- "الاستطابة" [٢٧]: هي الاستجمار والتنظيف، وإزالة الأذى عن المخرج بالأحجار أو بالماء؛ مأخوذٌ من التطيب، يقال منه: استطاب الرجل وأطاب: إذا استنجى، ويقال: رجلٌ مطيبٌ: إذا فعل ذلك، قال الأعشى:
يا رخمًا قاظ على مطلوب
يعجل كف الخارئ المطيب
[ ١ / ٥٢ ]
قاظ: أقام في القيظ في اليوم الصائف، والاستطابة والاستجمار: اسمان لمعنىً واحدٍ.
- وقوله: "أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجارٍ؟ " تقدم معنى هذه الواو في الحديث الأول في "أو أن جبريل"؛ وهي عند سيبويه وأصحابه: واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، فأحدثت في الكلام ضربًا من التقرير. وقد تكون للاستفهام الذي لا تقرير فيه، وقد تحدث في الكلام معنى التوبيخ، كقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ وقد تستعمل على وجهين؛ أحدهما: تقرير المخبر عن بعض ما أخبر به. والثاني: عطف كلام المخاطب على كلام المتكلم، وزعم بعض النحويين أن الواو في هذه المواضع زائدةٌ، وزعم بعضهم أنها "أو" حركت واوها، ولا وجه لدخول "أو" هنا.
- وقوله: "خرج إلى المقبرة" [٢٨]. أي: موضع دفن الموتى، قال
[ ١ / ٥٣ ]
الفراء: واحد المقابر مَقْبَرَةٌ، ومَقْبُرَةٌ. وبعض أهل الحجاز يقولون: مقبرةٌ بكسر الباء. وقد سمعت: مشرقةٌ ومَشْرَقَةٌ.
- وقوله: "دار قوم مؤمنين". كنى بالدار عن العمرة لها، وذلك كثيرٌ في فصاحة العرب، تعبر بالمنزل عن أهله.
- وقوله: "إنا إن شاء الله بكم لاحقون" قد تكون "إلا" الاستثناء في الواجبات التي لا بد من وقوعها لغة للعرب، ليس على سبيل الشك، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾، والشك لا سبيل إلى إضافته إلى الله تعالى.
- وقوله: "وأنا فرطهم على الحوض". الفرط: المتقدم الماشي من أمامٍ إلى الماء، قاله أبو عبيدٍ وغيره [قال ابن وهبٍ: أي: أنا أمامهم وهم
[ ١ / ٥٤ ]
ورائي يتبعوني، واستشهد أبو عبيدٍ] بقول الشاعر:
فأثار فارطهم غطاطًا جثمًا أصواته كتراطن الفرس
وقال القطامي:
واستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجل فراطٌ لوراد
وقال لبيدٌ:
فوردنا قبل فراطٍ القطا إن من وردى ٦/أ/ تغليس النهل
ويقال: فرطت القوم؛ إذا قدمتهم لترتاد لهم الماء، وتهيء لهم الرشاء، وافترط فلانٌ ابنًا، أي: تقدم له ابنٌ، وفي حديث أنس: "أن النبي ﷺ وضع ابنه إبراهيم في حجره، وهو يجود بنفسه، فقال: لولا أنه موعد صدقٍ، ووعدٌ جامعٌ، وأن الماضي فرط الباقي". وقال ابن هرمة:
ذهب الذين أحبهم فرطًا وبقيت كالمقبور في خلف
ومن كل مطوي على حنق متكلفٍ يكفى ولا يكفي
[ ١ / ٥٥ ]
وقال غيره:
ومنهلٍ وردته التقاطًا
لم ألق إذ وردته فرطا
إلا القطا أوابدًا غطاطا
الأوابد: الطير التي لا تبرح شتاءً ولا صيفًا من بلدانها، والقواطع: التي تقطع من بلدٍ إلى بلد في زمنٍ بعد زمنٍ. والأوابد - أيضًا-: الإبل إذا توحش منها شيءٌ، والأوابد أيضًا: الدواهي واحدتها آبدة، [يقال منه: جاء فلانٌ بآبدة]. وقال الخليل: الغطاط: طيرٌ يشبه القطا.
[ ١ / ٥٦ ]
- ومعنى: "فليذادن": يبعدن ويطردن، قال زهيرٌ:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وقال الراجز:
يا أخوي نهنها أو ذودا
إني أرى حوضكما مورودا
- وقوله: "فلا يذادن" على النهي، أي: لا يفعل أحدٌ فعلًا يكون سبب طرده عن حوضي.
- وقوله: "غرا محجلين". الغرة: بياضٌ في الوجه، وأصله في الجبهة للفرس فهو الدرهم، والتحجيل في اليدين والرجلين.
- وقوله: "في خيلٍ دهمٍ بهمٍ". أصل الدهمة: السواد؛ ومنه الأدهم من الخيل، والبهيم اللون الواحد لا شية فيها، ومنه الحديث: "يحشر الناس يوم
[ ١ / ٥٧ ]
القيامة عراةً حفاةً بهمًا" يقول: ليس فيهم شيءٌ من العاهات والأعراض التي تكون في الدنيا، من العمى والعرج وغيره، وإنما هي أجسادٌ مصححةٌ؛ لخلود الأبد، والبهيم يوصف به الحيوان والليل.
