَحُجَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ فَكَأَنَّهُ مَسَحَهُمَا قَبْلَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ إِذَا أَدْخَلْتَ رِجْلَيْكَ فِي الْخُفَّيْنِ وَأَنْتَ طَاهِرٌ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا وَلَا يَكُونُ طَاهِرًا إِلَّا بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ مَسَحَ عَلَيْهِمَا
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لُبْسُهُ خُفَّيْهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ طَهَارَتِهِ عَلَى الْكَمَالِ
وَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَيُبْطِلُونَ الطَّهَارَةَ عَلَى غَيْرِ التَّرْتِيبِ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ عَلَى طَهَارَةٍ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَمْسَحُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ
وَمِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفَرَّعَ الْجَوَابُ فِيمَنْ لَبِسَ أَحَدَ خُفَّيْهِ بَعْدَ غَسْلِ إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَقَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ الْأُخْرَى
فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ لَبِسَ الْخُفَّ الْآخَرَ قَبْلَ تَمَامِ طَهَارَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَدَاوُدُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مُطَرِّفٌ
وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ الْخُفَّ الْأَوَّلَ بَعْدَ لُبْسِهِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ
وَفِي هَذَا الْبَابِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَعَلَيْهِ خُفَّاهُ وَسَهَا عَنِ الْمَسْحِ عَلَيْهِمَا حَتَّى جَفَّ وُضُوءُهُ وَصَلَّى
قَالَ لِيَمْسَحْ عَلَى خُفَّيْهِ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ وَلَا يُعِدِ الْوُضُوءَ
هَذَا لِأَنَّ تَبْعِيضَ الْوُضُوءِ عِنْدَهُ سَهْوًا لَا يَضُرُّهُ وَلَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ ابْتَدَأَ الْوُضُوءَ
وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ تَكَرَّرَ الْقَوْلُ فِيهِ