قوله: "وهو قائم يصلي" [١٥]. يحتمل القيام المعروف، ويحتمل أن تكون المواظبة على الشيء، لا الوقوف، من قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي: مواظبًا، قال الأعشى:
يقوم على الوغم من قومه فيعفوا إذا شاء أو ينتقم
لم يرد بـ "يقوم" ههنا: الوقوف/ ١٤/أ، إنما أراد المطالبة بالذحل، والمطالبة على طلب الوتر حتى يدركه.
وقوله: "أشار رسول الله ﷺ بيده يقللها". أي: يصغر مدتها، وإن كانت في ذاتها عظيمة المقدار. والقلة تتصرف في كلام العرب على أربعة معان:
أحدها: ضد الكثرة، كقوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾.
والثاني: أن تكون بمعنى الحقارة والصغر، وتكون الكثرة بمعنى الجلالة والعظم.
[ ١ / ١٣٤ ]
والثالث: أن تكون بمعنى الفقر، يقال: هو يشكو القلة.
والرابع: أن تكون بمعنى النفي، يقال: قل رجل يقول كذا إلا زيد، أي: ما يقول ذلك إلا زيد.
وقوله: "وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة" فالإصاخة: الاستماع، وهو ههنا: استماع حذر وإشفاق، خشية الفجاءة والبغتة، وأصله الاستماع، قال الأعشى:
وحديثها كالقطر يسمعه راعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيًا ويقول من فرح أياربا
وقال أمية بن أبي الصلت:
وهم عند ربي ينظرون قضاءه يصيخون بالأسماع للوحي ركد
وقال غيره- يصف ثورًا بريًا يستمع صوت قانص-:
ويصيخ أحيانًا كما استـ ـمع المضل لصوت ناشد
وقال غيره:
[ ١ / ١٣٥ ]
كم من مصيخ إلى أوتار غانية ناحت عليه وقد كانت تغنيه
والمضل: الذي أضل شيئًا، والناشد: الطالب. يقال منه: نشدت الناقة أنشدها: إذا طلبتها، والمنشد: المعرف بالضالة، وقيل: الدال عليها، والمعنى متقارب. وإن جعلت الواو في قوله: "إلا وهي مصيخة" زائدة، على مذهب من يجيز زيادتها، كانت الجملة في موضع خبر المبتدأ، وعلى مذهب من لا يجيز زيادتها، هي مسألة من العربية مشكلة؛ لأن قوله: "من دابة" مجرور في موضع رفع بالابتداء، فإن جعلت قوله: "وهي مصيخة" في موضع خبره كان خطأ؛ لأن الجمل الواقعة موقع خبر المبتدأ لا يجوز دخول الواو عليها، وإن جعلتها في موضع الحال بقي المبتدأ بغير خبر، ولم يكن في الكلام عامل يعمل في الحال.
والوجه في ذلك: أن تجعل خبر المبتدأ محذوفًا، والجملة التي بعد "إلا" في موضع نصب على الحال من الضمير الذي في الخبر، ويكون الخبر المقدر هو العامل في هذه الحال. وكأنه قال: ما من دابة موجودة إلا وهي مصيخة.
و"التوراة": مشتقة من ورى الزند يري؛ إذا خرجت منه النار؛ لأنها نور، ووزنها عند البصريين: فوعلة، والتاء بدل من واو وأصلها: وورية، ووزنها عند الكوفيين: تفعلة، والتاء عندهم زائدة، والألف منها منقلبة عن ياء.
[ ١ / ١٣٦ ]
و"إيلياء": اسم بيت المقدس، ويمد ويقصر، ويكسر همز أوله ويفتح، ففيه إذًا أربع لغات.
وقوله: "إلا الجن والإنس" استثنى هذين النوعين من كل دابة؛ فهو استثناء من الجنس؛ لأن اسم الدابة واقع على كل ما دب ودرج.
وقول عبد الله بن سلام: "كذب كعب". يعني أنه أخبر بالشيء على غير ما هو به، سواء إن تعمد ذلك أو لم يتعمده. وقال بعض الناس: الكذب: إنما هو أن يتعمد الإخبار عن المخبر عنه على ما ليس به، وليس ذلك بصحيح. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى ﴾ إلى قوله: ﴿كَاذِبِينَ (٣٩) ﴾، فأخبر أنهم يعلمون إذا بعثوا بعد الموت أنهم كانوا كاذبين في قولهم: ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾؛ وإن كانوا في حال قولهم ذلك يعتقدون أنهم صادقون. ففي الحديث: [كذب كعب أي:] غلط كعب، وذلك معروف للعرب في أشعارها، ومخاطباتها؛ فمن ذلك قول
[ ١ / ١٣٧ ]
أبي طالب:
كذبتم- وبيت الله- يبزى محمد ولما نقاتل دونه وتناضل
يبزى: يسلب ويغلب عليه، فهذا من باب الغلط فيما يظن، لا [من] باب الكذب ضد الصدق، ومثله قول زفر بن الحارث الكلابي:
كذبتم- وبيت الله- لا تقتلونهم ولما يكن يوم أغر محجل
وقال بعض الشعراء من همدان:
[ ١ / ١٣٨ ]
كذبتم- وبيت الله- لا تأخذونها مراغمة ما دام للسيف قائم
١٤/ب/ ومثل هذا قول عبادة: كذب أبو محمد.
و"الطور": اسم جبل، وهو واقع في كلام العرب على كل جبل، إلا في الشرع: يطلق على جبل بعينه؛ وهو الذي كلم فيه موسى ﵇؛ وهو الذي عناه أبو هريرة.
وقول أبي هريرة: "أخبرني بها ولا تضن علي" بمعنى لا تبخل علي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)﴾ أي: ببخيل، ومن قرأ: ﴿بظنين﴾ بالظاء مشالة، أي: بمتهم.