- "الفيح" [٢٧]: سطوع الحر في شدة القيظ وانتشاره. وأصله في كلامهم: السعة؛ ومنه قولهم: أرض فيحاءُ، أي: واسعةٌ كذلك قال صاحب "العين" وغيره من أهل العلم بلسان العرب.
- وقوله: "أبردوا عن الصلاة" كلامٌ قلقٌ في الظاهر، ونظامه البين: أبردوا الصلاة، يقال: أبرد الرجل؛ إذا دخل زمان البرد، أو مكانه، ولكنه
[ ١ / ٣٣ ]
مجازٌ عبر فيه بأحد قسمي المجاز، وهو التسبيب، حسب ما يبين في الأصول، فكنى عن الشيء بثمرته؛ وهو التأخير، وكأنه قال، تأخروا عن الصلاة، صيانةً لها عن أن يُراد بها التأخير لفظًا، فكيف فعلًا؟ وقد قال ﵇ لعمر: "أخر عني يا عمر" يعني: نفسه.
- وقوله: "اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب:، أكل بعضي بعضًا". حمله جماعةٌ: على الحقيقة، وحمله جماعةٌ: على المجاز. فالذين حملوه على الحقيقة قالوا: أنطقها الله الذي أنطق كل شيءٍ، وأنطق في القيامة الأيدي، والأرجل، والجلود، وأخبر عن شهادتها، وأخبر في الدنيا عن النمل بقولها، وعن الجبال بتسبيحها، فقال [تعالى]: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سبحي معه؛ و[بقوله تعالى]: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، و[بقوله تعالى]: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾
[ ١ / ٣٤ ]
و[بقوله تعالى]: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ و[بقوله تعالى]: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. وقيل [الجلود هنا]: الفروج كنى عنها بالجلود، وقال [تعالى]- عن جهنم-: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، وقال [تعالى]- عنها-: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، وقال [تعالى]- عن السماء والأرض-: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وهو في القرآن كثيرٌ، وفي الحديث: أن النبي ﷺ قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا، قالوا: يا رسول الله، أو لجهنم عينان؟ قال: أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، وفي الخبر الصحيح- عن يوم القيامة-: "فيخرج عنقٌ من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم" يعني يفصلهم عن الخلق في المعرفة، كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة. وحملوا بكاء السماء والأرض، وانفطار السماء، وانشقاق الأرض، وهبوط الحجارة من خشية الله، كل ذلك، وما كان مثله على الحقيقة، وكذلك إرادة الجدار الانقضاض.
[ ١ / ٣٥ ]
واحتجوا على صحة ما ذهبوا إليه من الحقيقة في ذلك بقوله تعالى: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾، وبقوله [تعالى]: ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾.
وأما الذين حملوا ذلك كله، وما كان مثله على المجاز؛ فقالوا: أما قوله [تعالى]: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، و[قوله تعالى]: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ فهذا تعظيمٌ من الله تعالى لشأنها. وقالوا: وقول النبي ﷺ: "اشتكت النار إلى ربها": من باب قول عنترة في فرسه:
* وشكا إلي بعبرةٍ ونحمحم*
وقول الآخر:
[ ١ / ٣٦ ]
شكا إلي جملي طول السرى صبرًا جميلًا فكلانا مبتلى
فهذا مجازٌ.
قالوا: وكذلك القول والنطق في ذلك كله مجازٌ، كقول الأعرابي:
امتلأ الحوض وقال: قطني
مهلًا رويدًا قد ملأت بطني
وكقول ذي الرمة:
فقالت لي العينان سمعًا وطاعةً وحدرتا مثل الجمان المنظم
[ ١ / ٣٧ ]
وكقول الحارثي:
يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل
وقال غيره:
رب قومٍ غيروا من عيشهم في نعيمٍ وسرورٍ وغدق
سكت الدهر زمانًا عنهم ثم أبكاهم دمًا حين نطق
وقال غ يره:
وعظتك أحداثٌ صمت ونعتك أزمنةٌ خفت
وتكلمت عن أوجهٍ تبلى وعن صورٍ سبت
وأرتك قبرك في القبو ر وأنت حيٌّ لم تمت
وهذا كثيرٌ في أشعارهم، ٤/ ب وقالوا: هذا كله على المجاز والتمثيل،
[ ١ / ٣٨ ]
والمعنى في ذلك: أنها لو كانت ممن ينطق لكان نطقها هذا وفعلها، وذكروا قول حسان:
لوان اللؤم ينسب كان عبدًا قبيح الوجه أعور من ثقيف
وسئل أبو العباس محمد بن يزيد النحوي عن قول الملك: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ وهم الملائكة لا أزواج لهم، فقال: نحن طول النهار نفعل مثل هذا، نقول: ضرب زيدٌ عمرًا، وإنما هذا تقديريٌ؛ كأن المعنى إذا وقع فكيف الحكم فيه؟ وذكروا قول عدي بن زيدٍ العبادي للنعمان بن المندر: أتدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول:
رب ركبٍ قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال