٢١٤ - مَالِكٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ عَنْ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ مَاذَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ قال كان يقرأ (هل آتك حديث الغشية) الْغَاشِيَةِ ١
قَوْلُهُ عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ كَانَ يَقْرَأُ بِهَا وَلَا يَتْرُكُ قِرَاءَتَهَا فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِهِ
وَفِيهِ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِغَيْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ (وَلَوْ كَانَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْجُمُعَةِ) فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا مَا كَانَ سُؤَالُهُ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ يَقْرَأُ مَعَهَا شَيْئًا وَاحِدًا أَبَدًا لِعِلْمِهِ كَمَا عَلِمَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مُخْتَلِفًا فَلَمْ يَقِفْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَسَأَلَ عَنِ الْأَغْلَبِ مِنْهُ فَأَخْبَرَهُ النُّعْمَانُ بِمَا عِنْدَهُ
وَقَدْ عَلِمَ غَيْرُ النُّعْمَانِ مِنْ ذَلِكَ خِلَافَ مَا عَلِمَ النُّعْمَانُ وَقَدْ أَدَّى عَنْهُ (ﷺ أَصْحَابُهُ) مَا عَلِمُوا مِنْ ذَلِكَ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْآثَارِ فِيهِ وَهَذَا عِنْدَهُمْ مِنَ اخْتِلَافِ الْمُبَاحِ الَّذِي وَرَدَ وُرُودَ التَّخْيِيرِ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ مَالِكٍ هَذَا
وَمِنْهَا حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ بِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى ١ (هل أتك حديث الغشية) الْغَاشِيَةِ ١ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدَانِ فِي يَوْمٍ قَرَأَ بِهِمَا جَمِيعًا
وَمِنْهَا حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَصَلَّى بِنَا أَبُو هريرة
[ ٢ / ٥١ ]
الْجُمُعَةَ فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وفي الآخرة (إذا جاءك المنفقون) الْمُنَافِقُونَ ١ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرَفَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّكَ قَرَأْتَ بِسُورَتَيْنِ كَانَ عَلِيٌّ يَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْكُوفَةِ فَقَالَ أبو هريرة إني سمعت رسول الله يَقْرَأُ بِهِمَا
وَمِنْهَا حَدِيثُ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ (وَإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ (٢»
ومنها حديث زيد عُقْبَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقرأ فِي الْجُمُعَةِ بِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) الأعلى ١ و(هل أتك حديث الغشية) الْغَاشِيَةِ ١
وَهَذِهِ آثَارٌ صِحَاحٌ كُلُّهَا لَهَا طُرُقٌ كَثِيرَةٌ وَرُوِيَتْ مِنْ وُجُوهٍ غَيْرِ هَذِهِ
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ
فَقَالَ مَالِكٌ بِمَا رَوَى فِي ذَلِكَ قَالَ أَحَبُّ إِلَيَّ أن يقرأ الإمام يوم الجمعة (هل أتك حديث الغشية) الْغَاشِيَةِ ١ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلى) الأعلى ١
وذكر بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ صَلَّيْتُ خَلَفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجُمُعَةَ فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَوْلَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)
وَجُمْلَةُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتْرُكُ سُورَةَ الْجُمُعَةِ فِي الْأَوْلَى وَيَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِمَا شَاءَ إلى أنه يستحب ما وصفنا
وروى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَسُنَّةٌ قَالَ لَا أَدْرِي مَا سُنَّةٌ وَلَكِنْ مَنْ أَدْرَكْنَا كَانَ يَقْرَأُ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قِيلَ لَهُ فَمَا
[ ٢ / ٥٢ ]
تَرَى أَنْ يَقْرَأَ مَعَهَا قَالَ أَمَّا فِيمَا مَضَى فَ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وَأَمَّا اليوم فيقرؤون بِالسُّورَةِ الَّتِي تَلِيهَا
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ تَرَكَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْتَارُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأَوْلَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ (إِذَا جاءك المنفقون) الْمُنَافِقُونَ ١
وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ لَا يَتْرُكُ قِرَاءَةَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهَا لَمْ تَفْسَدْ صَلَاتُهُ وَقَدْ أَسَاءَ وَتَرَكَ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ مَا قَرَأَ بِهِ فَحَسَنٌ وَكَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُوَقِّتُوا فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرَهَا
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا يَتَعَمَّدُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْجُمُعَةِ بِالسُّورَةِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْآثَارِ وَلَكِنْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ أَحْيَانًا وَيَدَعُ أَحْيَانًا
وَأَمَّا الِاحْتِبَاءُ فَذُكِرَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْبَابِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَابِ فِيهِ شيئا
وذكر في رواية بن بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَحْتَبِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ وَلَا رُوِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَرَاهِيَةُ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ جَوَازُهُ وَأَظُنُّ مَالِكًا سَمِعَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ كَرَاهِيَةِ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَأَنَّهُ قَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ وصح عنده فعل بن عُمَرَ وَبَلَغَهُ فَأَدْخَلَهُ فِي كِتَابِهِ
وَالْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ فِيهِ رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَرْحُومٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى عَنِ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ
[ ٢ / ٥٣ ]
وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْمَقْبُرِيُّ فَذَكَرَهُ
قَالَ أَبُو داود وكان بن عُمَرَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَشُرَيْحٌ وَصَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَمَكْحُولٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ يَحْتَبُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ سَلَامَةَ لَا بَأْسَ بِهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا كَرِهَهَا إِلَّا عُبَادَةَ بْنَ نُسَيٍّ
وَرُوِيَ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ جَوَازُ الِاحْتِبَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ والأوزعي وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ
٢١٥ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ مَالِكٌ لَا أَدْرِي أَعَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَمْ لَا أَنَّهُ قَالَ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ
فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ وُجُوهٍ
مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ
وَهُوَ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇
(وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ
[ ٢ / ٥٤ ]
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِالْأَسَانِيدِ فِي التَّمْهِيدِ
وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ أَيْضًا مَدَنِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ فِي مَعْنَاهُ رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ الْبَرَّادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ
قَالَ أَبُو عُمَرَ يَرْوِيهِ غَيْرُ سُلَيْمَانَ وَالدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ جَابِرٍ وَرِوَايَةُ سُلَيْمَانَ وَالدَّرَاوَرْدِيِّ أَوْلَى بِالصَّوَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
وَفِيهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ مَعْنَى الضَّرُورَةِ وَمَا هِيَ وَمَا الَّذِي يَتَخَلَّفُ لَهُ الصَّحِيحُ عَنِ الْجُمُعَةِ وَأَتَيْنَا بِمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ هُنَالِكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَمَّا التَّشْدِيدُ فِي تَرْكِهَا فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ حديث بن عمر وحديث بن عَبَّاسٍ وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَةَ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ
وَقَدْ ذَكَرَتْهَا بِأَسَانِيدِهَا فِي التَّمْهِيدِ
وَالْخَتْمُ عَلَى الْقُلُوبِ مِثْلُ الطَّبْعِ عَلَيْهَا وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِأَنَّ مَنْ طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ وَخُتِمَ عَلَيْهِ لَمْ يَعْرِفْ مَعْرُوفًا وَلَمْ يُنْكِرْ مُنْكِرًا
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي أَرَادَ النَّبِيُّ ﵇ أَنْ يَحْرِقَ عَلَى مَنْ تَخَلَّفَ عنها هي الجمعة
ذكره بن أَبِي شَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ عَفَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ وَهِيَ عن سفيان الثوري وبن المبارك ومراون بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمُعَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ
وَرَوَى جَرِيرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلًا سأل بن عَبَّاسٍ شَهْرًا كُلَّ يَوْمٍ يَسْأَلُهُ عَنْهَا مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ ولا
[ ٢ / ٥٥ ]
يشهد الجمعة ولا الجماعة فكان بن عَبَّاسٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَاحَبُكَ فِي النار
وهذا يحتمل أن يكون بن عباس عرف حال المسؤول عَنْهُ بِاعْتِقَادِ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَالتُّهْمَةِ بِاسْتِحْلَالِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَتَكْفِيرِهِمْ وَأَنَّهُ لِذَلِكَ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ مَعَهُمْ فَأَجَابَهُ بِهَذَا الْجَوَابِ تَغْلِيظًا فِي سُوءِ مَذْهَبِهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّمْهِيدِ حَدِيثَ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَهُمْ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي يَوْمِي هَذَا وَفِي عَامِي هَذَا فَمَنْ تَرَكَهَا جُحُودًا بِهَا وَاسْتِخْفَافًا لِحَقِّهَا فَلَا جَمَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا زَكَاةَ لَهُ وَلَا صَوْمَ لَهُ وَلَا حَجَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ فَمَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرْتُهُ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ وَقَدْ بَانَ فِيهِ أَنَّ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ تَرَكَهَا جُحُودًا بها واستخفافا بحقها
