"الخميصة": كساء صوف رقيق يكون له في الأغلب علم، وكانت من لباس أشراف العرب، وقد يكون العلم فيها أحمر وأصفر وأخضر.
وقوله: "كاد يفتنني" دليل على أن الفتنة لم تقع و"كاد" في اللغة: توجب القرب، وتمنع الوقوع؛ ولهذا قال بعض العلماء: لا يخطف البرق بصر أحد؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾.
[ ١ / ١٢٠ ]
و"الأنبجاني" [٦٨]: كساء صوف غليظ لا أعلام فيه، إن أردت الثوب والكساء ذكرت، وإن أردت الرقعة والخميصة أنثت. قال ثعلب: يقال: أنبجانية- بفتح الباء وكسرها-، وكلما كثر والتف [من الشعر] يقال: شاة إنبجانية؛ أي: كثيرة الصوف ملتفة. وقال أبو محمد بن السيد: وأما ما وقع في بعض نسخ "الموطأ": "إنبجانية"- بكسر الهمزة والباء، فلا أعرف أحدًا من اللغويين حكاه، ولا أبعد أن تكون لغة؛ لأن هذه الكلمة شذت في النسب عن القياس؛ لأنها منسوبة إلى "منبج"، والقياس فيه: منبجية. وقال ابن قتيبة: إنما هو منبجاني، ولا يقال: أنبجانين إنما هو منسوب إلى "منبج" وفتحت باؤه في النسب؛ لأنه خرج مخرج منظراني، ومخبراني. وغير ابن قتيبة يقول: جائز أن تقول: أنبجاني، كما جاء في الحديث؛ لأنها رواية عرب فصحاء، ومن الأنساب ما لا يجري على قياس، وإنما هو مسموع، هذا لو صح أنه منسوب إلى "منبج"، وإنما النسب إلى "منبج" منبجي، فالذي قاله
[ ١ / ١٢١ ]
ثعلب إذًا أظهر.
وقوله: "فطار دبسي" [٦٩]. "الدبسي": طائر يشبه اليمامة. وقيل: إنه اليمامة نفسها، وهو الحمام على الحقيقة والقماري، وأما التي تستفرخ في البيوت فدواجن.
وقوله: "فطفق/١٣/أيتردد" [٦٩] كقوله: جعل يتردد، يقال: طفق يطفق، وطفق يطفق؛ وقال صاحب "العين": طفق- بالفتح- لغة رديئة. وقال صاحب "الأفعال": طفق بالشيء طفوقًا: أدام فعله ليلًا ونهارًا، وفي القرآن:
[ ١ / ١٢٢ ]
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ (٣٣)﴾.
وقوله: "لقد أصابتني في مالي هذا فتنة" [٦٩]. أصل الفتنة في الكلام: الاختبار، قال الله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، أي: اختبرناك اختبارًا؛ إلا أنه إذا أطلق فإنما يستعمل غالبًا فيمن أخرجه الاختبار إلى غير الحق، يقال: فلان مفتون، أي: اختبر فوجد على غير الحق، فمعناه في هذا الحديث: اختبرت في هذا المال فشغلني عن الصلاة.
وتكون الفتنة بمعنى المميلة عن الحق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ومعناه في هذا الحديث: أصابني من بهجة هذا المال ما أمالني عن الإقبال على صلاتي.
وتكون الفتنة- أيضًا-: الإحراق، يقال: فتنت الرغيف في النار: إذا أحرقته، قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي: يحرقون.
والفتنة تتصرف في اللغة على ستة معان.
أحدها: الاختبار. والثاني: التعذيب. والثالث: الاستذلال. والرابع: الإشراك. والخامس: العبرة والعظة. والسادس: الحرج.
[ ١ / ١٢٣ ]
واللغة المشهورة: فتنت الرجل، وأهل نجد يقولون: أفتنت.
وقوله: "بالقف" [٧٠]. القف: ما صلب من الأرض واجتمع، وأصل القفوف: الاجتماع، ومنه: قف شعري: إذا اجتمع وتقبض.
ويقال: "ثمر" كجمل، و"ثمر" كعنق، و"ثمر"، وقد قيل: إنه جمع الجمع.
وقوله: "قد ذللت". قال ابن مزين: معناه أن النخل تجمع عراجينها بحبل أو شيء فتبرز الثمرة فتبين للخرص. والأظهر وهو الذي رواه أبو الوليد
[ ١ / ١٢٤ ]
الباجي: أن معناه مالت الثمرة بعراجينها لما عظمت وبلغت حد النضج، وثقلت فبرزت وصارت كالطوق للنخلة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤)﴾ أي: سخرت وأدنيت وقربت ثمارها؛ فيتناولها القائم والقاعد والمضطجع.
وقوله: "فسمي ذلك المال، الخمسين". يروى: "الخمسين" بالرفع والنصب؛ فمن رفع أجراه على البدل من المال، كما يؤكد الناس بأجمعين، وكقولهم: ضرب زيد الظهر والبطن، ومطر الناس السهل والجبل؛ ومن نصب أوصل الفعل إليه؛ والرفع فيه أجود.
قال الشيخ- وفقه الله-: وكنت قيدت في حين قراءتي "الموطأ" على شيخي الأستاذ العلامة، أبي علي، عن ابن غزلون: أن "الخمسين" بالنصب في أصل أبي الوليد؛ فالصواب: "الخمسون" على الحكاية. وقال ابن السيد: والوجه: رفع المال، ونصب "الخمسين" ورفع "الخمسين" ونصب المال؛ كما يقال: أعطي زيد درهمًا، وأعطي درهم زيدًا. قال: وأما من رواه برفع المال، وروى "الخمسون" بالواو فليس له وجه، إلا أن يكون على معنى
[ ١ / ١٢٥ ]
الحكاية؛ كأن ذلك المال سمي الخمسون.
[ ١ / ١٢٦ ]