- وقوله: "ألا هلم" هذا على اللغة الحجازية الفصيحة، لا يلحقون "هلم" ضمير الاثنين ولا الجماعة ولا المؤنث، ويدعونها مفردةً؛ لأنها مركبةٌ من كلمتين، وهما "ها" التي للتنبيه، و"لم" التي للأمر، فغلب عليها معنى الحرف، قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. وبنو تميمٍ يلحقونها الضمير، فيجرونها مجرى الفعل.
- وأما قوله: "فسحقًا" فمعناه: فبعدًا، والسحق والبعد، والإسحاق والإبعاد، والسحيق، والبعيد سواء، وكذلك النأي والبُعد [لفظتان] بمعنى واحدٍ، إلا أن سحقًا وبعدًا هكذا إنما يجيء بمعنى الدعاء [على الإنسان] كما يقال:
[ ١ / ٥٨ ]
أبعده الله، وقاتله الله، ومحقه الله، وأسحقه الله أيضًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.
- وقوله في الحديث الآخر: "جلس على المقاعد" [٢٩]. المقاعد: موضعٌ عند باب المسجد بالمدينة. وقال [ابن] حبيبٍ: قال مالكٌ: المقاعدُ؛ الدكاكين عند دار عثمان.
وقال الداودي: هو الدرج، [وقيل] بل كانت حجارةً بقرب دار عثمان يقعد عليها مع الناس؛ وكل مكانٍ قعد فيه يقال: مقعدٌ، أي شيءٍ كان، فإن كان يقام فيه على الأقدام يقال له: مقامٌ، وجمعه مقاوم، وقد يقال
[ ١ / ٥٩ ]
للمقام مقعدٌ- أيضًا- قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾.
- وقوله: "فآذنه بصلاة العصر" أي: أعلمه.
- وقوله: "وزلفًا من الليل" هي الساعات، واحدتها: زلفةٌ، سميت بذلك لأن بعضها يقرب من بعضٍ، من قولك: أزلفت إليه، إذا قربت منه، ومنه: الزلفى إلى الله، أي: القربى والوسيلة، ومنه اشتقاق المزدلفة.
وقوله في الحديث الآخر: "من تحت أشفار عينيه" [٣٠]. الأشفار: حروف الأجفان وأطرافها، التي ينبت عليها الشعر، واحدها: شفرٌ وشفرٌ. هذا هو الأصل. وشفر كل شيءٍ: حرفه، وكذلك شفيره. ومنه؛ قيل: شفر الرحم، وشفير الوادي. وقد يُسمى الشعر النابت على الشفر شفرًا بمنبته، على مذهب العرب في تسميتهم الشيء باسم الشيء إذا كان منه بسببٍ، كقولهم ٦/ب/ للمرأة: ظعينةٌ، وإنما [الظعينة] هو الهودج الذي يُظعن بها فيه. وقيل: بل الظعينة: المرأة المظعون بها، ويسمى الهودج باسمها، فالظاهر منه حديث
[ ١ / ٦٠ ]
الصنابحي: أنه أراد بالأشفار الشعر، لا حروف الأجفان.
- وقوله في الحديث الآخر: "إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله" [٣٥] فيه استعمال الشرب في كل حيوانٍ، وفي كل ألفاظ هذا الحديث سوى هذا: "إذا ولغ الكلب" هو المشهور في اللغة وقد تقدم أن الوضوء بالفتح: الماء، وبالضم: المصدر. والعرب تسمي الشيء باسم ما قرب منه، فلذلك يسمى الماء: وضوءًا.
- وقوله: "رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر" [٣٢]. المعنى: وقد حانت، ولا بد من تقدير "قد" هنا؛ لأن الجملة في موضع الحال، والماضي لا يصلح أن يقع حالًا إلا أن يكون معه "قد" مظهرةً أو مضمرةً، ولهذا قيل- في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ -: أن المعنى: قد حصرت.
[ ١ / ٦١ ]
- "الخطوة" [٣٣]. - بفتح الخاء وضمها-: المصدر؛ من خطوت؛ وهي المرة الواحدة؛ من الخطو. وفرق الفراء بينهما، فقال: الخطوة- بالفتح- المصدر، - وبالضم-: ما بين القدمين.
و"السعي": في الكلام: المشي سريعًا [أو غير سريعٍ]. وقول عمر: وهذا وامضوا إلى ذكر الله، لو قال: فاسعوا لسعيت، حتى يسقط ردائي، يمكن أن تكون لغة عمر وقومه؛ لأن العرب تختلف لغاتهم.
- وقوله: "استقيموا ولن تحصوا". الإحصاء- هنا- بمعنى القدرة والطاقة، كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، وقوله: "من أحصاها دخل الجنة" وحقيقة الإحصاء: إحاطة العلم بالشيء، حتى لا يشذ عنه منه شيءٌ؛ وذلك مما يشق ويتعذر في أكثر الأمور، فضرب مثلًا في عدم الطاقة والعجز عن الشيء.