وفي قوله تعالى (يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلوة مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) الْجُمُعَةِ ٩ كِفَايَةٌ فِي وُجُوبِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ
وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ أَنَّ الْجُمُعَةَ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ حُرٍّ بَالِغٍ ذَكَرٍ يُدْرِكُهُ زَوَالُ الشَّمْسِ فِي مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ غَيْرِ مُسَافِرٍ
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ مَنْ تَرَكَهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِتْيَانِهَا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ كَافِرٍ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَاحِدًا لَهَا مُسْتَكْبِرًا عَنْهَا
وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ بِتَرْكِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَاسِقٌ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ
وَقِيلَ ذَلِكَ فِيمَنْ تَرَكَهَا عَامِدًا مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا عُذْرٍ
فَإِنْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَهْلِ إنه روى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ شُهُودَهَا سُنَّةٌ فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ شُهُودَهَا سُنَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي إِيجَابِ الْجُمُعَةِ عَلَيْهِمْ وَأَمَّا أَهْلُ الْأَمْصَارِ فَلَا
وَنَحْنُ نُورِدُ ذَلِكَ عَلَى نَصِّهِ وَالرِّوَايَةُ فِي سَمَاعِ بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ قَالَ لِي مَالِكٌ كُلُّ قَرْيَةٍ مُتَّصِلَةِ الْبُيُوتِ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُجَمِّعُوا إِذَا كَانَ إِمَامُهُمْ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُجَمِّعُوا أَوْ لِيُؤَمِّرُوا رَجُلًا فَيُجَمِّعُ بِهِمْ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ سُنَّةٌ
[ ٢ / ٥٦ ]
هذه رواية بن وَهْبٍ الَّتِي شُبِّهَ بِهَا عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ جَمَاعَةً يَقُولُونَ إِنَّهُ لَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ
وَفِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي رواية بن وَهْبٍ هَذِهِ إِذَا كَانَ إِمَامُهُمْ يَأْمُرُهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْجُمُعَةِ عِنْدَهُ فِي الْقَرْيَةِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمِصْرٍ إِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادٌ مِنْهُ سُنَّةٌ وَتَشْبِيهٌ لَهَا بِالْمِصْرِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى إِيجَابِ الْجُمُعَةِ فِيهِ
وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ لَا تَقْوَى قُوَّةً تُوجِبُ الْقَطْعَ عَلَيْهَا وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِالْإِجْمَاعِ الْقَاطِعِ لِلْعُذْرِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ
فَلِهَذَا أَطْلَقَ مَالِكٌ أَنَّهَا سُنَّةٌ فِي قُرَى الْبَادِيَةِ لَمَّا رَأَى مِنَ الْعَمَلِ بِهَا بِبَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا خِلَافٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاخْتِلَافَ فِي التَّجْمِيعِ فِي الْقُرَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ فِي التَّمْهِيدِ
عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ سُنَّةٌ أَيْ طَرِيقَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهَا هَذَا لَوْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ بِالْأَمْصَارِ
وَقَالَ مَكْحُولٌ السُّنَّةُ سُنَّتَانِ سُنَّةُ فَرِيضَةٍ وَسُنَّةٌ غَيْرُ فَرِيضَةٍ
فَالسُّنَّةُ الْفَرِيضَةُ الْأَخْذُ بِهَا فَرِيضَةٌ وَتَرْكُهَا كَفْرٌ وَالسُّنَّةُ غَيْرُ الْفَرِيضَةِ الْأَخْذُ بِهَا فَضِيلَةٌ وَتَرْكُهَا إلى غير حرج
وقد روى بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ رَسُولِ الله يَنْزِلُونَ مِنَ الْعَوَالِي يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
قَالَ وَالْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ
قَالَ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ شُهُودَهَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ
قَالَ أَبُو عُمَرَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى هَؤُلَاءِ عِنْدَهُ وَعَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمِصْرِ مِنْهُمْ
وَأَمَّا الْمِصْرُ فِيهِ عِنْدَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى أَهْلِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ كَانَ بِمَكَانٍ يَسْمَعُ مِنْهُ أَوْ رَأْسِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ أَدْنَى
وَمَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي سَعَةٍ إِنْ شَاءَ الله
وقد روى بن الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْقُرَى الَّتِي تُجَمَّعُ فِيهَا الْجُمُعَةَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ وَالٍ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا فَيَخْطُبُ بهم ويصلي
قال بن الْقَاسِمِ قَالَ لِي مَالِكٌ إِنَّ لِلَّهِ فَرَائِضَ فِي أَرْضِهِ فَرَائِضَ لَا يُسْقِطُهَا الْوَالِي
[ ٢ / ٥٧ ]
قال بن الْقَاسِمِ يُرِيدُ الْجُمُعَةَ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الَّتِي عَلَيْهَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ بِالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْجُمُعَةَ وَاجِبٌ شُهُودُهَا عَلَى كُلِّ بَالِغٍ مِنَ الرِّجَالِ حُرٍّ إِذَا كَانَ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ هَذَا إِجْمَاعٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقُرَى الصِّغَارِ فِي أَنْفُسِهَا وَفِي الْمَسَافَةِ الَّتِي مِنْهَا يَجِبُ قَصْدُ الْمِصْرِ لِلْجُمُعَةِ مِنَ الْبَوَادِي عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّمْهِيدِ وَنَذْكُرُ ها هنا اخْتِلَافَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ
قَالَ مَالِكٌ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَعَلَيْهِ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ وَعَلَى مَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ مِنْ مَوْضِعٍ يَسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءَ وَالنِّدَاءُ يُسْمَعُ بِالصَّوْتِ النَّدِيِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فِيمَا ذَكَرُوا
وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ عَزِيمَةُ الْجُمُعَةِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنَ الْمِصْرِ بِمَوْضِعٍ يَسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءَ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ فَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا وَرَاعَى الْقَرْيَةَ الْمُجْتَمِعَةَ الْمُتَّصِلَةَ الْبُيُوتِ
قَالَ بن الْقَاسِمِ كَالرَّوْحَاءِ وَشِبْهِهَا فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ لَزِمَتْهُمُ الجمعة
وقال مطرف وبن الْمَاجِشُونِ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أَهْلِ ثَلَاثِينَ بَيْتًا فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ بِوَالٍ وَبِغَيْرِ وَالٍ
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَمْسِينَ رَجُلًا
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ ثَلَاثَةٌ سِوَى الْإِمَامِ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ اثْنَانِ سِوَى الْإِمَامِ
وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَدَاوُدُ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالطَّبَرِيُّ إِنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَ الْإِمَامِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ يَخْطُبُ عَلَيْهِ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ أَجَزْتُهُمَا
وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَرْبَعِينَ رَجُلًا
وَعَنْ أبي هريرة مائتا رجل
وقال طَائِفَةٌ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا لِأَنَّ الَّذِينَ بَقُوا مَعَ النَّبِيِّ ﵇ فَأَقَامَ الْجُمُعَةَ بِهِمْ إِذْ تَرَكُوهُ قَائِمًا كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا
وَلِكُلِّ قَوْلٍ وَجْهٌ يَطُولُ الِاحْتِجَاجُ لَهُ وَبِاللَّهِ التوفيق
[ ٢ / ٥٨ ]
٢١٦ - وَأَمَّا حَدِيثُهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَجَلَسَ بَيْنَهُمَا
فَهُوَ مُرْسَلٌ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاتِهِ
وَقَدْ أَسْنَدْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ فِي التَّمْهِيدِ صِحَاحٍ كُلِّهَا
مِنْهَا حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ
وَحَدِيثُ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﵇ يَخْطُبُ قَائِمًا وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْرًا وَخِطْبَتُهُ قَصْرًا وَكَانَ يَتْلُو فِي خُطْبَتِهِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ (هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَمْ سُنَّةٌ
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ) سُنَّةٌ فَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ يَجْلِسُ جِلْسَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَالْأُخْرَى بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجْلِسُ الْإِمَامُ أَوَّلَ مَا يَخْطُبُ وَيَجْلِسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْلِسُ حِينَ يَظْهَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ لِأَنَّهُ يَنْتَظِرُ الْأَذَانَ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْعِيدَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُ أذانا فإن ترك الجلوس الأول كراهته وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَلَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا الْجُلُوسُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ فلابد مِنْهُ فَإِنْ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا أعاد ظهرا أربعا
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَيَجْلِسُ جِلْسَتَيْنِ
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْخُطْبَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَا يُجْزِئُ مِنْهُمَا وَهَلْ هِيَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ
فَالرِّوَايَاتُ عَنْ أَصْحَابِنَا فِيهَا مُضْطَرِبَةٌ وَالْخُطْبَةُ عِنْدَنَا في الجمعة فرض وهو
[ ٢ / ٥٩ ]
قول بن الْقَاسِمِ وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُ إِلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ مِنَ الْكَلَامِ الْمُؤَلَّفِ الْمُبْتَدَإِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَأَمَّا تَكْبِيرَةٌ أَوْ تَهْلِيلَةٌ أَوْ تَسْبِيحَةٌ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَلَا تجزئه
وذكر بن عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْخُطْبَةِ
قَالَ بن وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ وَيَجْلِسُ جِلْسَتَيْنِ
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَا تَكُونُ جُمُعَةً إِلَّا بِخُطْبَةٍ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تُجْزِئُ الْجُمُعَةُ بِأَقَلَّ مِنْ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا فَإِنْ خَطَبَ جَالِسًا وَهُوَ يُطِيقُ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ يُطِيقُ لَمْ تُجْزِهِمْ جُمُعَةٌ
قَالَ وَأُقِلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ خُطْبَةٍ مِنْهُمَا أَنْ يحمد الله في أو كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ وَيُوصِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَيَقْرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْأُولَى وَيَدْعُوَ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ جَمْعُ بَعْضِ الْكَلَامِ إِلَى بَعْضٍ
قَالَ وَإِنْ خَطَبَ خُطْبَةً وَاحِدَةً عَادَ فَخَطَبَ ثَانِيَةً مَكَانَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ أَعَادَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا
قَالَ وَلَا تَتِمُّ الْخُطْبَةُ إِلَّا أَنْ يَقْرَأَ فِي إِحْدَاهُمَا بِآيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَقْرَأُ فِي الْآخِرَةِ أَيْضًا بِآيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَالْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَى أَكْثَرُ وَمَا قَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ أَوِ الْقِرَاءَةِ أَوْ أَخَّرَ لَمْ يَضُرَّهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِنْ خَطَبَ الْإِمَامُ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ أَوْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَجْزَأَهُ مِنَ الْخُطْبَةِ
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَكُونَ كَلَامًا يُسَمَّى خُطْبَةً
قَالَ أَبُو عمر قال الله تعالى (يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلوة مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ الجمعة ٩ والذكر ها هنا الصلاة والخطبة بإجماع
فأبان رسول الله الْجُمُعَةَ بِفِعْلِهِ كَيْفَ هِيَ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ هِيَ وَكَمْ رَكْعَةٍ هِيَ وَلَمْ يُصَلِّهَا قَطُّ إِلَّا بِخُطْبَةٍ
فَكَانَ بَيَانُهُ ذَلِكَ فَرْضًا كَسَائِرِ (بَيَانِهِ لِمُجْمَلَاتِ الصَّلَوَاتِ فِي رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَأَوْقَاتِهَا وَفِي الزَّكَوَاتِ وَمَقَادِيرِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُجْمَلَاتِ الْفَرَائِضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْكِتَابِ
[ ٢ / ٦٠ ]
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى وُجُوبِ الْخُطْبَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا الْجُمُعَةِ ١١ لِأَنَّهُ عَاتَبَ بِذَلِكَ الَّذِينَ تَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ قَائِمًا يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَانْفَضُّوا إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي قُدِّمَتِ الْعِيرُ بِهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَعَابَهُمْ بِذَلِكَ وَلَا يُعَابُ إِلَّا عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ
وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقَوْلِ فِي وُجُوبِهَا لَازِمٌ قَاطِعٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا قَائِمًا لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ فَإِنْ أَعْيَا وَجَلَسَ لِلرَّاحَةِ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى يَعُودَ قَائِمًا
وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ رُبَّمَا اسْتَرَاحَ فِي الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَكَلَّمُ قَائِمًا
وَأَوَّلُ مَنْ خَطَبَ جَالِسًا مُعَاوِيَةُ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ
وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوْضِعِهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
[ ٢ / ٦١ ]